أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قحطان محمد صالح الهيتي - أباطيل وأكاذيب فيما قاله إبراهيم عبد الرحمن الداود






















المزيد.....

أباطيل وأكاذيب فيما قاله إبراهيم عبد الرحمن الداود



قحطان محمد صالح الهيتي
الحوار المتمدن-العدد: 3740 - 2012 / 5 / 27 - 01:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لن اكتب عما قاله إبراهيم عبد الرحمن الداود في أحداث انقلاب 17/تموز/1968 وربما يكون لي مع ذلك موضوع خاص؛ ولكني سأكتب حول ما ورد بأقواله وتصريحاته وذكرياته السياسية التي حررها الصحفي المعروف غسان شربل في جريدة الحياة اللندنية ومن خلال أسلوب حوار جرى بينه وبين إبراهيم الداوود (1 ) وهو ما نشر في كتيب صغير من إعداد السيد محروس توفيق الهيتي ابن شقيقة الداود عما يتعلق بثورة 14/تموز/1958 ففي ما ذكره الداود الكثير من الأباطيل المنافية للوقائع التي رافقت تلك الثورة وما تلاها.
لقد اعتمدت في بحثي هذ على أهم وابرز المراجع التي كتبت عن ثورة 14/تموز/1958وعن قادتها، ومن ثم عن انقلاب 8/شباط/1963،وكيفية استشهاد الزعيم عبد الكريم قاسم.
وسأتناول الموضوع بثلاثة محاور، الأول بداية الثورة وسقوط قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة، والثاني مقتل نوري السعيد والثالث استشهاد الزعيم عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة.
المحور الأول: بداية الثورة وسقوط قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجيب الداود عن سؤال محاوره: كيف بدأت عملية 14/تموز/1958؟ قائلا: " قبل التحرك - أي تحرك اللواء 20 من جلولاء إلى لبنان – تلقيت برقية ترشحني للذهاب إلى أمريكا. وقالوا إن طائرتين ستأتيان من جنوب شرق أسيا وستحطان في الظهران في السعودية ومنها إلى جزيرة برمودا وبعدها إلى الولايات المتحدة .وكان على الراغبين الاختيار بين موعدين للطائرتين الأولى في 14/تموز والثانية في 18/منه. سألت عبد السلام عارف رأيه مشيرا إلى أن كثيرين اختاروا الموعد الأول فنصحني بالثاني. وقال: اذا بارك الله وكان 14تموز كما نرغب لا داعي للمغادرة واذا لم يكن كما نريد تذهب في 18/تموز."( 2)

من هذا يفهم بأن عبد السلام عارف أخبر الداود بيوم الثورة وهو 14/ تموز، وهذا ما لم يذكره عبد السلام عارف في مذكراته حيث يقول : " إن يوم الخميس 10 تموز 1958 شهد نشاطا واسعا فقد كان عليَ إن أمر على جميع الضباط المكلفين بتنفيذ العملية لأشرح لهم تفاصيل الخطة وتحركاتهم. وقد حاول كثير من الضباط معرفة وقت ويوم الحركة إلا أنني آثرت السرية ،فقد كانت غايتنا الكتمان والمباغتة واكتفيت بتبليغ عدد قليل من الضباط ،وهم سيقومون بواجبات التنفيذ ،وكان واجبي أن أسيطر على اللواء العشرين واعزل مقر قيادته واستلم القيادة وأنا ما زلت آمرا للفوج الثالث في اللواء"(3 )

ومن الضباط الأحرار الذين جرى إخبارهم بموعد التنفيذ هم كل من : عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، وعبد اللطيف الدراجي، وعادل جلال، واحمد صالح العبدي، وقاسم الجنابي، وجاسم العزاوي وعبد الستار عبد اللطيف، ووصفي طاهر، وإبراهيم جاسم التكريتي، وإبراهيم عباس اللامي ، وعبد الرحمن عارف ، أما باقي الضباط الأحرار فعلموا بالثورة عن طريق الإذاعة(4 )

أين هو ابراهيم الداود في هذه الأحداث ولماذا لم يرد أسمه مع أسماء الضباط الذين ذكرت أسماؤهم وهم من ابرز أعضاء لجنة الضباط الأحرار؟

 سقوط قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في جوابه عند سؤاله ،ماذا طلب منك؟ أجاب الداود:" طلب من الكتيبة أن تسيطر على قصر الرحاب الذي تقيم فيه العائلة المالكة. وتبلغنا أن سريتين من الفوج الثاني ستشاركان في هذه المهمة في حين يتولى آخرون احتلال الإذاعة والسيار والبريد وقصر نوري السعيد والمراكز الحكومية." (7)

من هذا يفهم بان الداود كان من بين الضباط الذين كلفوا بالسيطرة على قصر الرحاب ولكن الحقائق والوثائق ومذكرات كل من كتب عن سقوط قصر الرحاب لم يذكر وجود الداود بينهم بأية صفة من الصفات. لان الحقيقة هي أن الهجوم على قصر الرحاب قد بدأ في الساعة السادسة من صباح يوم 14/تموز حيث صدرت الأوامر إلى الرائد الركن منذر سليم من لواء المشاة العشرين بان يتوجه على راس سريته إلى قصر الرحاب للسيطرة عليه .( 8) وفي رواية أخرى يذكر مجيد خدوري بان عبد السلام عارف اصدر أوامره إلى الرائد عبد الجواد حميد بان يتوجه على رأس سرية خاصة إلى منطقة الحارثية لحصار قصر الرحاب حيث يقيم الملك فيصل الثاني، وولي عهده الأمير عبد الإله لاعتقالهما.( 9) ولكن اغلب الضباط الأحرار ذكروا في أثناء مقابلاتهم بان الأوامر صدرت إلى الرائد منذر سليم وان الرائد عبد الجواد حميد هو احد ضباط السرية التي يقودها الرائد منذر سليم.(10)

