أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - صبري المقدسي - الطاوية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية















المزيد.....



الطاوية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية


صبري المقدسي

الحوار المتمدن-العدد: 4095 - 2013 / 5 / 17 - 08:35
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



الطاوية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
الطاوية هي الطريق الوسط بين الكونفوشيوسية والبوذية، وهي من الديانات الصينية العظيمة التي تُمجد تاريخ الصين الموغل في القدم وحضاراتها العريقة، أو بالأحرى هي مجموعة من المبادئ المستنبطة من الـفلسفات والديانات الصينية القديمة، التي ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد من قبل الفيلسوف (لاو تسو)، الذي رأى أن الخير يكمن في الزهد والإعتزال والغفران والتسامح مع الناس وعدم مقابلة السيئة بالسيئة بل بمقابلة السيئة بالحسنة، ويعد هذا الطريق الأسلم والأكمل في الوجود للبشرية بحسب رأي المؤسس(لاو تسو). ويرى بعض المؤرخين أن الطاوية ليست ديناً ويفضلون تسميتها تعليماً أو فلسفة، ولكنها في الحقيقة، تعتبر مزيجا من الفلسفات والتعاليم والتصورات العريقة للكون والحياة والإنسان.
غاية الطاوية الأولى هي التحرر من الشر ومن التقاليد والغضب والعنف، وهي تحاكي كل أنواع البشر ولاسيّما الطبقة الحاكمة. ولهذا أصبحت الديانة السياسية والملوكية للأمبراطورية الصينبة بجانب الكنفوشيوسية الى سنة1911 ميلادية. ولم تكن في بداية نشوءها ديانة بالمعنى الكلمة، بل بدأت فكراً وفلسفة وتطوّرت الى ديانة تؤمن بعدد كبير من الآلهة.
ويعتقد معظم الطاويون بأن (لاو تسو) إله جدير بالعبادة وبتقديم القرابين له. ولكن البعض الآخر منهم، يعتقد بأن (لاو تسو) هو الشخصيّة السريّة والخيالية المخلوقة من قبل مدرسة فلسفيّة صينية، وهو في الواقع غير موجود في التاريخ الصيني. وأما معظم الطاويون فهم يعتقدون بأن كل مافي الوجود هو من (الطاو) وفيه ومنه وله، لأنه أصل كل الأشياء، وإليه يرجع كل مافي الكون في ثنائية (الينغ واليانغ)، حيث تسعى جميع الأشياء الى نوع من الموازنة بين هاتين القوتين حتى يتحقق التناغم مع (الطاو) وتتكون الوحدة المنشودة.
وتعني كلمة الطاو: الطريق الذي تشقه الأحداث في سيرها وحوادثها المتتابعة أو طريق الحياة أو نهر الحياة الذي يجري فينا وفي الكون ليزيدنا معرفة وحكمة. وكلما نتأمل أكثر نحصل على قدر أكبر منها، ونقترب أكثر من السعادة الحقيقية والكمال الحقيقي.
أثرت الثقافة الطاوية تأثيراً بالغا على بلاد الـصين والشعوب التي تعيش فيها، ودخلت تقاليدها وطريقة تفكيرها في معظم المجتمعات والطبقات الصينية. ولا يزال آلاف الكهنة الطاويون ناشطين في مختلف أنحاء الصين، بالرغم من هروب معظم المعلمين الروحانيين الكبار الى تايوان، والذين لعبوا دورا هاما في نشر تعاليمها بحرية وساهموا في الثقافات المحلية لتايوان وبنوا المعابد الضخمة ووضعوا التماثيل الرائعة للمعلمين الكبار فيها.
وبالرغم من استمرار هذه الديانة حتى اليوم إلا أن البعض يعدّها ديانة ميّتة بسبب تدهورها وخسارتها الكثير من مواقعها المهمّة أمام البوذية، وبالرغم من وجود جماعات من أتباع هذه الديانة في بعض المناطق من اليابان وماليزيا وبيانغ يانغ وسنغافورة وبانكوك.
ومن النماذج الجميلة عن الطاوية النشيد التالي: "لا تقاتل الناس .. ابتعد عن الشر والقتال.. قابل الإساءة بالإحسان.. كُن طيّبا مع الطيّبين وطيّبا مع غير الطيّبين.. كن مخلصا مع المخلصين ومخلصا مع غير المخلصين .. كن ليّنا مثل الماء .. وقويّا مثل الماء، لكي تغلب كل ما هو قوي".
ما تزال الطاوية حيّة إلى اليوم وهي من إحدى أكبر الديانات الصينية القديمة، إذ ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، وتقوم في جوهر فكرتها العودة إلى الحياة الطبيعية والوقوف موقفاً سلبياً من الحضارة والمدنية. وكان لها دوراً هاماً في تطوير علم الكيمياء منذ آلاف السنين وذلك من خلال مسيرتها في البحث في إكسير الحياة لمعرفة سرّ الخلود وتطويل معدل الأعمار.
وتنتشر الطاوية في الصين وفيتنام واليابان وكوريا وتايوان. وبدأت الطاوية بالإنتشار في الفترة الأخيرة في اوروبا وأمريكا. وتوجد اليوم عشرات الآلاف من الناشطين المُبشرّين الطاويين في الصين بالرغم من الضخوطات التي تمارس من قبل الحزب الشيوعي الحاكم. واجبرت هذه السياسات، العديد من كبار المعلمين مثل الفيلسوف (شانغ اين بو) للهرب الى تايوان.
وتشهد الطاوية اليوم إنباعثا جديدا وتجديدا شاملا في العقائد والممارسات الدينية، والتي كان لها دورا مهمّا في جذب الكثير من الوجوه الجديدة الى هذه الطريقة في ماليزيا وسنغافورة وبانكوك واليابان.
ومن الصعب جدا تقدير عدد التابعين لهذه الديانة بسبب إعتناق الصينين لثلاث عقائد دينية معاً(الكنفوشيوسية والطاوية والبوذية) والخلط بينها. والسبب الثاني، هو لعدم شرعية الإحصاء على الأساس الديني وبسبب النظام المدني الإلحادي الذي يُمارس هناك منذ 1949 ميلادية. وتدل التقديرات الإحصائية للديانات في الصين، على أن التابعين للديانات الفلكلورية يصل عددهم الى مئات الملايين وأما أتباع الديانات التقليدية فيصل عددهم الى 400 مليون تابع، وأما أتباع الديانة الطاوية فيصل عددهم الى 5 الى 6 ملايين تابع.
وجدير بالاشارة أن الطاوية لا تتمتع بالأغلبية في أي دولة من دول العالم. ولكن لها دورها الثقافي والحضاري والفلسفي المؤثر جداُ في شعوب آسيا الشرقية. فدورها واضح جدا في تايوان مثلا، وأما في اليابان، فالمرء يشعر بأن للكونفوشيوسية تأثير أكبر من تأثير البوذية. بالاضافة الى تاثيرات دينية اخرى مثل المسيحية والاسلامية والشيوعية والبوذية.
لاو تسو:
عاش مؤسِّس الطاوية (لاو تسو) بين أواسط القرن السادس وأواسط القرن الخامس قبل الميلاد، في اقليم (تشو) وهو من أقاليم الصين الوسطى ومن عائلة فقيرة جدا. ولا يُعرف عن حياته الكثير. وكل ما هو معروف عنه أنه أصبح في شبابه أمينا للمحفوضات الامبراطورية بمدينة (لو ـ يانغ) وأنه ظل يعمل العمل نفسه لسنين طويلة من عمره. وكان يستغل الفرص المتاحة في الدراسة والبحث عن الحكمة الصينية القديمة، ملقيا المواعظ والدروس في الفلسفة والدين والأخلاق، فإشتهر كثيرا في جميع المناطق الصينية.
هناك قصص وأساطير عديدة تلف ولادة وحياة وموت هذا الفيلسوف المتواضع صاحب الشخصية الفذة والمتفوقة الذي أحب دائما أن يكون مجهولا. ويُقال أنه عاصر الفيلسوف كونفوشيوس وأخذ عنه أشياء كثيرة وخالفه في أشياء أخرى. ولم يعتبر (لاو تسو) نفسه رسولا من السماء بل كان يُعلم بتبني السلوك الأخلاقي الحرّ من دون إتباع لوائح أخلاقية مفروضة كما في الكنفوشيوسية والبوذية.
