أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - القراءة المنسية ... مراجعة لنظرية «العلماء الأبرار» القراءة الأولى للمذهب الشيعي عن أصل الإمامة















المزيد.....



القراءة المنسية ... مراجعة لنظرية «العلماء الأبرار» القراءة الأولى للمذهب الشيعي عن أصل الإمامة


أحمد القبانجي

الحوار المتمدن-العدد: 3972 - 2013 / 1 / 14 - 07:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بقلم: محسن كديور
ترجمة: أحمد القبانجي

تعتبر «الإمامة» أصلاً محورياً في قراءة الشيعة للإسلام، والسؤال هو: هل أنّ الشيعة كانوا ولا زالوا يعتقدون بأنّ هذا الأصل لم يمسّه أي تغيير وتحوير على إمتداد القرون والعصور وخاصة بالنسبة للقرون الخمسة الأولى من التاريخ الشيعي؟
إنّ الفرضية التي تقوم على أساسها هذا الدراسة تقرر حدوث تحوّل كبير في أصل الإمامة منذ القرن الثالث إلى الخامس الهجري، بمعنى أنّ قراءة علماء الشيعة لأصل الإمامة،التي تقرر أنّ الإمام يملك مترتبة فوق بشرية، بدأت من أوائل القرن الثاني، وهذه القراءة، وإن تحرك الأئمّة وأصحابهم على مستوى ردها وانكارها ولكنّها بقيت بشكل قراءة ورؤية مفضولة وهامشية واستمرت هذه الرؤية إلى العصور التالية.
وفي عصر غيبة الأئمّة تحرك المعتقدون بهذه القراءة بشكل فاعل لتثبيت ونشر قراءتهم هذه بحيث إنّ القراءة الأولى «أنّ الإمام بشر» واجهت إشكالية كبيرة، وفي القرن الثالث والرابع اتخذت القراءة الثانية «أنّ الإمام يملك صفات وحالات فوق بشرية» من الكوفة مقرّاً لها، بالرغم من أنّ علماء قم كانوا ينكرون هذه الرؤية بشدّة إلاّ أنّ هذه القراءة تمّ ترميمها في بغداد في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس بضم عناصر عقلية لهذه الاطروحة الشيعية، وأمّا القراءة الأولى «القراءة البشرية» فقد أخذت طريقها إلى زاوية النسيان وتمّ اقصاؤها عن أجواء الفكر الشيعي إلى درجة أنّ القراءة الثانية للإمامة «فوق بشرية» أضحت هي الأصل وتعكس التشيع الأصلي في الذهنية الشيعية.
ولم يصل إلينا من أعمال وآثار علماء الشيعة الذي يعتقدون بالرؤية البشرية للإمامة سوى كلمات متناثرة، فجميع المصادر الشيعية الموجودة حالياً تقرر الرؤية فوق البشرية للأئمّة، ولكنّ آثار النزاع الفكري والعقائدي بين مدرسة الكوفة وقم، وكذلك بعض الآراء التي تؤيد الرؤية الأولى موجودة في طيات كتب مخالفيهم، مضافاً إلى أنّ الكتب الرجالية والكلامية والفقهية في ذلك الوقت نقلت إلينا الكثير من آراء وأقوال كلتا الطائفتين أو القراءتين، أمّا آراء المعتقدين بالرؤية البشرية للإمامة فقد وردت في إطار عدد من الأحاديث المتعددة في الكتب الروائية، وهذه المرويات أحياناً نقلت في الكتب بشكل حيادي ولكنّها في الغالب نقلت من موقع النقد والإشكال.
إنّ مراجعة هذه المرويات والآثار الفكرية للعلماء الأوائل تثبت أولاً: إنّ القراءة الأولى للشيعة عن الإمامة تختلف كثيراً عن قراءة الشيعة بعد ألف عام.
ثانياً: إنّ القراءة الأولى كانت ميهمنة على الذهنية الشيعية إلى القرن الخامس وخاصة في القرن الرابع والخامس، فكانت هي القراءة السائدة في الفكر الشيعي، وعلى أيّة حال فإنّ هذه القراءة المختلفة عن الإمامة لا يمكن إنكارها، أي أنّ الشيعة في ذلك الوقت وخاصة أهم علماء الشيعة في القرن الثالث والرابع كانوا يعتقدون بالرؤية البشرية للإمامة كما سيأتي تفصيله.
إنّ الإشكالية الفكرية والاعتقادية التي كانت محل نزاع بين المتكلّمين والأصوليين من جهة، وبين أهل الحديث والحشوية والأخباريين من جهة أخرى ظهرت في القرون الأولى، وهذه الإشكالية تمثّل بعداً واحداً من أبعاد المسألة مورد البحث، حيث تمّ تهميش الأبعاد والجوانب الأخرى في خضم هذا النزاع والسجال الفكري.
إنّ محور النزاع بين المدرسة قم ومدرسة الكوفة يتمحور حول «كيفية فهم أصل الإمامة»، وفي القرن الثالث كانت أدوات البحث لكلا المدرستين تقتصر على الأحاديث المنقولة عن الأئمّة، فبعضهم كان ينقل الأحاديث التي تقرر فضائل فوق بشرية للأئمّة بينما ينقل البعض الآخر ـ ممن يعتقد بالرؤية البشرية ـ أحاديث أخرى وينكرون صحة ووثاقة تلك الأحاديث التي نقلها أنصار الرؤية فوق البشرية، وقد اطلق المعتقدون بالرؤية فوق بشرية للأئمّة على منكري هذه الرؤية اسم «المقصّرة» أي أنّهم يقصّرون في معرفة حقوق ومكانة الأئمّة وأبعادهم الوجودية، وأمّا أصحاب القراءة الأخرى فيسمون هؤلاء بـ «المفوضة»، أي الذين يقولون بتفويض الأمور الربوبية للأئمّة من أهل البيت.
السؤال إذن: ما هو الطريق الوسط الذي يرسم خط الاعتدال في موضوع صفات وحالات الأئمّة؟ كان هذا هو السؤال المطروح بقوة في ذلك العصر، لقد كان للمتكلّمين الشيعة في بغداد دوراً كبيراً وسهماً وافراً في تكوين وصياغة الفكر الشيعي والهوية الشيعية حيث عملوا على إصلاح الأفكار والرؤى للكوفيين المتهمين بالتفويض.
ومن هذا المنطلق تحركت مدرسة بغداد في مواجهة مدرسة قم اعتماداً على السعي العلمي الجاد في ترسيخ وتعميق خط الاعتدال الشيعي رغم وجود تقارب كبير في دائرة الاعتقاد بالإمامة بين مدرسة بغداد ومدرسة الكوفة وخاصة في الصفات والحالات فوق البشرية للأئمّة وبذلك استلم علماء هذه المدرسة زمام الفكر المذهبي لدى الشيعة،.
وعلى هذا الأساس تتبيّن الفرضية الثانية لهذه الدراسة، وهي، أنّ فكرة الغلو والتفويض التي أنكرها الأئمّة في القرنين الأولين بشدّة، بدأت منذ النصف الثاني من القرن الثاني بإجراء بعض الترميم والتعديل لمقولة الغلو والتفويض بعيداً عن أشكال الغلو المفرط والتفويض المجحف «الرؤية الربوبية للأئمّة» وفي إطار الارتفاع بفضائل الأئمّة وحالاتهم الخارقة، وتدريجياً دخل هذا الفكر إلى الذهنية الشيعية إلى حدّ أنّ هذا الفكر المعدل والمُحسن «الغلو والتفويض المعتدلين» بسط سيطرته المطلقة على الفكر الشيعي في القرن الخامس، بمعنى أنّ المفوّضة منذ هذا القرن فلاحقاً لم يكونوا بمثابة تيار مستقل عن التشيع بل إنّ هذه العقيدة والفكرة عن الأئمّة أصبحت هي العقيدة الرسمية للتشيع، والتي تقترن بملامح من الغلو والتفويض غير المفرط. فما كان يعدّ غلواً وتفويضاً في زمان سابق أصبح اليوم جزءً وركناً رئيسياً من أركان المذهب، فإذا اطلقنا على هذا التحوّل كلمة «استحالة» أي استحالة الشواخص والمعالم لمذهب معين في أحد أصوله الاعتقادية المهمّة، فربّما لا نجانب الصواب.
وإذا طالعنا أصل الإمامة في القرون المتأخرة نرى أنّ الخصوصية فوق البشرية للأئمّة أضحت من ذاتيات وضروريات هذا المذهب، ولا يمكن طرح قراءة أخرى لهذا الأصل الاعتقادي، ولكن إذا نظرنا إلى مسيرة التشيع في حركتها التاريخية وتكونها التدريجي وخاصة فيما يتصل بمعارف القرون الخمسة الأولى فإنّه ليس فقط يمكننا القول بوجود قراءة أخرى لمقولة الإمامة في واقع الوسط الشيعي بل غلبة هذه القراءة على القراءة فوق البشرية، وعلى أية حال إنّ هذه القراءة لأصل الإمامة التي كانت في الصدر الأول للفكر الشيعي تمثّل حقيقة تاريخية لا غبار عليها.
وربّما تثار في مواجهة هذه القراءة المنسية للشيعة عن الإمامة العديد من الأسئلة من قبيل: كيف يمكن تصوير الإمامة في هذه القراءة، وما هي معالم الاعتقاد بالإمامة في هذه القراءة؟ وما هي المستندات القرآنية والنبوية والعقلية التي تدعم هذه القراءة؟ وأساساً هل أنّ الأئمّة عرّفوا أنفسهم للناس بهذه القراءة؟ وما هي خصوصيات عقيدة الإمامة في نظر الأئمّة أنفسهم؟ وما هي رؤية أصحاب الأئمّة من الطراز الأول أو الحوارين والأصحاب المخلصين للأئمّة «رؤية بشرية أو فوق بشرية»؟ وأي من علماء الشيعة، سواء المحدّثين أو المفسرين، أوالمتكلّمين، أو الفقهاء ممن يعتقدون بالقراءة البشرية للأئمّة؟
ومع من أنّ الآثار والأعمال الفكرية لعلماء الشيعة من أصحاب النظرية الثانية «فوق البشرية» وصلت إلينا، فلماذا لم تصل إلينا مكتوبات وأعمال المعاصرين لهم من أصحاب القراءة الأولى «القراءة البشرية لصفات الأئمّة»؟ هل أنّ عدم الوصول هذا كان اتفاقياً وطبيعياً، أم لا؟ وما هي العلل والعوامل التي أدت إلى اقصاء القراءة البشرية للأئمّة وتهميشها؟
وأخيراً فأي القراءتين مورد تأييد المنابع الدينية المعتبرة كالقرآن وسنّة النبي والعقل والتعاليم المعتبرة لأئمّة الشيعة، هل هي القراءة فوق البشرية أو القراءة البشرية؟
هذه المقالة لا تتكفل بالاجابة على جميع الأسئلة المهمّة المذكورة أعلاه (وإنّ كنّا عازمين على الاجابة عنها لاحقاً إن شاء الله). لا سيما السؤال الخطير الأخير من هذه الأسئلة، بل ننطلق في هذه الدراسة من موقع تمهيد بعض مقدمات هذا المسار وغرضنا من ذلك متواضع جدّاً وهو: «إثبات أنّ القراءة البشرية للإمامة كانت موجودة في القرون الأولى وعلى الأقل في القرنين الأوليين وكانت تمثّل مظهر الفكر الشيعي حينذاك).
وفي هذه المقالة وضمن تفصيل البحث في المقدمات نسعى للإجابة عن الأسئلة التالية:
1 ـ ما هي الشواهد والقرائن المعتبرة لتأييد القراءة البشرية للأئمّة في الكتب الشيعية المعتبرة؟
2 ـ مَن من علماء الشيعة، المتكلّمين والفقهاء والمتحدّثين والمفسّرين ولا سيما أصحاب الأئمّة، كان يمتلك ويعتقد بمثل هذه القراءة عن الأئمّة؟
3 ـ ما هي ملامح الإمامة في هذه القراءة الشيعية؟
هنا نسعى من خلال تحليل وصفي، لكشف الستار عن تيار مهم في تاريخ الفكر الشيعي وإزالة غبار النسيان عن هذه القراءة من خلال تقديم شواهد معتبرة تؤيد وجود هذه القراءة، ونرجو من القراء الأعزاء أن يساهموا بانتقاداتهم ومقترحاتهم ومداخلاتهم في اثراء هذه الدراسة.

