أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي - سلامة كيلة - الماركسية و أفق البديل الإشتراكي: الماركسية في أزمة؟















المزيد.....


الماركسية و أفق البديل الإشتراكي: الماركسية في أزمة؟


سلامة كيلة
الحوار المتمدن-العدد: 1215 - 2005 / 6 / 1 - 13:25
المحور: ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي
    


قبل إنهيار المنظومة الإشتراكية كانت تسوّق الماركسية كونها النظرية مطلقة الصحة، و كونها مالكة الحقيقة المطلقة كذلك. و كانت تعمّم على شكل مبسّطات و يروّج لها في شكل إعلاميٍّ ضخم. لهذا لم تكن مطروحة للمساءلة في الإطار الشيوعي العام، و لا كان مقبولاً القول بأنها في أزمة، كما لم يكن تعبير " التجديد " أو إعادة الصياغة يلقيا صدىً، أو يرحّب بهما. حيث ستكون الماركسية فوق النقاش و الإنتقاد و المساءلة، كما ستكون " فوق " القراءة كذلك. لقد كانت تعبيرات و كلمات و جمل " إنشائية "، تُكرّر لتبرير موقف أو لدعم فكرة. و بالتالي كان الطابع الصحفي هو الذي يقولب نظرية كبيرة كالماركسية، لتتحوّل إلى بضع مواقف تكتيكية.
هذا الوضع كان يشعر بالعقم قبل إنهيار المنظومة الإشتراكية، و يوحي بعجز الماركسية عن وعي الواقع و تأسيس تصوّرها لتغييره. لقد بدت الإشتراكية المتحقّقة في الواقع كمثال يجري النسج على منواله، أو يؤشّر عليه لتأكيد ضرورة الإشتراكية. و بالتالي قاد غياب " القراءة " ( و بالتالي الوعي ) إلى إستخدام نظام الإشارة كمدخل لتغيير العالم. و لهذا حينما غارت الإشتراكية تلك عميقاً و إختفت، ضاعت البوصلة، أو إنقلبت إلى ما هو قائم و " راسخ"، أي إلى الرأسمالية، التي بدت هي البديل الوحيد. فالتأشير هو الممكن الوحيد لدى قطاعات تعاملت مع الماركسية بخفّة و قدسيّة و نصّية، و تبعت الشكل ( أي الدولة الإشتراكية القائمة ) و الكلمات.
هذا الوضع كان يشير إلى أزمة في الماركسية ( أو أزمة الماركسية )، و إلى أمجاد الماركسية و الإشتراكية في الآن ذاته. و كان الصوت الذي ينبّه إلى الأزمة ملجوماً و محاصراً، لأن قوّة الدعاية السوفييتية مدعومة بقوّة الدولة السوفييتية، كانت كافية لخنق كل متمرّد أو منبّهٍ، و إلى شلّ كل محاولة للبحث و الإنتقاد و النقاش في مشكلات الماركسية و التجربة الإشتراكية. في الخمسينات و الستينات من القرن العشرين، نهض أكثر من مفكّر أوروبيّ للبحث في " أزمة الماركسية الراهنة " كما فعل هنري لوفيفر في فرنسا، أو البحث في أزمة التجربة الإشتراكية كما فعل جورج لوكاش في كتابه " البديل الحقيقي "، و عشرات آخرين تناولوا هذا أو ذاك من المسائل أو الإثنين معاً. لكن موجة " الماركسية اللينينية " كانت تكتسح الجميع، ليس نتيجة قوّة المنطق بل نتيجة منطق القوّة. حيث دافعت " الماركسية السوفييتية " عن وجودها بكل الأساليب القذرة، القائمة على التشكيك و التخوين و التحريم و النبذ. و ليس على الحوار و النقد و التفنيد و المساجلة كما كان يفعل لينين مثلاً. و بهذا كان ينقسم العالم إلى مع و ضد، ماركسيون و خونة.
