أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد بقوح - الفكر التربوي عند عبد الرحمن بن خلدون






















المزيد.....

الفكر التربوي عند عبد الرحمن بن خلدون



محمد بقوح
الحوار المتمدن-العدد: 3733 - 2012 / 5 / 20 - 18:03
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


توطئة

إن تحيين قراءة التراث العربي، كمكون أساسي من كلية الإرث المعرفي و العلمي البشري، و من موقع زمن عربي و عالمي معاصر مختلف، بأسئلته و إشكالاته الفكرية و الحضارية و الثقافية و التاريخية، لرهين بإحداث نوع من الطفرة، تكون سمتها الجوهرية التميز و الإختلاف، عما سبقها من الطفرات على قلتها. و لتحقيق هذا المسعى القرائي المنهجي، نرى أنه من الضروري أن نقرأ النص التراثي العربي بكل مكوناته الثرية من منظور، نموقع فيه ذواتنا القارئة خارج دائرة هذا النص، معتبرين هذا الأخير، بمثابة نص معرفي دال و متحرك، تحقيقا للتناول الموضوعي و العلمي، للنص التراثي العربي المقروء، و بعيدا عن القراءة ذات ملمح التشدد و التعصب الأجوف، الذي لا نفع من ورائه سوى الفهم المنغلق، و التفسير الضيق الأفق، في وقت يجب على الفكر أن يخدم حوار الحضارات المنفتح ضرورة على الغير المختلف.
من هنا، تبدو لنا أهمية الأبحاث و الدراسات الرائدة التي أنجزها، العديد من المفكرين العرب و المسلمين الأجلاء، سواء القدامى منهم، كابن رشد و ابن خلدون على سبيل المثال لا الحصر، أو المحسوبين على عصرنا الحديث و المعاصر، كنصر حامد أبو زيد و محمد عابد الجابري و حسن حنفي و محمد أركون.. ممن ناضلوا و جاهدوا و اجتهدوا بنعمة القلم، في سبيل الارتقاء بقيم الفكر و العلم و التنوير و الإنسان، و الانفتاح الفكري و الثقافي، ضد فكر الانغلاق و التشدد، و ثقافة ادعاء الوصاية على الهوية و الحضارة.. دون الدخول في تفاصيل مختلف أشكال العنف المشروع و غير البريء، الذي تعرضوا له في حياتهم الخاصة و العامة، نتيجة مواقفهم الفكرية الجريئة و الشجاعة، فيما يخص حيثيات مجتمعاتهم، في جميع المجالات و أنحاء الحياة.

و نجد أنفسنا هنا، مضطرين لطرح التساؤل القديم و الجديد، دون أن نكون ملزمين لتقديم الإجابة عنه، و نعني به التساؤل التالي: لماذا يواجه فكر الاختلاف و النقد في العالم العربي الإسلامي، بالرفض و التضييق و العنف، و أحيانا بالإبادة السريعة أو المنهجية..؟ أي لماذا تحارب مؤسسة السلطة، بالمفهوم البورديوي، فكر التنوير و الانفتاح و الاختلاف، حتى و إن كان محط قبول الجماهير العربية و الإسلامية على حد سواء، باعتباره فكر بشري يحتفي بتقدم الشعوب، و تجاوزها لما هو مكرور منحط ..؟
يعد عبد الرحمن بن خلدون، الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، من أبرز المفكرين و العلماء العرب المسلمين، الذي كان دورهم مهما و أساسيا، في دعم و تعزيز ثقافة الانفتاح و التحرر الفكري، الشيء الذي مكنه ضرورة، من تمثل مختلف أنماط المعارف و العلوم، التي كانت سائدة في عصره، و بالتالي تحقيق فعل التميز و التفوق حين انتهت به اجتهاداته و أبحاثه الفكرية و العلمية، إلى إبداع تصور جديد لمنهجية علمية في قراءة التاريخ و المجتمعات و حضارات الأمم و الشعوب، و هو المسمى بعلم العمران عند الباحثين و الدارسين.
لكن، ما يهمنا نحن في هذه الدراسة المتواضعة، ليس البحث في ما أنجزه ابن خلدون من تفرد و تميز و إبداع، في المجال العلمي، الذي عرف عنه و ارتبط به اسمه، و خاصة في معلمته العلمية كتاب المقدمة، و إنما هدفنا المباشر و الرئيسي، هو إظهار مستوى آخر و مختلف من مستويات اهتمامات ابن خلدون الفكرية و المعرفية، و نعني به البحث التربوي، و مسألة التعليم و التكوين. و هو ما سنشرع في دراسته و مقاربته حالا.