يقول النقيب منذر سليم آمر القوة التي كلفت بالسيطرة على قصر الرحاب من خلال إجابته عن سؤال وجه إليه وهو: متى عرفت بيوم الثورة ؟ ومن بلغك؟ ومن حدد لك واجبك؟ ومتى كان ذلك؟ (11 ) : " بُلغت بيوم الثورة الساعة الرابعة من صباح يوم 14 تموز، إذ في أثناء استراحة الرتل قرب معامل الطابوق في قرية الحسينية بين (بعقوبة وخان بني سعد) إي على مشارف بغداد الجديدة، أقول في أثناء توقف الرتل أرسل عليَّ آمر فوجي العقيد الركن عبد السلام محمد عارف ،فحضرت إلى مقره على الطريق العام، وكان معه الرائد إبراهيم اللامي، والمقدم الركن إبراهيم جاسم التكريتي، والمقدم وصفي طاهر ،والملازم الأول عبد الله مجيد، وغيرهم لم أتبينهم فأصدر إليَّ الأمر التالي: يا منذر أن الثورة ستعلن في هذا اليوم عند دخولنا بغداد، وسيكون هدفك قصر الرحاب وستكون بإمرتك كذلك سرية الرئيس (النقيب) عبد الجواد حميد الصايغ من (ف2) الذي يقوده العقيد الركن ياسين محمد رؤوف الذي اعتقل الآن لرفضه الاشتراك بالثورة وسيكون دليلك إلى هدفك (قصر الرحاب) الملازم عبد الله مجيد، آمر مفرزة تصليح الفوج الأول الحرس الملكي وسيزودك بالمعلومات الأخرى. نفذت الأمر وأخذت معي في السيارة النقيب عبد الجواد حميد، والدليل عبد الله مجيد وعقبت السريتين السيارة... ولم استلم أية تعليمات أو معلومات. إذ في أثناء السير قال لي دليلنا عبد الله مجيد يا منذر هل أنت واثق من سريتك وضباط الصف والجنود، فقلت له :إني واثق منهم وكانت علاقتي بهم جيدة ، وهم يملكون شعوراً وطنياً وأنا واثق أنهم سينفذون أوامرنا، ثم سألته: لماذا سؤالك هذا ولماذا مرتديا الملابس المدنية فقال: يا منذر أنا من ضباط الحرس الملكي وسيارتي المدنية يقودها الملازم الأول منعم والتي تسير خلفنا معروفة من الحرس الملكي ولذلك سأذهب أنا ومنعم إلى دارنا وأترك السيارة هناك وسألتحق بكم مع منعم في ساحة البانزين خانة (المتحف العراقي الآن). فقلت له طيب بإمكانكما اللحاق بنا في الساحة فتركاني وذهبا بالسيارة بعد أن توقف الرتل داخل بغداد الجديدة لإعادة تنظيمه، وكانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحاً.

توجهت سريتي إلى هدفها فوصلنا جسر الجمهورية والإذاعة ثم ساحة البانزين خانة (المتحف) حسب الاتفاق فلم أجد الأدلاء بانتظاري. فقال النقيب عبد الجواد لعل التأخير ناتج من عطل في السيارة دعنا ننتظرهم خمس دقائق أخرى، علهم يأتون وحتى تلتحق بقية السيارات بنا، فوجدت الاقتراح معقول وبقينا على يمين الطريق لمدة خمس دقائق وكانت الساعة تشير إلى 0520 فلما يئسنا توجهنا إلى هدفنا لأن الوقت قد أدركنا......وكان موجود سريتي ثمانين جنديا تقريبا وبمثل هذا العدد كان ملاك سرية عبد الجواد وكان لدى كل جندي 30 طلقة فقط ولكل رشاشة ثلاثة مخازن عتاد (المخزن30 طلقة)... ولم يكن في السرية آمرو فصائل خريجي الكلية العسكرية... وبعد مقتل العائلة المالكة التحق بنا الملازم الأول عبد الله مجيد... أخبرت العقيد الركن عبد السلام عارف بما تم فطلب مني الحضور إلى الإذاعة لسرد التفصيلات... بعدها عدت ثانيةً إلى قصر الرحاب لاستلام قيادة السريتين وكانت الساعة تشير إلى حوالي السابعة وشاهدت جموع الناس من مختلف الطبقات تزحف على قصر الرحاب .

وعندما سئل الداود ،هل طلب منك قتل الملك والوصي والعائلة ؟أجاب :" لا ، كلفت السيطرة على القصر وهذا التكليف قد يعني اعتقالهم ،ولكنه لا يعني قتلهم إلا في حال حصول مقاومة ومواجهة مسلحة..."(12 ).

من هذا يفهم بأن قادة الثورة كلفوا الداود بأمر السيطرة على قصر الرحاب واعتقال الملك والوصي والعائلة المالكة دون قتلهم ،وهذا القول عار عن الصحة، فلم يرد في أية وثيقة أو دراسة أو بحث أو مذكرات مثل هذا الادعاء، ولم يرد ذكر الداود بين الضباط الذين نفذوا هذه المهمة الخطيرة.

ويستمر الداود في روايته فيقول:" بدأنا التنفيذ وتقدمت كتيبة المدفعية وفق ما هو مرسوم لكنَّ السريتين ضاعتا بين الأشجار في المنطقة المؤدية إلى القصر ،وبدأ اطلاق النار. وقفت قبالة القصر وكان الرصاص يئز. في البداية لم يقدر من بداخله حجم ما يجري. وشاهدت الوصي عبد الإله يخرج إلى الشرفة ويحدق بالمنظار إلى ما يجري. ثم رأيت الملك فيصل الثاني يخرج. وهنا بدأ الناس يطالبون بخروج العائلة."(13 ) في هذا القول تأكيد من الداود على أنه كان حاضرا عملية مهاجمة قصر الرحاب من خلال رؤيته للوصي وللملك وهذا مالم تثبته الوقائع .ويمكن أن يقنعنا بذلك ،ولكن هل يمكن له أن يقنعنا بأن سريتي مدفعية تضيع في حدائق قصر الرحاب؟