الشواهد والقرائن المؤيدة لوجود قراءة بشرية عن الإمامة:
وفي هذا المجال نكتفي بثلاث شواهد صريحة وشفافة لكبار علماء الشيعة وأكثرهم اعتباراً، أحدهم رجالي والآخر أصولي، والثالث فقيه، حيث كان هؤلاء العلماء يعيشون بالترتيب في القرن الرابع عشر والثاني عشر والعاشر. ولا أحد من هؤلاء العلماء الثلاثة يعتقد بالقراءة البشرية لصفات الأئمّة، ولكنهم تحرّوا في تحقيقاتهم العلمية الانصاف وتناولوا المسألة من موقع البحث العلمي ويعتقدون بقوّة هذه القراءة في الواقع الشيعي في القرون الأولى وأنّ هذه الرؤية كانت تمثّل مظهر الفكر الشيعي في ذلك العصر، وهذه الشواهد لازالت حيّة وغير مهجورة حيث ذكرها العلماء في مسطوراتهم ونقلوها عن العلماء واستندوا إليها في مناقشاتهم وإن لم يلتزموا بلوازم هذه الرؤية على مستوى المعتقد، ونبدأ هنا بذكر هذه الشواهد من العلماء المتأخرين:
الشاهد الأول: ما أورده صاحب كتاب «تنقيح المقال في معرفة علم الرجال» الذي يعتبر أكبر مجموعة رجالية للشيعة وقد ألّفه العلاّمة الشيخ عبدالله المامقاني (م 1351 هـ) ويتضمن أحوال جميع الرجال الذين وردوا في أسناد الروايات الشيعية، سواء من أصحاب النبي أو أصحاب الأئمّة أو رواة الأحاديث إلى القرن الرابع (الذريعة، ج4، ص 467) وقد ورد في بداية هذا الكتاب مقدمة مفصلة تتناول القواعد الرجالية، وقد ذكر المؤلف في الفائدة 25 من المقدمة بحثاً مهماً حول اتهام بعض رواة الحديث بالغلو من قبل بعض الأصحاب، ويصل المؤلف إلى هذه النتيجة وهي أنّ هذا اتهام غير صحيح بالنسبة لأكثر المتهمين من الرواة، لأنّه يقول: (إنّ أكثر ما يعدّ اليوم من ضروريات المذهب في أوصاف الأئمّة كان القول به معدوداً في العهد السابق من الغلو) (تنقيح المقال، المقدمة، ج1، ص 211، 212).
ويستند المامقاني ضمن تحقيقه عن المتهمين بالغلو، إلى عشرين مورداً لتأييد القاعدة المذكورة أعلاه، وبذلك يقرر الفارق الأساس في معتقدات الشيعة في الماضي والحاضر وينطلق في تقريره هذا من خلال أنّ بعض الأفراد الذين اتهموا بهذا الاتهام كانوا يرون ذلك من فضائل الأئمّة وحالاتهم الخارقة وهذا الأمر من البديهيات والضروريات في معتقدات الشيعة في العصر الحاضر.
هنا نلفت النظر إلى عدّة نقاط مهمّة في هذه القاعدة التي ذكرها وأكد عليه المحقق المامقاني:
الأولى: إنّ المراد بـ (العهد السابق) أو (سالف الزمان)، وبقرينة تاريخ صدور إتهام الغلو ما ينطبق على القرون الأولى إلى منتصف القرن الخامس، (ابن الغضائري المتوفي 450 هـ).
الثانية: ومن خلال الوثائق والمستندات التي ذكرها المامقاني فإنّ المراد بالغلو هنا هو نسبة أوصاف وحالات فوق بشرية للأئمّة، وبالطبع لا يشمل ذلك أمر الخلق والتدبير والتصرف الاستقلالي في أمر التكوين والتشريع، بل مجرّد وجود فضائل وحالات خارقة للعادة والتفويض المقرر لهم بإذن الله (أي ما نطلق عليه الغلو والتفويض غير الافراطيين) ومن الواضح أنّ المعتقدين بالغلو والتفويض الافراطيين يعتبرون خارجين عن الإسلام من قِبل جميع المسلمين قاطبة.
الثالثة: وجود اختلاف فكري ونظري شديد وعميق بالنسبة لصفات وحالات الأئمّة في القرون الخمسة الأولى بين أصحاب الأئمّة وعلماء الشيعة إلى درجة أنّ بعض الأصحاب اتهم البعض الآخر بالغلو والتفويض، وبعبارة أخرى أنّ المتهمين (بالفتح) هم من يعتقد بالفضائل فوق البشرية للأئمّة والمتهمين (بالكسر) هم الذين ينكرون وجود مثل هذه الفضائل والصفات.
الرابعة: يتبيّن من عبارة الشيخ المامقاني (وهي أنّ أكثر ما يعدّّ اليوم من ضروريات المذهب في أوساط الشيعة) أنّه يشير إلى غلبة هذا النمط من التفكير في ذهنية الشيعة في القرون المتأخرة، والعبارة المقابلة لها «كان القول به معدوداً في العهد السابق» تشير أيضاً إلى بروز هذا النمط الفكري المنكر للصفات فوق البشرية للأئمّة وغلبته على التيار الآخر الذي يعتقد بالصفات فوق البشرية للأئمّة وذلك في القرون الأولى، وإلى ما بعد الغيبة بقرنين كانت هذه القراءة والرؤية البشرية للإمامة هي الغالبة وتعتبر الأساس والمظهر الذي يتجلى به الفكر الشيعي.
الخامسة: إنّ ضروريات المذهب قد واجهت تحولاً كبيراً وعميقاً على إمتداد المسار التاريخي مدّة 1000 عام، والتغيير الواقع في الفكر الشيعي لايتصل بالأمور الفرعية والعملية الثانوية، بل يمسّ أصلاً عقائدياً ومحورياً للفكر الشيعي، بحيث تعد المسائل المطروحة فيه من «ضروريات المذهب» وليس ضرورة واحدة أو ضرورتين بل «أكثر ضروريات المذهب» كما ورد في كلام المامقاني.
ومن هذه القاعدة الزاخرة بالدورس والعبر نخرج بهذه النتيجة وهي أنّ بعض ضروريات المذهب قد تعرضت للتحوّل والتغيير، فبعض ما يعدّ اليوم من ضروريات المذهب الشيعي لم يكن كذلك في العصور السابقة بل كان محل استنكار واستهجان من علماء الشيعة الأوائل ويعدّ من الغلو، والعكس صحيح. ففي خضم هذا التحول التاريخي للمقولات الدينية فإنّ بعض ما كان من ضروريات المذهب في السابق لا يعدّ كذلك في العصر الحاضر، أي أنّه ليس من ذاتيات المذهب بل من افرازات أذهان علماء الكلام أو الفقهاء في دائرة الفكر الشيعي، وليس بالضرورة أنّه مطابق للواقع ونفس الأمر في خزانة علم الله، وإلاّ فماذا نفسر كل هذا التحول والتغيير في مقولات العقيدة وتفاصيلها؟
ولا يمكن من جهة أخرى الاستناد إلى «مسألة البداء» في تبرير هذا التحوّل والاستحالة لضروريات المذهب وإضفاء الصبغة الإلهية على هذه المعارف البشرية.
وعلى أيّة حال فإنّ ضروريات المذهب هذه تعتبر حالياً معيار بقاء الشخص في دائرة المذهب أو خروجه عنها، والشواهد التاريخية تثبت أنّ الكثير من المفكّرين المخالفين تمّ اخراجهم من المذهب باتهامهم بانكار مثل هذه الضروريات والحال أنّ نفس هذه الضروريات كانت في عصر سابق بعيدة عن واقع الفكر الديني وقابعة في زاوية الاهمال، فاعتبروا يا اولي الأبصار.
السادسة: إنّ المحقق المامقاني نفسه لا يقبل القراءة البشرية لصفات الأئمّة بل يعتقد برؤية الأخرى وأنّ الأئمّة يملكون حالات وصفات فوق بشرية، ولكنّه في كلامه المذكور آنفاً يؤيد وجود تيار قوي في القرون الأولى ومن بين أصحاب الأئمّة وعلماء الشيعة ممن يعتقدون بالقراءة البشرية لأئمّة.
* * *