كان (لاو تسو) يحث في تعليمه على التقريب بين النظام الكوني الذي يعكس المشيئة السماوية وبين الانسان الذي يجب أن يبقى حرا من قيود التشريعات والطقوس التي تخنقه وتحدّ من قابلياته الروحية. وكان يُعلم دائما عن الخير الأسمى الذي يشبهه بالماء في انسيابيته ومروره في كل الأمكنة من دون ما عائق. وهكذا هو تعليمه الذي يمرّ في القلوب والعقول البشرية والنفس الانسانية والمجتمع من دون عائق، فهو في الحقيقة كالماء الذي يمر بنفس الإنسيابية بين الصخور والحجارة والحشائش والأتربة والرمال.
ولد (لاو تسو) حوالي 604 ق.م، في منطقة (لي) من أقليم (تشو)، في عهد الأمبراطور الحادي والعشرين. وسُمي(لي ـ ييه ـ يانج) بعد الولادة وعرف بحكمته ونضوجه وإجتهاده في عمله، ولذلك لقب (لاو تسو ـ الفيلسوف الكبير أو الفيلسوف العجوز). ومن القصص التي حيكت حول ولادته هي أن امه ابتلعت لؤلؤة من خمسة ألوان هوت من السماء وإنه بقي عشرات السنين في أحشاء امه وعاش بعد ولادته نحو مائتي عام. ويقال أيضاً انه كان يتنقل على ظهر جاموس، ناشراً تعاليمه التي جُمِعَت في كتاب (طاو تي تشينغ ـ كتاب الطريق والفضيلة)، الذي تركه بيد حامي الحدود قبل أن يترك حدود بلده بعد تركه لعمله وشعوره بسفاهة الحكماء وغرورهم وظلمهم للشعب المسكين.
ويُعد هذا الكتاب الصغير الدليل الأكبر على وجود هذا المعلم العظيم والفيلسوف الكبير ضد الذين يشكون بوجوده الحقيقي، ويُعتبر الدليل على حكمته وعلمه وثقافته وحبه للإنسانية عموما. وقد أكتشف الكتاب في القرن السادس عشر الميلادي، الرهبان اليسوعيون الكاثوليك الذين بشروا بالمسيحية في الصين. وترجم الكتاب بعد اكتشافه الى أكثر من مائتي لغة حيّة. ويتناول لغز الخليقة وكل شيء يتعلق بها وبالإنسان ومكانه في الكون بالاضافة الى مفهوم الخير والشر والتضاددات الاخرى.
الطاو والآلهة:
تحتفل الديانات الصينية التقليدية بوجود عدد من الآلهة الذين كانوا في الأصل رجالا صالحين تمّ تأليههم وعبادتهم فيما بعد أو كانوا من الأسلاف والأجداد والذين تم رفعهم الى درجة الألوهة. ومن الآلهة المعروفة(تي ـ السماء) ويعني (الأله الأعلى)، أو الرب الأعلى، الذي يُعاقب الأشرار ويكافىء الأخيار والذين يعبدونه ويُسعدونه.
كان الصينيون يؤمنون بعبادة الأسلاف الذين كانوا بحسب مفهومهم التقليدي الوسطاء بين الآلهة والبشر. وكانوا يؤمنون بأنهم سوف يواجهون محكمة سماوية بعد الموت مثلما هي على الأرض. ومن الامور الغريبة جدا في حياة بعض الملوك والأباطرة الصينيون الأوائل، تمنيهم في جلب خدامهم ورعاياهم معهم الى السماء لمواجهة الآلهة، ولذلك كانوا يُشجعون تضحيات رعاياهم أثناء موت الامبراطور أو أحد الأباطرة الكبار، وكانت تلك التضحيّات رمزا على إخلاص الرعايا للملك أو للأباطرة، وذلك كدليل على صلاح ذلك الملك أو الأمير. ففي عهد سلالة "شين" (256 ق.م ـ 206 ق.م ) قدم 66 شخصا أنفسهم ضحية أثناء موت الأمير (وو). ونستنتج من هذا أن الشخصيّات الكبيرة والعوائل الملكية فقط، تتحول الى الآلهة في العقلية الصينية القديمة، ولهذا كان الناس يعبدون أرواح هؤلاء ويُصلون لهم مع تقديم القرابين لكي يتوسطون لهم عند الآلهة الكبرى.
وكان الأله (تي) المسؤول الأول عن كل الآلهة الأخرى في هيكل الآلهة. وهناك آلهة أخرى تمثل الأشياء التي نجدها في الطبيعة، والآلهة الصغيرة التي هي الأحفاد والأسلاف. فهي في الغالب أشباح تحوم حول المنازل والبيوت، تكتسب قوتها من قوة المنصب الذي تشغله من الجبال والسواقي والأنهار والنجوم في السماء والأرض وما عليها من الظواهر الطبيعية. وتدعي الطاوية بأن هذه الاشباح مخلوقة من قبل الإله(تي). لأن الإله الأكبر(تي) هو كل شىء، فهو الروح، الأبدي والسرمدي اللامائت، والبداية العظمى لكل شىء، وكذلك الكائن المطلق (طاو)، الذي خلق الكون وكل ما فيه، والذي تننبثق عنه كل الموجودات وليس شيء منفصل عنه.
فالانسجام مع الإله(تي) بحسب الطاوية يتم بمراعات الأنظمة الاخلاقية والمحافظة عليها وعدم تخطيها. ويؤمن الطاويون بالقانون السماوي الأعظم الذي هو أصل الحياة والنشاط والحركة لجميع الموجودات في السماء والأرض. فهو الحاكم الأعلى في السماء. ويتم الوصول اليه عبر التنجيم والسحر والغيب وليس عبر التأمل والصلاة وقراءة الكتب المقدسة.
ولذلك تعدّ الطاوية من الديانات التي تؤمن بتعددية الآلهة وبتوزيع قدراتها بين القوة الخيّرة والقوة الشريرة وتشجع على تقديم القرابين لها في كل المناسبات الدينية والقومية. علما ان مفهوم الطاو يعني المطلق، فهو يخلق الطاقة والحركة والتي تكمن فيها كل الوقائع والأشياء والموجودات المختلفة، والمطلق عند الطاويون هو الاستمرارية، والاستمرارية هي الديمومة، والديمومة هي العودة الى البدء. ولذلك فإن الطاو هو المطلق، والسماء هي المطلق، والأرض هي المطلق والانسان هو المطلق. هناك إذا في الكون أربعة أشياء مطلقة، وأحدها الانسان. ولكن الانسان يتبع شرائع الأرض، والأرض تتبع شرائع السماء، والسماء تتبع شرائع الطاو، والطاو يتبع طبيعته الجوهرية: "هناك شىء طبيعي، موجود قبل السماء والأرض، ساكن ولا يُسبر غوره شىء. وحيد لايتغير أبدا، موجود في كل مكان ولانهاية لوجوده. ومن الممكن عدّه: أم الكون. وإذا أجبرت على تسميّته، فأسميه الله".
ومن هذه الخلفية الدينية، طوّر الصينيّون المفهوم الجديد للديانة الطاوية أو الديانة الطبيعية للصين. وتتكون مجملها على قوّتين متضاددتين مُتصارعتين في كل شىء وتسمى (الينغ ـ يانغ). فالينغ هي القوة الانثوية، وهي قوة باردة، سلبية، غامقة، مثل القمر(القوة الأنثى). وأما القوة الأخرى (اليانغ) فهو القوة الذكرية التي يوصف بكونه قوة ساخنة ومليئة بالنور مثل الشمس. وهكذا دواليك في كل الأشياء والمخلوقات التي يقسمونها الى الذكرية والأنثوية في كلا الديانتين الكنفوشيوسية والطاوية.