ويروي لنا الداود قصة بداية النهاية للملك والوصي والعائلة المالكة قائلا:" على مقربة منا كانت توجد مدرسة الأسلحة حيث يتابع الضباط دورات على الأسلحة. سمع هؤلاء بيان الثورة الذي إذاعة عبد السلام عارف وسمعوا دوي الرصاص حول قصر الرحاب. حضر ما بين 12-14 من هؤلاء وهم رفاق وزملاء عانقوني واعربوا عن تأييدهم. لم تكن مشاركتهم مقررة لكن الحماسة دفعتهم إلى الانخراط في العملية. اكتشفوا أن لا أسلحة لديهم فقصدوا المدرسة وكسروا مخزن السلاح وعاد كل منهم برشاش أمريكي من طراز(سترلنغ) احدهم يدعى عبد الستار سبع وهو صديق لي احضر مدفعا غير مرتد ضد الدبابات ينقل على سيارة جيب. جاء ووقف قبالة القصر واطلق قذيفة توغلت الطلقة في القصر وأصابت سردابا يبدو ان العائلة وضعت فيه أسلحة للصيد وذخائر ومشروبات روحية. دوى الانفجار وأعقبه حريق فاندفعت العائلة المالكة إلى الخارج وباتت على مسافة 30 مترا مني . ناديتهم ان يتقدموا واعدا ان لا نؤذيهم لكنهم لم يفعلوا. ربما اعتقدوا اني استدرجهم"(14 )

في هذه الرواية نقرأ فنفهم، بأن الداود كان القائد الفعلي لعملية الهجوم والسيطرة على قصر الرحاب من خلال قوله:" فاندفعت العائلة المالكة إلى الخارج وباتت على مسافة 30 مترا مني. ناديتهم ان يتقدموا واعدا ان لا نؤذيهم لكنهم لم يفعلوا. ربما اعتقدوا اني استدرجهم" (15 ) فلو لم يكن هو كذلك لما تولى أمر المناداة عليهم بان يتقدموا لأن السياقات العسكرية لا تسمح بان يصدر أمر عسكري إلا من قائد العملية .وفي هذا القول مغالطات كثيرة ،وفيه الكثير من الخيال كونه مخالفا للوقائع والأحداث الحقيقية التي جرت في ذلك الزمان وفي ذلك المكان.
إن الحقيقة التي نرد بها على رواية الداود هذه هي: أنه في الوقت الذي ازدادت فيه مقاومة الحرس الملكي للمهاجمين، تأزم الموقف، ووصل الضباط الأحرار في مدرسة المشاة القريبة من القصر بعد ان سمعوا اطلاق الرصاص لنجدة رفاقهم. وبعد أن اعلمهم النقيب عبد الجواد حميد بان عتادهم يوشك على الانتهاء انطلق النقيب محمد علي سعيد إلى مدرسة المشاة وتحدث مع الضباط والجنود مستثيرا فيهم نخوتهم وشعورهم الوطني لنجدة القائمين بالحركة وبالفعل هب أولئك الضباط والجنود بجمع العتاد وحملوه بناقلتين أقلتا إضافة إلى ذلك ستين ضابط صف. واعد النقيب عبد الستار سبع العبوسي مدفعا عيار 106 ملم مضادا للدروع وازداد الحماس بوصول هذه النجدات، واشتدت نيران المهاجمين للقصر بينما توقف الرمي من جانب الحرس الملكي. وعندئذ تقدم النقيب محمد علي سعيد والنقيب حميد السراج وعدد من ضباط الصف ودخلوا حديقة القصر من بابه الجانبي. وفي غضون ذلك وصل النقيب عبد الستار سبع العبوسي واطلق ثلاثة قنابل بازوكا من المدفع عيار 106 ملم باتجاه القصر فاهتزت المنطقة اثر الانفجار، وتصاعد الدخان من الطابق العلوي للقصر، ولم تلبث السنة اللهب ان تصاعدت من الشرفة.( 16)

في رواية الداود - الذي لم يرد ذكره بين من ذكر من الضباط في هذه العملية – يذكر بأن مشاركة الضباط والمراتب الذين حضروا من مدرسة المشاة وعددهم ما بين 12-14 لم تكن مقررة لكن الحماسة دفعتهم إلى الانخراط في العملية. وهذا ما يخالف الحقيقة التي تؤكد أنهم من الضباط الأحرار وأن النقيب عبد الستار سبع العبوسي من الضباط الأحرار غير المبلغين بساعة الصفر، ولم يكن مكلفاً بأي واجب ضمن خطة الثورة، قد جاء نتيجة اجتهاده النابع من مشاعره الوطنية المتراكمة على امتداد السنوات التي سبقت قيام الثورة، حاله في ذلك حال أي شاب وطني غيور ومخلص لوطنه وأمته. وإن ما قام به من أفعال قد شكلت في سياق مسيرة الأحداث عوامل ايجابية وحاسمة لصالح تحقيق نجاح الثورة في يوم تنفيذها لقد لعبت القوة المساندة من مدرسة الأسلحة الخفيفة برئاسة الملازم الأول عبد الستار سبع العبوسي ومجموعة من الضباط الديمقراطيين دورا مصيراً في الواقعة، رجحت كفة القوة المهاجمة وحسمت الموقف القتالي- التعبوي وكذلك النفسي لكل الأطراف وعجلت باستسلام ولي العهد (17)،فضلا عن أن جميع الروايات تؤكد أن قذائف البازوكا التي اطلقها النقيب عبد الستار سبع العبوسي أصابت الطابق العلوي من القصر وليس سردابه كما أوردها الداود .

ويصف لنا الداود عملية قتل الملك والوصي والعائلة المالكة قائلا:" ان المناخ كان بالنسبة اليهم مناخ خوف وهلع إذ ان صوت الرصاص كان مستمرا وكل شيء ينذر بالأسوأ .هنا وقعت حادثة كانت السبب في مقتل العائلة. كان بين الضباط الذين حضروا من مدرسة الأسلحة ضابط شاب كردي اسمه عبد الله .كان يقف في الصف المواجه للعائلة .فجأة تلقى هذا الضابط رصاصة طائشة في بطنه فسقط أرضا وبادر إلى فتح نيران رشاشه في اتجاه العائلة أي الملك والوصي والزوجات وتبعه الضباط الآخرون وانهمر الرصاص. قتلوا جميعا باستثناء زوجة الوصي التي اعتقد أيضا إنها قتلت وتبين لاحقا في المستشفى أنها لاتزال حية. اذكر المشهد كأنه أمامي الآن. واذكر أن النقيب ثابت كان مرافقا لعبد الإله وهو ضابط مؤدب ناديته وناشدته أن يقترب قبل اطلاق النار لكنه ظل وفيا للرجل الذي كلف بحراسته وقتل معه"( 18)