الشاهد الثاني: ما ذكره باقر بن محمد الأكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (م 1205 هـ) الذي يعتبر أعظم عالم شيعي في القرن الثاني عشر ومؤسس المدرسة الاصولية في مقابل الأخباريين حيث بذل جهوداً علمية جبّارة في التصدي للمدرسة الأخبارية التي سيطرت على الفكر الشيعي مدّة قرنين من الزمان، وقد ألّف الوحيد البهبهاني كتابين في علم الرجال أحدهما «الفوائدالرجالية» والآخر «التعليقة على منهج المقال» ويشير البهبهاني في هذين الكتابيين الرجاليين إلى نقطة مهمّة تتصل ببحثنا الحاضر، يقول:
«الظاهر أنّ كثيراً من القدماء سيما القميين منهم (والغضائري) كانوا يعتقدون للأئمّة(عليهم السلام) منزلة خاصة من الرفعة والجلالة و مرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهاد رأيهم وما كانوا يجوّزون التعدي عنها، وكانوا يعدّون التعدي ارتفاعاً وغلواً حسب معتقدهم حتى أنّهم جعلوا مثل نفي السهو عليهم غلواً بل ربّما جعلوا التفويض إليهم أو التفويض الذي اختلف فيه كما سنذكر أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم أو الاغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص وإظهار كثير قدرة لهم وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به سيما بجهة أنّ الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين (بالجملة)، الظاهر أنّ القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية أيضاً فربّما كان شيء عند بعضهم فاسداً أو كفراً، غلواً أو تفويضاً أو جبراً أو تشبيهاً أو غير ذلك وكان عند آخر ممّا يجب اعتقاده، أو لا هذا ولا ذلك»( ).
إنّ كلام البهبهاني المذكور آنفاً والذي استند إليه المتأخرون في الكثير من مبانيهم، يتضمن نقاط مهمّة وقيمة، وهي كالتالي:
الأولى: إنّ القدماء «علماء الشيعة من القرن الأول إلى منتصف القرن الخامس» كانوا يرون الأئمّة برؤى وتصورات مختلفة، والشؤون التي كان هؤلاء يرونها للأئمّة كانت بدرجة أقل بكثير ممّا ينسبه المتأخرون من الصفات للأئمّة بحيث إنّ هؤلاء «القدماء» كانوا يرون في الاعتقاد بوجود حالات وصفات أعلى من صفات البشر للأئمّة أنّه ارتفاع وغلو في المذهب.
الثانية: إنّ رجال وعلماء الشيعة في القرون الأولى، لم يكونوا يبيحون تجاوز حد معين في الاعتقاد بصفات الأئمّة، والكثير من الشؤون والحالات فوق البشرية التي تنسب للأئمّة، كانت تتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها القدماء من علماء الشيعة وأصحاب الأئمّة وكانت هذه الرؤية لهؤلاء القدماء هي الغالبة والمهيمنة في ذلك الفضاء الفكري.
الثالثة: إنّ مشايخ قم، الذين سنأتي على ذكرهم، وأحمد بن الحسين البغدادي المشهور بابن الغضائري (المتوفي 450 هـ) كان من جملة المنتقدين والمخالفين لتيار القراءة فوق بشرية لصفات الأئمّة.
الرابعة: إنّ محاور الخلاف في صفات الأئمّة، كما يستوحى من كلام الوحيد البهبهاني، عبارة عن: إمكان صدور السهو، تفويض الأمور للأئمّة، المعجزات، الأمور الخارقة للعادة، شأن ومرتبة الأئمّة، تنزيه الأئمّة من الكثير من النواقص، علم الغيب، قدرة الأئمّة، هذه الأمور تمثّل عناصر مشتركة في جميع المحاور المذكورة في القراءة الثانية لصفات الأئمّة فوق البشرية.
الخامسة: إنّ صفة العصمة، كما وردت في كلام الوحيد، لم تكن من جملة الصفات الخلافية في الاعتقاد بالأئمّة، حيث يرى البهبهاني وجود مرتبة نازلة من القول بالعصمة في عقائد القدماء، فهل أنّ العصمة مقولة تشكيكية وذات مراتب، أو أنّها أمر متواطيء «بالاصطلاح المنطقي» ويدور أمرها بين النفي والإثبات؟ والحاصل هل أنّهم كانوا يرون العصمة للأئمّة أم لا؟ وسيأتي في الشاهد الثالث أنّ ما ورد في كلام البهبهاني غير سديد وأنّ الأصحاب كانوا يختلفون في هذه الصفة أيضاً،
السادسة: إنّ الخلاف بين القدماء في مسائل أصول الاعتقادات لا يقبل الانكار، ومن جملة محاور الخلاف في الأصول العقائدية بحث الغلو والتفويض الذي كان له مؤيدون ومنكرون بشكل جاد، وغني عن البيان أن الوحيد البهبهاني لم يكن يقبل بعقيدة القدماء بل كان يعتقد بالفكر الشيعي المشهور لدى علماء الشيعة المتأخرين بالنسبة لصفات الأئمّة.
الشاهد الثالث: ما ذكره زين الدين بن علي المشهور بالشهيد الثاني (911 ـ 965) والذي يعدّ من أكبر علماء الشيعة في القرن العاشر وأحد العشرة من فقهاء الشيعة الكبار في جميع القرون والأعصار، وقد ألّف كتابين: «مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام» و«الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» الذي يعدّ من أهم كتب الشيعة في الفقه الاستدلالي، و من جملة الكتب الدراسية في الحوزات العلمية. وقد كتب الشهيد الثاني رسالة باسم «حقائق الإيمان» أو «حقيقة الإيمان والكفر» بتاريخ 954 هـ وهذه الرسالة من مصادر بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي وكانت محط اهتمام واستناد السيد بحر العلوم (الفوائد الرجالية، ج3، ص 220) وأحد البحوث الشيقة والقيمة في هذه الرسالة هو البحث الثالث من خاتمة الكتاب في بيان صفات وحالات الإيمان، ويقول في نهاية الأصل الثالث، يعني النبوة، في مقام الجواب عن سؤال مطروح:
«وهل يعتبر في تحقق الإيمان التصديق بعصمة النبي وطهارته وختمه للأنبياء بمعنى لا نبي بعده، وغير ذلك من أحكام النبوات وشرائطها؟ يظهر من كلام بعض العلماء ذلك، حيث ذكر أنّ من جهل شيئاً من ذلك خرج عن الإيمان، ويحتمل الاكتفاء بما ذكره من التصديق بها إجمالاً».
ويظهر أنّ الشهيد الثاني في جوابه الأخير كان يميل إلى الاكتفاء بالتصديق الاجمالي في شروط الإيمان وعدم لزوم التصديق التفصيلي، ثم إنّه ذكر في صدد بيان الأصل الرابع بما به يتحقق الإيمان:
«وهذا الأصل اعتبره في تحقق الإيمان الطائفة المحقة الإمامية، حتى أنّه من ضروريات مذهبهم، دون غيرهم من المخالفين، فإنّه عندهم من الفروع.
ثم إنّه لا ريب أنّه يشترط التصديق بكونهم أئمّة يهدون بالحق، وبوجوب الانقياد إليهم في أوامرهم ونواهيهم، إذ الغرض من الحكم بإمامتهم ذلك، فلو لم يتحقق التصديق بذلك لم يتحقق التصديق بكونهم أئمّة.
أمّا التصديق بكونهم معصومين مطهرين عن الرجس، كما دلّت عليه الأدلة العقلية والنقلية. والتصديق بكونهم منصوصاً عليهم من الله تعالى ورسوله، وأنّهم حافظون للشرع، عالمون بما فيه صلاح أهل الشريعة من أمور معاشهم ومعادهم. وأنّ علمهم ليس عن رأي واجتهاد بل عن يقين تلقوه عن من لا ينطق عن الهوى خلفاً عن سلف بأنفس قوية قدسية، أو بعضه لدني من لدن حكيم خبير. وغير ذلك ممّا يفيد اليقين، كما ورد في الحديث أنّهم(عليهم السلام)محدّثون( ) أي: معهم ملك يحدّثهم بجميع ما يحتاجون أو يرجع إليهم فيه، أو أنّهم يحصل لهم نكب في القلب بذلك على أحد التفسيرين للحديث.
وأنّه لا يصح خلو العصر عن إمام منهم، وإلاّ لساخت الأرض بأهلها، وأنّ الدنيا تتم بتمامهم، ولا يصح الزيادة عليهم.
وأنّ خاتمهم المهدي صاحب الزمان(عليه السلام) وأنّه حي إلى أن يأذن الله تعالى له ولغيره، وأدعية الفرقة المحقة الناجية بالفرج بظهوره(عليه السلام)كثيرة.
فهل يعتبر في تحقق الإيمان أم يكفي اعتقاد إمامتهم ووجوب طاعتهم في الجملة؟ فيه الوجهان السابقان في النبوة، ويمكن ترجيح الأول، بأن الذي دلّ على ثبوت إمامتهم دلّ على جميع ما ذكرناه خصوصاً العصمة، لثبوتها بالعقل والنقل.
وليس بعيداً الاكتفاء بالأخير، على ما يظهر من حال رواتهم ومعاصريهم من شيعتهم في أحاديثهم(عليهم السلام)، فإنّ كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنّهم علماء أبرار، يعرف ذلك من تتبع سيرهم وأحاديثهم، وفي كتاب أبي عمرو الكشي( ) رحمه الله جملة مطلعة على ذلك، مع أنّ المعلوم من سيرتهم(عليهم السلام) مع هؤلاء أنّهم كانوا حاكمين بإيمانهم بل عدالتهم»( )
وعلى أساس هذا النص المطول للفقيه الكبير في القرن العاشر الشهيد الثاني فإنّ الإيمان بالأئمّة الاثني عشر يعدّ الأصل الرابع للإيمان، ثم إنّه يطرح سؤالاً مهماً وهو: هل أنّ الإيمان التفصيلي بالعصمة والعلم غير الاكتسابي للأئمّة، والنص الإلهي عليهم، وغيبة الإمام الثاني عشر تعدّ من شروط تحقق هذا الإيمان أو يكفي التصديق الإحمالي بالإمامة والاعتقاد بوجوب اطاعتهم؟
الشهيد الثاني كما هو منهجه لا يجيب بصراحة عن هذا السؤال بل يشير ضمناً إلى جوابين على نحو الاحتمال بالرغم من أنّه لا يخفي ميله للاعتقاد بالوجه الثاني، ويعتقد بأنّ ترجيح الوجه الأول هو من باب تماثل الأدلة على أصل الإمامة وأدلة صفات الإمام وخاصة فيما يتصل بمقولة العصمة.
وحاصل الوجه الأول لزوم الاعتقاد التفصيلي بأربعة أمور: العصمة، النص الإلهي، العلم اللدنّي للأئمّة، غيبة الإمام الثاني عشر (ع) للشيعة.
وفي نظر الشهيد الثاني أنّه لا يبعد الاكتفاء بالاعتقاد الإجمالي، أي أنّ لازم التشيع الاعتقاد بأصل الإمامة ووجوب اطاعة الأئمّة، وأمّا الاعتقاد بالجزئيات وتفاصيل هذه المقولات وخاصة فيما يتصل بالاعتقاد بعصمة الأئمّة فليس ضرورياً، فيمكن أن يكون الإنسان مسلماً شيعياً فيما إذا اعتقد بأنّ الأئمّة علماء أبرار وعلى درجة عالية من التقوى دون العصمة والعلم بالغيب.
وأهم مقطع من كلام الشهيد الثاني هو الدليل الذي أقامه على الوجه الثاني وخلاصته أنّ الكثير من رواة الشيعة لأحاديث الأئمّة والكثير من الشيعة المعاصرين للأئمّة لم يكونوا يعتقدون بعصمة الأئمّة بل كانوا يرون أنّ الأئمّة علماء صالحين ومتقين، أي «علماء أبرار» لا أكثر والأئمّة(عليهم السلام)بدورهم كانوا يرون في هؤلاء الشيعة فضلاً عن كونهم مؤمنين فهم عدول أيضاً، أي أنّ عدم الاعتقاد بعصمة الأئمّة لا يمثّل عنصراً لخروج الإنسان عن دائرة التشيع ولا يؤدي إلى القول بفسقه وخروجه عن حدّ العدالة. ويستشهد في كلامه هذا بما ورد في كتاب رجال الكشي «وهو أحد الكتب المعتبرة الأربعة في علم الرجال لدى الشيعة» من أنّ الكثير من الرواة والمحدّثين المعاصرين للأئمّة كانوا لا يعتقدون بعصمة الأئمّة، وبالرغم من أنّ الشهيد الثاني في نقله لكلام الكشي عن الرواة والشيعة المعاصرين للأئمّة، ويقرر أنّ عدم اعتقادهم بعصمة الأئمّة ناشيء من كون هذا الأمر «أي العصمة» كان خفياً عليهم، وبعبارة أخرى أنّ الشهيد الثاني كان يعتقد بالعصمة بالرغم من أنّه لا يرى في منكر العصمة أنّه خارج عن التشيع.
وفيما يتصل ببحثنا نشير إلى نقاط مهمّة في كلام الشهيد الثاني:
الأولى: أنّ كلام الشهيد الثاني ناظر إلى جزئيات أصل الإمامة، وهي، أولاً: أنّ الإمامة من ضروريات المذهب ومن أصوله لا من فروعه، ثانياً: أنّ الأئمّة يجب طاعتهم، ثالثاً: أنّهم معصومون، رابعاً: أنّهم منصوبون من قبل الله ورسوله لمقام الإمامة، خامساً: أنّهم يملكون العلم اللدنّي وغير الاكتسابي وكانوا يعلمون بكل ما يريدون علمه (علم الغيب)، سادساً: لا يوجد زمان بدون حضور الإمام. سابعاً: إنّ الإمام الأخير، وهو الإمام المهدي، حي وغائب وسيظهر بإذن الله. وهذا الكلام يبيّن بوضوح وصدق عقيدة الشيعة في الألفية الأخيرة بالاتفاق.
الثانية: إنّ الشهيد الثاني كان يرى أنّه إذا اعتقد الشخص بالإمامة واعتقد بلزوم اطاعتهم في أوامرهم ونواهيهم ولكن لم يعتقد ببعض التفاصيل من قبيل العصمة والنص الإلهي، العلم اللدنّي و... فإنّه لا يبعد أن يكون مؤمناً وشيعياً. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ الشخص يكون شيعياً فيما إذا اعتقد بالإمامة بمعنى أنّ تدينه يتطابق مع تدين الأئمّة في النظر والعمل، وإن كان لا يعتقد بحالات وصفات فوق بشرية للأئمّة، وعلى هذا الأساس فالاعتقاد بالعصمة والعلم اللدنّي وغير الكسبي والنص الإلهي على الأئمّة لا يكون من ذاتيات التشيع، لأنّ التشيع والإيمان بالمذهب الشيعي لا يدور حول محورية هذه الأمور.
الثالثة: إنّ الشهيد الثاني يقرر في كلامه أنّ الكثير من أصحاب الأئمّة ورواة الحديث الشيعة المعاصرين للأئمّة كانوا يرون أنّ الأئمّة «علماء أبرار» وينكرون الصفات والحالات فوق البشرية للأئمّة وخاصة العصمة، فعدم الاعتقاد بعصمة الأئمّة لا يعني بالضرورة الاعتقاد بصدور المعصية أو الخطأ منهم، بل بمعنى عدم امتلاك خصوصية وملكة أعلى من غيرهم من سائر الناس، وإلاّ فعلى طول التاريخ نرى الكثير من الأشخاص المتدينين الذين لم تصدر منهم معصية لله تعالى، بل كانوا يتحركون في حياتهم في خط الطاعة وطهارة النفس والعبودية لله تعالى، مع أنّهم لم يكونوا معصومين بالمعنى المصطلح عليه.
الرابعة: إنّ جماعة كبيرة من أصحاب الأئمّة ورواة الأحاديث الشيعة المعاصرين للأئمّة كانوا يرون أنّ الأئمّة مجرّد «علماء أبرار» ولم يكونوا يعتقدون بوجود منشأ لعلم الأئمّة يختلف عن الآخرين من العلماء، بل كانوا يعتقدون أنّ الأئمّة حالهم حال سائر العلماء كانوا يتحركون في الكشف عن الحكم الشرعي على أساس النظر والرأي والاجتهاد، أي أنّ علمهم اكتسابي لا أنّهم كانوا يملكون العلم اللدنّي، أو يملكون موهبة خاصة تتيح لهم الاطلاع على عالم الغيب بشكل مطلق أو مقيد، وأنّهم كانوا يحصلون على العلوم الدينية بواسطة الملائكة أو من خلال الإلقاء في قلوبهم وبلا واسطة.
الخامسة: إنّ الكثير من الشيعة الأوائل الذين كانوا يعيشون في عصر الأئمّة وكانوا ينقلون العلوم الدينية عن الأئمّة إلى الأجيال اللاحقة، بل أعلى من ذلك كانوا من أصحاب الأئمّة وقد درسوا مباشرة عند الأئمّة، كانوا يرون الأئمّة علماء أبرار لا أكثر. وببيان آخر أنّهم يرون الإمامة بإطار بشري لا أنّها حالة فوق بشرية.
هؤلاء الشيعة كانوا يعتنقون التشيع من بين المذاهب الإسلامية بسبب أنّ المذهب الشيعي يملك رصيداً في الإسلام النبوي أقوى من غيره في مجال الأدلة النظرية وأرجح من المذاهب الأخرى، مضافاً إلى أنّهم يرون أنّ الأئمّة يمثّلون النموذج العملي للإسلام الواقعي، ومن الواضح أنّ التعامل مع العلماء الأبرار لا يكون من موقع التعبد والتقليد الأعمى بل تعاملاً مبنياً على قاعدة عقلانية متماسكة، وبالإمكان إجراء حوار ونقاش مع هؤلاء العلماء الأبرار بل بالإمكان توجيه النقد إليهم وطرح الأسئلة وعلامات الاستفهام وإذا حصلت لديهم القناعة والقبول فإنّهم يتحركون على مستوى العمل.
مثل هؤلاء الشيعة وإن كانوا يرون أنّ الأئمّة أفضل وأعلم من الآخرين، ويقتدون بهم ويتخذونهم أسوة في حركة الحياة، ولكن ليس ذلك من أجل أنّ الأئمّة يمتلكون صفات فوق بشرية بل لأنّهم بعتقدون بأنّ الأئمّة على حق وأنّهم يمثّلون تجسيداً حياً لتعاليم الإسلام والقرآن.
هذه هي معالم التشيع الأول، والشهيد الثاني يعتمد في بيان هذه الحقيقة على كتاب الكشي المعروف والذي سوف نسلط عليه الضوء بشكل مستقل، إنّ كتاب الكشي الذي لخّصه وهذّبه الشيخ الطوسي، يعتبر أفضل مصدر لمعرفة رؤية الشيعة الأوائل وأصحاب الأئمّة عن أئمة أهل البيت، ألا يمكن اعتبار الكشي نفسه من زمرة القائلين بالقراءة البشرية للأئمّة؟ من الواضح أنّ الشاهد الثالث أقوى من الشاهدين السابقين، سواء من موقع اعتبار القائل، أو من موقع اعتبار المستندات المذكورة، أو من موقع اعتبار بيان التفاصيل.
والآن مع الالتفات إلى مفاد القرائن والشواهد المذكورة يمكننا ترتيب وتقسيم الفكر الشيعي في حقل الإمامة إلى نظريتين أساسيتين:

النظرية الأولى: نظرية العلماء الأبرار
وهذه النظرية كانت هي النظرية السائدة في الفضاء الشيعي إلى أواخر القرن الرابع و هناك مستندات ووثائق تؤكد على وجود أتباع لهذه النظرية من علماء الشيعة إلى منتصف القرن الخامس أيضاً، وفي القرن الثالث والرابع كان هؤلاء العلماء يتصدّرون واجهة الفكر الشيعي في المجتمع الإسلامي، وفي عصر حضور الأئمّة كان الكثير من أصحاب الأئمّة ورواة الشيعة وكذلك الشيعة المعاصرين للأئمّة يتحركون بهذا الاتجاه ويعتقدون بهذه العقيدة ويرون في أئمّة أهل البيت زعماء وقادة دينيين على المستوى العلمي والعملي وأنّ اطاعتهم واجبة وأنّ رواية الأئمّة عن الإسلام النبوي تمثّل الإسلام الواقعي وأنّ هذا الإسلام أقرب ما يكون لإسلام رسول الله، وقد أمر رسول الله المسلمين باتباع هؤلاء القادة والأئمّة.
وأيضاً على أساس هذه النظرية فإنّ الأئمّة لايمكن قياسهم بالنبي الأكرم، لأنّ النبي أولاً: منصوب من قِبل الله، وثانياً: يملك العلم اللدنّي وغير المكتسب (أي الوحي الإلهي)، ثالثاً: إنّ الوحي الإلهي والسنّة النبوية يتميّزان بوجود ملكة العصمة للنبي من قِبل الله تعالى.
إذن على أساس هذه النظرية، أولاً: إنّ كل واحد من الأئمّة منصوب من قِبل الإمام الذي قبله وبالنسبة للإمام الأول «الإمام علي» فقد نصبه النبي للناس.
ثانياً: إنّ الأئمّة لا يملكون العلم اللدنّي أو علم الغيب «علم الغيب من جهة كونه حالة فوق بشرية، والعلم اللدنّي بلحاظ كونه غير اكتسابي».
وبعبارة أخرى إنّ الأئمّة يحصلون على المعارف الدينية بطريقة اكتسابية من الإمام السابق ويتحركون على مستوى استنباط الأحكام الشرعية بعملية الرأي والاجتهاد وهم مثل سائر الناس يحتمل في حقّهم الخطأ وإن كانوا أقلّ الناس خطأً.
ثالثاً: بالرغم من أنّ الأئمّة هم أتقى وأعدل أفراد البشر وأورعهم على مستوى الابتعاد عن المعاصي إلاّ أنّ العصمة منحصرة بشخص النبي فقط، ولذلك لا يمكن القول بأنّ الأئمّة يملكون حالات وصفات تختلف عن سائر الناس بحيث يبتعدون عن المعاصي ويجتنبون الذنوب بقدرة فوق بشرية، بل إنّهم يبتعدون عن الذنوب بشكل بشري ومتعارف، ومن هنا يتصفون بأنّهم أبرار.
وعلى هذا الأساس فهذه النظرية والقراءة تنكر أية صفة فوق بشرية للأئمّة وأنّ الأئمّة يتميزون بكونهم «علماء أبرار»، وبديهي أنّ انكار فضائل وصفات فوق بشرية للأئمّة والاعتقاد بحالات بشرية للأئمّة يقتضي أنّ هؤلاء الشيعة إنّما قبلوا بالتشيع لا من موقع وجود حالات فوق بشرية للأئمّة بل من موقع رجحان هذا الاتجاه الديني في الإسلام بالمقارنة مع الاتجاهات الأخرى في المسائل والمقولات الدينية.
إنّ نظرية «العلماء الأبرار» تحتفظ بالاعتقاد بأصل ختم النبوة، وأنّ الوحي الإلهي قد انتهى لفظاً ومعنىً بالنبي محمد بن عبدالله، ورغم أنّ ارتباط الإنسان بالله تعالى والتقرب إليه مستمر ويرتبط بسعة ظرفية الإنسان العلمية وما يبذله من جهد عملي في هذا السبيل، ولكنّ هذه الرؤية لا تقبل أي حق إلهي خاص وعلاقة خاصة بالله تعالى في غير النبي الأكرم، وأمّا الفارق بين الأئمّة من أهل البيت «أي العلماء الأبرار» وبين غيرهم من علماء الإسلام فيكمن في ميزان العلم ودرجة تهذيب النفس والقرب إلى الله تعالى.
ويعتقد أتباع هذه النظرية أنّ القراءة البشرية للإمامة هي القراءة الوحيدة التي تنسجم وتتناغم مع الضوابط القرآنية والمعايير المعتبرة في السنّة النبوية والروايات الإجماعية الواردة من أئمّة أهل البيت والأصول العقلية والحقائق التاريخية.