ويقول (لاو تسو) في كتابه: هناك شيء بلا شكل، موجود قبل السماء والأرض، صامت وفارغ، قائم بنفسه، شأنه الدوران بلا كلل، مؤهل لأمومة هذا العالم، لا أعرف اسمه فأدعوه: الطاو. ولا أستطيع وصفه فأقول: هو العظيم. وعظمته هي امتداد في المكان، الذي يعني امتداد بلا نهاية، ويعني العودة الى نقطة البداية.
ونلاحظ أيضا وبدون أدنى شك أن النظرة الطاوية إلى الله والالوهة قريبة جدّاً من مذهب الحلولية الذي يذهب إلى أن الخالق حالٌّ في كل الموجودات، ولا يستطيع الخالق أن يتصرف أو يعمل إلا بحلوله في الأشياء.
ويؤمن الصينيون بالقوة الخارقة في الكون المغلفة بالأسرار الكونية التي يصعب الوصول اليها ولكن من الممكن الوصول الى القوة الفاعلة (الطاو) عبر تحقيق الإنسجام التام معه. وهو مصدر السكون والحركة والنظام والحياة في الكون ويستمد كل شىء وجوده منه لأنه كامن في كل الموجودات، فهو مبدأ الواحد والأرقام الاخرى، والمبدأ الاول لكل شيء. ويستطيع الانسان أن يصل الى المعرفة الكاملة بالإعتماد الكلي عليه. لأنه الخير الأعظم يشبه الماء في ليونته وقوته إذ كما يشق الماء الصخور، ولا يقف أمامه شيء الا ويشقه وينفذ من خلاله، هكذا بالنسبة الى الطاو.
ويرى الطاويون، بأن الإنسان قد جاء إلى الوجود مع الكون، وهم يحبون(الطاو) ولكنهم يحبون المصدر الذي جاء منه (الطاو) أكثر من حبهم(للطاو) نفسه، وهو تصوّر يدل على أنهم يعتقدون بأن هناك المبدأ الاول قبل (الطاو) وهو أصل كل الأشياء وأصل الحركة والسكون، النور والظلمة، والتضاددات الاخرى. وهو الذي يحكم في الامور الكونية ويعمل على تنظيمها ويُحافظ على اتساقها وتناغمها؟ فهو العلة(السبب) في كل شيء، والمعلول أيضا. فالعلة والمعلول هما وجهان لحقيقة واحدة وهو الطاو. ولكن أين يوجد هذا الطاو؟ والجواب للمعلم (تشوانغ تسو)! هو في كل مكان. والسؤال أين بالتحديد؟ والجواب في النملة! .. في الأرض! .. في الجبال .. في الأنهار .. في الأشجار والنباتات .. في السماء والأرض .. في روث الحيوانات..
ومن هذا المفهوم نقول أن الطاوية لا تقول بخلق العالم ولا تعرف البدايات العظمى وإنما تقول عن نمو العالم وصيرورته التلقائية، لأن الطاو نفسه لا يعرف كيف خلق الكون أو كيف ظهر للوجود ولكن الشيء المعروف جدا هو أنهما ظهرا معا. وكل ما في الكون هو موّحد ومترابط بعضه مع بعض ومتماثل بعضه مع البعض ومترابط في وحدة لا تتجزأ، يسير وفق قوانين ثابتة.
النصوص المُقدسة:
تنقسم النصوص الدينية الطاوية الى قسمين: الأول وهو كتاب(طاو تي تشينغ)، والذي ألفه (لاو تسي) في القرن 6 ق. م، ويقع في خمس وعشرين صفحة، سجله على الحدود الصينية وهو يهم بترك الصين نهائيا بعد أن شعر بنهاية حكم سلالة (الهان) وشعوره بمهانة العيش مع السفهاء، بعد أن تجاوز التسعين من عمره، قضاها كلها في خدمة المكتبة الامبراطورية. وعندما أنهى كتابه، سلمه ليد حارس الحدود، وهو شىء نادر الحدوث حقا، وعبر الحدود ولم يسمع عنه شيئا بعد ذلك.
وبقي كتابه الصغير والمسمى كتاب (القوة والفضيلة)، الحجر الأساس للديانة الصينية الجديدة والتي تدعو الى عبادة الآلهة والى فعل الصلاح والخير في العالم والتقرّب الى الطبيعة والابتعاد عن الملذات الدنيوية بكل أنواعها، مع الامثلة الفلسفية والسياسية التي يستفاد منها الحاكم في الحكم. وقد ترجم الى عدد كبير من اللغات ويأتي بعد (الكتاب المقدس) بالنسبة الى عدد اللغات التي ترجم اليها. والسبب في إهتمام العالم بترجمة هذا الكتاب هو: 1ـ القصر والاختصار. 2 ـ السرية واللغز، الذي يُشوق الناس في حلّ رموزه ومعرفة معانيه العميقة.
والكتاب الثاني والمهم في الطاوية هو (تشانغ تسي): ويضم مجموعة من الأمثال والمواعظ، كتبه(تشانغ تسي) في الفترة بين( 369 ق.م ـ 286 ق. م)، وهو الثاني من حيث التأثير والأهمية بعد كتاب(طاو تي تشينغ). ويبحث في كل الثنائيات التضاددية في الكون والمجتمع، ويجري مقابلة بين السماء والبشر، والطبيعة والمجتمع، والخير والشر. وفيه ايضا قصص عن الكمال البشري والخلود وطرق الوصول الى الكمال والى حالة اللا موت واللاحياة.
والثالث هو كتاب (التغييرات ـ آي تشينغ)، ويرجع في شكله المتداول اليوم الى القرن السادس قبل الميلاد. وهو بحق من أعظم الكتب وأشهرها، وله تأثير بالغ على الثقافة الصينية خلال قرون عديدة، إضافة الى تأثيره الواسع على الثقافة العامة والتقاليد اليومية للناس في الصين. وهو كتاب الرموز السالبة والموجبة وكذلك كتاب التغييرات وتحول الامور وحركتها الانسيابية التي تشبه حركة الماء الجارية.
شىء من التاريخ:
كان الصينيون يعبدون آلهة وأرواحا عدة، ومن الآلهة التي عبدوها، الإلهة(تي) وهي تعني (الإله الأعلى ـ أو الرب العالي). ويؤمنون بأنه يُعاقب الأشرار والذين يُهملونه ويُكافىء الأخيار والذين يعبدونه ويُسعدونه. وحاول الحكماء الطاويون أن يُرشدوا الدولة والحكام وأن يكونوا نواة للسلام والتآلف بين الشعب والحكومة وأن يجعل الانسان نفسه أداة فعالة للواجب الذي عليه أن يؤديه بالسبل الأمينة من دون قتال أو حروب بل بالطاعة والصبر والسلام.
وهذه بعض التواريخ المختصرة للديانة الطاوية:
• ولادة (لي ـ ييه ـ يانج) والمدعو (لاو تسو) في حوالي 604 ق.م في السنة الثانية من عهد الإمبراطور الحادي والعشرين من اسرة (تشو) الفقيرة جدا.
• تعاطف الاسر والعشائر الصينية الكبيرة مع الطاوية في نهاية عهد اسرة (هان) وظهور مشاهير الشعراء الكبار من أمثال (تاويان ـ منغ) "375 ـ 379 م".
• ظهور الفيلسوف (شوانغ تسو)، في الفترة بين (369 ق.م ـ 286 ق.م)، وهو من كبار فلاسفة الطاوية، ويعتبر المؤسس الثاني لهذ الديانة. وقد زعم المعلم شوانغ تسو بأن (لاو تسو) أحد المعلمين السماويين، وقام ايضا بشرح كتاب المعلم الاول، مضيفاً إليه شيئاً من فلسفته. ولقد نمت الطاوية المنظمة في منطقة جبال (شي شوان). وبرزت أهمية الشروحات والتفسيرات التي قدمها (شوانغ تسو) لكتاب (الفضيلة والقوة)، المصدر المهم الثاني للطاوية بعد كتاب(لاو تسي) المؤلف في القرن السادس قبل الميلاد.