ويجيب الداود عما فعله بعد ذلك قائلا:" اتصلت بعبد السلام عارف وقلت له إن حادثا وقع وادى إلى مقتل الأسرة الحاكمة. لم يفرح ولم يغضب. طلب أن نلف الجثث ونرسلها إلى عبد اللطيف الدراجي أمر اللواء العشرين. نفذنا ما طلبه وأرسلت الجثث إلى المستشفى وبعضها إلى المدافن،وخلال عملية النقل هجم المواطنون وانتزعوا جثة عبد الإله عنوة من السيارة وأخذوها إلى جانب الكرخ وعلقوها هناك وقصبوها ".(19 )

بهذا الصدد تروي المصادر ان الجماهير الثائرة اعترضت السيارة وسحبت جثة عبد الإله ثم علقت على بوابة وزارة الدفاع في المكان الذي اعدم فيه العقيد صلاح الدين الصباغ.(20 )

لقد قال الداود: "اتصلت بعبد السلام عارف وقلت له..." وهذا يعني أنه هو قائد العملية وإلا كيف له أن يتصل مباشرة بثاني رجل في قيادة الثورة ،بل كان في ذلك الوقت الرجل الأول فيها حيث لم يصل الزعيم عبد الكريم قاسم إلى بغداد إلا بعد الساعة العاشرة صباح يوم 14/تموز بينما معركة قصر الرحاب انتهت في الساعة السابعة صباحا .ويستمر الداود في وصف نهاية معركة قصر الرحاب قائلا:" بعدها دخلت غرفة الملك فوجدت الصور منثورة على الأرض وملابس نسائية....ويقول: كُتب الكثير عن قصة قصر الرحاب وكانت في تلك الكتابات أخطاء كثيرة. وثم من تحدث عن قرار سابق بإعدام العائلة .الأمانة تفرض عليَّ أن اروي ما شاهدته. لو كان هناك قرار بقتل العائلة لأبلغني عبد السلام عارف بذلك لحظة تكليفي السيطرة على القصر,"(21 )

مازال الداود في روايته هذه يؤكد كونه قائد العملية من خلال قوله:" الأمانة تفرض عليَّ أن اروي ما شاهدته. لو كان هناك قرار بقتل العائلة لأبلغني عبد السلام عارف بذلك لحظة تكليفي السيطرة على القصر." والأمانة تفرض علينا أن نقول بان ما قاله الداود لا يمثل الحقيقة ولا يتفق مع ما كتب عن هذه العملية.

ويصف لنا المقدم محمد شيخ لطيف ضابط استخبارات لواء الحرس الملكي كيفية سقوط قصر الرحاب ونهاية العائلة الملكة قائلا": كان المفروض ان أكون في توديع الملك وولي العهد اللذان سيغادران إلى تركيا صباح يوم 14 تموز، ولكن السيارة التي كان موعدها ان تنقلني في الساعة الخامسة صباحا من داري في الكرخ في ست نفيسة تأخرت عن موعدها فاتصلت تلفونيا بضابط خفر البلاط فلم أتمكن من الاتصال وتكررت محاولاتي مرات عديدة بالبدالة ،وأخيرا حصلت على الجواب من بدالة قصر الزهور ،وكان مأمور البدالة مرتبكا وقال :لا اعلم ماذا يحدث ولكن هناك جنود يحاصرون قصر الرحاب وان بعض الإطلاقات ترمى على القصر، فتركت البيت ووصلت إلى مقر الفوج في قصر الزهور في احدى السيارات ،ووجدت مساعد الفوج النقيب هاشم كمال فسألته عما حدث فأجابني بأنه لا يعلم شيئا سوى ان بعض الجنود من لواء العشرين قد حاصروا قصر الرحاب وانهم يرمون بعض الإطلاقات وان آمر الفوج العقيد طه البامرني ذهب إلى قصر الرحاب ليطلع على الموقف (الفوج كان في قصر الزهور) وعندئذ ركبت دراجة بخارية مع احد الجنود وذهبت إلى قصر الرحاب لاطلع على ما يجري هناك فشاهدت العقيد طه البامرني وكيل آمر اللواء، وآمر الفوج في حديقة القصر فسألته عما حدث فأجاب بأنه لا يعلم شيئا ولا يدري من هم القائمون بالحركة ولا الموقف بالتفصيل، ثم دخلت القصر وشاهدت الأمير عبد الإله والمرافق النقيب ثابت يونس والملازم ثامر الحمدان وسألتهم عما جرى فكان جواب الأمير عبد الإله انه لا يعلم من هم القائمون بالحركة وكانت الساعة تشير إلى ما يقرب إلى السادسة إلا ربعا تقريبا، وفي هذه الأثناء حدث بعض الرمي من قبل الجنود المحاصرين للقصر، وعندئذ قال الأمير عبد الإله لماذا هذا الرمي قولوا لهم: "لا حاجة للرمي اذا كانوا لا يريدونا فنحن مستعدون لمغادرة العراق"، وبعد قليل أذيع البيان الأول من الاذاعة فخرج الملك فيصل من غرفته في القصر وكان يحمل بيده راديو ترانزستر ويستمع إلى الإذاعة وقال: خالو يظهر من الاذاعة انه حتى ناجي طالب معاهم اذ أذاعوا اسمه وزيرا، فلم يُجب عبدالاله بشيء. وفي هذه الأثناء اطلقت طلقة مدفع على القصر فخرجتُ من القصر، لأبحث عن طه البامرني ،فوجدته لازال في الحديقة ،ثم اطلقت القذيفة الثانية على القصر فحدث بعض الحريق فيه واستمر رمي الرشاشات والبنادق من الجنود على القصر، وفي هذه الأثناء خرج النقيب ثابت يونس وبيده قطعة قماش بيضاء وناداني باسمي وقال لي ان الأمير يطلب إيقاف النار والرمي ولا حاجة للخسائر وهم مستعدون لمغادرة العراق وتسليم البلاد لهم، فشاهدت العقيد طه وأبلغته بما قاله الأمير وطلبت تنفيذه، وعندئذ أطاع الأمر طه البامرني وطلب من الجنود التجمع مع أسلحتهم ونفذ الجنود الأمر وبعد ذلك دخل إلى باحة القصر (بعد الأمر الذي أصدره الأمير عبد الإله بإيقاف النار) كل من: عبد الستار العبوسي وعبد الله مصطفى وحميد السراج ومحمد علي سعيد وغيرهم لا اذكر اسماهم ،وصل هؤلاء الضباط إلى (الشذروان) قرب الباب الداخلي لقصر الرحاب ولم يعترضهم احد من الحرس حسب امر الامير، ثم دخل هؤلاء إلى داخل القصر واخرجوا العائلة المالكة وكان الثلاث الأوائل الذين أخرجوهم الملك والأمير عبد الإله والملكة ام عبد الإله وتبعتهم اخت عبد الإله وزوجته وبعض حاشية القصر وكانت ام عبد الإله تحمل قرآنا وقد فتحته وكان عن يمينها الملك وعن يسارها عبد الإله وخلفهم البقية إلى ان وصلوا إلى محل (الشذروان) بعد الخروج من المدخل اي في الطارمة التي تطل على الساحة وعندئذ فتح النار النقيب عبد الله مصطفى وعبد الستار العبوسي وتبعه الباقون وسقط الجميع على الراض وعندئذ دخل بعض الأهالي واشتغل النهب واستمر الحريق وتركت القصر ولا اعلم ماذا يحدث بعد ذلك"( 22)