لهذا جاء إنهيار المنظومة الإشتراكية ليُظهر الأزمة على حقيقتها. و ليؤسّس لردّةٍ هائلة طالت كل الذين كانوا يرفضون أي إنتقاد للماركسية و للتجربة الإشتراكية، قادتهم إلى التخلّي الكامل ( أو الجزئي ) عن الماركسية. و إلى علوّ صوتهم في نقد الماركسية و الإشتراكية، و إعتبار أنهما باتتا من الماضي. و بدا أن الماركسية تتلاشى، أو تتبخّر. و أن الإشتراكية وهم، أو هو حلم بعيد المنال. و بالتالي عادت الرأسمالية هي حلم المستقبل بعد أن كانت تساوي الرذيلة. أو هكذا كانت تصوّر رغم أن الماركسية الرائجة التي أنبتت كل هؤلاء كانت تتعشّق الرأسمالية، و تقتفي ذيلها. و كانت أزمتها في هذه المسألة بالذات فيما يتعلّق بالواقع.
إذن، أشّر الإنهيار إلى عمق الأزمة، بغض النظر عمن يهرب من هذه الحقيقة و يميل إلى تكرار ما قد إنتهى. هل هي أزمة الماركسية ذاتها؟ أم هي أزمة الحركة السياسية التي إلتزمتها؟ ببساطة هي أزمة الماركسية مادامت لم تنظّر الواقع، و أزمة الحركة السياسية لأن التنظير هو مهمة البشر العاملين في الحقل السياسي. بمعنى أن الأزمة أكبر من أن نختصرها في " فشل التطبيق " كما هو رائج لدى بعض القطاعات الشيوعية، لأن الماركسية ليست مشروعاً سياسياً فقط ، بل هي " فلسفة " بالأساس.
و بالتالي، و لكي نقارب المسألة هذه من الضروري الإشارة إلى المعنى العام للماركسية، أو الصيغة التي تُفهم من خلالها لدى التيارات الماركسية المختلفة، لأنها تشير إلى الأزمة كما يمكن أن تكون مدخلاً لتفسيرها. حيث سنلمس هنا أوّلاً: التحديد الذي يقول بأن الماركسية هي " نظرية الطبقة العاملة "، لتكون صيغة مكتملة تبلورت مع ماركس و إنجلز و لينين ، و ربما أيضاً مع تروتسكي، أو ماو تسي تونغ، أو كذلك ستالين . و لقد إكتملت بفعل واحدٍ من هؤلاء بعد أن أكمل ما بدأ به ماركس/ إنجلز و لينين. و ثانياً: هي الإشتراكية أو الشيوعية، أي حلم البشرية في التحرّر و الإنعتاق النهائيين. و ثالثاً: هي ضد الرأسمالية، أو هي فكر الحداثة. و بالتالي فقد باتت تعرّف على أساس الطبقة أو الهدف، و هي في كلا الحالين تُصوّر كنظرية مكتملة. كنصّ متكامل يجيب على كل أسئلة الواقع، و يرسم مساراته، و يحدِّد دور " المناضلين " فيها بكل دقة. هنا الماركسية نظرية، و هي نظرية قد أُنتجت و باتت تحتاج إلى " التطبيق ". ليتحدَّد دور " المناضلين " في " إبداع " الأساليب الكفيلة بذلك. إنهم إذن، عمليين و ممارسين و ليسوا مفكرين و منظرين و " هواة ثقافة ".
