أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - شرق بعيد: الخريطة السرّية للواقع في السرد















المزيد.....

شرق بعيد: الخريطة السرّية للواقع في السرد


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 3791 - 2012 / 7 / 17 - 13:29
المحور: الادب والفن
    


يكسر السرد القشرة المتقرنة للواقع فيتخلف عالم غرائبي صادم لا يشبه، إلى حد بعيد، الواقع الذي ولد، ذلك العالم، من رحمه.. إنه السرد الممثّل للوجه الآخر للواقع؛ النسخة السالبة من صورته، والملتقطة من زاوية حادة، غير متوقعة، لتنكشف، دفعة واحدة، الخريطة السرية له، بقسوته وفظاظته ولا معقوليته.. إنه التاريخ وقد تولى مسؤوليته السرد. والوجود الإنساني وقد تجسّد في رؤية وموقف وحلم؛ حلم محاصر بألف خيبة. وموقف يضطرب بتأثير هول ما يحدث. ورؤية تحاول أن تكون صرخة اتهام وفضيحة مدوّية. تلك هي الخلاصة المتوترة التي يخرج منها قارئ مجموعة ( شرق بعيد/ للقاص محمد علوان جبر.. دار رند/ دمشق 2011 ).
في قصة ( نجمة ) يوزّع القاص وجهة النظر المطروحة على ثلاثة رواة في محاولة منه للتعمق أكثر في أغوار المتن الحكائي وإضاءة ثلاثة وجوه من حقيقة المحنة الإنسانية لعائلة منكوبة بحروب متوالية. وثمة وجهة نظر حيادية رابعة هي وجهة نظر الراوي الأول/ العليم نسبياً، والذي يحكي بضمير المتكلم ببضع جمل ممهداً للآخرين أن ينقلوا لنا حكاياتهم. والثلاثة هم رجل كهل، بعين واحدة إذ أطفأت الحرب عينه الثانية. وابنته التي فقدت زوجها في حرب أخرى ربما. والحفيد المنغولي الذي هو ضحية مؤكدة للحروب كلها.
اختار المؤلفُ الصبيَ المضطرب ليكون أول الرواة في العائلة، وآخرهم أيضاً. ولعله قصد أن يبقي بعض المساحات في صورة الواقع غائمة، ذلك لأنه واقع زلق، ومتحوّل، وليس من السهل فهمه تماماً.. كان المتن الحكائي أثقل وأوسع وأكثر تشعباً من أن تفي بتمثيلها وجهات نظر ثلاث شخصيات، لم يُمنحوا الفسحة الكافية للسرد في هذه القصة المفرطة، حدّ درجة القصور، في كثافتها.. إن قصة بحجم أقل من ألفي كلمة تعد أصغر في شريطها اللغوي من أن تتحمل ثلاث وجهات نظر. ومأخذي الآخر على هذه القصة هي اللغة العالية والمتماسكة لصبي منغولي، على الرغم من وعيه المحدود ورؤيته المشوشة، على عكس اللغة المهشمة، في سبيل المثال، لبنجي المعتوه في رواية ( الصخب والعنف ) لوليم فوكنر.
أما قصة ( سيدة الماء ) فتعكس حيرة الإنسان الوجودية والاجتماعية في محيط عدائي غير مستقر وغير آمن.. يترك الراوي بيته هارباً ولن يقول لنا لماذا؟ بحثاً عن ملاذ يعتقد أنه هناك حيث يكون وحيداً، إلى جانب آخرين لا يعرفونه، ولذا لن يزعجوه ولن يلحقوا به الأذى. لكن الآخرين في دوامة وضع ملتبس سياسياً وتاريخياً يكونون، على وفق عبارة سارتر، هم الجحيم.. يذهب إلى فندق ما فيكون موضع ريبة عند صاحب الفندق وحاشيته بوجوههم الشمعية بعدما عرفوا اسمه واطلعوا على بطاقته الشخصية. يخرج إلى مقهى قريب فيألف نفسه مأخوذاً بصورة امرأة على الجدار. وبرأيه فإن هذه المرأة هي الوحيدة، في إطار القصة، التي يجد معها لغة مشتركة.. يفترض أنها تعاني من التوحد مثله. أتراها مثّلت له صورة المرأة/ الحلم، والملجأ الموهوم في عالمه الشرس والقاتل؟. وحالما يعود إلى الفندق سيقتحم بعضهم ـ لن يصفهم أبداً ـ غرفته، فهم مجهولون لديه. هنا يستأنف السرد بأفعال مبنية للمجهول ( كُبلت يداه، وكُمم فمه وأُقتيد فيما بعد إلى مكان لم يستطع أن يحدده ). وفي هذه اللحظة تخطر سيدة الماء على باله فيخاطبها طالباً أن تنتظره على جدار وحدتها في المقهى المعتم، ليشرح لها ماذا جرى له. وأعتقد أن الراوي لم يفقد الأمل تماماً. كان يرغب بالعودة لإتمام الحكاية. لعله كان أملاً خادعاً، ولكنه أمل يتشبث به الإنسان على أية حال.
تنوء بعض قصص المجموعة تحت عبء إنشاء متكلف يوقف تدفق السرد ولا يكاد يضيف شيئاً إلى فضائه الدلالي، أو إلى بنيته الفنية. وأزعم أن حذفها يرشِّق النص ويزيده حيوية. فالقصص التي كُتبت تحت تأثير فقدان أشخاص عزيزين أو بقصد تحية أو تقريظ مواقف وتواريخ أسشخاص قريبين من القاص هي التي تعاني في جوانب منها من هذا الخلل. وكان الأجدر بالقاص أن يعبِّر عن مشاعره بهذه المناسبات بكتابة نصوص مفتوحة أو مقالات بدلاً من باستعارة شكل السرد القصصي وقوانينه. والذي لم يوفّق في توظيفها، ولم يبلغ معها درجة النضج. وهذا ما نلاحظه في قصص ( انكسارات العاشق، وقائع موت معلن، مقامة العاشق، بورتريه ).