ويذكر المحامي وضابط الركن المتقاعد عربي الخميسي وهو أحد المشاركين في ثورة 14/تموز/1958 أسماء بعض الضباط الذين شاركوا في عملية الهجوم على قصر الرحاب وهم :الرائد منذر سليم والملازم الأول عبد الرزاق غصيبه و الملازم الأول جبار خضير والملازم الأول عبد الله الحديثي والملازم الأول عبد الستار العبوسي والملازم مصطفى عبد الله ولم يذكر أسم إبراهيم عبد الرحمن الداود ( 23).

وتذكر بعض المصادر بان حادث إطلاق النار جاء بطريق الخطأ من قبل الحرس الملكي الذي رد عليه المهاجمون وكانت العائلة المالكة في منتصف خط الرمي ، وتذكر مصادر أخرى بان حالة الحماس والارتباك حملت بعض الضباط من صغار الرتب من غير المنضبطين بالشروع بإطلاق النار بعد ان فتح النقيب عبدالستار سبع النار على العائلة المالكة .
لقد رويت الروايات وكثرت التقولات حول نهاية قصر الرحاب وأسباب مقتل العائلة المالكة ولم يرد في كل ما كتب ذكر إبراهيم عبد الرحمن الداود في هذه العملية ونحيل القارئ الكريم إلى ما كتبه كل من العقيد طه البامرني آمر لواء الحرس الملكي والنقيب عبد الله الحديثي والنقيب سامي مجيد مصطفى وهما من معلمي مدرسة الأسلحة الخفيفة والنقيب هاشم الحاج كمال مساعد امر فوج الحرس الملكي والملازم فالح حنظل وغيرهم الكثير لقد اتفق هؤلاء على بعض الوقائع واختلفوا في بعضها وأيا كان الاتفاق والاختلاف فن الحقيقة التي لم يختلفوا فيها واتفقوا عليها هو عدم ذكر أي منهم لإبراهيم الداود في أحداث نهاية قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة.
المحور الثاني : مقتل نوري السعيد:

يقول الداود:" بعد يومين تلقيت برقية من قيادة الثورة تكلفني تولي أمن الأعظمية والكاظمية وتشكيل قوة مهمتها اعتقال رجالات العهد البائد. نفذت الأوامر واعتقلتهم واحدا بعد الآخر ."( 24)

ويجيب الداود عن سؤال محاوره ،وماذا عن نوري السعيد؟ قائلا: " كنت جالسا في مكتبي حين دخل أحد الجنود وقال لي إنه رأى نوري السعيد الذي تبحث عنه الثورة. سألته أين؟ فأجاب في الكاظمية .وقال إن نوري السعيد كان يختبئ في مكان في الكاظمية وخرج بملابس نسائية لكن النقاب ابتعد قليلا عن وجهه وظهر شارباه. الواقع أن نوري السعيد ربطته علاقة بزوجة الاسترابادي وهي خارقة الجمال واسمها بيبيه"( 25) ويقول:" حين ابلغني الطالب بوجوده هناك داهمت بيت الاسترابادي لكنني لم اعثر على احد إذ أن نوري السعيد ومن معه استفادوا من وجود فتحة في السطح للفرار من المكان"(26 )

في قوله : "بعد يومين تلقيت برقية من قيادة الثورة تكلفني تولي أمن الأعظمية والكاظمية "خطأ تاريخي واضح، فعلى وفق هذا الادعاء يكون تكليفه قد تم بتاريخ 16/تموز/ 1958 كما أنه إجابته بالقول: بان احد الجنود دخل عليه وقال إنه رأى نوري السعيد في الكاظمية وأن النقاب ابتعد قليلا عن وجهه وظهر شارباه غير صحيح لأن افتضاح امر نوري السعيد قد حصل في منطقة البتاوين وانه قتل في يوم 15/ تموز وهو اليوم الثاني للثورة أي قبل تكليف الداود- حسب ادعائه- بتولي امن الأعظمية والكاظمية بيوم . فضلا عن أننا لم نجد في أي مرجع أو في أية وثيقة ما يثبت صحة ادعائه بتكليفه بتولي أمن الأعظمية والكاظمية.