لكن، يمكن النظر إلى الماركسية من زاوية أخرى، هي خلاصة التصوّر السابق ربما، حيث يُنظر إليها كأيديولوجيا، بمعنى أنها الوعي الذي يخصّ الطبقة العاملة، أُنتجت و باتت الطبقة العاملة في كل زمان و مكان خاضعة لهذا الوعي. الأمر الذي جعلها عقيدة مطلقة مادام الوعي يخضع للتحوّل الدائم كما يخضع لتغيّر المكان و الظرف. و هنا يكون المقابل هو إعتبار أنها " نظام معرفيّ " يؤسّس لنشوء النظرية و الأيديولوجيا لأنه يقوم على وعي الواقع في صيرورته، و بالتالي يكون الزمان و المكان عنصرين مركزيين فيه، لأنه يبحث في كل واقع و في كل زمن. و هنا تكون الماركسية " نظرية " غير قابلة للإنغلاق لأنها تعيد صياغة الواقع في حركته المستمرّة، و لتنتج وعي الطبقة العاملة في كل لحظة و مكان، و كذلك لتفرض إعادة صياغة التصوّر السياسي كلما فرض الواقع ذلك. ليكون الواقع هو " مقياسها " و ليست هي مقياس الواقع. و إذا كانت هناك مفاهيم " ثابتة " و رؤى مستقرّة، فإنها تبقى خاضعة للواقع ذاته.
لقد إستقرّت الماركسية الرائجة ( على الأقل منذ أواسط ثلاثينات القرن العشرين )، و أصبحت هي الماركسية بالعموم ( أي دون ماركسية أخرى ). لكننا هنا يجب أن نشير إلى أن هذه الماركسية كانت تتوزّع على ثلاث: الماركسية السوفييتية و التروتسكية و الماوية. و إذا كانت الماركسية السوفييتية قد إنبنت على مجد اللينينية، فإن التروتسكية و الماوية كانتا محاولة لإعادة صياغة الماركسية وفق ظروف محدَّدة، إستطاعت الثانية أن تُنتج ماركسية أفضت إلى تغيير عميق في وضع الصين رغم أنها عادت إلى الإنغلاق، لكن الأولى لم تستطع سوى التعبير عن رفض للمشروع الستاليني. أما لحظات غرامشي و لوكاش و آخرين فقد ظلّت مركونة في الظلّ، و كانت مجال تجاهل أو رفض التيارات الأخرى، رغم أهميتها المنهجية و المعرفية.
و هذه الماركسيات إنبنت على أساس أن الماركسية هي " نظرية الطبقة العاملة " و أنها صنو الإشتراكية، و بالتالي لم تلتفت إلى الجانب المعرفي ( الفلسفي ) في الماركسية. مما جعلها تفرض على الواقع تصوّرات كان قد تجاوزها، أو هو لم يصبح بعد مهيأ لها. و كان التشبّث بالأفكار نابع من أنها أفكار ماركس و إنجلز و لينين ( أو ستالين و ماو تسي تونغ و تروتسكي )، دون النظر إلى واقعيتها. حيث يُكتفى بأنها نتاج هؤلاء لتأكيد صحّتها و صدقيتها، و بالتالي " القتال " من أجل تحقيقها. خصوصاً و أنها مطلقة الصحة و تعبّر عن الواقع مادامت هي نتاج هؤلاء. لقد بدت الماركسية كصيغة جاهزة، ليست بحاجة إلى زيادة أو نقصان بل هي بحاجة إلى تطبيق. و بالتالي تحدَّد دور " العقل " في كيفية تطبيقها في الواقع غير المدروس و غير الواضح. من هنا كانت أزمتها، و بالتالي إنكسارها.
سنلمس هنا الإشكال الأوّل الذي يتعلّق بفهم الماركسيين للماركسية، حيث أنها فُهمت كعقيدة و جرى تجاهلها كنظام معرفي ( كمنهجية ). الأمر الذي فرض أن تتكرَّر بنية أيديولوجية كانت نتاج وضع محدَّد، في وضع آخر مختلف بقدرٍ أو بآخر. و أن تصبح هي الحاكم لرؤية الواقع و للأهداف و آليات التغيير أو التوافق. لقد فُهمت الماركسية كنصّ مطلق و مقدّس، و بالتالي لم تصبح " أداة معرفية " تضيء الواقع و تحفر فيه، من أجل تحديد الأهداف و المهمات و آليات التغيير.