النظرية الثانية: نظرية الأئمّة المعصومين
وهذه النظرية كان لها أتباع أيضاً في عصر حضور الأئمّة، وقد إزداد هؤلاء الأتباع في عصر الأئمّة المتأخرين إلى حدّ أنّ هذه النظرية أضحت في عصر الغيبة منافساً قوياً للنظرية الأولى، رغم أنّها لم تكن تمثّل العقيدة السائدة والغالبة في أجواء المجتمع الشيعي إلى أواخر القرن الرابع، ولكن منذ أوائل القرن الخامس ولحدّ الأن تزعمت هذه النظرية الذهنية الشيعية إلى درجة أنّ هذه النظرية وطيلة 1000 عام بعد القرون الأولى أصبحت تمثّل ضرورة من ضرورات المذهب ومن ذاتياته.
وعلى أساس هذه النظرية فإنّ تفاوت الأئمّة مع علماء الدين هو تفاوت ذاتي، فالأئمّة يملكون حالات وصفات أخرى غير ما يملكه سائر الناس من صفات وحالات وأنّهم يملكون فضائل وصفات كما كانت للنبي مع فارق واحد وهو أنّ النبي يوحى إليه أمّا الأئمّة فلا يملكون مثل هذه الموهبة رغم أنّ الأئمّة يتمتعون بملكة الإلهام الإلهي، أي أنّهم ملهمون ومحدّثون (بالفتح) «بمعنى أنّه يملكون ارتباطاً معنوياً خاصاً بالله تعالى» وأساساً لا يمكن أن يأمر النبي المسلمين باتباع أئمّة أهل البيت بدون أن يملك هؤلاء الأئمّة فضائل ذاتية.
أمّا ملامح الإمامة على أساس هذه النظرية:
أولاً: إنّ الأئمّة منصوبون من قِبل الله تعالى للناس كالنبي الأكرم وأنّ النبي بيّن للمسلمين هذا النصب الإلهي في إطار النصوص النبوية، إذن فالأئمّة منصوبون قِبل الله ومنصوص عليهم من قِبل النبي، أمّا المسلمون الذين تجاوزوا هذا الأمر الإلهي والنص النبوي فهم منحرفون عن الصراط المستقيم.
ثانياً: إنّ الأئمّة يتمتعون كالنبي بالعلم اللدنّي وغير الاكتسابي ويعلمون الغيب بإذن الله تعالى، «وبديهي أنّ مساحة هذا العلم أضيق من علم الغيب المطلق لله تعالى» فعلم الأئمّة ليس من طريق الرأي والاجتهاد، وعلمهم في دائرة المعارف الدينية وما يتصل بكونهم أسوة وقدوة للناس لا يقبل الخطأ والاشتباه.
ثالثاً: إنّ الأئمّة كالنبي، معصومون مطلقاً من المعصية «الكبيرة والصغيرة، العمدية والسهوية» وعن الخطأ. والعصمة موهبة إلهية للأشخاص المتنخبين من الناس وهي مرتبة أعلى بكثير من تهذيب النفس وطهارة الروح لدى الأولياء والصالحين من الناس.
وعلى أساس نظرية الأئمّة المعصومين فإنّ فضائل الأئمّة كفضائل الرسول الأكرم من حيث كونها فوق بشرية وأنّها تمثّل مواهب خاصة من قِبل الله تعالى لهؤلاء العباد المقربون إلى الله، والأئمّة المعصومون كالنبي الأكرم في كونهم يمثّلون وسائط الفيض الإلهي، وأنّ انكار هذه الفضائل فوق البشرية من قِبل بعض الشيعة في القرون الأولى ناشيء من قصورهم أو تقصيرهم في فهم عظمة الأئمّة ومكانتهم السامية، فالإمامة استمرار للنبوة ومكملة لها وبدون الإمامة يكون الدين ناقصاً، والأئمّة المعصومون هم شرّاح الوحي الإلهي وهم المفسّرون المعصومون للقرآن.
ورغم أنّ ظاهر النبوة قد ختم برحيل النبي الأكرم إلاّ أنّ باطن النبوة يعني «الولاية» مستمر إلى آخر الزمان ولا يمكن أن يوجد عصر وزمان بدون وجود هذه الولاية والعمل بها من قِبل الإمام الحاضر أو الحجة الغائب، وعلى ضوء ذلك فإنّ عدم الاعتقاد بالأصل الأصيل للأئمّة المعصومين يعتبر عائقاً للإنسان من نيل السعادة والفلاح والنجاة في الآخرة، إنّ خير الدنيا والآخرة يتمثّل في التبعية المحضة لأوامر ونواهي الأئمّة الطاهرين(عليهم السلام).
ويعتقد أتباع هذه النظرية أنّ الإمامة لا معنى لها بدون الاعتقاد بما ذكر آنفاً، وعلى هذا الأساس فالإمامة تمتد بجذورها إلى القرآن وسنّة النبي والعقل، وهناك روايات كثيرة وردت عن الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)تقرر هذه الخصوصيات الثلاث لمقولة الإمامة بحيث لا يبقى معها أي شك أو تردد في صحتها، إلى درجة أنّ مقولة الإمامة أضحت مقترنة مع هذه الخصوصيات الثلاث التي تعتبر حالياً من ضروريات المذهب الشيعي.

العلماء الذين يعتقدون بنظرية «العلماء الأبرار»
والآن جاء دور الإجابة عن السؤال الثاني، وهو: من هم الذين يعتقدون بنظرية «العلماء الأبرار» من علماء الشيعة بالتحديد، سواء من علماء الكلام أو الفقهاء أو المحدّثين أو المفسّرين وبخاصة من أصحاب الأئمّة، وبالرغم من سيطرة نظرية «الأئمّة المعصومين» طيلة ألف عام على الذهنية الشيعية واقصاء نظرية العلماء الأبرار في مطاوي التاريخ الشيعي وعدم الاهتمام الجاد بحفظ ميراث هذه الطائفة من علماء الشيعة، ولكن بالإمكان ذكر أسماء بعض علماء الشيعة الذين يعتقدون بهذه النظرية، وهؤلاء العلماء كانوا في حياتهم يعيشون ذروة الاقتدار المذهبي والمكانة الدينية بين الشيعة، ونبدأ بذكر الشخصيات البارزة من أنصار نظرية العلماء الأبرار:

1 ـ ابن الغضائري
وهو أحمد بن الحسين بن عبيدالله البغدادي، المشهور بابن الغضائري من علماء القرن الخامس، وقد ترك من آثاره وتأليفاته كتاب صغير في «الرجال»، أو «الضعفاء» الذي نقله أحمد بن طاووس (المتوفي 673 هـ) في كتابه «حلّ الإشكال» ونقله بشكل كامل العلاّمة الحلي (المتوفي 726 هـ) في كتابه «خلاصة الأقوال» ويذكر المحقق الكلباسي في (سماء المقال، ج1، ص 23 و 29) أنّ ابن الغضائري يعدّ من عيون الشيعة ومن أجلاء وعظماء الأصحاب، ويصفه المحقق القهقائي في «مجمع الرجال، ج 1، ص 108) بأنّه عالم عارف جليل كبير في الطائفة.
وتتسم آراء ابن الغضائري الرجالية بخصوصية معينة وهي أنّه ينسب إلى مجموعة كبيرة من رواة الأحاديث صفة الغلو والارتفاع في المذهب أو الارتفاع في حق الأئمّة وبالتالي يصف هؤلاء الرواة بالضعف، ويبدو أنّ هذا التضعيف والجرح للرواة لا يستند إلى الشهادة والسماع بل يستند إلى اجتهاده الخاص، بمعنى أنّه يحقق في النصوص الروائية التي ينقلها هؤلاء الرواة، فإذا كانت تتضمن خروجاً عن الحدّ المجاز في العقيدة على مبانيه وأنّها تتضمن الارتفاع أو الغلو في حق الأئمّة فإنّه يصف الراوي لها بالضعف ويتهمه بالكذب وجعل الحديث.
وقد تقدّم في كلام الوحيد البهبهاني في رؤية مشايخ قم وابن الغضائري بالنسبة للاعتقاد بالأئمّة أنّهم يصفون الرواة الذين يتجاوزون هذا الحدّ في المعتقد بالارتفاع في المذهب والغلو والضعف والكذب، وبالطبع فإنّ الآراء الرجالية لمشايخ قم وابن الغضائري ليست متطابقة بالضرورة، فهناك بعض التضعيفات للقميين تمّ نقضها بواسطة ابن الغضائري، وعلى أية حال فمن حيث علم الرجال فإنّ توثيقات ابن الغضائري تعدّ في غاية الاعتبار، وإن كان كتاب «الممدوحين» وللأسف لم يصل إلينا، ولكنّ العلاّمة الحلي وبسبب اعتماده على تضعيفات ابن الغضائري قد توقف في توثيق الكثير من الرواة، وأمّا الرأي المشهور بعد العلاّمة فلا يكترث بتضعيفات ابن الغضائري، ومنذ عصر العلاّمة المجلسي اتهم ابن الغضائري بالعجلة والتسرع في تضعيف الأكابر من رواة الحديث. ومع الالتفات إلى اعتماد النجاشي الذي كان معاصراً لابن الغضائري على الكثير من آرائه الرجالية، فإنّه لا يمكن اتهامه بالتسرع وعدم الدقّة في تقييم الرواة، بل يعتبر من أكبر النقاد في علم الرجال من حيث الدقّة ولا يقاس به أحد.
الوجه الثاني لعدم اعتناء علماء الشيعة المتأخرين بتضعيفات ابن الغضائري أنّ توثيقاته وتضعيفاته لا تستند إلى الحس والشهود والسماع من المشايخ والثقات بل تستند إلى الحدس والاستنباط وقراءة مضامين الروايات والحكم على الرواي على هذا الأساس «كما ذكر السبحاني في كليات علم الرجال، ص 91 ـ 102» وما يتحصل من مطاوي هذه الانتقادات حول ابن الغضائري، وبعيداً عن الموافقين والمخالفين لكتاب ابن الغضائري وقبول أو نقد آرائه الرجالية «والذي لا يرتبط بما نحن فيه» فما يتبيّن من كتابه أنّ عقيدة ابن الغضائري عن الأئمّة كانت مختلفة كثيراً مع الرؤية التي سادت بعد القرن الخامس، فعلى أساس تحقيقات المحقق المامقاني والتي وردت في الشاهد الأول من هذه المقالة يمكن القول إنّ ما كان يراه ابن الغضائري غلواً وارتفاعاً في حق الأئمّة يعدّ من ظروريات مذهب الشيعة في عصرنا الحاضر، وببيان آخر إنّ ابن الغضائري، وعلى حدّ تعبير المحقق الكلباسي «في سماء المقال، ج 1، ص 19» كان شخصاً غيوراً في الدين وحامي المذهب، وأمّا بالنسبة لرعاية شأن الأئمّة فكان يعيش حساسية خاصة في ذلك ويرى أنّ نسبة الحالات و الشؤون فوق البشرية للأئمّة من قبيل علم الغيب، القدرة الخارقة للعادة، المعجزة، تفويض الأمور التشريعية والتكوينية، هي خروج عن الحدّ المجاز للاعتدال في المذهب وتؤدي إلى الارتفاع والغلو في الدين ويرى نفسه مكلّفاً شرعاً بالتصدي لمثل هذه الظواهر السلبية.
وبالرغم من عدم وصول أكثر آثار ابن الغضائري لزماننا هذا فإنّ «الحدّ المجاز للاعتدال المذهبي في صفات الأئمّة» في نظر ابن الغضائري لا يمكن الكلام عنه بدقة، ولكن يمكن القول باطمئنان أنّه كان يمثّل أحد المنتقدين المتشددين للشؤون والصفات فوق البشرية للأئمّة ومن العلماء الغيورين الذين يعتقدون بالقراءة البشرية للإمامة أو نظرية «العلماء الأبرار»، إنّ مطالعة كتابه الباقي إلى عصرنا الحاضر والتأمل في آراء واجتهادات ابن الغضائري التي تقوم على أساس رؤيته وعقيدته الخاصة في الأئمّة «ولحسن الحظ أنّه أشار في هذا الكتاب إلى هذه المباني بشكل مختصر» بإمكانه أن يرفع كل ابهام وغموض في هذا المجال.