ويستمر الداود في تناقضاته حيث يقول حين ابلغني الطالب بوجوده هناك داهمت بيت الاسترابادي لكنني لم اعثر على احد إذ أن نوري السعيد ومن معه استفادوا من وجود فتحة في السطح للفرار من المكان فمرة يقول أحد الجنود ومرة يقول الطالب فضلا عن تناقضه الواضح تاريخيا كما بينا ذلك آنفا حيث أن نوري السعيد ترك بيت الاسترابادي يوم 15/تموز/1958 وقتل في ذلك اليوم وهو يقول كلفت بآمن الأعظمية والكاظمية بعد يومين .أما قوله بأنه هاجم بيت الاسترابادي فهو بطولة زائفة لأن التاريخ وكل من كتب عن خروج نوري السعيد من بيت الاسترابادي لم يحكِ لنا عن هذه المهمة المزعومة.

لقد أساء الداود بقوله:" الواقع إن نوري السعيد ربطته علاقة بزوجة الاسترابادي وهي خارقة الجمال واسمها بيبيه" إلى عائلة الاسترابادي المعروفة بشرفها وبمكانتها الاجتماعية ولم يرد مثل هذا الادعاء الباطل في كل الكتب والروايات التي كتبت عن نوري السعيد سواء في حياته أو بعد مماته.

ويستطرد الداود في روايته قائلا:" وعندما حصلت الثورة فرَّ نوري السعيد واختبأ في بيت الاسترابادي مع خادمتين إيرانيتين . وفي اليوم الثاني أذيع أن نوري السعيد كان يختبئ في الباب الشرقي وأن مواطنين امسكوا به وقتلوه ."( 27)

لم يكن الداود دقيقا في قوله هذا ولم يكن صادقا فيه فهو يتناقض مع ما قاله بصدد تكليفه بتولي أمن الأعظمية والكاظمية بعد يومين من الثورة في حين يؤكد لنا في قوله هذا إن نوري السعيد كان يختبئ في الباب الشرقي بعد أن فر في اليوم الثاني للثورة من بيت الاسترابادي ,انه قتل في ذلك اليوم.

يذكر الداود أن جثة نوري السعيد وابنه وزوجة الاسترابادي والخادمتين أرسلت إلى وزارة الدفاع. وان عبد اللطيف الدراجي طلب منه تسلمها وإرسالها إلى الطب العدلي كي تشرح بهدف التعرف على هويات أصحابها .ويقول :" نفذت العمليات وأرسلت الجثث إلى المستشفى الرئيسي في بغداد وجرى تشريحها وكنت هناك .تم استدعاء آل الاسترابادي للتعرف على جثة المرأة والخادمتين، كما تم التعرف على جثة نوري السعيد ونجله. بعدها أخذت الجثث وطلبت من الجنود دفنها فحفروا قبورا لهم في باب المعظم."(28 )

لا حقيقة فيما قاله الداود بهذا الشأن لأن كل الذين كتبوا عن نهاية نوري السعيد أكدوا بأن من قُتل في تلك الواقعة هما نوري السعيد والسيدة بيبيه قطب زوجة محمود الاسترابادي أما الخادمة – وليست خادمتان كما ادعى – فقد هربت. أما قوله بأن عبد اللطيف الدراجي قد اتصل به وطلب منه تسلم الجثث الخمس من وزارة الدفاع وإرسالها إلى الطب العدلي....فهو ادعاء عار عن الصحة لأن جثة نوري السعيد نقلت إلى وزارة الدفاع حيث اطلع عليها عبد الكريم قاسم وعدد من الوزراء وقادة الفرق وبقيت هناك إلى أن حل الظلام وخلت الشوارع فتم نقلها إلى مقبرة باب المعظم حيث دفنت هناك.(29 )

مع كل هذه الافتراءات يستمر الداود بادعاءاته فيقول ،كنت في مكتبي - وهو حسب مذكراته مبنى قائمقامية الكاظمية الذي اتخذه مقرا له بعد يومين من الثورة- حين علمت أن مواطنين نبشوا جثة نوري السعيد ونجله وجروهما في قيظ تموز حيث تصل درجة الحرارة إلى 50 درجة إلى الأعظمية .سحلوا جثة نوري السعيد من باب المعظم إلى الأعظمية والكاظمية وحصلت تظاهرات. أرسلت ضباطا لاستعادة الجثتين لكن الناس رفضوا. هنا قررت الذهاب بنفسي والإفادة من العلاقة الجيدة التي تربطني بالمواطنين في الكاظمية. في النهاية تسلمت الجثتين وطلبت من ضابط من الموصل هو خضر كداوي أن يتولى دفنهما. وبسبب الرائحة الكريهة اجتهد خضر واحظر نفطا واحرق الجثتين ودفنهما في بستان تابع للقائمقامية.(30 )

إن كل ما قاله الداود بهذا الصدد غير صحيح ومخالف للحقيقة ،فلم يرد مثل هذا الادعاء في أية وثيقة أو كتاب أو مذكرات .إنها رواية خيالية بطلها الداود وحده.

المحور الثالث: استشهاد الزعيم عبد الكريم قاسم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لن ادخل في هذا المحور مع الداود مدخلا سياسيا فيما أبداه من آراء وتخرصات حول ثورة 14/تموز/1958 وزعيمها عبد الكريم قاسم، ولا بالأحزاب والقوى السياسية التي كانت فاعلة في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ العراق. لأنني لم أجد لدى الداود فكرا سياسا أو رأيا محددا يمكن اعتماده محورا للنقاش. فهو يكره الزعيم ،ويكره الشيوعين ،ويكره عبد الناصر والناصريين، و يكره القومية والقومين ويكره البعثيين، ويكره كل من يحب هؤلاء ولا يحب إلا نفسه وعبد السلام.