الماركسية هنا هي المنهجية بالتحديد، لأنها وحدها الوسيلة التي تضيء الواقع عبر فئة قليلة من المثقفين الماركسيين، الذين تقود دراساتهم إلى بلورة مشروع سياسيّ طويل المدى، يوحّد قطاعات عمّالية و فلاّحية متنوّعة مستوى الوعي. لكن ذلك يفضي لأن يتحوّل المنتوج الفكري الخاص بظرف معيّن و زمن محدَّد و طبقة ملموسة، إلى " نظرية " مكتملة على يد الفئات الغالبة متوسّطة الوعي في العموم. مما يفضي إلى تحوّل النسبي إلى مطلق، عبر تحويل الأفكار الخاصة بظرف إلى أفكار مطلقة. لتصبح هذه " النظرية " قوانين عامة تخضع لمشيئتها كل الأمم.
قلت أن الأزمة التي أصابت الماركسية تتمثّل في أن التصوّرات التي تبلورت خلال نشوء الماركسية، و التي صيغت منذ ستالين كمعبّر عن رؤية الدولة السوفييتية، أصبحت هي " النظرية الماركسية اللينينية " التي يجب أن تُطبَّق في كل أرجاء العالم. كذلك فيما يتعلّق بالتروتسكية و الماوية. كما حدث لتصوّرات ماركس التي أصبحت هي الماركسية على يد الأممية الثانية، و غدت هي النظرية التي يجب أن تحكم العالم.
و في إطار فهمنا للماركسية، يمكن أن نلحظ بأنها بما هي نظام معرفيّ ( منهجية )، ستقود – عبر مثقفين – إلى وعي الواقع، و بالتالي صياغة المشروع السياسي المطابق و المعبّر عن الطبقة العاملة ( و قطاعات طبقية أخرى )، و يطرح " حلمها " الإشتراكي، أو التحديثي التطويري. و من ثَمّ تتحوّل إلى " أيديولوجيا الطبقة العاملة "، و بالتالي إلى عقيدة تلغي ممكنات النظام المعرفي ذاته، لأن النصّ يجبّ " الآلة " ( أي المنهجية )، و حيث قوّة السياسة تنفي قوّة الفكر. هنا تدخل الماركسية في أزمة، لأنها تتحوّل إلى " نظرية " ( أو كتاب مقدّس )، و تبدأ رحلة الإغتراب عن الواقع، الذي لا يني يتغيّر و يتحوّل بشكل مستمرّ، و يختلف من مكان إلى آخر و من لحظة إلى أخرى. و يصبح الفكر عبئاً على الواقع لأنه يعمل على تطويعه، بينما الواقع هو الذي يُنتج الفكر، و يطرح الإجابات على الأسئلة التي يوجدها، الأمر الذي يجعل أي إجابات أخرى نافلة.
هنا نلمس الوضع الذي كان يحكم الماركسيين، حيث بدوا كرسل يحملون أفكاراً و يسعون لتطويع الواقع كي يقبلها، الأمر الذي أبان عن إرادويّة فظّة، ترافقت مع عفويّة مذهلة.
الأزمة هنا تمثّلت في تغييب وعي الواقع، و بالتالي الإنطلاق من تصوّرات مسبقة يُعتقد أنها مطابقة لهذا الواقع. لهذا سنشير إلى " ضحالة " الوعي النظري في الغالب، و إلى تغييب البحث في الواقع، و هذا هو مدخل العفوية. إذن، كانت هناك " أحلام جميلة " إعتقد الماركسيون أنها مناسبة للواقع، لكنها عبّرت عن هاجس فئات إجتماعية أكثر من تعبيرها عن الصيرورة الواقعية، أي عن المهمات الواقعية التي يفترض تحقّقها تحقيق التطوّر. ربما كان بعض ما طُرح صحيح و ضروري، لكنه لم يكن مؤسَّساً على رؤية واقعية، و لم يربط بالمهمات الواقعية ذاتها.