تكاد تقتصر الثيمات الرئيسة في قصص مجموعة ( شرق بعيد ) لمحمد علوان جبر على الاقتلاع من المكان الأم قسراً، والخوف من قوى غامضة متربِّصة، والفقدان، والموت المجاني. وأن تعيش في بيئة حبلى بهذه الاحتمالات المرعبة كلها لابد من أن تُصاب بصدع في الروح، أو أن تجدك واقفاً على حافة الجنون.. تدور قصة ( المحطة ) حول هذه الثيمات مجتمعة.. إن حرباً تجري وقائعها لا نعرف عن تفاصيلها شيئاً، وقنابل تتساقط، لا نعلم من يطلقها على من؟. ورجل يحادث زوجته عن هرب كبير.. تترك الناس منازلها وتتجه نحو المجهول، فيما يقف الرجل خلف النافذة ويراقب ويتذكر طفلته التي خسرها ( ربما ذات حرب ). وعلى حين فجأة يظهر له رجل آخر يقود إبنته الصغيرة في الشارع.. تسأل الإبنة أبيها عن طائرة في السماء لونها أحمر، ويحاول الأب أن يقنعها بأن لا طائرات بهذا اللون، وإنما هو انعكاس الضوء على صفيح الطائرة ما يجعل اللون يبدو هكذا في عينيها. ورمزية اللون الأحمر للطائرة واضحة في هذا المشهد. فالطائرة الحمراء علامة نذير، توحي بأنها جالبة للموت والدمار. وفي لحظة تصرخ الطفلة فيخرج رجل النافذة مسرعاً فلا يجد لا رجل الشارع ولا ابنته.. هل كانت تلك رؤياه عن نفسه وعن طفلته، حيث أحاق بالطفلة مصير فاجع؟. أعتقد؛ نعم.. نفهم أن رجل النافذة لا يفكر بالمغادرة، لقد رضي بقدره مع زوجته وهما وحدهما في المنزل الذي تقترب منه القنابل. المنزل الذي يقع قرب محطة لم تعد القطارات تصلها. لكن في لحظة ما يتجمع الناس وينصبون خياماً في المكان الذي كان يوماً ما رصيف محطة يكتظ بالمسافرين. أما في موسم الحرب هذا فالناس ينتظرون قطاراً قد يأتي وقد لا يأتي. ولعل القاص رغب، بوجود أمل بمجيئ قطار، أن يضفي شيئاً من التفاؤل على أجواء قصته. ونجد الحالة نفسها في قصص عديدة أخرى في مجموعته. وأظن أن الراوي كان يعيش لحظة انفصال مع واقعه ويحلم حيث حلمه وسيلة نفسية دفاعية كي يتجنب الإقدام على الانتحار أو الولوج إلى متاهة الجنون.
أشار القاص الكبير محمد خضير إلى قصة ( نزهة ) بوصفها من أفضل قصص المجموعة في مقدمته التي كتبها لها. وشخصياً أوافقه الرأي في هذا. وكان قد اقترح أن يكون عنوان القصة آنفة الذكر ( رأس في سلّة ). واقتراحه هذا له مسوِّغاته، لكني أتفق مع الناقد حسين سرمك في تفضيله للعنوان الأول لأن القاص نجح في خلق مفارقة بين الانطباع الهادئ الذي يولِّده العنوان، وبين مأساوية الحدث وغرابته ومشاعر الرعب التي يخلِّفها السرد، فجاءت النزهة بحسب سرمك "كتسوية لمحنة، وحل إبداعي التفافي يخفف من قلق الموت المشتعل في نفوسنا عبر حلم يقظة طويل هي ( أي النزهة ) ناقوس خطر يدّقه القاص واقعياً". وهي مع تلك القصص التي تحدثت عنها، وأُخريات مثل: ( احتراق الكتب، توترات السيد ك ) من أجمل القصص العراقي المعاصر. وقد استطاع القاص فيها تصوير جوانب من التراجيديا العراقية التي هي في وجهها الآخر وثائق تاريخ ملتبس، وكوميديا سوداء مربكة. ففي قصة نزهة يتفاجأ الرأس المقطوع، الملقى في سيارة إسعاف، بوجود جسد مقطوع الرأس إلى جانبه من غير أن يدرك للوهلة الأولى أن هذا ليس سوى جسده هو. وهناك امرأة تنظر إليه وتبكي، فيما هو لا يتذكر أين يمكن أن يكون قد رأى هذه المرأة؛ "اعتقدت أنها تبكي الجسد المسجى إلى جانبي لكني تأكدت أنها تعنيني ببكائها، فهي لم تكن تنظر إلى الجثة، حاولت أن أكلمها لكني فشلت، كان الصوت حالما يصل شفتي ينطفئ في فراغ لا متناه". بعد ذلك يبدأ الرأس بإعادة صياغة قصة ما حصل من غير أن يدرك بوضوح تام أنه يعيد قصة مأساته هو. والقصة بمجملها رؤيا كابوسية تعكس واقع بيئة مضطربة، مخرّبة، ومبتلاة بالعنف.
يعمد القاص إلى حقن نصوصه بأفكار ذات أبعاد فلسفية، تعبِّر عن رؤية القاص نفسه إلى البشر والعالم، ويفصح عن الموجِّه الإيديولوجي ( بالمعنى الإيجابي ) الذي يؤطر تلكم النصوص ويمنحها هويتها. لكنه أحياناً، يجعل مقاطع منها ثقيلة الدم وغير مقنعة لا سيما حين يرد على ألسنة بعض شخوص القصة، حتى وإن كانوا على درجة رفيعة من الثقافة.. لنصغي إلى هذه العبارات الواردة على لسان السارد المحامي في قصة ( يوم خاص للمرأة ) التي وكّلته في قضية إرث بعد مقتل زوجها وابنتها؛ "إنها النقطة التي تُديم اتصالك مع المساحات القصيّة أو مع الفخ أو الباب المشرع دلالة لا تعني إلاّ أنها باب مشرع ومبهم، لكن صدّقيني أني لا أدّعي أني وصلت إلى تلك اللحظة".
أخيراً نخلص إلى أن قصص مجموعة ( شرق بعيد ) تصوّر وضع مجتمع يواجه قدراً تراجيدياً في فاصلة صعبة من تاريخه، باعتماد تقنيات سردية متقنة فنياً..