• إزدياد حالة الحرب بين الدويلات الصينية ولاسيّما بعد صعود اسرة (شانغ) للحكم سنة 360 ق.م، والتي أدت الى اشتعال الحروب في كل مكان، لإستعادة مواقع مهمّة، ولإكتساب الجاه والثروة. وبعد نجاح الاسر الحاكمة للصين تحت لواء اسرة(شانغ) وإعلان آخر أباطرتها (شينغ هوانغ تي) بأنهم سوف يحكمون لمدة ألف سنة، انحلت الاسرة وزال حكمها مباشرة بعد وفاة الامبرطور الاخير، مما أدى الى قيام الثورة الشاملة بقيادة (ليوـ بانغ) والذي أصبح الامبراطور الجديد وأول اباطرة اسرة الهان التي حكمت قرابة أربعة قرون.
• انقسام الصينيين إلى ثلاثة أقسام الأمر الذي ترك أثره على الاختلافات الدينية والإقليمية فيما بينهم، وذلك في سنة 220 ميلادية، وبعد سقوط أسرة هان مباشرة. وبروز الاختلافات الدينية، مما أدى الى إضعاف الطاوية وحدوث حالة من الفوضى الاخلاقية في المجتمع.
• ازدياد نفوذ الطاوية بعد حرق كتب الكنفوشيوسية في عموم الامبراطورية، والسماح بإبقاء التعاليم الطاوية وكتبها الفلسفية وذلك بعد حكم الامبراطور( تشي إن شهّوانج)، بين سنة 212 ق.م الى 207 ق.م.
• نجاح الحكماء الطاويين في تقديم النصائح الناجحة والمرضية لدى حكام الصين في كيفية إدارة البلاد وذلك في عهد الامبراطور كينغ ـ هوي(194 ـ 187 ق.م). ونجاح الحكماء الطاويون في جلب الاستقرار لعموم البلاد بنصائحهم الهادئة وحكمتهم الرشيدة.
• تحول الامبراطور (وو ـ تي) من اسرة (هان) من الكنفوشيوسية الى الطاوية وذلك في القرن الثاني قبل الميلاد وبتأثير من زوجته وحاشيتها. وبروز الفلسفة السلمية في المفاهيم الدينية للطاوية بفضل المعلمين السماويين في القرن الثاني الميلادي. ومرافقة الطاوية لحكم سلالة الهان، والمعروفة بالامبراطورية الصفراء والاشتراك في تشريعاتها وقوانينها الادارية، وإدعاء عائلة (شانغ) الحالية للمعلمين السماويين بأنها من سلالة (شانغ طاو لينغ) المعلم السماوي الأول الذي ظهر أيام أسرة هان.
• قيام الامبراطور (هوآن) من اسرة هان بالاحتفال بالمراسيم الطاوية والبوذية في القصر الامبراطوري سنة 166 ميلادية. ومنح المساعدات الضخمة لتكريم المعلم (لاو تسو) مؤسس الطاوية من قبل الامبراطور وبنائه معبد باسم (لاو تسو). واصدار قانون يخص بتقديم القرابين الى (لاو تسو) والاعتراف الرسمي الكامل به من قبل الامبراطور (شيه فين) مؤسس اسرة تانغ العظيمة.
• قيام الثورة الصفراء في سنة 184 ميلادية، في عموم الصين بقيادة الديانة الطاوية وبتأيد من الفلاحين والفقراء وتحقيق الإصلاحات الضرورية لصالح الشعب الفقير وذلك في نهاية عهد اسرة (هان).
• انتشار الطاوية السريع بعد سنة 148 ميلادية، بسبب دخول السحر والشعوذة وزيادة المعرفة والاهتمام بالأرواح الشريرة عن الطرق الروحية الجديدة في التخلص من شرها وتجاربها المريرة. وظهور عدد من المعلمين الطاويين من رجال الدين بعرضهم على الناس الشفاء من جميع الأمراض مقابل حفنات من الارز وكان ذلك ما يشبه أول مستشفى أهلي في تاريخ الانسانية.
• الاصلاح الديني في الطاوية بتأثير الفيلسوف(شانغ طاو لينغ)، والذي قاد تنظيما كبيرا من المصلحين الذين عُرفوا بالمعلمين السماويين. وظهور تيار المُجدّدين الطاويين في سنة 142 ميلادية بقيادة (شانغ طاو لينغ)، والذي أحدث الاصلاحات الضرورية في الطاوية مدعيّا حصوله على الرسالة السماوية.
• إقامة الامبراطور (هوان) من اسرة هان للمراسيم الطاوية والبوذية في القصر الامبراطوري والذي كان بمثابة الاعلان عن مجيىء البوذية الى الصين وهي ديانة هندية غريبة عن التقاليد الصينية.
• انتشار الطاوية وبشكل شعبي في القرن الثاني الميلادي وذلك بفضل حركة السلم الكبير وقد كان للمعلمين السماويين دور كبير في نشرها.
• نشوء الطاوية الجديدة في القرن الثالث الميلادي مع نشوء عدد من المدارس الفكرية بتأثير نسخ المخطوطات القديمة وتقديمها للمؤمنين الذين تعلموا عقائدها وتعاليمها، بالاضافة الى النصوص المقدسة الموجودة فإنه قد أعيد الاعتبار لمؤلفات غامضة من عصر (تشوانغ تسو). وأدت كل هذه الكتابات الى إعتبار الطاوية دينا مؤسساتيا له آلهة وعقائد وتعاليم وتصورات خاصة عن الخلقة والحياة الاخرى.
• بروز الحركة الفكرية والثقافية والفنية بين التجمعات الطاوية خلال حكم اسرة (سوي) وعهد اسرة (تانغ) في ما يُسمى عهد (حجر الفلاسفة) وذلك في القرن الرابع والخامس الميلادي، وتمتع الطاوية بحماية البلاط الامبراطوري بعد انحدارها الكبير في عهد اسرة هان وبسبب معارضتها لسياسة العرش الامبراطوري واكتشاف الأدوية اللازمة لأطالة العمر، عقب سقوط الاسرة الامبراطورية القوية.
• تأسيس حلقات سحرية طاوية من شرق الصين الى غربها لطرد الأرواح الشريرة وشفاء الناس من الأمراض المختلفة مع تأسيس الحلقات الصوفية التأملية من قبل شخص طاوي غيور اسمه (تشانغ ـ تاو ـ لينغ) مما ادى الى نشر الطاوية في عموم الصين.
• تأثير المعلم الكيمياوي (جي هونغ)، والمعروف بمعلم البساطة (باوبوزي)، والذي اشتهر في القرن الثالث والرابع الميلادي، والذي أثر على الطاوية تأثيرا كبيرا في الفترة ما بين (589 – 316) ميلادية.
• ظهور المصلح (لو هيو شينغ) في عام 406- 477 ميلادية، والذي يرجع إليه مفهوم القانون التشريعي والقرار باقامة المجمع بهذا الخصوص، ومحاولته لجمع الكتب المقدسة الطاوية.
• إكتساب الطاوية صفة رسمية في عهد سلالة (تانغ)، حيث كان الأباطرة من تلك السلالة يدّعون بوجود قرابة دموية بينهم وبين المعلم التاريخي (لاو تسو). والذين حاولوا فرض التعاليم الطاوية على البوذية والكنفوشيوسية في الفترة التاريخية لحكم سلالة تانغ الممتدة من (907 – 618) ميلادية.
• إنتشار الطاوية في الصين في القرن السابع الميلادي من خلال الدعاية السحرية والممارسات الطبية في إطالة العمر والدعاية ضد الديانة البوذية بكونها ديانة غريبة عن الصين دخلت اليها عبر الهند. وتزامن إنتشارها مع انتشار البوذية والكنفوشيوسية. واعتراف الامبراطور (لي شين فين)، مؤسس سلالة تانغ الكبرى، بالطاوية وتطورها كدين منظم وإزدهار معابدها وكتبها وطقوسها ومراسيمها.
• إضافة التعاليم والكتب الروحية الطاوية للمناهج المدرسية التي تدرس في المدارس الامبراطورية ولاسيّما في عهد الامبراطور (كسو آن زونغ) بين 685–762 ميلادية.
• ازدهار الفلسفات الدينية الطاوية والبوذية والكنفوشيوسية في القرن الحادي عشر الميلادي في عهد اسرة (سونغ). وصعود نجم الكنفوشيوسية على حساب الطاوية، كنظام ثقافي وتعليمي.