الأزمة هنا كانت في غياب الماركسية كنظام معرفي و أداة تحليل و بحث. و هذه أزمة الماركسيين و محنتهم. لهذا لم تتأسَّس الأيديولوجيا المطابقة للطبقة العاملة في الوطن العربي، بل تعمّمت أيديولوجيا زائفة فصلت بين الطبقة ( و الطبقات الشعبية الأخرى ) و الحركة الشيوعية. و حوّلت الشيوعيين للركض خلف طبقة هزيلة هي البرجوازية، في إطار تصوّر يقوم على تحقيق إنتصار هذه البرجوازية التي كانت تتكيّف مع الرأسمال الإمبريالي و تتحوّل إلى هامش في ذيله، و هي لا تني تفعل ذلك.
و السؤال الضروري هنا هو: كيف يمكن وعي الماركسية كنظام معرفي كمقدّمة لكي تكون " الأداة المنهجية " التي عبرها يمكن وعي الواقع؟ ربما يكون هذا السؤال سؤال تعليميّ رغم أهميته، لأنه يشير إلى القراءة كما إلى الوعي الفلسفي. لكن دون الإجابة عليه ليس من الممكن الإنتقال إلى وعي الواقع. و إذا كان في الماركسية مفاهيم و مقولات و تحديدات و " أهداف " أخرى، و هي ضرورية على كل حال، فإن البدء من المنهجية مسألة حاسمة من أجل أن تتحوّل الماركسية إلى نظام معرفيّ يسهم في وعي الواقع. و يمكن عبر ذلك الإفادة من تلك المفاهيم و المقولات و التحديدات، و كذلك تحديد موقع " الهدف النهائي ".
الماركسية ليست قوانين و مقولات و نظرية مكتملة، لأنها بالأساس طريقة في التفكير تقود ( كما قادت ) إلى بلورة تصوّرات حول الواقع في لحظة محدَّد و مكان معيّن، و إن كانت تعتقد أنها أحاطت بما هو عالمي و ما هو " نهائي " و " تام ". إنها طريقة وعي الصيرورة الواقعية بالإستناد إلى الجدل المادي الذي هو محورها. و بالتالي فهي تفترض إعادة الصياغة المستمرّة مادامت ترتبط بوعي الصيرورة التي هي متغيّرة. و من هذا المنطلق فإن الماركسية في أزمة مادام لم يعاد إنتاجها في الظروف العالمية و المحلية الجديدة، و ظلّت تُكرَّر ك" قوانين " و تصوّرات أُنتجت في ظرف و مكان معيّنين.
لكن هنا تُطرح إشكالية النظام المعرفي، التي هي الإشكال الثاني، و المتمثّل في أن المنهجية الماركسية ليست مبسّطة، و لا يمكن إبتسارها في " بضع قوانين "، كما أنها ليست منغلقة بل تخضع لنتائج تطوّر العلم، و تستمدّ من هذا التطوّر آليات جديدة تزيد من فاعليتها. و هذه مسألة كبيرة، حيث أن الإمساك بالنظام المعرفي الماركسي ليس بسهولة الإمساك بمنطق أرسطو مثلاً، لأنه لم يتبلور في شكل " نهائي " و " مكتمل "، و بالتالي لم يحظَ من البحث بما يستحقّ، و لم يُكتب حوله إلا القليل و ظلّت كتابات هيغل هي " المرجع الأفضل " حول الجدل. طبعاً دون أن نتجاهل الكثير من المحاولات في هذا المجال، و منها كتابات إنجلز و ملاحظات لينين و بعض كراريس ماو تسي تونغ، و ربما بعض إسهامات لوكاش و لوفيفر. و أيضاً ربما بعض محاولات في الإتحاد السوفييتي.