و بدءا، يمكن القول أن السؤال التربوي و التعلمي عند عبد الرحمن بن خلدون، مرتبط أقوى الارتباط، و بشكل جدلي عميق، بثلاث مستويات جوهرية أساسية، هي:
1- مستوى العالِم، و هو منتج و مرسِل الخطاب المعرفي
2- مستوى الدرس العلمي ( النص ) و هو الخطاب المعرفي المنتَج
3- مستوى المتعلِّم، و هو طالب العلم و متلقي الخطاب المعرفي.
فما هي إذن، الشروط و السمات الحضارية و التاريخية و الفكرية و الاجتماعية، التي ضمنها فكّر ابن خلدون في هذا الموضوع، بهذا المنهج الفكري و الإجرائي دون غيره..؟ و لماذا بحث في المسألة التعليمية التربوية بهذه الطريقة، دون غيرها من الطرق المتاحة و السائدة في عصره ؟؟ و هل ثمة علاقة من نوع ما، بين المنظور المعرفي الذي انطلق منه ابن خلدون، في البحث و الدرس التربويين، و منهاجه الإجتماعي و التاريخي، الذي استعمله في تفسير مسألة التطور و الظواهر المجتمعية و الحضارية .؟

1- مبحث مستوى العالِم / مرسل الخطاب المعرفي
إن مفهوم العلم، كتصور متداول في عصر ابن خلدون، يتسم بدلالة الصناعة، و درجة عليا من الخبرة المعرفية و الكفاءة، و هو نفس التصور الذي ينظر به، إلى مجموعة من المفاهيم الأخرى، و الحاضرة عنده بقوة في الدرس و التفسير العلميين، كمفهوم الحضارة و العمران و التعصب و البداوة. لهذا فكلما ازداد الإنسان علما و تطورا، بحثا عن المزيد من قيم العلم و صنعته، كلما ازداد رقيا و حضاريا و إيجابية، و اقترب من خاصيته البشرية المميزة له، عن كافة الكائنات الموجودة معه على هذه البسيطة. و من هنا، فالعلوم عند صاحبنا هي نفسها الصناعات، و العالم هو صانع العلم و منتج المعرفة، و الخبرة العالية في استعمال التفكير و ملكة العقل. و تزدهر هذه العلوم و صناعة العلم، في المجتمعات الحية، التي تعظم فيها الحضارة، و يكبر فيها العمران. و العكس بالعكس، لأن الصناعة و العلم هما أمران زائدان على المعاش، غير أنهما الخاصيتان الضروريتان، و الجوهريتان للإنسان، بدونهما تنتفي فيه الخاصية الإنسانية الحقيقية، التي تميز النوع البشري. يقول بهذا الصدد: ( إن تعليم العلم كما قدمناه من جملة الصنائع، و قد كنا قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار، و على نسبة عمرانها في الكثرة و القلة و الحضارة و الترف، تكون نسبة الصنائع في الجودة و الكثرة، لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش، من التصرف في خاصية الإنسان، و هي العلوم و الصنائع ).1
بالإضافة إلى أن هذا الربط القوي و الضروري، بين قيمة العلم و دلالة الصناعة، لا يقتصر فقط على المجال العلمي و التعليمي، بل تعداه إلى المجال الأدبي و التأليف الشعري و النثري. و قد أشار الجاحظ في مؤلفه البيان و التبيين، قبل عصر ابن خلدون بكثير، إلى رواية عن عمر بن الخطاب الذي قال : ( خير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته )2 .
كما أن لأبي هلال العسكري كتاب عنونه بكتاب الصناعتين، و قصد بلفظة الصناعتين: صناعة الشعر و صناعة النثر.