• انتشار استخدام التنبؤات الطاوية والسحر لكسب التأييد الشعبي من قبل أسرتي تانغ 618 – 907 ميلادية، واسرة مينغ 1368 – 1644ميلادية.
• بروز عدد من الاباطرة من سلالة (سونغ)، 960–1279 ميلادية، الذين عززوا وجود الطاوية وكتبها الفلسفية وتعاليمها ولاسيما في عهد الامبراطور(هوي زونغ). حيث كثرت المدارس الطاوية في تلك الفترة، وبقيت آثار بعضها الى يومنا هذا.
• تطوّر العلوم الطبية الطاوية في شفاء الناس واطالة أعمارهم بعد تأليف كتاب العالم الطاوي (كو هانغ) الذي يصف فيه التمارين الرياضية والصحية للتنفس واطالة الحياة، وإعتبار التقدم في السن دليلاً على القداسة حتى ادعاء بعضهم إمكانية إطالة العمر مئات السنين، والوصول الى الخلود الذي من الممكن أن يتم بواسطة التدريبات والرياضات الجسدية والروحية الخاصة.
• تبنيّ الصين للقيم الغربية من المظاهر الحياتية العامة واستخدام الطرق والوسائل العلمية الحديثة والنظر الى الامور الاخلاقية بالنظرة المسيحية الغربية بين السنوات (1912–1949) ميلادية، والتخلي نوعا ما عن التعاليم الطاوية ـ الكنفوشيوسية في كثير من الامور الحياة اليومية.
• شمول سياسة التضيق على كل الأديان في الصين ومن ضمنها الطاوية مع تدمير مدارسها وأسسها التربوية والروحية والثقافية بمجىء الشيوعية الى الحكم في الصين منذ سنة 1949 والى اليوم.
• ظهور اتجاهات تسامحية نحو الأديان منذ سنة 1976 ميلادية، بعد وفاة (ماوتسي تونغ) ولاسيما نحو الديانات الصينية التقليدية مثل الطاوية التي عانت الكبت خلال الثورة الثقافية والبدء بإصلاح المعابد الطاوية التاريخية على نفقة الحكومة الشيوعية سنة 1980 ميلادية، مع إصلاح المعابد التاريخية المهمة سنة 1980 جنبا الى جنب مع اصلاح عدد من المعابد والاديرة البوذية. والسماح بإحياء الطاوية وعدّها ثقافة وطنية، وذلك في عهد (دينغ هسياو بينغ) سنة 1982.
وجدير بالاشارة، أن الطاوية مرّت في نفس المراحل التطورية التي مرت بها الكنفوشيوسية. وبقيت خلال أكثر من ألفي سنة تؤثر في الفكر الصيني وفي التغيرات التاريخية الصينية. وهي تعدّ من الفلسفات التي بدأت في عهد الفيلسوف كونفوشيوس والذي عاش بين سنة 600 ق.م ـ 500 ق. م. ولما كانت الكنفوشيوسية تتبع التقاليد والشعائر القديمة في القوانين التشريعية المدنية والروحيّة، وآداب المعاشرة الأخرى. كانت الطاوية تبحث عن الطرق الحديثة في التعبير عن نفسها سواء في الفن والموسيقى والطب والأدب والرياضات الروحية. ولكن دور الطاوية في الفنون والأدب والعلوم تلاشى بمرور الزمن بسبب الثورات التي حدثت في الصين وبسبب واقع الطاوية المحصور في الأديرة والجبال.
وأما (تيان طاو) فهي نوع آخر من الطاوية التي أسست في التيبيت بتأثير عدد من الدول والثقافات، منها الصين والهند والنيبال وبلاد فارس ومنغوليا. والتي تطوّرت بين هذه الدول ولكنها انتقلت على الأغلب بين الصين والتيبيت حاملة معها التعاليم من كل هذه الثقافات لتصبح الطريق الشعبي والقوي في التأمل والتعليم في تلك المناطق.
وبحسب المصادر العلمية حول أصول الأديان ونشوءها، تعود بداية نشوء الطاوية، الى ما قبل التاريخ وذلك إعتمادا على كتابات (طاو تي تشينغ / داو دي جينغ)، في القرن الثالث والرابع قبل الميلاد. ويؤكد البعض الآخر من العلماء بجعل (لاو تسو)، المعلم الاول لبوذا وكونفوشيوس. ويُقال بحسب بعض المصادر أن (لاو تسو)، قد مرّ في عشرات التجسدات وعاش حوالي 900 سنة.
المدارس الفكرية:
تعتمد الطاوية على تعاليم الفيلسوف (لاو تسو)، والتي تدور حول التضاددات كلها، وكذلك حول وحدة التضاددات في التعاليم الخاصة وتدعى (طريق الفضيلة والقوة). وتعلم مفهومين أثنين:
1ـ الطاوية الفلسفية(داوجيا): التي اسست على مفاهيم كتاب (طاو تي تشينغ)، والتي نشأت أثناء حكم سلالة(تشو) في الصين وهي مدرسة فكرية عقلانية كلاسيكية، تدعو الى التآلف والانسجام والتكامل والتعاون مع الآخرين، وتحقيق السلام والرخاء والعافية. ويدور هذا المفهوم عادة حول الفترة قبل خلق الشمس والقمر والأرض والنجوم والكون كله. ويأتي تأثير هذه المدرسة بعد الكنفوشيوسية على الثقافة الصينية وعلى المجتمع الصيني عموما،
2 ـ الطاوية الدينية(داوجيو): تنسب هذه المدرسة نفسها الى المعلم (لاو تسو) نفسه، في ظل حكم سلالة (هان) والتي تسمى بالطاوية الدينية، وهي عبارة عن مجموعة من المعتقدات الدينية، نمت وتطورت خمسمائة سنة بعد المدرسة الأولى، واستخلصت من الديانات الصينية التقليدية القديمة والتي أثرت تأثيرا بالغا على الثقافة الصينية أكثر من المدرسة الفلسفية التي كان تأثيرها محصورا في مجموعة من المفكرين والكتاب والشعراء والفلاسفة وكان نشوء الطاوية الدينية في سنة 142 ميلادية، بعد ظهور الحكيم (تشانغ داو لينغ) في المنطقة الجبلية والمسماة (شي شوان). وكان طابعها الديني يُغطي كل شىء فيها ولهذا سُميّت بالطاوية الدينية. وقد إستمدت الكثير من تعاليمها من الديانة الشامانية، كالشعوذة والسحر والكهانة والتعاليم التقليدية للديانة الصينية القديمة. وتنتشر أفكار هذه المدرسة أو هذا المفهوم في كل شىء وتحكي عن التضاددات جميعها.
وعلى الرغم من كل هذه التأثيرات الجانبية من المدرسة الدينية وجمعها لكل أنواع التقاليد الموجودة في الصين إلا أنها استطاعت أن تحافظ على نفسها وتثبت وجودها. وهي تدعو في معظم تعاليمها إلى احترام الذات والانعزال عن الحياة العامة، وتؤكد كذلك على التأمل واليوغا وعبادة الطبيعة.
3 ـ الطاوية الفلكلورية: تشمل على التقاليد الصينية القديمة والمنتشرة بين العشائر القديمة والتي تطورت بمرور الزمن ولا يزال يُقدسها الكثير من الصينيين لكونها تمثل تاريخ الصين وحضارتها.
وجدير بالاشارة أن التقسيم بهذا الشكل ليس سهلا كما يبدو، لأنه هناك خلط كبير بين المدرستين (داوجيا) والمدرسة (داوجيو). ومن تعاليم المدرستين، الاتحاد مع طاو لأكتساب السعادة القصوى في وحدة عميقة يكتسب من خلالها الانسان قوة غامضة تسمى (تي) تساعده في الابتعاد عن العالم وعن الحياة المدنية المزعجة وتجعله قريبا من الطبيعة. وهي قوة استحقاقية لازمة في تقويته ضد التجارب اليومية التي يواجهها في حياته.