لكن سيواجه كل باحث في الماركسية أنه بحاجة إلى أن يبلور " منطقه " الخاص عبر قراءة كتابات مفكري الماركسية، مستنداً إلى كل تلك الكتابات و الملاحظات، و لكن مستنداً أكثر على كتابات هيغل. بمعنى أن تبلور المنهجية الماركسية من خلال البحث في الماركسية، و الذي هو المدخل لإمتلاك المقدرة على البحث في الواقع، يفرض إعادة صياغة الجدل المادي، من خلال دراسة كل المجهودات الأخرى، الأمر الذي يفضي إلى أن تتبلور المنهجية و يصبح ممكناً ، ربما، أن تتحدَّد و أن تصبح قابلة للصياغة بشكل مكتمل. لقد جرت محاولات في هذا المجال لكنها كانت تبدو و كأنها تبتسر الجدل المادي، و تصيغه في إطار مبسّط كان يسهم في تغذية الفشل في أن يكون أداة تحليل، لأنه كان يبدو مقحماً على الواقع، و بالتالي كان يبتسر الواقع كذلك شاطباً كل غناه و تنوّعه و حركيته و تعدُّده. و مقلِّصاً إيّاه إلى عناصر سطحيّة، و بالتالي معيداً قصور المنطق الصوري بدل أن يكون إنتقالاً به إلى الكينونة و الفاعلية.
إذن، كانت تشير المحاولات السابقة لصياغة المنهجية الماركسية إلى أن ذلك أكثر تعقيداً مما سيبدو، و أن إستمرار البحث ضروريّ في هذا المجال. و ربما تكون التجربة أساسية هنا، و تكون محاولات الوعي المتتالي للواقع هي المدخل للوصول إلى صياغة منطقيّة للجدل المادي تسمح لأن تكون قابلة للتعميم. أنا هنا أقول أن وعي الواقع الذي يفترض وعي الجدل المادي، يفرض أن تستمرّ المحاولات من أجل بلورة الجدل المادي ذاته، الذي يبدو – إلى الآن – كشيء غائم أو كمنطق مبسّط. هذه الإشكالية في الماركسية تجعل الميل لعودة " المنطق النصّي " قائمة، كما تقود إلى سيطرة الدوغما والمنطق العقيدي، و طغيان الأيديولوجيا على المعرفة، و الغرق في الشعوذات بدل العلم.
هنا يكون للفلسفة موقعاً أوّلياً، لأنها المدخل لبلورة الجدل المادي الذي يقع في مجال الفلسفة بكل تأكيد. و هذا ما يضفي صعوبة هائلة لدى المعنيين بالممارسة بمعناها السياسي، حيث يطغى العملي، و حيث تنفرض الحاجة إلى التبسيط . لكن دون أن يجري تملّك الفلسفي لن تزيد فاعلية السياسي عما هو عفوي، لأن وعي الواقع هو اللحظة الأولى في صيرورة وعي دور الذات، و بالتالي بلورة البرنامج و التكتيك و الرؤية. و هذا الأمر هو الذي يفرض الربط بين " ثلّة " من المثقفين و الطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء، حيث يتمازج الوعي مع الفعل، و يترابط التصوّر مع الكتلة الفاعلة، في تشكيل منظّم .
و بالتالي، لن يكون ممكناً للماركسية السياسية أن تنتصر دون أن تتأسّس على الفلسفة. و لهذا يجب أن تصاغ المنهجية الماركسية كمدخل و كعملية ممارسة تقود إلى وعي الواقع.
و عملية الصياغة هذه تتداخل مع الإفادة من كل منجزات العلم الحديث، هذه المنجزات التي تغذّي ممكنات وعي الجدل المادي ذاته و بالتالي ممكنات صياغته. و هنا سيكون واضحاً أن المنهجية الماركسية ليست منغلقة أو مكتملة، و هي دائمة الإغتناء من الواقع، و بالتالي دائمة الصياغة. و رغم تعقيد ذلك، إلا أنه يجعل الماركسية منفتحة و في صيرورة من النفي و إعادة الصياغة، و من التلاشي و إعادة البناء، و أيضاً من الإنغلاق و إعادة النهوض. و بالتالي ليس من الممكن أن تتحوّل إلى " كتاب مقدّس "، أو " نظرية مكتملة " في كل الأحوال. و هذا ما يبقي عنصر التوتر كامناً فيها، و ملاصقاً لكينونتها. و يُبقي مسألة " الأزمة " متكرِّرة في كل الظروف. لكن دون أن يعني ذلك أنها لا تستطيع أن تتجاوز " أزمتها "، بل يعني أنها دائمة التفاعل مع الواقع، و بالتالي ليس من الممكن أن ينتهي العنصر العقلي/ الفلسفي فيها، و ليس من الممكن أن تتوصّل إلى نتائج حاسمة في كل الأحوال. لهذا فهي دائمة الصياغة تأسيساً على تغيّر الواقع في المكان و الزمان معاً، و هي دائمة الإغتناء من الواقع كما من التطوّر العلمي و مختلف التجارب.