و من الشروط الأساسية، التي يعتمد عليها ابن خلدون في تحديده لمفهوم العالِم خاصية الملكة، التي تعتبر من أهم المفاهيم التي استخدمها، و تداولها علامتنا في تحليلاته و تفسيراته، لمختلف أنماط المواضيع و المجالات، التي ارتبطت بها أبحاثه المعرفية و الفكرية. و بالنسبة لابن خلدون لا وجود لصفة العالم، في غياب توفره على شرط الملكة، الذي ينظر إليه كمنطلق ضروري و جوهري، ليقدر الرجل على تربع كرسي العلم و العلماء. و تعني عنده هذه الملكة القدرة العالية، في ذات الفرد على إجادة الضبط و التحليل و التركيب و صياغة الاستنتاج، و هي غير مرتبطة بعمليتي الفهم و الوعي، لأننا قد نجدهما عند طالب علم ناشئ، أما العالِم حقيقة، فيجب أن يخلق فرق التميز، بدقة التحليل و إعادة تركيب و إنتاج النص المقروء، اعتمادا على أدوات منهجية واضحة، و تصور فكري شامل و بسيط، يمكنه من التفريق و التمييز، بين ما هو فرعي جزئي، و ما هو أصلي و كلي في منظومة العلوم. بالإضافة إلى قدرة الرجل على التمثل الأكمل، و الإحاطة الشاملة بكلية المبادئ و القواعد العامة، التي يقوم على أساسها كل علم على حدة.
إذن، فشرط التمتع بالملكة أمر ضروري، بالنسبة لأي عالِم يريد أن يعترف بكفاءته، و خبرته في مجال العلم و التعليم و إنتاج الخطاب العلمي. لكن كيف يمكن تحصيل و تحقيق تلك الملكة الجوهرية، التي يتوقف عليها النص العلمي الناجح، يقول ابن خلدون: ( إن الحذق في العلم و التفنن فيه و الاستيلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه و قواعده، و الوقوف على مسائله، و استنباط فروعه من أصوله، و ما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا، و هذه الملكة هي في غير الفهم و الوعي )3.
واضح إذن، أن العالِم يلزم أن يكون صانعا و فنانا. فالملكة التي هي القدرة على وضع اليد، و التحكم في الجزء ضمن الكل، و العنصر في إطار البنية، بتعبيرنا الحديث، لن يكون لها التحقق الملموس، عند العالِم المفترض، إلا بشروط أساسية، أهمها عامل المحاورة و المناظرة العلمية، الذي يكتسي أهمية بالغة عند ابن خلدون، في تنمية قدرات العالِم المعرفية و التفسيرية، و الدفع بها إلى أقصاها العلمي و السليم المفترض. و ثاني تلك الشروط، عامل دور المجالس العلمية في توسيع ثقافة العاِلم، و صقل مهاراته اللغوية و الفكرية و المنهجية، بالاحتكاك مع العلماء و ذوي العلم الراقي و الخبرة العالية، في مجال التحليل و إنتاج الخطاب ممن نجحوا، في تحصيل الملكة العلمية التي يعنيها ابن خلدون. و ثالث تلك الشروط، التي يتوقف عليها ذلك التحصيل، عامل الرحلة في طلب العلم. أي عدم البقاء في نفس المكان المفتقر إلى أسباب التميز العلمي، كازدهار الحضارة و تفوق العمران و نهضة المدنية الراقية، لأن الضواحي البدوية البسيطة و الفقيرة، كما سبق أن قيل، لا يمكن أن تنتج علما راقيا، يتسم بالصنعة المطلوبة، و بما يكفي من الفنية المشهود لها بالرفعة الجميلة و العالية. لهذا، فعلاّمتنا يرى أن لعامل الرحلة العلمية، دور جوهري في استكمال و صقل الملكة العلمية للعالِم المفترض، لأنه بتحقيقه للتنقل و التحول و الرحلة طلبا للعلم، بين الأمكنة العديدة و الثقافات و الحضارات المختلفة، يحقق بذلك الإناء العلمي و المعرفي، باستفادته و إفادته من تجارب و خبرات المتوّجين، من العلماء و المفكرين، بالملكات العلمية التامة و المبحوث عنها.
هكذا، يبدو أن ابن خلدون يربط، بشكل قوي و جدلي، بين وضعية العالِم، كمستوى عال، في إنتاج ما هو معرفي و علمي و تعليمي تربوي، و مفهوم الملكة العلمية، الذي منحه ملمحا تجريبيا و طابعا اكتسابيا، يتوقف عليه كل تحصيل حقيقي لها.