العقائد:
الطاوية، تجسيد للأفكار والفلسفات القديمة ومحاولة تقديمها للناس بصورة منظمة ومرتبة. وهي الطريق الى الكمال والسعادة القصوى التي يبتغيها الانسان في حياته أو هي الطريق الى الصحة وطول العمر كما يدّعي الطاويون.
وتحاول الطاوية أن تفسر من خلال عقائدها جميع المفاهيم الكونية والحياتية والنظر الى كل مظاهر الوجود من خلال مبدأ (الينغ يانغ) وعلى أنها حركة قوتين ساريتين في هذا الكون وفي كل شىء يحتويه من التضاددات مثل الخير والشر، الحياة والموت، النور والظلام، الذكر والانثى، السماء والارض، الحظ الجيد والحظ السيىء، العلو والانخفاض، الحرارة والبرودة، الجفاف والرطوبة، الحركة والسكون. وتشكل هذه التضاددات حالة من التوازن والتعاون ولا قيام لإحداهما إلا بالاخرى، وهما أشبه بالقطب السالب والقطب الموجب في حجر المغناطيس والتيار الكهربائي. ومن هذا نستنتج أن المبادىء العظمى للكون هي عن مفهوم القطبية، حيث لا قيام للصح بدون الخطأ ولا للخير بدون الشر. كما جاء في هذا المقطع من كتاب الحكيم (لاو تسو) في الفصل الثاني من كتاب (الطاو تي تشينغ): "في الجميل ثمة قبحا وفي القبح ثمة جمالا ... وينجم عن الوجود اللاوجود وعن اللاوجود الوجود ... وينجم عن الصعب السهل وعن السهل الصعب ... وعن الطويل ينجم القصير وعن القصير الطويل... وعن العالي ينجم المنخفض وعن المنخفض العالي ... وعن الصمت ينجم الصوت وعن الصوت الصمت ... وعن الضعف تنجم القوة وعن القوة الضعف، فالليّن والضعيف يقوى على القاسي والصلب".
وتؤكد معظم التعاليم الدينية الطاوية، على كيفية السموّ في الحياة الروحية والاعتزال عن العالم وعدم مقابلة السيئة بالسيئة والتسامح مع الناس والزهد في الحياة. فالتعاليم والعقائد الطاوية المنسوبة إلى (لاو تسو) في الحقيقة تعود الى عدد من الفلاسفة والمعلمين عبر القرون، وترجع في معظمها إلى القرن الرابع قبل الميلاد.
وتلعب التعاليم الطاوية دورا مهمّا في تقوية إيمان الصينيين بالحياة بعد الموت من خلال الأسلاف الذين عاشوا قبل أجيال وقرون والذين يراقبون أحفادهم ويعرفون ما يفعلون، ويُكافئونهم ويُدينونهم على كل صغيرة وكبيرة. ولهذا نجدهم يصنعون المعابد الخاصة للأجداد والاسلاف في بيوتهم.
ويعتقد الصينيون بأن الشياطين والاوراح الشريرة، تحوم حول البيوت والمنازل عند حلول الظلام وتسكن في عناصر الطبيعية من الماء والحجر والتراب والهواء والنبات والحيوان، وخير طريقة لأبعادها هي إستعمال بعض الإشارات والرموز في البيوت وعلى الجدران وزرع الاشجار والنباتات الخاصة في مداخل البيوت لإبعادها وطردها، بالاضافة الى إستخدام رمز الديك الذي يستقبل شروق الشمس وهي القوة الحقيقية التي تطرد كل أنواع الأرواح والشياطين بحسب التقاليد الصينية القديمة.
وهذه بعض العقائد الاخرى للديانة الطاوية:
• تعلم الطاوية منذ بداية نشوءها بوجود الأرواح الشريرة التي تعلم السحر للناس والتي يُمكن تجنبها بزرع الأشجار حول البيوت وبوضع المناظر الطبيعية للأشجار حتى تصطدم بها أثناء دخولها البيوت.
• يرتبط كل ما يحدث في الكون بالعناصر الخمسة من الخشب والنار والأرض والمعدن والماء وبالتوازن بين (الينغ واليانغ) وذلك لغرض الاتحاد مع الطاو والتناغم معه، ولا يتحقق ذلك إلا بالإحجام عن كل ما هو جسدي لا لزوم له.
• تعلم الطاوية بأن الاله يُمكنه أن يُعلن نفسه في القوة الخيرة والقوة الشريرة، القوة الايجابية والقوة السلبية، قوة النور وقوة الظلام. ويدل هذا المبدأ على ان الاصل للخير والشر هو أصل واحد.
• تقارب المفاهيم الطاوية الكونية عن الخلق من النظريات العلمية ولاسيّما في مفهوم الانفجار العظيم (البك بانك Big Bang) في ظهور الكون وظهور الحياة على الأرض، فالطاو، قائم بنفسه، يوجد قبل السماء والأرض، هو العظيم الذي لا نهاية له ولا حد لإنتشاره، مؤهل لأمومة العالم ولأبوّته.
• تعلم الطاوية عن الحركة في الكون والشمس والقمر والنجوم والكواكب وسيرانها في مسار ثابت، وعن النظام الرائع الذي يُسيطر على الكون والأجرام السماوية الاخرى التي تجري في مسارها المرسوم لها وعن مفهوم الصفر والواحد. فالصفر هو لا شىء، ومع ذلك فبدونه لا يوجد الواحد، لأن الواحد ينشأ من لا شىء وبدونه لا توجد بقية الاعداد. والصفر هو مثل الفراغ فإنه اللاشىء الذي تحتاجه كل الاشياء. والطاو يوجد في كل الأشياء ولا وجود لأي شىء بدونه.
• تعلم الطاوية بأن الحكمة تأتي للإنسان إذا اتحد مع الطاو، والحكمة هي مجوّفة وفارغة مثل الوادي، والعقل الذي يقبلها هو مثل المرآة التي تعكس الأشياء فهو يعكس الكون. ويحاول تفسير الطبيعة من خلال الأفكار والمفاهيم وينطق كل شىء بالحكمة من خلال النبات والجماد والحيوان، فعندما تتفتح الأزهار في الجبال والبراري فإن شذاها يحمل أعمق المعاني، والصنوبر القديمة أيضا فإنها تنطق بالحكمة وكذلك الطير والعشب والنبات والماء والجبال والصحراء والنمل وكل أنواع الحشرات، كلها تنبىء بالحقيقة الخالدة من أصغرها الى أكبرها.
• على الطاوي إصلاح نفسه وجعل حياته أداة للنظام والدولة وخدمة للآخرين. فعليه إذا أن لا يُكافح أو يُحارب لإصلاح الدولة المختلة النظام، بل أن يحاول كسب ما يُريده بالصبر والسكون وذلك على غرار الطبيعة التي تعمل وهي صامتة وتؤدي واجبها دون أن تكون لها مطالب.
• تدعو الطاوية الى إقامة حياة فاضلة والى مقابلة الإساءة بالاحسان ومعاملة الناس برفق وإحسان لأن الرجل الصالح هو من يُحب الناس ولا يكره أحدا.
• على الطاوي أن يكون متواضعا وأن يسير في المؤخرة بدلا من المقدمة ولا سيما إذا كان قائدا سياسيا، فالقائد إذا سار في المقدمة فهو لا يشعر بسلطته ووجوده أحد. وعلى الدولة أن تكون متواضعة لا تتكبر على رعاياها.
• تدعو الطاوية الى السلام بين الناس وتتهجم على الحروب وتنتقد الروح العسكرية وتنصح الحكام والملوك بعدم اللجوء الى إستخدام العنف وتنصحهم بالتعجيل في إنهائها وعدم التفاخر والتبجح وتنصح بعدم إقامة طقوس الاحتفال عند الانتصار فيها، لأن السلاح أداة شؤم وخراب.
• تعلم الطاوية بأن الطاو يخلق الحياة ثوابا على فعل الخير، ويخلق الموت لأخافة الشر، ومن يبحث عن مباهج الحياة الدنيوية يخاف الموت لأن الموت بالنسبة اليه نهاية كل شىء، وأما بالنسبة الى الطاوي المؤمن فالموت لاشىء، لكونه بداية الحياة الأبدية.