هذه الإشارات إلى الأزمة لا تتجاهل أن في الماركسية كثير من القوانين و الأفكار الأساسية، و التي هي جزء مكوّن منها. و هي ترتبط بمصلحة طبقية محدَّدة تعبّر عن الطبقة العاملة. و بالتالي تتضمّن " المثال " الذي هو النظام الإقتصادي الإجتماعي السياسي الذي ترى فيه حلاً لمشكلة البشر التاريخية، أي عدم المساواة و الإستغلال و الإغتراب. و هو هنا الإشتراكية. لكن لن يؤسِّس كل ذلك رؤية تقود إلى التغيير و الوصول إلى " الهدف النهائي "، إلا عبر وعي الواقع من أجل وعي آليات تغييره. حيث لن يجري الحديث عن طبقة عاملة مجرّدة بل عن طبقة عاملة محدَّدة في المكان و الزمان، و لن تكون الإشتراكية هي " الهدف المباشر " إلا عبر تحليل الواقع الموضوعي و إستنتاج أنها كذلك، أو بلورة تصوّر آخر يكون هو ذاك " الهدف المباشر ". و كذلك عن تفيد نظريات فائض القيمة و الإفقار المطلق و النسبي، و نظرية صراع الطبقات و التحليل الطبقي، إلا إذا إنبنت على تحليل ملموس لواقع محدَّد. و لن يكون للحزب دوراً حقيقياً إلا إذا تحدَّد دور الذات/ الإرادة في إطار الصيرورة الواقعية.
بمعنى أن المنهجية الماركسية وحدها لن تكون كافية، حيث أن منظومة من المفاهيم و القوانين و التحديدات قد نشأت في الماركسية و كانت ملاصقة للمنهجية ذاتها أو مشتقّة منها، و جاءت كمساعد في إشتغالها. لكن المنهجية هي المحور الذي تنبني عليه تلك المفاهيم و القوانين و التحديدات، و هي " المركز " الذي تترابط حوله.
لهذا كان الإشكال المنهجي أساس كل أزمة الماركسية. و يرتبط بحلّه أفق الإشتراكية. و قبلاً أفق التطوّر و الحداثة اللذين يبدوان كمدخل ضروريّ لأية فكرة تنبني على تحقيق الإشتراكية، في وضع عالميٍّ يتّسم بالإنقسام بين مراكز صناعية إمبريالية و أطراف زراعية مهمّشة، و يتحدَّد مركز التناقض فيها بين شعوب الأطراف و الرأسمالية في المراكز ( و أذيالها في الأطراف )، و يكون جوهر التطوّر في الأطراف هو تحقيق المهمات الديمقراطية، و أوّلها بناء القوى المنتجة الصناعية خصوصاً، كمدخل ضروريٍّ لتحقيق الإنتقال إلى الإشتراكية. و في هذا الوضع يكون للماركسية مهمة مركّبة، و دوراً محورياً، كونها المؤسِّسة للرؤية المناهضة للرأسمالية و للنمط الرأسمالي العالمي من جهة، و القادرة على حمل برنامج بناء القوى المنتجة ( الصناعية خصوصاً ) و تحقيق الحل الأممي للمسألة القومية، و الحل الحقيقي للمسألة الديمقراطية من جهة أخرى.