2- مبحث مستوى الدرس العلمي / نص الخطاب العلمي
يعنى بالدرس العلمي الخطاب التعليمي التربوي و المعرفي ، الذي ينتجه العالِم / المربي، من أجل إفادة طلبته المبتدئين في التحصيل العلمي و التربوي. فكيف يفهم ابن خلدون الدرس العلمي، و ما هي المميزات و المواصفات، التي يعتبرها ضرورية أن تكون ملازمة، لكل درس تربوي و علمي أراد له صاحبه، أن يكون ناجحا و مثمرا و فعالا، و أيضا محققا للأهداف التربوية و المعرفية المسطرة للدرس؟.
يمكننا التمييز هنا بين جانبين، في إطار حديثنا عن الدرس العلمي، و إنتاج الخطاب التعليمي من المنظور الخلدوني.

2-1 الجانب المنهجي
لكي يحقق الدرس العلمي أهدافه المرسومة له من قبل العالِم، ينبغي أن يتواصل معه متلقوه من الطلبة المستهدفين به، و لن يتم هذا التواصل المرجو، إلا بتوفر تحقق آخر، على مستوى فهم و تمثل هؤلاء الطلبة، لمحتويات الدرس الذي يلقى أمامهم. لهذا فعملية تحقيق التواصل العلمي و المعرفي، مع الطلبة كمتلقي الخطاب، تحتاج إلى بناء منهجي دقيق هادف و سليم، يعتمد على مجموعة من العناصر الأساسية و الفعالة، ذات الطابع المنطقي الصارم، نذكر منها:

أ‌- التدرج : يرى ابن خلدون أن أحسن طريقة، و أفيد خطة تعليمية لتلقين الدرس العلمي، هي تلك التي تعتمد طريقة التدرج، كأسلوب منهجي و فني، في صياغة و تقديم معطيات الدرس، و محتويات الخطاب المعرفي. يقول: ( اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين، إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا و قليلا قليلا )4 .

ب‌- التتابع و التسلسل : يلح ابن خلدون على الربط المنطقي و التنسيق الهيكلي و الجمالي الطبيعي، بين فقرات و أفكار أي فعل تدريسي و تعليمي، يريد لنفسه أن يحقق هدف التفهيم الحق، و التواصل المثمر المراد، بين العالِم ( المدرس )، كمنتج لخطاب الدرس العلمي، و متعلميه كطلبة متلقين للدرس .

ج- عدم الخلط بين العلوم : نسجل هنا، انتباه ابن خلدون لخطورة التأثير السلبي، الذي يخلفه تقديم أفكار مختلفة و غير منسجمة، تنتمي إلى حقول معرفية و علمية متنوعة، في شكل درس علمي واحد و موحد، على المستوى الإدراكي و العقلي للمتعلم أو متلقي الدرس العلمي، و ذلك دون الإشارة أو الإحالة إلى طبيعة المفاهيم و المصطلحات الموظفة في الدرس، بالعمل على ربطها بمرجعياتها المعرفية و المذهبية، و بمنطلقاتها التصورية و الفكرية العامة. يقول ابن خلدون بهذا الصدد: ( من المذاهب الجميلة و الطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معا، فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما إلى تفهم الآخر، فيستغلقان معا، و يستصعبان، و يعود منهما بالخيبة )5 .