ابتداءً أقول إنني لم أجد في صفحات كل الكتب والوثائق التي قرأتها أو اطلعت عليها ذكرا لشخص أسمه إبراهيم عبد الرحمن الداود كان بين الحاضرين في مبنى الإذاعة عندما نفذ أمر الإعدام بالزعيم عبد الكريم قاسم .وهذا يعني أن كل ما قاله الداود بهذا الصدد هو مجرد قصص رومانسية خيالية أراد من خلالها سد نقص الشعور بالعظمة التي سعى اليها في شتى الوسائل والصور لتحقيقيها واهمها وابرزها خيانة سيده عبد الرحمن عارف وتسليمه مفاتيح القصر الجمهوري إلى البعثيين في 17/تموز/1968.
رد الداود عن سؤال لمحاوره ،هل كنت حاضرا ؟ ويقصد به حضوره اللقاء الذي تم بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في مبنى الاذاعة والتلفزيون قبل تنفيذ حكم الإعدام بالزعيم ورفاقه قائلا:" نعم .طبعا"(31 )

لا أدري من أين امتلك الداود هذا الإصرار ليؤكد بهذا القول أنه كان موجودا في دار الاذاعة والتلفزيون في يوم 9/شباط/1963 وماهي الصفة التي حظر بها إلى هناك، وما هو موقعه ومركزه في مراتب الانقلابين من العسكريين والمدنيين؟ ربما يكون الداود واحدا من الضباط الذين حظروا في مبنى الاذاعة مع من حظر من صغار الضباط المؤيدين للانقلاب ومن الطامعين بملذات السلطة والحكم.

أقول ربما يكون الداود حاضرا ، ولكني لن أصدق ما قاله في ذلك المكان وفي ذلك الزمان من انه قال للحاضرين: اخرجوا الملازم - ويعني به كنعان خليل حداد - بعد أن تشهد بالشهادة استعدادا لتنفيذ حكم الإعدام به ،أي: لا تعدموه وحين قالوا: حكمه عبد السلام قال لهم الداود: سآتي بورقة من عبد السلام ،وحين همَّ بالخروج لجلب الورقة اعدم الأربعة وهم عبد الكريم قاسم وطه الشيخ احمد وفاضل عباس المهداوي و كنعان خليل حداد.

لن أصدق هذه الرواية لأسباب عده منها لم يكن الداود من ضباط انقلاب شباط البارزين، ولم يكن برتبة عسكرية أعلى من رتب الحاضرين في مبنى الاذاعة ليصدر أمره هذا ، ولم يرد ذكر وجود الداود في مبنى الإذاعة في كل ما كتب عن تلك المأساة .

وفي معرض إجابته عند سؤاله كم دامت المحاكمة؟ قال الداود "استغرقت بضع دقائق فقط فشلت محاولة قاسم الاحتماء بأيام العلاقة الجيدة مع عارف ،الأيام السابقة لثورة 14/تموز. كان هناك جو عارم في الإذاعة ضد قاسم."(32 )

في مبنى الاذاعة ،والتي اسماها البعض محاكمة انتهت بتنفيذ حكم الإعدام رميا بالرصاص بالزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه. ولقد كثر المدعون بالبطولة في ذلك اليوم الدامي ، لقد كذب من كذب، وزور الحقائق من زور ،ومن بين هؤلاء وأولئك إبراهيم الداود في سرده لإحداث يوم استشهاد الزعيم عبد الكريم قاسم وادعائه بأنه كان حاضرا تلك الساعات الدامية.
سأكتفي بالرد على ما قاله الداود بما ذكره طالب شبيب وزير الخارجية وعضو القيادتين القطرية والقومية في حكومة 8 / شباط 1963 واحد المشاركين الرئيسيين في إسقاط حكم عبدالكريم قاسم، كونه شاهد عيان على كل التفاصيل التي جرت في أثناء المحاكمة.

يقول طالب شبيب:" تحدث كثيرون حول مشهد محاكمة ومقتل عبدالكريم قاسم والحقيقة فان أيا من القادة السياسيين والعسكريين (عدا الرماة) لم يكن موجودا داخل القاعة عند تنفيذ القرار ولم يكن معنا خلال الحوار الذي أسميناه (محاكمة) غير الرماة وكانت الغرفة صغيرة جدا والبقاء فيها أثناء التنفيذ ضرب من الجنون، ويشكل خطورة كبيرة بسبب احتمال ارتداد الرصاص. إن كل من يدعي غير ما قلت إنما يبالغ أو يروي ما سمع به من الآخرين علما انه لم تكن هناك أية فرصة للتفرج على ما جرى في تلك الغرفة من (محاكمة) أو تنفيذ حكم الإعدام لعدم وجود شبابيك زجاجية تطل على ما بداخلها." (33 )

أما جرى في مبنى الإذاعة بعد وصول الزعيم ورفاقه ،وهو ما اتفق عليه أغلب من كتب عن تلك المأساة وحسب رواية العديد من الشهود هو أن عبد السلام عارف بدأ بنفسه استجواب الزعيم قاسم، وكان استجواباً خاطفاً ومأساوياً في ذات الوقت. لقد كان أمل عبد السلام عارف من استجواب الزعيم هو الحصول منه على اعتراف بأنه أي عبد السلام هو القائد الفعلي لثورة 14/تموز/1958وانه خان الثورة ، وقد دام الحوار والاستجواب ما يقارب ربع ساعة ، بعدها قرر زعماء الانقلاب الحكم بإعدام الزعيم ورفاقه(34 ).
وقد انتهى الأمر باختيار الرائد منعم حميد والرائد عبد الحق و الملازم فارس نعمة المحياوي فضلا عن العقيد عبد الغني الراوي الذي يضاف إلى هؤلاء من قبل بعض الرواة والكتاب. لقد مات عبد الكريم قاسم بشجاعة، فقد رفض إن تعصب عينيه، ولم يحاول الاسترحام أو طلب العطف( 35).

وكانت الكلمات الأخيرة التي نطق بها قبل إعدامه: "إنكم تستطيعون قتلي، غير إن اسمي سيظل خالداً في تاريخ الشعب العراقي وصاح بأعلى صوته فليحيا العراق فليحيا العراق فليحيا العراق ".(36 )

ـالهوامش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: جريدة الحياة، الأعداد المنشورة: في 9/6/ 2003 ، 10/6/ 2003 وأيضا: 1/6/ 2003 لجريدة الحياة وفي أكثر من حلقة.
(2) مذكرات الداود ، ص37.
(3) علي منير ،مذكرات عبد السلام عارف، دار العهد الجديد،0القاهرة،1961)،ص40-41.
(4)ليث الزبيدي ،مرجع سابق ،ص181.نقلا عن مقابلة شخصية مع العميد الركن جاسم العزاوي بتاريخ 5/6/1976.
(5) المرجع نفسه ،ص184.
(6) حنا بطاطو ، العراق، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية،ط2،(بيروت،1999)،الكتاب الثالث، ص110.
(7) مذكرات الداود، ص 38.
(8) صبيح علي غالب ،قصة ثورة 14 تموز والضباط الأحرار، دار الجاحظ ،ط2،(بغداد،1971)،ص101.
(9) مجيد خدوري، العراق الجمهوري ،الدار المتحدة للنشر،(بيروت،1974)،ط1،ص65.
(10) ليث عبد الحسن الزبيدي، مرجع سابق،ص185-186 ،هامش24.
(11) لمزيد من التفصيل انظر: خليل إبراهيم حسين ،اللغز المحير ،عبد الكريم قاسم، سلسلة موسوعة 14 تموز، دار الحرية للطباعة،(بغداد ،1990)، ج7،ص9-16.
(12) مذكرات الداود ،ص39
(13) المرجع نفسه ،ص39-40.
(14) المرجع نفسه، ص40.
(15)المرجع نفسه،ص 40.
(16) ليث الزبيدي، مرجع سابق، ص 187 نقلا عن مقابلة شخصية له مع العميد الركن المتقاعد محمد علي سعيد بتاريخ 6/1/1977.
(17) خليل إبراهيم حسين، الموسوعة ،مرجع سابق،ص55.
(18) مذكرات الداود ، ص 41.
(19) المرجع نفسه ،ص41
(20) ليث الزبيدي ،مرجع سابق ،ص 189.
(21)المذكرات، ص 42.
(22) خليل إبراهيم حسين، الموسوعة ،مرجع سابق،ص61-63.
(23) الحوار المتمدن - العدد: 2342 - 2008 / 7 / 14 - 02:24
(24) مذكرات الداود، ص42
(25) المرجع نفسه ،ص44.
(26) المرجع نفسه ،ص 46.
(27المرجع نفسه ، ص 44 .
(28) المرجع نفسه،ص45.
(29) انظر بالتفصيل ليث الزبيدي ، مرجع سابق ،ص1909-192.
(30)مذكرات الداود،مرجع سابق ،ص45،46.
(31)المرجع نفسه، ص 62.
(32)المرجع نفسه ، ص 62.
(33) علي كريم سعيد ،عراق 8شباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم -مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، ط1،(بيروت، 1999)،
(34) هادي حسن عليوي ، محاولات القضاء على عبد الكريم قاسم،(بغداد،1990)،ص134-136.
(35) صالح حسين الجبوري ،ثورة 8 شباط في العراق1963،(ب .ت) ،ص159.
(36) فراس الغضبان الحمداني، رحلة تاريخية مع ثورة الزعيم عبدالكريم قاسم ومصرع العائلة المالكة، صوت العراق، 13/7/2010.








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,581,287,876
- نشيد هيت
- مانريده وما يريده السياسيون
- أمنيات عراقي بالعام الجديد
- حوار مع رجل تعدى الستين
- عبد الحميد عبد المجيد الهيتي
- سألت الحب
- إقليم الانبار بين الداعين اليه والرافضين له
- قصيدة دار سعدى
- المهلهل بن ربيعة
- الأفوه الأودي
- الشنفرى الأزدي
- كذبة المائة يوم
- حلم بين الكتل السياسية والكتل الكونكريتية
- رسالتان الى عمان والى السلطان
- دولة المواكب
- السياسة مو لعب طمّه
- باسمة
- الفساد المالي والإداري وأسبابه
- إنسوا السين وسوف واذكروا قد
- ليلى الحبيبة


المزيد.....


- نائبه تنشر الفرح لاطفال ناخبيها / كريم الدهلكي
- قراءة في قرار المحكمة الاتحادية العليا الخاص بالهيئات المستق ... / اسماعيل علوان التميمي
- مدينة الحولة...ام هو الحول في الرؤيا العربية / محمد خضر الزبيدي
- كيف ولماذا فاز أحمد شفيق؟ / جوزيف شفيق
- في كشف الدمة رد للتهمة / صادق البلادي
- سقوط السقوف الزمنية / ساطع راجي
- شلومو زند...وشهد شاهد من أهلها / أسعد العزوني
- وماذا بعد المؤتمرالتاسع للحزب الشيوعي العراقي.؟ / جاسم محمد الحافظ
- خريطة طريق لشفيق / عماد عبد الملك بولس
- شفيق ووجه العملة الواحدة / إبراهيم الأيوبي


المزيد.....

- انقسام وشيك داخل الاتحادي الأصل بسبب نجل الميرغني
- وصول طائرة المساعدات المصرية الثانية لمتضرري السيول والفيضان ...
- حوار مصالحة بين فتح وحماس برعاية مصرية
- إجراءات ضد "الشغب والتراقص" بالعيد الوطني السعودي. ...
- تعرف على المجرمة الأكثر إثارة في العالم
- الأسهم الأوروبية تتراجع في تعاملات بداية الأسبوع
- قيادة لوغانسك ودونيتسك ترفض إجراء انتخابات إلى البرلمان الأو ...
- تونس.. 25 مرشحا للرئاسة و9 آخرون في الإنتظار
- مشروع قرار أممي بحظر المقاتلين الأجانب من السفر للمشاركة في ...
- الجزيرة نت: لجنة تحقيق ليبية: الإمارات ومصر متورطتان بقصف طر ...


المزيد.....

- لقاءات مع عزيز محمد / عزيز محمد
- مفهوم التنوير / ابراهيم طلبه سلكها
- تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية (1934 ... / جاسم الحلوائي
- نصوص حول الارهاب في تونس / نورالدين المباركي / اعلامي
- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها
- نظرية الفعل عند حنه ارندت / ابراهيم طلبه سلكها
- حقوق العراق بالارقام في عهد المالكي 2006 - 2014 / سمير اسطيفو شبلا
- البغاء فى مصر ..نظرة تاريخية / رياض حسن محرم
- وحدة الشيوعيين العراقيين ضرورة موضوعية لمرحلة مابعد الانتخاب ... / نجم الدليمي
- برنامج حزب نستطيع، بوديموس / ترجمة حماد البدوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قحطان محمد صالح الهيتي - أباطيل وأكاذيب فيما قاله إبراهيم عبد الرحمن الداود