و لأن الماركسية هي " المنهج العلمي الوحيد " حسب ما أشار لينين، و لأنها تمتلك المقدرة الأكبر على وعي الواقع و وعي آليات تغييره، فإن الضرورة تفرض أن تُدرس بكل الجديّة التي يفرضها العلم، و أن يجري السعي لتملّك منهجيتها و ليس معرفة مواقفها الأيديولوجية و السياسية و الطبقية، لأن المعرفة لا تفيد في وعي الواقع رغم أنها تؤشّر إلى مواقف معيّنة ربما تكون لازالت صحيحة، و ربما تكون " مبدئية " وبالتالي ضرورية، و لكن ربما تكون قد غدت قديمة و غير ذي معنى في الوضع الراهن و الصراع الراهن. الماركسية بحاجة إلى الدراسة المعمّقة لكي تكون أداة بحث في الواقع، و كذلك أداة وعي الضرورة. لهذا جرت الإشارة منذ البدء إلى " نقصان الوعي " بالماركسية، و إلى تحويلها إلى " نصوص مقدّسة "، و إلى كلمات ليست ذي معنى، كما إلى شعارات منفصلة عن الواقع، و عن السياسات الواقعية. بمعنى أن إعادة صياغة الوعي الماركسي تبدو كضرورة راهنة، و تحظى بأهمية حاسمة في سياق السعي لوعي الواقع و وعي آليات تغييره. و كمقدّمة لصياغة التصوّر المعبّر عن وضع و مصلحة الطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء و كل المهمّشين في الريف و المدينة، و صوغ رؤيتهم لتحقيق مصالحهم الطبقية و المجتمعية و في الإطار القومي، و كذلك في الإطار الأممي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ثورة اكتوبر ، محاولة للتفكير
- مأزق اليسار الديمقراطي و إشكالية الإشتراكية الديمقراطية
- دافوس البحر الميّت
- سياسة أميركا
- ورقة عن الحرب الإمبريالية الصهيونية في المنطقة العربية
- الحركة القومية العربية: تجربة نصف قرن
- مسار الخصخصة في سوريا
- عودة الى الطبقة العاملة
- الحركات الشعبية و دور أميركا
- التغيير التائه بين الداخل و الخارج
- ديمقراطية الطوائف
- أميركا و الأصولية
- منزلقات الأصولية
- الإصلاح ليس ضرورة
- الى الأستاذ حسقيل قوجمان
- نداء إلى كل الماركسيين في الوطن العربي
- غيبوبة السياسة السورية
- بوش في أوروبا، هل يمكن تحقيق التوافق؟
- طبيعة المقاومة العراقية
- الماركسيون و الليبرالية، حول أوهام نقد الليبرالية


المزيد.....




- نسيج السدو.. أقمشة البدو تتحول لموضة في دبي
- شاهد في 80 ثانية.. ما الذي حدث في منظمة التعاون الإسلامي؟ 
- لقاء بن سلمان وبن زايد بقيادة الإصلاح.. هل تُفتح صفحة جديدة ...
- الكرملين يأمل في أن تتقيد سوبتشاك باللباقة في حوار بوتين
- وفد عسكري روسي يبحث في بيونغ يانغ مسألة منع النشاط العسكري ا ...
- إحباط عملية انتحارية في دمشق
- مسؤول روسي: ترامب أطلق شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة!
- طرد مساعدة ترامب المقالة من البيت الأبيض بعد محاولتها دخول ش ...
- بي إم دبليو -X6- تعود بحلة جديدة كليا
- -شيفروليه كورفيت-الجديدة تغير مفاهيم السيارات السريعة


المزيد.....

- الدين/الماركسية نحو منظور جديد للعلاقة من اجل مجتمع بلا إرها ... / محمد الحنفي
- اليسار بين الأنقاض والإنقاذ - قراءة نقدية من أجل تجديد اليسا ... / محمد علي مقلد
- الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي - سلامة كيلة - الماركسية و أفق البديل الإشتراكي: الماركسية في أزمة؟