ه- الإطالة على المتعلم : إن شد المتعلم أطول مدة زمنية، في إطار الدرس الواحد، ليعد من العيوب السلبية الفادحة، التي تعرقل تحقق أهداف الدرس المنشودة، و بالتالي تحصيل التواصل التربوي و المعرفي، مع متلقي الدرس العلمي، لأن تلك الإطالة الزمنية غير المبررة، تشتت انتباه المتعلمين تشتيتا، و تخلط في أذهانهم الأفكار خلطا، و تثقل أسماعهم بمعارف و معلومات، بحكم عيب التكرار و قوة الإطالة بالشرح و التوضيح المضنيين، تجعلهم يعيشون حالة التيه المعرفي، و يشعرون بالملل و النفور، و بعدم الرغبة في المزيد المعرفي، فيقل التركيز عندهم، ليصابوا في الأخير بالنسيان.. نستمع إلى علاّمتنا و هو يقول بهذا الصدد، موجها الخطاب للمعلمين و الأساتذة، ممن يرتبط شغلهم بوظيف التعليم و التدريس : ( ينبغي لك أن لا تطول على المتعلم في الفن الواحد، بتفريق المجالس، و تقطيع ما بينها، لأنه ذريعة إلى النسيان )6.

هكذا، يبدو لنا من خلال ملامح المنهجية التعليمية و التربوية، التي يقترحها علينا العلاّمة عبد الرحمن بن خلدون، مدى تشبعه من جهة بالثقافة الفلسفية و فكر علماء المنطق، الذي تميز به عصره، و من جهة أخرى، ترتبط تلك الملامح و السمات المنهجية، بمجال تجربته و خبرته الخاصة في ميدان التعليم و التدريس التربويين، ليس فقط على مستوى الحلقات و المجالس التعليمية، التي كان يساهم فيها بنشاط و فعالية، و إنما كذلك على مستوى مواكبته لمختلف اللقاءات و التظاهرات العلمية، ذات النزعة الاكتشافية و الرحلة، بحثا عن الشروط الصحية و المناسبة لطلب قيم العلم و الفكر، و الجلوس مع العلماء و أهل الفكر و صناع المعرفة.
كما نلاحظ انتباه علامتنا في عصره مبكرا، إلى أهمية ضرورة أخذ بعين الاعتبار، بشكل جاد و جيد، في كل عملية تعليمية و تربوية، المستوى النفسي و الإدراكي و الذهني، للمتلقين للدرس التعليمي و التربوي المعني، أثناء فعل التقديم و التلقي.

2-2 الجانب المعرفي
فما هي اللحظة، طبيعة المعارف التي كانت تلقن لطالبي العلم، حسب الطرح الخلدوني دائما ؟
لعل أهم مصدر معرفي يلزم أن يلقن للمتعلمين هو القرآن الكريم، ثم تليه معرفة الأخبار، فرواية الأشعار، ثم يليها علم السنن، فعلم الكلام.. أو ما يسميه بالعلوم العقلية. و هي نفس المعارف التي يهتم بها أهل عصره.

3- مبحث مستوى المتعلّم / متلقي الخطاب العلمي
يعتبر المتعلم من الركائز الأساسية التي يقوم عليها الفعل التعليمي، لأن العالِم لم ينتج الخطاب العلمي أو الدرس المعرفي، بالصفة التي يريدها و الرؤية التي اختارها له، إلا من أجل أن يصل و يفهم و يؤثر على المتعلم، لهذا، فعلاّمتنا يعطي أهمية بالغة كبرى لوضعية المتعلم النفسية، و شروط قابليته و استعداده الذهني، لتلقي الدرس العلمي المختار، لأنه بدون الانتباه و أخذ تلك الوضعية بعين الاعتبار، حتما لن يتحقق التواصل المراد من التعلم، بين العالِم و متلقي الدرس التربوي أو العلمي. يقول بهذا الصدد: ( إن المعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك )7 .

