أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوزفين كوركيس البوتاني - حقل التفاح














المزيد.....

حقل التفاح


جوزفين كوركيس البوتاني

الحوار المتمدن-العدد: 3971 - 2013 / 1 / 13 - 00:43
المحور: الادب والفن
    


بعد أن قضى معظم عمره معلمًا في مدرسة قريته التي لم يغادرها منذ ولادته، ها هو اليوم يعمل في نفس المدرسة ولكن كمنظف، وهو الذي كان يعلم طلابه -حتى في أصعب الظروف- بألا يرضخوا لأحد. كان يزرع فيهم قوة الارداة ويعلمهم عدم السماح للغرباء بمس اراضيهم واعراضهم. كان يحرض طلبته ضد النظام آنذاك، وكان صوته يصل لجميع أهالي القرية الذين كانوا "يحسبون له ألف حساب" كما يقال، لأنه لم يتفوه إلا بما كان يصب في صالح وخدمة الجميع.
وفي يوم من الأيام، والثلوج تهطل بغزارة في الخارج، دخلوا إليه وكبلوه وسحلوه أمام جميع أهالي القرية، بتهمه "الوقوف ضد الحكومة" واقتيد يومها الى جهة مجهولة، إلى مدينة بعيدة، وهو الذي لم تطأ قدمه المدن منذ أيام الدراسة. وحتى خلال ايام الدراسة كان يحس بالأيام ثقيلة الوطأة على صدره ولم يستطع التكيف مع حياة المدينة قط. ولازال يتذكر كم كان سعيدًا يوم تخرجه من الجامعة ليصبح معلمًا ويعود الى ابناء قريته كي يشركهم بالعلم والمعرفة.. وهاهو اليوم يساق مدانًا الى سجون مخفية في المدينة، حيث بقي شهورًا وشهورا حتى فقد اهل القرية كل أمل في عودته، ولكنه عاد! عاد مهزومًا ومهزوزًا ومتهدمًا تمامًا..عاد أخرسًا بعد أن غصب على ان يعترف بانه شيوعي ويعمل لصالحهم، وبأنه يحرض الناس ضد الدولة والدين، وهي اتهامات لم يكن لها اي أساس من الصحة، كل ما في الأمر انه كان يعّلم الناس عن حقوقهم وكيفية الدفاع عنها..كما وكان يحدثهم عن قوانين اكثر عدالة في بلدان اخرى بالمقارنة مع بلدهم..وكل ذلك ذهب هباء بعد جعلوه يصمت للأبد..
**
حين عاد إلى القرية بدا مدمر الهيئة تمامًا، ومع ذلك استقبله الجميع بحفاوة وهللت له النساء وهتف الرجال، ولكن كل هذا لم يكن مجديًا لا سيما وانه كان قد فقد السمع كما فقد القدرة على التعبير عن نفسه تمامًا. فهو لم يقبّل اطفاله ولم يضم زوجته الى صدره برغم حبه الكبير لهم جميعًا، بل اكتفى بتأملهم وكأنه يحاول ان يقول: انتم تبدون بخير ولم يصبكم شيء هنا مما اصابني هناك..
وتفرق اهل القرية بعد ان اوصلوه الى بيته، وهرعت زوجته الى احدى الغرف لتجلب له كرسيًا ليجلس حيث بدا عليه التعب وعدم القدرة على الوقوف لفترة اطول..تأمل الكرسي وتذكر اليوم الذي صنعه فيه من خشب الجوز..تذكر تلك الشجرة خلف البيت والتي يقال بأن عمرها أكثر من مئة سنة، ثم تنهد وهو يفكر كيف تمثل تلك الشجرة تاريخ اجداده الحي- فلقد غرسها جده يوم حفروا اساس هذا البيت المبني على سفح الجبل.. ولم يتبقى شيء من المعلم سوى هذا الكرسي الذي كان يضعه كل يوم امام الباب ليجلس عليه وهو يراقب المارة من اهل القرية الذين كانوا يحيونه تارة بالآرامية وتارة بالكردية، غير انه لم يكن يجيب احد لأنه فقد القدرة على التواصل مع الآخرين تمامًا..لم يتبقى شيء منه سوى الجلوس على الكرسي ومراقبة المارة..