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,122,523
- إلفريده يلينك والعاشقات
- ستة أيام لاختراع قرية
- غوايات الكتب
- قراءة في كتاب ( الذهاب إلى السينما )
- السيرة الروائية
- السرد والاعتراف والهوية
- فتنة الحكاية
- قراءة في؛ مدينة الصور
- قراءة في؛ تجليات السرد
- يسكنني هاجس دائم بأني روائي قبل أن أكون أي شيء آخر
- قراءة في رواية -شامان- لشاكر نوري
- هوبزباوم في -العولمة والديمقراطية والإرهاب-
- اليسار والديمقراطيون العلمانيون والامتحان الصعب
- غواية كتابة الرواية: سلطة المشهد المتخيل
- عصر مثير
- امرأة الكاتب
- رماد الذاكرة: شعرنة تاريخ الخوف
- ألوان السيدة المتغيرة
- حين تستلهم الرواية التاريخ: -قصة مايتا- ليوسا
- -الحلم العظيم- شهادة عن مرحلة الآمال والخيبات


المزيد.....




- حوار -سبوتنيك- مع الممثل الخاص لجامعة الدول العربية إلى ليبي ...
- هذه تعليمات أمير المؤمنين لوزير الداخلية بخصوص انتخابات هيئ ...
- فنانة تطلب من بوتين على الهواء منحها الجنسية الروسية (فيديو) ...
- في تدوينة له ..محمد البرادعي يعلق على قرار إتخذه زوج الممثلة ...
- مندوبية السجون: إضرابات معتقلي الحسيمة تحركها جهات تريد الرك ...
- ادوات الاتصال والرواية العر بية في ملتقى القاهرة للرواية الع ...
- يوسي كلاين هاليفي يكتب: رسالة إلى جاري الفلسطيني
- فنان عراقي يعيد بناء قرية القوش التاريخية
- ما الجديد بمهرجان كان السينمائي هذا العام؟
- افتتاح مهرجان موسكو السينمائي الدولي الـ41


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - شرق بعيد: الخريطة السرّية للواقع في السرد