و من أهم العوامل التي تعرقل عملية التعلم، و تؤثر سلبا على التلقي التربوي و التعليمي عند المتعلم أو طالب العلم، هو عامل استخدام العنف، سواء الجسدي أو النفسي، ضد المتعلمين في تعليمهم، نظرا لما تخلفه تلك الطريقة اللاتربوية، من آثار وخيمة خطيرة، و سلبية في أعماق نفسيتهم، سواء على مستوى تحصيلهم الدراسي، أو على مستوى شخصيتهم الذاتية، و مستقبلها القيمي و الثقافي و المعرفي. يقول علامتنا بهذا الصدد: ( إن إرهاق الحد بالتعلم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة و من كان مرباه، بالعسف و القهر، من المعلمين أو الممالك أو الخدم، سطا به القهر و ضيق النفس في استنباطها، و ذهب بنشاطها، و دعاه إلى الكسل، و حمل على الكذب و الخبث، و هو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، و علمه المكر و الخديعة )8 . المقدمة ص 540 .
بل و يذهب الفيلسوف اليوناني أفلاطون، في جمهوريته المعروفة، إلى أبعد و أكثر وضوحا من مذهب ابن خلدون، حين نصح بعدم استعمال القوة و العنف مع الأطفال، و دعا إلى تعليمهم بشكل يبدو و كأنك تلعب معهم، لأنك بتلك الطريقة التربوية السلمية، تستطيع تقريبهم إليك، و إدراك و فهم ميولهم الطبيعية، و بالتالي يمكنك تحقيق الأهداف المرجوة. يقول هنا: (..إذن، فليس لك أيها الصديق الكريم، أن تستخدم القوة مع الأطفال، و إنما عليك أن تجعل التعليم يبدو لهوا بالنسبة إليهم، و بهذه الطريقة يمكنك أن تكشف بسهولة ميولهم الطبيعية )9.

4- استنتاج عام
هكذا ، نخلص إلى أن مسألة الفكر التربوي عند عبد الرحمن بن خلدون، لا ينفصل عن كلية اهتماماته العلمية و الفكرية و الثقافية، ذات الطابع المعرفي المركب من عدة معارف كانت تغذيها بيئته العلمية و اجتهاداته الفكرية خاصة على مستوى المنهجي. لهذا ففكره التربوي و التعليمي كان يرتبط أقوى الارتباط بكلية ثلاثة أقطاب أساسية و جوهرية، يؤدي فيها عنصر العالِم / منتج الخطاب، الدور المركزي في نجاح العملية التربوية و التعلمية، و تحقيق التواصل المنشود بين ذلك العالِم و متلقيه، سواء كانوا طلبة أو متعلمين صغارا.
في المقابل، يمكن الحكم على تلك العملية التعليمية بالفشل الكبير، حين يكون العالِم / المدرس غير متمتع بما سماه علامتنا بالملكة العلمية، كدرجة عليا في الكفاءة و القدرة، و ينتج عن كل ذلك افتقاده للشهرة العلمية المطلوبة، لكسب الشعبية بين طلبة العلم، ثم بالتالي للمواصفات و الأدوات الفكرية و المنهجية، التي قيد بها صاحبنا الدرس العلمي الناجح في نظره، بالإضافة إلى أن عنصر العقاب الجسدي و النفسي، متعلق بوعي و بمدى ثقافة المدرس التربوية و العلمية و النفسية، و إدراكه لحقيقة شخصية الطفل، المعد معرفيا و تربويا للعلاقة بالشأن التعليمي و التلقي العلمي بصفة عامة.









• الهوامش

1- المقدمة، عبد الرحمان بن خلدون، ص 434
2- البيان و التبيين، أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، ج2، ص 101
3- المقدمة، عبد الرحمان بن خلدون، ص 430
4- نفسه، ص 533.
5- نفسه، ص 534 .
6- نفسه، ص 534 .
7- نفسه، ص 540 .
8- نفسه، ص 540 .
9- الجمهورية، أفلاطون ص 278




• المراجع

1- عبد الرحمن بن خلدون ، المقدمة ، دار القلم ، بيروت ، ط 1 ، 1978
2- الجاحظ ، البيان و التبيين ، ج 2 ، ص 101
3- الجمهورية ، أفلاطون ،ص 278