**
وفي يوم، بعد ان نالت قريته حريتها واستقلالها، قرر الأهالي تكريمه لمواقفه النبيلة تجاه قضيتهم ولذا قرروا إعادة تعيينه في نفس مدرسته القديمة ولكن كمنظف هذه المرة لكي يضمنوا له راتبًا يضاف الى تقاعده لسد الاحتياجات الضرورية له ولأسرته، ولذا فتحول موقع الكرسي من أمام باب البيت إلى امام باب المدرسة..ولكن صمته بقيَّ على حاله.. وبين الحين والآخر كانت تراوده ذكريات موت امه واولاد عمه في قصف جوي، ونزوح اهل القرية جميعًا بعد ان تم احراقها بالكامل، وكيف هاجر اولاده الثلاثة إلى خارج البلد بحثًا عن الأمن ولقمة العيش، ورغم ذلك فقد كانت تعاسته تهون كلما تذكر بأنه قد عاد بين اهله وبأن هناك من سيقوم بدفنه في قريته الحبيبة عندما يموت..ولكنه كان يحزن كلما نظر إلى الحقل الذي ورثه عن اباه الذي اوصاه بألا يهمله حيث كانت العائلة قد دفعنت ثمنًا ماديًا ومعنوي باهض للحصول عليه..وكان من المفروض عليه ان يكمل ما بدأه ابوه. وفجأة نهض عن كرسيه، والذي قلما كان يبارحه منذ عودته من السجن، وسار إلى الخارج وبدأ يتأمل الحقل وتنهد وهو يخاطب نفسه: ترى لو مت وماتت زوجتي من سيتولى العناية بهذا الحقل؟
وقفل عائدًا الى البيت وهو يحاول التحدث الى زوجته التي عجزت عن فهم ما كان يقصده، وحين أشار بيده الى الحقل، فهمت قصده على الفور واخبرته بألا يهتم لأن احد ابنائهم سيعود للعناية به حتمًا؛ كما اكدت له بأن هذه الأرض التي حافظ عليها الأجداد والتي لطالما منحتهم جميعًا من طيباتها لابد وان تتم المحافظة عليها. فنظر إليها وشعر لأول مرة منذ خروجه من السجن بأنه يشتهيها، فضمها إلى صدره ولكنه عرف بأنه كان عاجزًا عن ان يمنحها اكثر من قبلة على الجبين- كمن يقبل جبين امه- وتمدد فوق السرير واخذه نوم عميق دون ان يستفيق بعده ابدًا.. وهكذا رحل المعلم مخلفًا وراءه حقل تفاح وزوجة مريضة وابناء مشتتون هنا وهناك...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,471,095,755
- الملكية
- المرأة في بلدي
- بصحة لا أحد!
- الداهية والأدهى منه
- عرس في أطراف المدينة
- نعيق غراب ونافذة انتظار
- طرق بابي ومضى
- اللقاء الأخير
- نظرة ود عابرة


المزيد.....




- محمد يعقوب يفوز ببردة شاعر عكاظ لهذا العام
- الإمارات تنعي كاتبها وشاعرها
- منشور ماكرون باللغة الروسية يثير غضب السياسيين
- ندوة لمناقشة ديوان -سيعود من بلد بعيد-
- فيل نيفيل يدعو لمقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي بعد تعرض بوغب ...
- بين الدراما الملحمية والكوميديا السوداء.. أربعة أفلام روائي ...
- وقائع المؤتمر الصحفي الخاص بإعلان الدورة السابعة من مهرجان د ...
- رحيل الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب الإماراتي حبي ...
- يتيمة الدهر.. عندما انتعش الأدباء والشعراء في القرن العاشر ا ...
- الرئيس التونسي: إحياء اليوم الوطني للثقافة لتكريم المبدعين ن ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوزفين كوركيس البوتاني - حقل التفاح