2 ـ ابن الجنيد الاسكافي
وهو أبو علي محمد بن أحمد الكاتب المشهور بابن الجنيد الاسكافي، «المتولد قبل عام 300 والمتوفي قبل عام 377 هـ» ويعدّ من متكلّمي وفقهاء الشيعة الكبار في القرن الرابع، وقد خلّف العديد من المصنّفات من قبيل «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة» و«المختصر الأحمدي في الفقه المحمدي» و«النصرة في أحكام العترة» التي كانت موجودة إلى زمان الشهيد الأول، ولكن للأسف فإنّ أيّاً من كتبه لم تصل إلينا. وكان ابن الجنيد فريداً في آرائه وأفكاره، ومنذ ذلك الوقت كانت آراءه محل نقد وردّ من قِبل الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى، وأمّا المدرسة الفقهية لإبن الجنيد فقد أصبحت في القرن السادس مورد اهتمام علماء الشيعة كابن إدريس الحلي والعلاّمة الحلي والشهيد الأول.
ومن آراء ابن الجنيد التي تختلف عن آراء علماء الشيعة رأيان يمثّلان أصلاً وأساساً لمدرسته الفكرية، أحدهما يتصل بأصول الفقه، والآخر بأصول العقائد، أمّا رأيه المختلف في أصول الفقه، فإنّه كان يعتقد بالقياس في الفقه، وأمّا رأيه الخاص في أصول العقائد فيدور حول علم الأئمّة. والشيخ المفيد في رسالته «المدائن السروية» يقول ضمن الإشارة إلى أحد رسائل ابن الجنيد باسم «المسائل المصرية»:
«إنّ ابن الجنيد في هذه الرسالة صنّف الأخبار (الواردة عن الأئمّة) في أبواب وتصور أنّها مختلفة في المعنى وبذلك ذهب إلى نسبة الرأي إلى الأئمّة» (مجموعة مصنفات الشيخ المفيد، ج7، ص 74 ـ 76). ويرى الشيخ المفيد بطلان رأي ابن الجنيد وأنّه يمكن الجمع بين تلك الأخبار بحيث لا يبقى اختلاف في البين، وهو أرحج من نسبة الرأي إلى الأئمّة (القياس).
وقد أشار السيد المرتضى في كتابه «الانتصار» إلى أحد الآراء الفقهية الخاصة بالإمامية وهو جواز حكم الأئمّة وحكّامهم «أي القضاة» على أساس علمهم في جميع الحقوق والحدود، وأشار إلى اختلاف ابن الجنيد في هذا الرأي وقال:
«إنّ ابن الجنيد ضمن تصريحه بمخالفته في هذه المسألة يعتقد أنّ الحاكم لا يجوز له الحكم بعلمه في أي من الحقوق والحدود».
ويرى السيد المرتضى أنّ رأي ابن الجنيد يبتني على اجتهاده في هذه المسألة وأنّه مجانب للصواب، ويقول في ابطال رأي ابن الحنيد وإثبات خطئه في هذه المسألة:
«وقد وجدت في هذه المسألة كلام غير سديد لابن الجنيد، لأنّه في هذا الأمر لا دراية له ولا دلالة، ومع ذلك فإنّه ذهب إلى وجود تفاوت بين علم النبي (صلوات الله عليه) وبين علم خلفائه وحكّامه، وهو قول نادر لأنّ العلم بالمعلومات بين العلماء المختلفين لا يمكن أن يكون مختلفاً.
على هذا الأساس إذا شاهد النبي أو الإمام علي أو الأئمّة الطاهرين وقوع جرم يستدعي الحدّ الشرعي فعلمهم معتبر في الجميع، ثم إنّ السيد المرتضى ينقل استدلال ابن الجنيد في الحكم بالعلم، في غير النبي، بهذه الصورة:
«وجدت الله تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقاً أبطلها فيما بينهم وبين الكفّار والمرتدين كالمواريث والمناكحة وأكل الذبائح، ووجدنا الله تعالى قد أطلع رسوله(صلى الله عليه وآله) على من كان يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فكان يعلمه ولم يبيّن(عليه السلام) أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم وأكل ذبائحهم»( ).
(إذن فعلم النبي يختلف بلحاظ المنشأ والنتائج الفقهية عن علم الأئمّة والحكام).
ويتحرك السيد المرتضى في ردّه استدلال ابن الجنيد على تفاوت علم النبي مع علم الآخرين من المؤمنين، ويرى عدم صحته، فمن جهة لا يقبل بأنّ الله تعالى قد اطلع نبيّه على نفاق المنافقين، ومن جهة أخرى فإنّه يرى أنّ ابطال الحقوق من قبيل جواز الزواج، الارث، تناول الذبيحة، مختص بالأشخاص الذين أظهروا الكفر والارتداد لا أنّهم يعيشون الكفر والارتداد في باطنهم، (الانتصار، ص 236، 343).
ويتبيّن من كلمات هذين العالمين والفقيهين الكبيرين للشيعة «الشيخ المفيد والسيد المرتضى» حول معتقد ابن الجنيد وأرائه الكلامية:
أولاً: إنّ ابن الجنيد يعتقد بأنّ قول الأئمّة يمثّل «رأيهم»، والرأي أو النظر أو الاجتهاد والاستنباط أمر اكتسابي وأنّ احتمال الوقوع في الخطأ في الطريقة المتعارفة لتحصيل العلم البشري ممكن، وهذه الرؤية تقع في مقابل رؤية الأشخاص الذين يعتقدون بأنّ كلام الأئمّة نابع من «العلم اللدنّي» وهو موهبة إلهية، وأنّ وقوع الخطأ في ذلك ممتنع حيث يقولون بعصمة الأئمّة(عليهم السلام)فالعلم اللدنّي منحصر بالمعصوم. وعلى أساس ما نقله الشيخ المفيد فإنّ ابن الجنيد يرى أنّ اختلاف الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت ناشئة من قولهم بالرأي، وبعبارة أخرى إنّ هذا الكلام المنسوب لابن الجنيد يشير إلى عدم اعتقاده بعصمة الأئمّة والعلم اللدنّي لهم، ويرى أنّهم «علماء أبرار».
ثانياً: إنّ ابن الجنيد، حسبما نقله السيد المرتضى عنه، يفرّق بين علم النبي وعلم الآخرين من المؤمنين (ومنهم الأئمّة)، فالنبي يعلم ببعض البواطن والغيوب بإذن الله، وأمّا سائر المؤمنين (ومنهم الأئمّة) فلا يملكون مثل هذا العلم، وعلى هذا الأساس فرغم أنّ النبي يمكنه في مقام القضاء أن يستند إلى علمه في إصدار الحكم، ولكنّ غيره من المسلمين «ومنهم الأئمّة» لا يجوز لهم الاستناد إلى علمهم في مقام القضاء بل يجب عليهم الاستناد إلى آليات القضاء المتعارفة «كالشاهد واليمين»، ومن يعتقد بوجود هذا الفرق فإنّه بالملازمة لا يقول بوجود علم لدنّي للأئمّة.
ثالثاً: وعلى أساس الآراء المنقولة عن ابن الجنيد «كما تقدّم موردان منها» فإنّه في ذات الوقت الذي يعدّ من المتكلّمين والفقهاء الكبار للشيعة في القرن الرابع، ولكنّه لم يكن يعتقد بالشؤون والصفات فوق البشرية للأئمّة بل يذهب إلى أنّ حالهم حال سائر الناس في الصفات البشرية، أي على أساس المبنى الكلامي لابن الجنيد فإنّ «أقوال الأئمّة تعبر عن آرائهم» وليست مستوحاة من العلم اللدنّي ولا تقترن بآليات العصمة وأنّ هذه الأمور لم تكن من لوازم الاعتقاد بالإمامة لدى الشيعة في القرن الرابع.
رابعاً: إنّ القراءة البشرية للإمامة على المبنى الكلامي «أنّ أقوال الأئمّة تمثّل آرائهم الشخصية» وما يستلزم ذلك من لوازم اعتقادية ـ أي عدم الاعتقاد بالعصمة والعلم اللدنّي ـ كان هو السائد في القرن الرابع في الفكر الشيعي بحيث إنّ المعتقد بهذه اللوازم ليس فقط لا يتهم بالارتداد عن المذهب بل يعدّ من أكابر علماء التشيع وله شأن ومنزلة دينية وثقافية واجتماعية سامية، رغم أنّ علماء الشيعة الذين جاءوا بعد عدّة عقود من حياة ابن الجنيد وجهوا له انتقادات في هذا الشأن، وفي الواقع إذا كانت العصمة والعلم اللدنّي في القرن الرابع من ضروريات مذهب التشيع أو لا أقل من معالم المذهب فإنّ ابن الجنيد حينئذ يعتبر من المنكرين لهذه الضروريات، فكيف يتعامل معه العلماء من موقع التكريم والإجلال والاحترام؟ ألا يدلّ ذلك على أنّ التشيع في القرن الخامس شهد حركة انتقالية وتحوّلاً في الفكر الديني الشيعي؟
الملاحظة الأخيرة التي ينبغي ذكرها هنا ولم تكن خافية عن العلاّمة بحر العلوم «السيد محمد مهدي الطباطبائي المتوفي 1212» حيث ذكر في كتابه «الفوائد الرجالية، ج3، ص205» في ترجمة حالات ابن الجنيد قال: «من أعيان الطائفة وأعاظم الفرقة وأفاضل قدماء الإمامية وأكثرهم علماً وفقهاً وأدباً وأكثر تصنيفاً وأحسنهم تحريراً وأدقهم نظراً» ثم يروي عنه أنّه يقول بالقياس وأضاف: إلاّ أنّه مع ذلك فإنّ علماءنا لم يمتنعوا من تكريمه وتمجيده واحترامه. ثم يطرح سؤالاً مهماً بهذا المضمون، وهو أنّ المنع من القياس يعدّ من ضروريات مذهب الإمامية وأنّ روايات الأئمّة فيه متواترة، إذن فالمخالف لهذه المسألة يعدّ خارجاً عن المذهب ولا يعتنى بقوله بل لا يعتنى بتوثيقه، ولكنّ الأنكى من مسألة القياس ما نقل عن الشيخ المفيد أنّه ينسب للأئمّة القول بالرأي. ففي نظر بحر العلوم أنّ هذا «الرأي الكلامي» رأي غير مقبول على الاطلاق، فكيف يجتمع هذا الكلام مع القول بعصمة الأئمّة وعدم جواز صدور الخطأ منهم كما هو المعروف من معالم المذهب؟ إنّ هذا القول «الكلامي» بالرغم من اشتهاره عنه ولكنّ قوله بالقياس معروف. ويحتمل السيد بحرالعلوم أنّ مراده من القياس، القياس غير الممنوع «من قبيل القياس منصوص العلة أو بتنقيح المناط القطعي»، ولكنّه يرد هذا الاحتمال ويقول:
«ولا يجري هذا التكلف فيما نسبه إليه الشيخ المفيد في كلام آخر (من عمل الأئمّة بالرأي) والظاهر أنّ هذا ممّا زلّت به قدمه عن الطريقة المستقيمة وتصور أنّ اختلاف الأخبار الواردة عن الأئمّة(عليهم السلام)ناشئة من القول بهذا المبنى بالباطل (أنّ الروايات الأئمّة هي رأيهم)، وجه الجمع بين هذا وبين ما اتفق عليه الأصحاب على إجلاله وإكرامه وعدم قطع العلاقة معه، هو حمل المطلب على وجود شبهة في ذلك الوقت حيث يحتمل أنّ هذه المسألة لم تكن قد بلغت حدّ الضرورة، فالمسائل تختلف في الوضوح والخفاء باختلاف الأزمنة والأوقات، فما أكثر الأمور التي كانت واضحة وجلية لدى القدماء ولكن لفّها الغموض والابهام في هذا الزمان، وكذلك ما أكثر الأمور التي خفيت عليهم ولكنّها واضحة وجلية في عصرنا، وهذا الأمر ناشيء من اجتماع الأدلة في القرون السالفة أو تجدد الإجماع على هذه الأمور في القرون المتأخرة، وربّما كان القياس من هذا القبيل... وأمّا إسناد القول بالرأي إلى الأئمّة(عليهم السلام) فلا يمتنع أن يكون كذلك في العصر المتقدم»( ).
ثم إنّ السيد بحر العلوم يذكر مؤيداً لعبارة الشهيد الثاني في رسالة حقائق الإيمان «والتي ذكرناها بعنوان الشاهد الثالث بالتفصيل» عن جدّه السيد عبدالكريم الطباطبائي البرجرودي في كتاب: الإيمان والكفر «كتاب خطي» الذي يقول إنّ قراءة أكثر الرواة والشيعة المعاصرين للأئمّة كانت تدور حول محور «العلماء الأبرار» بدون الاعتقاد بعصمتهم، ونقل أيضاً أنّ الأئمّة حكموا بإيمان وعدالة مثل هؤلاء الرواة والشيعة، ثم أضاف:
«عن الشهيد الثاني ـ طاب ثراه ـ أنّه احتمل الاكتفاء في الإيمان بالتصديق بإمامة الأئمّة(عليهم السلام) والاعتقاد بفرض طاعتهم، وإن خلا عن التصديق بالعصمة عن الخطأ، وادعى: أنّ ذلك هو الذي يظهر من جلّ رواتهم وشيعتهم، فإنّهم(عليهم السلام) علماء أبرار، افترض الله طاعتهم، مع عدم اعتقادهم العصمة فيهم، وأنّهم(عليهم السلام) مع ذلك كانوا يحكمون بإيمانهم وعدالتهم، وكلامه ـ رحمه الله ـ وإن كان مطلقاً، لكن يجب تنزيله على تلك الأعصار التي يحتمل فيها ذلك دون ما بعدها من الأزمنة، فإنّ الأمر قد بلغ فيها حدّ الضرورة قطعاً»( ).
إنّ رأي العلاّمة بحر العلوم فيما يتصل ببحثنا الحالي يتضمن نقاط مهمّة:
1 ـ إنّ المسائل الدينية ومنها البحوث الاعتقادية من حيث الوضوح والخفاء متفاوتة على إمتداد الزمان، وعليه فإنّ نظرة المؤمنين أيضاً للأمور المذهبية يمكنها أن تكون متفاوتة باختلاف الزمان، وهذا التفاوت والاختلاف لا يختص بالأمور الجزئية بل يمكن أن يمس ضروريات المذهب أيضاً، وهذا شاهد آخر عن إمكانية حدوث التحوّل في المعرفة الدينية أو تعرض العقائد المذهبية للاستحالة.
2 ـ إنّ مسألة الإمامة المهمّة كانت من موارد هذا التحوّل في المعرفة المذهبية، بمعنى أنّ معالم الإمامة ومشخصاتها قد تغيرت قبل وبعد النصف الثاني من القرن الخامس، حيث شهد هذا القرن منعطفاً في الفكر الشيعي تجاه بعض خصوصيات الإمامة من قبيل العصمة والعلم اللدنّي التي لم تكن من لوازم القول بالإمامة، ولكنّها بعد ذلك أصبحت من ضروريات مذهب التشيع ومن معالمه الرئيسية.
3 ـ إنّ بحر العلوم يرى أنّ هذا التحوّل ناشيء من خفاء هذه المسألة في القرون الأولى ووضوحها في القرون المتأخرة، فبروز الشبهة في ذلك الزمان وبلوغ المسألة إلى حدّ الضرورة بعد ذلك من تداعيات هذا الحالة، وهذا البيان والتحليل يقوم على أساس قبلية فكرية وهي أنّ الأئمّة في واقعهم يملكون صفات فوق بشرية، ولكن الطرف المقابل سعى لتوجيه هذه الحالة على مبنى آخر. ويوجد في كلام بحر العلوم توجيه آخر لهذه الظاهرة يقول: «إنّ اجتماع الأدلة في الصدر الأول والإجماع في القرون المتأخرة»، فلو كانت الأدلة المتوفرة في القرون الأولى من عوامل تكريس القراءة البشرية لمسألة الأمامة فإنّ أهم هذه الأدلة حضور الأئمّة بأنفسهم وإمكان إقامة ارتباط مباشر بين الشيعة وهؤلاء الأئمّة وبالتالي فإنّ صعوبة هذا الارتباط في عصر الأئمّة المتأخرين وخاصة في عصر الغيبة يمثّل عاملاً مهمّاً في إشاعة الرؤية فوق البشرية للأئمّة.
4 ـ إنّ ابن الجنيد بالرغم من أنّه كان يعتقد بالرؤية البشرية لمسألة الإمامة أي نظرية «العلماء الأبرار» وكان يعتقد على مبناه الكلامي، بأنّ قول الأئمّة يمثّل رأيهم الشخصي وهذا المعنى يلازم عدم الاعتقاد بالعصمة والعلم اللدنّي للأئمّة، فمع ذلك كان ابن الجنيد يحضى بغاية الاحترام والتكريم بين الشيعة، وهذا يدلّ على أنّ هذه العقيدة كانت متناسبة ومنسجمة مع عقائد الشيعة في ذلك الوقت وفي زمان حضور الأئمّة، بالرغم من أنّ السيد بحر العلوم يعلل هذه الظاهرة بأنّ أوصاف وحالات الأئمّة كانت خفية على الشيعة في تلك المرحلة.
وأمّا الشيخ أسد الله بن إسماعيل المعروف بالمحقق الكاظمي «المتوفي في العقد الرابع من القرن الثالث عشر» وصاحب «المقابس» فإنّه يقول في كتابه «كشف القناع» عن وجوه حجّية الإجماع، ص83، ضمن تعرضه لبيان حالات علماء الشيعة المخالفين، يقول عن ابن الجنيد، إنّه من قدماء فقهاء الإمامية وكبار الأصحاب الذي أدرك الغيبتين «الصغرى والكبرى»، وبعد نقل كلام الشيخ المفيد حول آراء ابن الجنيد الخاصة بالأئمّة «أنّ قولهم يمثّل رأيهم» يقول بأنّ لابن الجنيد كتابين آخرين أيضاً أحدهما «كشف التمويه والالباس على اغمار الشيعة في أمر القياس» والآخر كتاب «اظهار ما سرّه أهل العناد من الرواية عن أئمّة العترة في أمر الاجتهاد» فلو كان الاجتهاد في نظر الأئمّة كما فهمه ابن الجنيد ووصل هذا الأمر إلى زماننا هذا فربّما يكون له تأثير حاسم في تقوية التيار الأول الذي يقول بالقراءة البشرية للأمامة، بالرغم من أنّ عدم وصول كتب هذا العالم الشيعي الكبير إلى العصور اللاحقة يثير كثيراً من علامات الاستفهام والتساؤل!