• يأتي النظام في الكون من سير كل شىء في طريقه الصحيح، فالطريق أزلي كامل، لا يُمكن أن ينحرف عن نهجه الصحيح وإلا حلت الفوضى في الكون كله.
• تشبه الفضائل الحميدة التي يدعو اليها الطاو، الطبيعة والشمس والقمر، فكما ان السماء عالية والارض صلبة والشمس والقمر مشعان(هذه فضائل كامنة فيها)، فهكذا بالنسبة الى الفضائل الانسانية الكامنة في الناس والتي تأتي بعد الوصول الى التناغم مع قوة طاو. ومن هنا فإن الانسجام مع ارادة طاو لن يتحقق إلا بمراعات النظام الاخلاقي الذي يشكل انتهاكه خطيئة بحق السماء.
• تعلم الطاوية بأن على الانسان أن يتصرف كما يشاء ولكنه يجب أن يكون صادقا في كل شىء وأن يُربي فضائل الصدق والاخلاص والتواضع وعدم التدخل في شؤون الآخرين والابتعاد عن الحقد والغضب وأن يُمارس الرحمة والمحبة مع الآخرين، وأن يكون صادقا وصالحا مع الجميع. وأن يكون حكيما لأن للحكمة قدرة سحرية تبعده عن المرض والأذى والموت وتساعده على العيش سعيدا من دون أن تصيبه الامراض خلال حياته.
• تعلم الطاوية بالعيش قريبا من الطبيعة لكي يستمد الانسان القوة والعزيمة والتحمل والسعادة والهدوء. وعلى الطاوي أن يُسلم نفسه للطاو الذي هو مصدر الكمال والصلاح والمعرفة الكاملة، وأن يطهر نفسه من جميع المشاغل والشوائب وذلك للوصول إلى الحقائق المجرّدة، ويتم ذلك عن طريق التجرّد من الماديّات والتقرّب من الروحانيات. لأن أعلى مراتب الوحدة والقوة والشفاء هي التناغم الروحي التام بين الفرد والطاو وذلك بحصول الإندماج بينه وبين الذات العليا لتكوين شخصية واحدة. فإذا ارتقى الإنسان إلى المعرفة الحقة عندها يستطيع أن يصل إلى الحالة الأثيرية حيث لاموت ولا حياة.
• يعتقد الطاويون أن (الطاو)، هو الله وله نفس المفهوم الموجود في الاديان الاخرى وهو أصل كل الأشياء، وإليه تعود الأشياء، وكل مافي الكون هو تمثيل يسعى للتناغم معه في ثنائية (الينغ واليانغ).
• يُحارب الطاويون الحداثة والعصرنة والعولمة والشرائع والقوانين والعلم وما إلى ذلك من مظاهر المدنية التي تعمل بحسب مفهومهم على إبعاد الانسان عن الفطرة.
• لا يؤمن الطاويون بالجنة والجحيم ولا بقيامة الاموات، والأبدية الوحيدة التي يؤمنون بها هي مكافأة الطيبيين والمحسنيين بالصحة الجيّدة وبطول العمر وبينما يدانون الأشرار بالمرض والموت المبكر، فيما عدا بعض التيارات الطاوية التي تؤمن بدينونة الأجداد والاسلاف كما بيّنا سابقا.
• يؤمن الطاويون بوجود طاقة حيوية حول أجسام البشر، تتحكم في قدراتهم وتصرفاتهم ونواياهم وهي عادة ما تسمى بالأثير، وهي طاقة الحياة ودليلهم على وجودها هو بقاء رائحة الانسان في نفس المكان لفترة ما بعد مغادرته المكان ووجود الطاقة الكهربائية في جسم كل انسان هو دليل آخر.
• تعلم الطاوية التأمل الانتقائي(النرفانا)، وهي الحالة التنفسية العميقة (المانترا)، في ممارسة الصوم والتقشف وقتل الشهوات، والتي يصل الانسان فيها الى المرحلة التي تؤهله في الاتحاد مع (الطاو) وتجعله معافى من جميع الأمراض الجسدية والنفسية.
• تعلم الطاوية بالإبتعاد عن المدن الكبيرة والاستقرار بالقرب من الطبيعة حيث الجبال والأنهار والبحار، وتشجع العيش في الأمكنة المناسبة للتأمل والصلاة والسكون والهدوء والاستسلام للطبيعة وإتخاذها مرشدا وهاديا في الحياة.
• تحارب الطاوية المعرفة العالمية، لأن المعارف تعقد الحياة وتجعل الانسان حزينا وأما الطبيعة، فتزيد الانسان فرحا وسعادة.
• تهتم الطاوية بالعلوم التي تساعد على الصحة والتقدم في العمر، لأن التقدم في العمر هو دليل على القداسة والخلود ونوع من أنواع الرضى الألهية. ولهذ فالطاويون يُمارسون التدريبات الرياضية والرياضات الروحية وكل أنواع السحر والشعوذة التي تساعد على طول العمر والخلود.
• تدعو الطاوية سياسيا على تبادل المنفعة بين الحكام والمحكومين الذين عليهم القبول بما هو مخطط ومرسوم من قبل الآلهة. إلا أن الدعوة الثانية بحسب الفلسفة الطاوية للفيلسوف(لاو تسو)، هي العمل على ترضية الرعية في المأكل والمشرب والعيش ببساطة من دون التشجيع على العلم والتعلم حتى يكون من السهل السيطرة عليهم وتوجيههم.
• تؤمن الطاوية بوجود الروح الإلهية في كل أنواع الحيوانات وبعضها خيّر وبعضها الآخر شرير ونجس ويجب عبادة كلا النوعين لغرض خلق التوازن المعقول بين الخير والشر. فالقوة الكونية المُطلقة (تي) والقوة الخالقة (طاو)، أو (الطريق)، هي في ممارسة السلوك الجيّد والحسن لترضية الآلهة التي تعاقب الأشرار وتكافىء الأخيار.
• لا يوجد مفهوم الخلاص في الطاوية، لأن الشر واجب الوجود ولا بد منه ولا يُمكن محاربته. وهو ليس كله شر، لأن قسم من الخير يكمن فيه. والخير أيضا واجب الوجود، ولابد منه، ولا يُمكن محاربته، لأن قسم من الشر يكمن فيه.
• تدعو الطاوية على إهمال متطلبات الحياة والبحث عن الاشياء التي من الممكن أن تساعد على السموّ بالروح للوصول الى (الطاو)، الذي يتناغم مع القوانين الأزلية للكون. وتدعو أيضا الى تجنب الشر والأفعال الناتجة عنه من الغصب والاجبار والنزوات الشريرة التي تؤدي الى الابتعاد عن الطاو.
• تقف الطاوية موقفا اخلاقيا مهما من القضايا الاخلاقية المعروضة اليوم مثل الاجهاض والقتل الرحيم والزواج المثلي والطلاق، وهي تؤيد بعض المفاهيم وتقف بقوة معها وتعارض بعضها الآخر وتمنعها منعا باتا.
الطقوس والاحتفالات:
منعت الطاوية الطقوس والشعائر منذ اليوم الاول من نشوءها إلا أن الشعب المؤمن إضطر بمرور الزمن الى ممارسة بعض المراسيم مثل اليوغا وطرقها المختلفة للسيطرة على الجسد واكتساب القوة الخارقة مع استعمال القوة السحرية والممارسات الفلسفية التي تهدف الى إطالة العمر. وتعلم معظم هذه الطقوس بأنه على الطاوي المؤمن أن يحيا حياة طبيعية خلال فترة بقائه في الحياة من دون خوف من الموت.
وهناك طقوس عديدة لتجديد العلاقة بالآلهة وكيفية تنصيب الكهنة وتنظيم الطقوس والشعائر للإحتفال بميلاد الآلهة مع الطقوس الخاصة بمراسيم الدفن والزواج والولادة.
وطقوسهم الخاصة في معالجة المريض بالابر واليوغا مع حرق البخور واستعمال الماء المسحور والموسيقى والأقنعة والكتب المقدسة.