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,390,623,891
- قراءة دلالية في رواية جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة لابراه ...
- قصة قصيرة : اللغم المقدس
- مفهوم الجوهر في فلسفة سبينوزا
- المطالب الحيوية لأساتذة التعليم الإبتدائي و الثانوي الإعدادي ...
- قصة قصيرة : مرينا في المنطاد
- المسألة التعليمية من منظور محمد عابد الجابري ( 2 )
- المسألة التعليمية من منظور محمد عابد الجابري ( 1 )
- أمكنة ناطقة : وَلْحُرّي
- شعر : من أكون ..؟
- تجليات التجديد و التطور في فلسفة السوفسطائيين
- حوار على هامش الكفاءة المغربية ( 1 )
- قراءة نيتشه لفلسفة سقراط ( 2 )
- قراءة نيتشه لفلسفة سقراط ( 1 )
- تراجيديا السياسة العربية.. عن ما جرى و يجري للعجوز و الحيتان ...
- مدينة الدشيرة الجهادية بالمغرب تضع العنصر البشري في صلب الأي ...
- سلطة الكلمة و زناد السلطة
- ملف الطبقة العاملة
- قراءة في كتاب: مارتن هايدغر ( نقد العقل الميتافيزيقي )
- الشارع الطويل
- تحرير التعليم المغربي العمومي - وجهة نظر نقدية


المزيد.....


- حقبة عصرالڤايكنغ في مقالات _ 1_ / زاردشت قاضي
- مال العرب قبل الاسلام / وليد يوسف عطو
- في الذكرى الرابعة والستين لنكبة فلسطين/ تطورات الحرب، وقرار ... / حامد الحمداني
- دخول الكفار النار هل هو حتميّ؟ قصة بالمناسبة / حمادي بلخشين
- ألصابئة ألمندائيون .. ألإضطهادات .. ألآفاق ألمستقبلية / علاء دهلة قمر
- خصوصية الثقافة المغربية : التنوع الاثني / عبد الهادي مهداوي
- في الذكرى الرابعة والستين لنكبة فلسطين/ إعلان قيام دولة اسرا ... / حامد الحمداني
- تبادل الادوار بين الحائط و الحديقة في العربية / جمشيد ابراهيم
- هل حضارات كونية من زرع الانسان على الارض؟ / طريف سردست
- اسماء الاشهر الميلادية، لنبقي على تسميتها العراقية الشامية / سليم مطر


المزيد.....

- مليشيات بزيّ قوات الأمن تُعدم 23 عراقياً بينهم أطفال
- قوات الدرك الأردنية تفرق بالغاز محتجي معان
- تنظيم -داعش- يتوعد بهلاك الطلاب العراقيين انتقاماً للزي الجه ...
- تنبأ بزراعة أجزاء إلكترونية في الدماغ البشري لمضاعفة قدراته ...
- تركيا ستجري أول إنتخابات رئاسية مباشرة في تاريخها يوم 10 أغس ...
- هل قصف المالكي الفلوجة بالبراميل المتفجرة
- اردوغان يقدم عزاء غير مسبوق لأحفاد الأرمن الذين قتلوا على يد ...
- مصر.. مقتل مسلحين بغارات جوية في سيناء
- الاعتداء على المعتقل السياسي الصحراوي يحي محمد الحافظ
- ضحايا ومداهمات للمنازل بمدينة السمارة المحتلة


المزيد.....

- صفحات من التاريخ السياسي/ مظاهرة شباط/ فبراير 1928 / كاظم الموسوي
- نقد قانون القيمة عند ماركس / محمد عادل زكى
- كتب هزت العالم، سيرة رأس المال لكارل ماركس / فرانسيس وين ترجمة ثائر ديب
- عصر التطرفات / إريك هوبزباوم
- عصر رأس المال / اريك هوبزباوم
- عصر الثورة / اريك هوبزباوم
- عصر الامبراطورية / اريك هوبزباوم
- الحرب العالمية الثانية و مصائر شعوب اسيا و افريقيا / ديمتري يفيموف
- تاريخ الرأسمال / محمد عادل زكى
- معجم مصطلحات المقاهي الشعبية / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد بقوح - الفكر التربوي عند عبد الرحمن بن خلدون