المتكلّمون الشيعة
في القرن الثالث والرؤية فوق البشرية للأئمّة
هل يمكن القول بأنّ ابن قبة الرازي والنوبختيين من القائلين بالقراءة البشرية لمسألة الإمامة؟
يجيب الدكتور المدرسي الطباطبائي عن السؤال أعلاه بالايجاب، ونخص هذا القسم من البحث بمسألة التحقيق في جوابه وتقييمه، فالاستاد الدكتور حسين المدرسي الطباطبائي من الأخصائيين العالميين في دائرة معارف الشيعة وخاصة في القرون الأولى وقد ألّف في هذا المجال لحدّ الآن ثلاثة كتب باللغة الانكليزية وقد تمّ ترجمتها إلى الفارسية والعربية أيضاً، رغم أنّ أهم هذه الكتب لم يسمح بطبعها في ايران، وهذه الكتب الثلاثة عبارة عن: «مقدمة على فقه الشيعة والكليات والمصنفات، 1989» و «تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى، 1995» و«التراث الشيعي المدوّن في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، ج1، 2004م» وكل هذه الكتب الثلاثة تعدّ من الكتب المرجعية لتاريخ الفكر الشيعي وتمثّل نموذجاً علمياً يمتاز بالدقّة والعمق، وكتاب «المذهب الشيعي في مسار التكامل» تمّ تأليفه أساساً للتحقيق في معرفة أحوال وآثار ابن قبة، وتصحيح رسائله التي بقيت لزماننا هذا، وفي الحقيقة فإنّ جميع الكتب المذكورة تعتبر مقدّمة للتعرف على آراء ابن قبة الكلامية، وبالرغم من أنّ ابن قبة في الحوزات العلمية الشيعية معروف برأيه في علم الأصول بالنسبة لمسألة «الامتناع العقلي لجعل حجية أخبار الآحاد» ولكنّه يعتبر في حقل الكلام والعقائد من المتكلّمين البارزين في علماء الشيعة في آواخر القرن الثالث وأواخر القرن الرابع.
ويقول مدرسي الطباطبائي في بداية تحقيقه حول آراء ابن قبة والنوبختيين في مسألة الإمامة:
«إنّ جماعة من الأصحاب (علماء الشيعة) يعتبرون الأئمّة بمثابة مرجعية علمية وأنّهم «علماء أبرار» وينكرون وجود صفات فوق بشرية من قبيل العصمة في الأئمّة، وقد سار في الاتجاه بعض المتكلّمين الشيعة في العصور التالية ومنهم أبوجعفر محمد ابن قبة الرازي الذي يعتبر من الفقهاء والمتكلّمين الأجلاء لدى الشيعة وقد كان في القرن الرابع زعيماً للشيعة في عصره وحضيت آراؤه وعقائده باهتمام بالغ من قِبل علماء الشيعة بعده، فابن قبة يرى أنّ الأئمّة مجرّد علماء وعباد صالحين وعالمين بالقرآن والسنّة بالتالي فهو ينكر علمهم بالغيب، والعجيب أنّه مع وجود هذه الآراء وهذا الاتجاه الكلامي لابن قبة فإنّه كان يحضى بمنزلة كبيرة واحترام في الوسط العلمي للشيعة في ذلك العصر. وبعض المحدّثين في قم كان يرى مثل هذا الرأي بالنسبة للأئمّة وكأنّ النوبختيين كانوا ينحون هذا المنحى «مقدمة على فقه الشيعة، ص33».
وينطلق مدرسي الطباطبائي في بيان وشرح آراء ابن قبة الكلامية ويذكر هذه الحقيقة وهي أنّ الشيعة كانوا يقولون بلزوم النص المتواتر على الإمام من قِبل الإمام الذي سبقه وهكذا يصل الأمر إلى النبي في نصبه للإمام الأول، يقول:
«إنّ الأئمّة الطاهرين، خلافاً لما يتصوره الغلاة، كانوا علماء أتقياء عالمين بالشريعة ولكنّهم لم يكونوا يعلمون الغيب، لأنّه ممّا استأثر به الله لنفسه، وكل من يعتقد أنّ أحداً غير الله يعلم الغيب فهو مشرك» ففي نظر ابن قبة أنّ الشريعة مبنية على النصوص وأنّ جميع الأحكام ينبغي استنباطها من نصوص الأئمّة، وبموجب تحليله لأصل الإمامة فإنّ الأئمّة يقومون بدورهم الأساسي باعتبارهم علماء أبرار ومفسّرين حقيقيين للقرآن والسنّة النبوية في تبيين الشريعة والأحكام الإلهية» (تطور المباني الفكرية للتشيع، ص 192 و 196).
ويقول مدرسي الطباطبائي حول رأي ابن قبة في صفات الأئمّة:
«إنّ ابن قبة لا يرى استحالة أن يظهر الله تعالى على يد الإمام معجزة رغم أنّ ابن قبة يرد بشدّة سائر عقائد المفوضة في الاعتقاد بعلم الغيب للأئمّة أو وجود صفة فوق بشرية فيهم» (المصدر السابق، ص66).
والمستند الأصلي لما ذكره الطباطبائي هو اجابات ابن قبة على شبهات أبي زيد العلوي التي نقلها الشيخ الصدوق في كتابه «إكمال الدين» أنّه قال:
«إنّ اختلاف الإمامية إنّما هو من قبل كذّابين دنّسوا أنفسهم فيه في الوقت بعد الوقت، والزمان بعد الزمان، حتى عظم البلاء، وكان أسلافهم قوم يرجعون إلى ورع واجتهاد وسلامة ناحية، ولم يكونوا أصحاب نظر وتميز فكانوا إذا رأوا رجلاً مستوراً يروي خبراً أحسنوا به الظن وقبلوه، فلمّا كثر هذا وظهر شكوا إلى أئمتهم فأمرهم الأئمّة(عليهم السلام) بأن يأخذوا بما يجمع عليه فلم يفعلوا وجروا على عادتهم، فكانت الخيانة من قبلهم لا من قبل أئمتهم، والإمام أيضاً لم يقف على كل هذه التخاليط التي رويت لأنّه لا يعلم الغيب، وإنّما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسنّة، ويعلم من أخبار شيعته ما ينهى إليه»( ).
وقد نقل المحقق الكاظمي الكلام المذكور آنفاً دون أن يرد عليه وهذا مشعر بقبول الشيخ الصدوق هذا الكلام (كشف القناع، ص 200).
ومن العسير جدّاً أن يعتقد الصدوق بأنّ الأئمّة الذين هم: «عيبة علمه وتراجمة وحيه وأنّهم معصومون من الخطأ والزلل» (الاعتقادات، الباب 35، ص 93). ومع ذلك يوافق ابن قبة على نفيه علم الغيب عن الأئمّة والاكتفاء بالقول بأنّ الإمام عبد صالح عالِم بالكتاب والسنّة.
إنّ استعراض مدرسي الطباطبائي لآراء ابن قبة غير كامل ولم يبحث في آراء ابن قبة عن مسألة عصمة الأئمّة، فابن قبة يصرّح في تلك الرسالة بأنّ «الحجّة والإمام من العترة يجب أن يكون جامعاً لعلم الدين ومعصوماً ومأتمناً على الكتاب» «اكمال الدين، ص 95).
مضافاً إلى أنّ ابن قبة في جوابه على شبهات المعتزلة في مسألة شروط الإمامة يقول:
«ولا يسهو و لا يغلط وأن يكون عالماً ليعلّم الناس ما جهلوا، وعادلاً ليحكم بالحق، ومن هذا حكمه فلابدّ من أن ينص عليه علاّم الغيوب على لسان من يؤدّي ذلك عنه إذا كان ليس في ظاهر خلقته من يدلّ على عصمته»( ).
وبالنظر لما تقدّم أعلاه من آراء ابن قبة فإنّه يمكن تلخيص هذه الآراء في المحاور الأصلية لمسألة الإمامة كالتالي:
1 ـ إنّ الإمام، عبد صالح عالِم بالكتاب والسنّة.
2 ـ إنّ الإمام لا يعلم الغيب.
3 ـ إنّ الإمام منصوب من قِبل الله ومنصوص على إمامته من قِبل الإمام الذي سبق أو من النبي.
4 ـ إنّ الإمام معصوم من السهو والخطأ.
إنّ ما رود في تحقيق مدرسي الطباطبائي هو المحور الثاني، نفي العلم بالغيب، وأمّا المحور الأول والثالث فإنّهما لم يتوفرا في كلامه بشكل كامل، أي أنّ ابن قبة لم يكن يرى أنّ الأئمّة مجرّد علماء وعباد صالحين، وبالنظر لما ورد في المحور الثالث «النص عليهم من قِبل الله تعالى» ومسألة العصمة «المحور الرابع» فإنّه كان يرى أنّ الأئمّة أكثر من كونهم عباد صالحين وعلماء أبرار، ولذلك فبالرغم من أنّ الأئمّة في نظر ابن قبة عباد صالحون ولكنّهم لم يكونوا مجرّد عباد صالحين وعلماء بالشريعة، بل هم كذلك بدرجة أعلى من الحدّ المتعارف وهم معصومون ومنصوص عليهم من قِبل الله.
ورغم أنّ الطباطبائي قد أشار في كلامه إلى لزوم النص المتواتر عليهم ولكنّه غفل عن لزوم النص من قِبل الله تعالى، مضافاً إلى أنّه لم يذكر عصمة الأئمّة في آراء ابن قبة. إذن فلا يمكن أن يقال بأنّ ابن قبة كان من جملة القائلين بنظرية «العلماء الأبرار» للأئمّة وأنّه ينكر وجود صفات فوق بشرية للأئمّة من قبيل العصمة كما ذكر الطباطبائي في استنتاجه.
وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ ابن قبة كان يعتقد بالمحورين الأخرين: لزوم النص الإلهي ولزوم العصمة وهما صفتان فوق بشرية للأئمّة، ومن جهة أخرى فإنّ ابن قبة لم يكن يعتقد بعلم الغيب للأئمّة وبالتالي فإنّه ينفي هذه الصفة فوق بشرية لهم، مضافاً إلى أنّ إشارته بأنّ الإمام عبد صالح يمثّل قسماً من الحقيقة لا كلها. وعليه فلا يمكن القول بأنّ ابن قبة كان من أنصار نظرية «العلماء الأبرار» بجميع تفاصيلها، والرسائل التي بقيت من ابن قبة تشير إلى قوة نظرية العلماء الأبرار في القرن الرابع، وهي النظرية التي كانت تقف بقوة في مواجهة نظرية الأئمّة المعصومين التي كانت في طريقها للانتشار والسيطرة على الجو الفكري لعلماء الشيعة.
أمّا بالنسبة إلى «النوبختيين» فالمدرسي الطباطبائي يقول في آخر كلامه وتحليله «وكأنّ النوبختيين كانوا يلتزمون بهذا الرأي» يعني أنّهم ينكرون علم الغيب للأئمّة وينكرون وجود صفات فوق بشرية من قبيل العصمة لهم. ويقول المدرسي الطباطبائي في كتابه الأخير «تطور المباني الفكرية للتشيع، ص 65» أنّ آراء نوبختيين الكلامية في المسألة كالتالي:
«فبعض متكلّمي الشيعة القدامى من (بني نبوخت) يؤيد رأي المفوّضة في هذه المسألة، و كذلك في مسألة شروط الإمامة، هل هي ذاتية أم مكتسبة؟ ولكن نفس هؤلاء المتكلّمين عارضوا آراء المفوّضة في مسائل آخرى، منها قدرة الأئمّة على الإتيان بالمعجزة ونزول الوحي عليهم وسماع صوت الملائكة، وسماع صوت زائري مراقدهم وعلمهم بأحوال الشيعة وعلمهم بالغيب» (ص74).
إنّ مدرسي الطباطبائي ينقل كلا هذين الخبرين عن كتاب «أوائل المقالات» للشيخ المفيد، ولكن على أساس نقل الشيخ المفيد في هذا الكتاب «أوائل المقالات» فإنّه لا يمكن اعتبار النوبختيين في عداد المنكرين للعصمة أو المنكرين لعلم الغيب للأئمّة لأنّه:
أولاً: يقرر الشيخ المفيد أنّ النوبختيين هم كالمفوضة يقولون بوجوب معرفة الأئمّة لجميع الصنائع واللغات عقلاً وقياساً (الباب 40، ص 67) وهذا من لوازم العلم اللدنّي وشعبة من علم الغيب.
وثانياً: يقول في الباب 41 في البحث عن علم الأئمّة بالضمائر والكائنات واطلاق القول بعلم الغيب للأئمّة حيث لم ينقل ما يتصل بهذه الأمور عن النوبختيين.
ثالثاً: يقول في (الباب 39، ص 66) في مسألة كيفية حكم الأئمّة وأنّ أحكامهم هل ناظرة لباطن الأمور أو ظاهرها، يقول إنّه لم يعثر على شيء فيما يخصّ هذا الكلام من النوبختيين.
رابعاً: إنّ النوبختيين (حسب ما ينقله في (الباب 36، ص 65) يرون لزوم النص على أشخاص ولاة الأئمّة كما هو الحال في الأئمّة أنفسهم. ويبدو أنّ المدرسي الطباطبائي قد جانب الصواب في نقله لآراء النوبختيين عن أوائل المقالات للشيخ المفيد، ومن جهة أخرى فهناك، مضافاً لأوائل المقالات للشيخ المفيد منابع أخرى يمكن استخراج آراء النوبختيين منها، ومن ذلك ما بقي من كتاب «التلبيس في الإمامة» لأبي سهل النوبختي المتوفي في 311 هـ الذي يعتبر من علماء أسرة بني نوبخت والذي أورده المدرسي في نهاية الضمائم من كتابه المذكور، وينقل أبو سهل في هذا المقطع عبارتين تشيران بصراحة إلى هذا الأمر، منها ما ورد في العبارة الأولى في قالب الاحتجاج مع الخصم، وفي العبارة الثانية في مقام بيان آرائه».
«لابدّ من إمام منصوص عليه عالم بالكتاب والسنّة مأمون عليهما لا ينساهما ولا يغلط فيهما» و«لا يجوز عليهم في شيء من ذلك الخلط والنسيان وتعهد الكذب» (اكمال الدين، ص 89 و 92).
إذا كانت نسبة كتاب «فرق الشيعة» للحسن بن موسى النوبختي صحيحة، فإنّ شرط عصمة الأئمّة والعلم بجميع ما يحتاجه الناس يشمل المنافع والمضار الدينية والدنيوية وجميع العلوم الجليلة والدقيقة وهو عبارة أخرى عن العلم بالغيب أو على الأقل العلم اللدنّي (ص18).
ويرى عباس اقبال الاشتياني أنّ كتاب فرق الشيعة مورد البحث هو بنفسه كتاب المقالات والفرق للنوبختي، لسعد بن عبدالله الأشعري (أسرة بني نوبخت، ص 143 إلى 161) وينقل العلاّمة الحلي في كتاب (أنوار الملكوت في شرح الياقوت، ص 204 و 206) أنّ أبا إسحاق إبراهيم النوبختي صاحب كتاب «الياقوت» يرى لزوم العصمة في الإمام وأنّه لا ينبغي عليه اخفاء أي حكم من أحكام الشريعة.
ونظراً لمجموعة الأسناد المتقدمة أعلاه لا يمكن القول بأنّ النوبختيين ينكرون وجود صفات فوق بشرية للأئمّة منها علم الغيب أو العصمة. والنوبختيون كانوا أقرب إلى متكلّمي بغداد مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى، وبالتالي فمن البعيد أن يعتقدوا بنظرية «العلماء الأبرار» لابن الجنيد والمعاصرين للأئمّة، ومن هنا فإنّ نقل الاستاذ مدرسي الطباطبائي بالنسبة لآراء أبن قبة والنوبختيين في انكار صفات الأئمّة غير تام.

أربعة مشايخ من القميين:
إنّ سابقة التشيع في قم تعود إلى أواخر القرن الأول للهجرة، وأهم أسرة شيعية في قم في ذلك العصر هي أسرة الأشعري، وكانت مدينة قم تعتبر أهم مركز علمي للتشيع في القرن الثالث والرابع وكان لها دور محوري وأساسي في حفظ الميراث العلمي لأئمّة أهل البيت والاستقامة في خط التشيع وتعاليم المذهب الاثني عشري، وإذا كانت الكوفة وبعدها بغداد تعتبر مركزاً لنمو وتشعب الفرق الشيعية وخاصة بالنسبة لفرق الغلاة، فإنّ قم كانت تمتاز بالسلامة المذهبية وعدم وجود مثل هذه الانحرافات في الذهنية الشيعية لدى القميين، وعلى سبيل المثال لا نرى وجود ميول واقفية وفطحية وأمثالها لدئ علماء قم إلاّ نادراً (مادلونك، المذاهب والفرق الإسلامية في القرون الوسطى) وكانت حوزة قم تعتمد على علوم الحديث والعلوم الإسلامية الأخرى التي كانت في طور النمو والنشوء في ذلك الوقت من قبيل الفقه والكلام والتفسير، وكلها كانت تعتمد على «علم الحديث».
وعلى هذا الأساس فإنّ أهم علماء حوزة قم (والذين يعبّر عنهم بمشايخ قم) كانوا رواة أحاديث أئمّة أهل البيت، وتعبير القمي ورد في أكثر من 500 مرّة في رجال النجاشي، وهذا الاتجاه الغالب في مدرسة قم ومشايخها بالنسبة لموازين علم الحديث أدى إلى نشوء اتجاه خاص لمشايخ قم باسم «القميين»، ومن لوازم شيوع علم الحديث في قم الاحتياط والدقة العلمية في نقل الحديث، وقد كان مشايخ قم في هذا المجال يعيشون الحساسية المفرطة في محورين:
أحدهما: إجتنابهم نقل الحديث عن أشخاص مجهولين، وشدّة الفحص في حال الراوي لغرض الاطمئنان بسند الرواية في نسبتها للإمام.
والثاني: التصدي الحاسم لكل الأفكار الانحرافية وخاصة الغلو، فالقميون تعلموا هذين الأمرين من الأئمّة و كانوا يتشددون في رعاية هذين الأمرين، وهذا التشدد العلمي جعل من حوزة قم في القرنين الأولين تمتاز باعتبار علمي كبير في صفوف الشيعة إلى درجة أنّ هذه الحوزة استلمت المرجعية العلمية للتشيع في بداية غيبة الإمام الثاني عشر.
ومن حيث البعد الاعتقادي فإنّ مشايخ قم كانوا ينكرون بشدّة فكرة التفويض ونسبة أي صفات فوق بشرية للأئمّة، وفي نظرهم أنّ الروايات التي تتضمن مثل هذه الصفات والحالات للأئمّة فإنّه ينبغي التشكيك فيها، وأنّها روايات غير معتبرة والرواة لها غير ثقات ولا يصح الاعتماد عليهم.
ومن أبرز مشايخ قم في القرن الثالث، أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، وفي القرن الرابع محمد بن حسن بن أحمد بن الوليد (المتوفي 343 هـ).
إنّ مواجهة مشايخ قم للمفوضة في القرن الثالث وصلت إلى درجة أنّه في زمان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري تمّ اخراج أربعة أشخاص على الأقل من الرواة لاتهامهم بالغلو أو التفويض أو نقل الرواة عن المجاهيل أو الكذب في الرواية. وهؤلاء الأشخاص هم: سهل بن زياد، أبو سمينة محمد بن علي بن إبراهيم القرشي الصيرفي، الحسين بن عبدالله المحرر، أحمد بن حمد بن خالد البرقي صاحب المحاسن، والمتحدّث الأخير تمّت إعادته إلى قم بعد رفع سوء التفاهم والاعتذار منه «رجال النجاشي»، إنّ الشواهد الثلاثة الواردة في صدر المقالة، كلها قابلة للانطباق على مشايخ قم إنّ مشايخ قم ينكرون نسبة صفات فوق بشرية إلى الأئمّة وبالتالي يعتقدون بالقراءة البشرية للإمامة، وكانوا يمثّلون طيلة قرنين من الزمان الواجهة الرسمية للطائفة الشيعية. وعلى أساس تحقيق الشيخ المامقاني أنّ ما كان يعتبره مشايخ قم من الغلو في حقّ الأئمّة يعتبر اليوم «ومنذ القرن الخامس تقريباً» من ضروريات مذهب الشيعة في صفات الأئمّة.
ومع الالتفات لما ذكره الوحيد البهبهاني فإنّ مشايخ قم كانوا يرون مقاماً ومنزلة خاصة للأئمّة حسب اجتهادهم وأنّ كل تجاوز لهذا الحدّ يعتبر عندهم من الغلو والارتفاع في المذهب، وفي نظرهم أنّ التفويض، خرق العادة، المعجزة، علم الغيب، والاغراق في صفات الأئمّة يؤدي إلى الغلو.
ويتبيّن من خلال مراجعة كتب علم الرجال من قبيل «رجال النجاشي» أو «رجال الكشي» واخراج الرواة الذين اتهموا من قبل مشايخ قم أو القميين بالضعف وانعدام الثقة، يشير ذلك إلى اختلاف المباني الكلامية والاعتقادية لهؤلاء المشايخ مع العقائد الرسمية للتشيع بعد القرن الخامس. وأحد شواخص التفويض والغلو لدى مشايخ قم هي انكار سهو النبي، حيث ينقل الشيخ الصدوق الذي تخرج من مدرسة قم، عن استاذه ابن الوليد:
«أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي(صلى الله عليه وآله)، ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن ترد جميع الأخبار وفي ردّها إبطال الدين والشريعة»( ).
ويقول الشيخ الصدوق في تحليله لعقيدته في هذا المجال:
«إنّ الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي(صلى الله عليه وآله) ويقولون: لو جاز أن يسهو عليه السلام في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ لأنّ الصلاة عليه فريضة كما أنّ التبليغ عليه فريضة»( ).
فالشيخ الصدوق لا يقبل بهذه الملازمة ويقول: إنّ النبي يشترك في حالاته مع سائر الناس في هذه الأمور، ولكنّ النبي يختص بالنبوة وتبليغ الوحي، ولذلك فإنّ الحالات العادية التي تعرض على الناس لا تعرض عليه في دائرة النبوة، ثم إنّه يتحرك من موقع بيان الفارق بين سهو النبي وسهو الآخرين ويقولن بأنّ سهو النبي في الحقيقة هو «اسهاء» حيث يكون من قبل الله تعالى ليعلم أنّه بشر مخلوق لا ربّ معبود، وكذلك يتعلم الناس من سهوه حكم السهو، بينما سهو الآخرين يكون من قبل الشيطان (المصدر السابق، ج1، ص 358 و 360).
والعلامة الأخرى للمفوضة في نظر الشيخ الصدوق، إضافة الشهادة الثالثة في الاذان، ففي نظر الصدوق أنّ المفوضة هم الذين أضافوا إلى الاذان عبارة «أشهد أنّ علياً ولي الله» ويضيف الصدوق:
«ولا شك في أنّ عليّاً ولي الله وأنّه أميرالمؤمنين حقّاً وأنّ محمّداً وآله صلوات الله عليهم خير البرية، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان، وإنّما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض، المدلسون أنفسهم في جملتنا»( ).
وبعد أن يتهم الشيخ الصدوق في رسالته «الاعتقادات» الغلاة والمفوضة بالكفر يشير إلى نقطة مهمّة ويقول: «إنّ علامة المفوّضة والغلاة هو أنّهم ينسبون لمشايخ وعلماء قم التقصير» (الاعتقادات الباب 37، ص 100).
والشيخ الصدوق من جملة الذين يعتقدون بالصفات فوق البشرية للأئمّة منها العصمة، العلم اللدنّي، النص الإلهي، المعجزة. (رسالة الاعتقادات، الباب 35، ص 95). بالرغم من أنّه يختلف في بعض الموارد عن التفكير السائد والرسمي للشيعة في القرن الخامس.
بعض هذه الاختلافات وردت في رسالة تلميذه الشيخ المفيد وفي «رسالة تصحيح الاعتقاد»، والغرض من نقل هذه الأمور، العثور على معيار القول في التفويض في القرن الرابع، وبالتالي التعرف على أفكار مشايخ قم الذين يمثّلون أهم المعارضين للمفوّضة. ومع الالتفات إلى ما نقله الشيخ الصدوق يمكن القول بوجود ثلاث عقائد مقبولة لدى مدرسة القميين في القرن الثالث والرابع:
أولاً: إنّ الشيعة يرون إمكان سهو النبي خارج دائرة التبليغ والنبوة، وبطريق أولى يكون هذا الأمر ممكن بالنسبة للأئمّة أيضاً، وهذا بحدّ ذاته يمثّل اتجاهاً يستمد مقوماته من الرؤية البشرية لمسألة الإمامة.
ثانياً: إنّ مسألة الشهادة الثالثة في الاذان والإقامة ليست فقط غير متداولة بين الشيعة في ذلك العصر بل إنّ القائل بها يعتبر من المفوّضة والغلاة.
ثالثاً: إنّ أفكار مشايخ قم تتقاطع بشكل مباشر مع أفكار المفوّضة، فكل من يتهم مشايخ قم بالتقصير في حق الأئمّة ولا يقبل خط الاعتدال المذهبي لمدرسة قم ويعتقد بصفات وحالات أكثر من المقرر في هذه المدرسة فهو من المفوّضة.
إنّ نزاع المفوّضة مع مشايخ قم ينتهي في الجانب المقابل بنزاع الشيعة مع المقصرة، ويحكي عن وجود نظريتين وقراءتين مختلفتين تماماً عن حالات وأوصاف الأئمّة، فالمفوّضة يعتقدون بوجود صفات فوق بشرية للأئمّة بينما ينكر مشايخ قم وجود مثل هذه الصفات والحالات. والشيخ المفيد من جهته لا يقبل المسار الإخباري لمشايخ قم على أساس مبانيه الكلامية ويتحرك من موقع توجيه النقد لآراء استاذه الشيخ الصدوق ويقرر في رسالة مستقلة أنّ القول بسهو النبي باطل ويبتني على قراءة النواصب وأفكارهم (رسالة عدم سهو النبي، ص 20).
وبالرغم من أنّه يجعل المفوّضة في خانة الغلاة ولكنّه يميّزهم عن سائر الغلاة في أنّ أنّ المفوّضة يرون أنّ الأئمّة مخلوقون وحادثون، ومن جهة أخرى يعتقدون أنّ الله تعالى خلق فيهم ملكات خاصة وفوّض إليهم أمر الخلق والرزق، ومن هنا فإنّ عالم الوجود وكل ما يرتبط به قد فوّض إليهم من قِبل الله تعالى (تصحيح الاعتقاد، ص 133).
وكذلك يرد الشيخ المفيد على رأي استاذه الشيخ الصدوق الذي يقرر بأنّ كل من يتهم مشايخ قم بالتقصير في حق الأئمّة فهو من المفوّضة، ففي نظر الشيخ المفيد أنّ بعض مشايخ وعلماء قم مقصّرون في حق الأئمّة واقعاً والمغالي هو الشخص الذي يتهم أهل الحق بالتقصير، سواء كانوا من أهالي قم أم من غيرها، وعلى رأي الشيخ المفيد أنّ كلام ابن الوليد الذي يقول: «إنّ أول درجة من الغلو نفي السهو عن النبي والإمام» هو من المصاديق البارزة للتقصير، ثم يصرّح الشيخ المفيد بقوله:
«وقد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصرون ظاهراً في الدين، ينزلون الأئمّة ـ عليهم السلام ـ عن مراتبهم، ويزعمون أنّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية حتى ينكت في قلوبهم، ورأينا من يقول إنّهم كانوا يلتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون، ويدّعون من ذلك أنّهم من العلماء. وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه»( ).
وعلى أساس ما نقله الشيخ المفيد آنفاً فإنّ مشايخ قم وعلى الأقل بعضهم هم من المقصّرة واقعاً، ويتحرك الشيخ المفيد في بيان الخصوصيات العقائدية للمقصّرة:
الأول: إنّهم ينكرون «العلم اللدنّي» للأئمّة ففي نظرهم أنّ الأئمّة مثل سائر علماء الدين بل كسائر الناس في أنّ علمهم «اكتسابي» ومعرفة الإمام بالمسائل الدينية مثل معرفة سائر علماء الدين، أي أنّهم يتحركون في هذه المعرفة من موقع الاجتهاد والاستنباط وردّالفروع إلى الأصول، إذن فلو كان علماء الدين يتحركون في تحصيل الأحكام الشرعية من طريق الرأي والظنون المعتبرة فالأئمّة أيضاً يسلكون هذا الطريق. وبعبارة أخرى أنّ الأئمّة «علماء أبرار» يجب الاقتداء بهم على أساس النص والوصية من النبي، وإلاّ فإنّهم في ذاتهم وطبيعتهم لا يختلفون عن سائر أفراد البشر.
الثاني: إنّ جماعة أخرى من مشايخ قم ينكرون من جهة أخرى العلم اللدنّي للأئمّة، فالأئمّة قبل إلقاء العلم في قلوبهم لا يعرفون الكثير من العلوم الشرعية، وهذا الإلقاء ربّما يحصل بطريقة الإلهام الإلهي أو بواسطة الملائكة أو بدون واسطتهم، أو من خلال الاكتساب البشري، ولكنّ قلوبهم «أذهانهم» قبل هذا الإلقاء فارغة من المعارف مورد البحث كسائر الناس.
الثالث: إنّ نسبة الغلو لمن ينكر سهو النبي والإمام يشير إلى رؤية بشرية لهذه المسألة. ولا شك أنّ مشايخ قم ينكرون الأوصاف فوق البشرية للأئمّة وفي ذات الوقت لا شك في التزامهم الشرعي والديني بتعاليم الأئمّة. وببيان آخر أنّ هؤلاء المشايخ يعتقدون بأنّ الأئمّة مفترضو الطاعة ويجب اتباعهم بمقتضى وصية النبي، ولكنّ هذه الوصية والتأكيد على اتباعهم لا ينطلق من وجود ملكات أو صفات في الأئمّة تختلف عن سائر الناس. والشيخ المفيد يرى في مسألة عصمة الأئمّة أنّها كعصمة النبي، ويرى أنّ سائر علماء الإمامية يرون هذه الرؤية إلاّ ما ندر من الأشخاص الذين تمسكوا بظاهر بعض الروايات وقالوا برأي مخالف في هذا الباب (أوائل المقالات، الباب 37، ص 64).
إنّ الشيخ المفيد، وخلافاً لمنهجه في المسائل الأولى لأوائل المقالات، لم يدعِ الإجماع في هذه المسألة، مضافاً إلى أنّه يتذكر حتماً آراء استاذه ابن الجنيد، وطبقاً لما ورد في كلام الشهيد الثاني أنّ أكثر الشيعة في القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث كانوا لا يعتقدون بعصمة الأئمّة، ومن هنا فإنّ منكري العصمة لم يكونوا من الشيعة النادرين، وعلى أية حال فإنّ هؤلاء الأشخاص النادرين بنظر الشيخ المفيد لا يخرجون عن دائرة مشايخ قم.
وبالنسبة لمسألة علم القاضي وهل أنّ الأئمّة يحكمون بالظاهر أم بالباطن، فإنّ الشيخ المفيد يشير إلى ثلاثة أقوال مختلفة في هذه المسألة بدون الإشارة للقائلين بها (المصدر السابق، الباب 39). وبديهي أنّ مشايخ قم يرون أنّ أحكام الأئمّة في الحقيقة تمثّل أحكاماً ظاهرية، والشيخ المفيد وإن كان يعتقد بإمكانية اطلاع الأئمّة على باطن الأشخاص، ولكنّه يحصر علم الغيب المطلق بالله تعالى ويسند القول بعلم الغيب للأئمّة إلى المفوّضة (المصدر السابق، الباب 41، ص67). ولا شك أنّ مشايخ قم لا يعتقدون بعلم الغيب للأئمّة.
والنتيجة، وفقاً لما تقدّم من معالم التشيع التي ذكرها أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري في القرن الثالث والرابع أنّ الفكر السائد للشيعة في ذلك العصر هو انكار الصفات فوق البشرية للأئمّة وأنّ مشايخ قم كانوا يعتقدون بأنّ الأئمّة «علماء أبرار» وأنّ علومهم اكتسابية وبالتالي ينكرون العلم اللدنّي للأئمّة، ولا يعتقدون بأمور أخرى من قبيل علم الغيب والمعجزة للأئمّة، وكذلك يعتقدون بعدم وجود دليل على عصمة الأئمّة.

النتيجة:
في هذه المقالة تمّ التحقيق في الفكر الشيعي حول محور الإمامة في النصف الثاني من القرن الثالث إلى منتصف القرن الخامس، ففي هذين القرنين كان الفكر الحاكم في المجتمع الشيعي «من النصف الثاني من القرن الثالث إلى نهاية القرن الرابع» هو القراءة البشرية لمسألة الإمامة وأنّ الاعتقاد بصفات فوق بشرية للأئمّة من قبيل العلم اللدنّي والعصمة والنصب الإلهي (لا النصب من قِبل الإمام السابق أو النبي) لا تعتبر من الصفات والمقولات اللازمة للاعتقاد بالإمامة، بل إنّ من يقول بهذه المقولات يقع مورد انكار علماء الشيعة ويتهم بالغلو.
وفي ذلك العصر كان الشيعة يرون أنّ الأئمّة وإن ورد النص والوصية من النبي في حقهم، ويجب اطاعتهم والعمل بتعاليمهم، ولكنّ الأئمّة كانوا مجرّد علماء أبرار بدون امتلاك صفات فوق بشرية، وفي هذين القرنين كان علماء الشيعة يرون في الروايات التي تقرر صفات فوق بشرية للأئمّة أنّها من دسائس المفوّضة الذين استلموا بالتدريج مقام الوجاهة وأصبح فكرهم في القرون اللاحقة هو الحاكم على الذهنية الشيعية مع إجراء بعض التعديلات الكلامية.
ويعدّ ابن الغضائري وابن الجنيد ومشايخ قم ومنهم أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري وكذلك ابن قبة «تقريباً» من رموز القائلين بنظرية «العلماء الأبرار» وأمّا القائلين بالنظرية الأخرى «الأئمّة المعصومون» فيتهمون أصحاب النظرية الأولى بأنّ بآراءهم شاذة ونادرة وأنّ مشايخ مدرسة قم يفتقدون للدراية اللازمة.
ولا شك أنّ نظرية «العلماء الأبرار» أضحت في الالفية الأخيرة رأياً شاذاً ونارداً، ولكنّ هذه النظرية كانت في القرون الأربعة الأولى هي النظرية الرسمية للشيعة، إنّ تقييم مشايخ قم في الدراية يعتمد على مسبوقات فكرية لأتباع النظرية الثانية، وعلى أية حال فإنّ نظرية الأئمّة المعصومين طرحت على أساس أنّها تمثّل هوية الشيعة من قِبل مدرسة بغداد، وسيأتي تفاصيل البحث في نظرية العلماء الأبرار وأهم القائلين بها من أصحاب الأئمّة ورواة الحديث في عصر الأئمّة وتحليل آراءهم الكلامية في مسألة الإمامة والاجابة عن السؤال الثالث من معالم الإمامة في «القراءة المنسية» في القسم الثاني من هذه المقالة إن شاء الله.
* * *





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,475,687,017
- نقد أحاديث تفسير القرآن
- نقد الشيخ الصدوق وكتبه
- نقد العلامة المحدث محمد باقر المجلسي
- الشيخ الكليني وكتابه الكافي
- القرن التاسع عشر وإستقلال علم النفس ... المدرسة التجريبية
- الديمقراطية والمعنوية
- قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة
- الايمان, السياسة, الحكومة
- العلم الالهي وحرية الانسان
- تحقيق في اخر اللحظات التي عاشها المسيح
- في نقد برهان النظم
- التقليد والتحقيق في سلوك طلاب الجامعة - د. عبد الكريم سروش
- نظرة عامة في براهين وجود الله
- دوافع جعل الحديث عند الشيعة
- مدرسة الجشتلت ... علم نفس الشكل
- المجتمع المدني مجتمع تحت سلطة القانون
- القرآن والتحدي بمجموع الآيات
- التفسير السيكولوجي لظاهرة الايمان بالله
- منهج العقل الديني في التعامل مع المعارف والمطالب الدينية
- التفسير السسيولوجي لظاهرة الايمان بالله


المزيد.....




- اليوم في مقر “التجمع” : الأمانة العامة تجتمع برئاسة سيد عبدا ...
- تقرير رسمي : “الإخوان” ترمي بأفرادها في الهلاك ثم تتنصل منهم ...
- ملحدون في الأردن... من التدين الظاهري إلى الشك
- “الإفتاء” تحدد شرطا يجعل “التاتو” حلالا
- الفاتيكان يدعو الحكومة الإيطالية لتحكيم صناديق الاقتراع
- نقاش بين إعلامي سعودي وغادة عويس حول -إسرائيلية المسيح-
- نقاش بين إعلامي سعودي وغادة عويس حول -إسرائيلية المسيح-.. وع ...
- دار الإفتاء المصرية تحدد شرطا وحيدا يجعل -التاتو- حلالا
- مرجع ديني عراقي يصدر فتوى بشأن وجود القوات الأمريكية ويأمر ب ...
- ترمب يقول إن اليهود الذين يدعمون الديمقراطيين -غير مخلصين-


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - القراءة المنسية ... مراجعة لنظرية «العلماء الأبرار» القراءة الأولى للمذهب الشيعي عن أصل الإمامة