كانت الطقوس الطاوية قد بدأت في كيفية تحسين الصحة واكتساب القوة الجسدية وتطوّرت بعدها الى كيفية إدامة بقاء الفرد في هذه الحياة، وأخيرا تطوّرت الى الخلود والأبدية بعد إكتشاف صعوبة البقاء على الحياة في هذه الدنيا وصعوبة التغلب على جميع الامراض.
وحبا بممارسة طقوس السحر والشعوذة وإطالة العمر بدأ الطاويون بتأسيس مذاهب خاصة يُمارس أتباعها طقوسهم السحرية بشكل إنفرادي وأصبحت فيما بعد تأخذ شكلا جماعيا حيث يجتمع المؤمنون بشكل حلقات يشرحون فيها قوة اليوغا والسحر واستعمال الابر السحرية وغيرها من الاساليب في إطالة العمر. ويؤمن أتباع هذه الفرقة التي أسسها المعلم السماوي (تشانغ طاو لينغ) والتي سماها (طاو وو تو مي). ويؤمن أتباع هذه الفرقة بخلود مؤسسيها وصعودهم الى السماء.
ويُمارس الطاويون طقوسا أخرى، يُحاولون من خلالها تجديد العلاقة بينهم وبين الآلهة. وهناك طقوسا للإحتفال بعيد ميلاد الآلهة وطقوس الدفن والزواج والولادة، مع طقوس التأمل وحرق البخور والموسيقى وأنواع اخرى من العبادات التي يستعملونها الطاويون في المناسبات الخاصة والعامة.
وتظهر الطقوس في التقاليد الدينية الصينية القديمة والتي توارثتها الديانة الطاوية، وتبدأ بالانحناء نحو المذبح في الهياكل والبيوت مع حمل عصا تعلوها البخور العطرة في يد واحدة. وقد تمارس هذه الطقوس في الهياكل والبيوت أو في الهواء الطلق من قبل أشخاص عاديين أو مسؤوليين. ويقدم الطاويون المواد الغذائية كقرابين للآلهة والأرواح، وقد تكون هذه القرابين أجزاء من الخنازير المذبوحة أو قطعة من البطاطة أو الفواكه. وهناك نوع آخر من القرابين وهو إحراق أجزاء من هذه القرابين لكي يتصاعد دخانها الى السماء لترضية الآلهة.
رموز الطاوية(الينغ يانغ):
ينتشر هذا الرمز إنتشارا واسعا في الثقافات الصينية واليابانية والكورية. ويرمز الى الذكر والأنثى في الغالب، والى الخير والشر وكل التضاددات الاخرى مثل الحار والبارد، العالي والمنخفض، الطويل والقصير، الضعيف والسمين، الجميل والقبيح، الموجب والسالب.
ومن الجدير بالاشارة، أن الرمز على شكل دائرة تحتوي على مساحتين واحدة مظلمة والاخرى مضيئة، وهما في وضع دوراني يدل على التناوب الابدي بينهما، وهو التناوب الذي أظهر الموجودات وأعطاها حالة الحركة والشكل والوجود وأخرجها من حالة السكون واللاتمايز والعدم(اللاوجود). وتتكون الدائرة من النصفين المتداخلين ومن الخط الفاصل بين النصفين أو المساحتين ويُقسم الخط الدائرة الى قسم أعلى وقسم أسفل، الى يمين ويسار، الى أمام وخلف، الى قسم مظلم وقسم مضيء. ويدل القسم المظلم وفيه بقعة بيضاء والقسم المضيء وفيه بقعة سوداء. وفي كل صورة بيضاء بقعة سوداء وفي كل صورة سوداء بقعة بيضاء، أو بالاحرى في كل حالة إيجابية بعضا من السلبية وفي كل حالة سلبية بعضا من الإيجابية. والقسم المضيىء والمظلم في الدائرة يرمز الى الخير والشر وكذك الى الذكر والأنثى، ومعنى ذلك أن القسم المتعلق بالخير فيه جزء شرير، والقسم المتعلق بالشر فيه جزء خيّر. وكذلك قسم المتعلق بالذكر فيه جزء انثوي، والقسم المتعلق بالأنثى فيه جزء ذكري. والدائرة ذات النصفين، يفصل بين قسميها خط بشكل حرف(S) الذي يفصل القسم الأبيض عن القسم الأسود. ويرمز القسم الأبيض الى العنصر الذكري والقسم الأسود الى العنصر الأنثوي. والنقطة البيضاء في القسم الأسود والنقطة السوداء في القسم الأبيض، يعني: " أن كل عنصر ذكري يكمل بالعنصر الأنثوي والعنصر الأنثوي يكمل بالعنصر الذكري". وهكذا بالنسبة الى الخير والشر. فإنك تجد خيرا في الشر وشراً في الخير. والخير والشر يتواجدان معا في ميزان متعادل. فكل ما يحدث في الكون يمكن ربطه بالتوازن بين (الينغ) و(اليانغ) أو بالعناصر الخمسة (الخشب والنار والأرض والمعدن والماء) التي تعمل على شكل حلقة متكاملة كل عنصر يخلق عنصراً ويدمر آخر فيما بينها لإيجاد التوازن المذكور في ما سبق.
كما جاء في تعاليم لاو تسو عن وحدة الأضداد: "ينجم الوجود واللاوجود عن بعضهما البعض، وكذلك الصعب والسهل يكملان بعضهما البعض والطويل والقصير يقابلان بعضهما البعض والعالي والمنخفض يسندان بعضهما البعض والصوت والصمت يجاوبان بعضهما البعض ولا يبادر الحكيم الى فعل شيىء وهو يقدر أن يُعلم بدون كلمات". وفي هذا المقطع نجد المفهوم الطاوي في وحدة الثنائيات والكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة.
وهناك عدد من الرموز والصور الاخرى التي تمجّد تاريخ الطاوية وتعاليمها، كما هو (الصليب) في المسيحية، والعجلة في البوذية والهلال في الاسلام. والرمز الطاوي (الينغ يانغ)، والذي يُستعمل غالبا للتزيين ويوضع كذلك على الاعلام وفي الهياكل وعلى الملابس الكهنوتية التي يستعملها المسؤولون الدينيون.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,754,936
- الديانة السيخية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
- الجاينية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
- الكونفوشيوسية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
- الشنتوية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
- البوذية: المنشأ والجذور والعقائد الروحة
- الإسلام: المنشأ والجذور والعقائد الروحية (ج 2)
- الإسلام: المنشأ والجذور والعقائد الروحية (الجزء الثاني)
- الإسلام:المنشأ والجذور والعقائد الروحية(الجزء الاول)
- المسيحية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية(الجزء الثالث)
- المسيحية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية(الجزء الثاني)
- المسيحية: المنشأ والجذور والعقائد الدينية(الجزء الاول)
- اليهودية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
- الزرادشتية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
- الزواج: واحد + واحد = واحد
- الهندوسية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية
- الأمل نزعة فطرية تعلم التشبث بالحياة
- سعادتي في الايمان
- الثقافة الصحية ركن من اركان المجتمع المتمدن
- لا نظام من دون منظم ولا حركة من دون محرك
- هل وجد الكون بالصدفة، أم هو أزلي، أم هو مخلوق؟


المزيد.....




- ما الذي تقوم به إيران باليورانيوم في مفاعلاتها النووية؟
- تونس أمام مأزق قانوني ودستوري سواء فاز القروي أم خسر في الان ...
- رحيل -غامض- لأربعة علماء مصريين بالخارج.. شكوك تعزز سيناريو ...
- رغم الحواجز.. مظاهرات بالجزائر تتمسك برفض الانتخابات في ظل ب ...
- قبل ساعات من الموعد.. محمد علي يقترح على المصريين إستراتيجية ...
- وكالة: نحو مليوني عامل أجنبي غادروا السعودية
- لهذه الأسباب تتجه مصر لتحلية مليون متر مكعب من مياه البحر بح ...
- بالفيديو...لماذا يحول الاحتلال الأمريكي وميليشياته شرقي سوري ...
- مصر تحذر من 21 دواء فيها -سم قاتل-
- الخارجية الروسية: موسكو تواصل التعاون مع طهران في القطاع الم ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - صبري المقدسي - الطاوية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية