أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد البشيتي - في -حُرِّيَّة التعبير-















المزيد.....

في -حُرِّيَّة التعبير-


جواد البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 3720 - 2012 / 5 / 7 - 15:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في "حُرِّيَّة التعبير"

جواد البشيتي

حتى الدول التي لا يجرؤ الأفراد والجماعات من مواطنيها على التعبير عن آراء ووجهات نظر ومواقف (سياسية وفكرية) لا ترضى عنها، ولا تُقِرُّها، الحكومات (والحُكَّام والحائزون على نوعٍ ما من السلطة) لا تجرؤ على أنْ تَجْهَر، في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبياناتها الرسمية، بعدائها لحرِّيَّة التعبير، أو لحقِّ الأفراد والجماعات من مواطنيها في التعبير الحُرِّ (باللسان والقلم..) عن آرائهم، وإنْ أبدت حرصاً على "التنظيم القانوني" لهذه الحرِّيَّة، أو لهذا الحق، والذي يعني فَرْض قيودٍ، ومزيدٍ من القيود، فيتمخَّض هذا "التنظيم القانوني" عن إلغاء عملي (واقعي) لحرِّيَّة التعبير؛ ولو راعى المرء "الشروط القانونية (الكثيرة المتكاثرة)"، وتقيَّد بها، لَمَا استطاع أنْ يُعبِّر عن رأيه في حرِّيَّة إلاَّ في قضايا وأمور لها خواص الماء الصالح للشرب؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ "نظام الحكم الدكتاتوري" لا يصحُّ تعريفه الآن (ولو جزئياً) على أنَّه نظام حكم لا يقرُّ دستورياً وقانونياً بحرِّيَّة التعبير.

إنَّ ما يَقْتَنِع، أو يَعْتَقِد، أو يُؤمِن، به الإنسان من أفكار ليس بالأمر الذي يجوز فهمه، أو تفسيره، على أنَّه ثمرة ممارَسته لحقِّه في حرِّيَّة التعبير؛ فما يَعْتَقِد به المرء (من أفكار) إنَّما هو ثمرة حرِّيَّته في التفكير؛ وهي حُرِّيَّة لا تَسْتَلْزِم ممارستها تشريعات وقوانين، وإنْ تحكَّمت الدول وأنظمة الحكم، كمَّاً ونوعاً، في "المعطيات" و"المعلومات"، التي بمعونتها، واستناداً إليها، يُنْشئ الإنسان، ويطوِّر، معتقداته (السياسية والفكرية).

حرِّيَّة التعبير إنَّما هي "حقٌّ" و"واجب" في آن؛ إنَّها حقُّ المرء في أنْ يُعبِّر بحرِّيَّة عن معتقداته وآرائه ووجهات نظره ومواقفه؛ وواجب الدولة في أنْ تَضْمَن وتَكفل له هذا الحق، وفي أنْ تحترمه وتحميه؛ وهذا "الحق"، ولأنَّه "حق"، ومثله مثل كل "حق"، لا تعطيه، ولا تمنحه، ولا تهبه، الدول لمواطنيها، أفراداً وجماعات، وإنَّما تُقِرُّه، دستورياً وقانونياً، وتضمنه، وتكفله، وتحترمه، وتحميه، وتجتهد في تمكين صاحبه من ممارسته.

والحرِّيَّة في التعبير تُقاس بالمواضيع والقضايا والأمور والمجالات التي تشملها ممارَسة هذه الحرِّيَّة؛ ولا شكَّ في أنَّ حرِّيَّة التعبير تفقد معناها، أو بعضاً منه، إذا لم تشمل، في ممارستها، كل شيء؛ فلا موضوع، ولا قضية، ولا أمر، ولا مجال، يُسْتَثْنى من ممارستها؛ فالأصل فيها، حقَّاً وممارَسةً، هو الإباحة والجواز والتحليل.

ومنسوب حرِّيَّة التعبير يتناسب عكساً مع منسوب الخوف من ممارستها؛ فكلَّما زاد منسوب الخوف قلَّ منسوب حرِّيَّة التعبير؛ وكلَّما قلَّ منسوب الخوف زاد منسوب حرِّيَّة التعبير.

وهذا الخوف يشمل في المقام الأوَّل خوف المرء من القتل، أو الإيذاء الجسدي؛ خوفه من الحبس والتعذيب؛ خوفه من الطرد من العمل، والفصل من الوظيفة؛ خوفه من تعريض عائلته للإيذاء بأنواعه؛ خوفه من العقاب بأنواعه.

وأحسب أنَّ تعريض المرء (الذي مارس حرِّيَّة التعبير) لهذه المخاطر، أو لأيٍّ منها، هو جريمة يجب أنْ يُعاقَب مرتكبها عقاباً قانونياً شديداً؛ فمن دون ذلك، تصبح حرِّيَّة التعبير في حُكْم الملغاة عملياً وواقعياً.

إنَّ حرِّيَّة التعبير هي في الأصل "رأيٌ" للمرء (أو لجماعة ما) في قضية ما؛ وهذا "الرأي (أو المُعْتَقَد، أو الموقف)" ينشأ ويتكوَّن ويَظْهَر في رأس الإنسان؛ ولا فضل في ذلك للحكومات والدول. والتحدِّي الكبير الذي يواجهه صاحب الرأي هو أنْ يُعبِّر، أيْ أنْ يستطيع التعبير، بحرِّيَّة عن رأيه، بلسانه أو بقلمه..

و"النتائج (العملية)" هي خير مقياس نقيس به حرِّية الفرد والمجتمع؛ فَكَمْ من رأيكَ هذا عبَّرتَ عنه؟ وهل عبَّرت عنه بصدق وأمانة وموضوعية؟ وكَمْ من الناس تسنَّى لهم الإطِّلاع عليه؟ وكيف كان التفاعُل بينكَ وبينهم؟

عواقب الخوف من أنْ تعبِّر بحرية عن رأيكَ (واعتقادك) نراها في "ضآلة المقدار"؛ فأنتَ تعبِّر عن جزء فحسب من رأيكَ؛ ونراها في طريقة وكيفية التعبير؛ فأنتَ لا تسمِّي الأشياء بأسمائها، وتميل إلى الإقلال من "التعيين" و"التحديد"، وإلى الإكثار من "التورية" و"الرَّمزية"؛ ونراها في التعبير عمَّا يتنافى مع رأيكَ الأصلي والحقيقي، مجامَلةً أو مسايرةً لِمَن تَعْتَقِد أنَّ في مقدورهم أنْ يضرُّوك أو ينفعوك؛ ونراها في لجوئكَ إلى "الانتهازية"، والتي هي أنْ تُمارِس ما يُخالِف ويناقِض معتقداتكَ.

ممارَسة الحقِّ في حرِّيَّة التعبير (بمنأى عن الخوف من العقاب بأنواعه، وفي مناخٍ من الشعور بالأمن والأمان والاطمئنان) هي التي من شأنها رَفْع منسوب الشفافية في المجتمع، أفراداً وجماعات؛ فمن طريقها، ومن طريقها فحسب، تتلاشى وتضمحل ظاهرة "الباطنية (السياسية والفكرية)"، فتضيق الفجوة والمسافة بين ظاهِر المرء وباطنه.

والحقُّ في حرِّيَّة التعبير يفقد معناه إذا لم يتساوَ فيه المواطنون جميعاً؛ فَدَعْ غيركَ (المخالِف لكَ، المختلف عنكَ) يُعبِّر عن رأيه في حُرِّيَّةٍ تَعْدِل الحرِّيَّة التي تُعبِّر فيها أنتَ عن رأيكَ؛ فأنتَ إنَّما تقوِّض حقَّكَ في حرِّيَّة التعبير بيديكَ إنْ سعيتَ في إكراه غيركَ على الأخذ برأيكَ، وتبنِّيه، أو في شراء السيادة لرأيكَ.

النقاش (والحوار والجدال) أمْرٌ في منتهى الأهمية؛ فهو أُمُّ الأفكار إذا ما رُوعِيَت أصوله وقواعده؛ لكنَّ ممارستكَ لحقِّكَ في حرِّيَّة التعبير لا تعني، ويجب ألاَّ تعني، أنَّ عليكَ أنْ تسعى (دائماً) لإقناع الآخرين برأيكَ ووجهة نظركَ (من طريق النقاش والحوار معهم).

وأحسبُ أنَّ الأسلوب الأمثل، على وجه العموم، هو أنْ تقول رأيكَ (في الأمر مدار الاهتمام أو الجدال) وتمضي؛ فحسبكَ (على ما أحسب) أنْ تقول: "هذا هو رأيي، والسلام عليكم"؛ ويُفضَّل أنْ تقوله إذا ما دُعِيتَ إلى قوله؛ فالوقت والجهد ثمينان!

لا سِرِّيَّة في الفكر، ولا حَجْر على أيِّ فكر؛ ونحن لو أمْعَنَّا النَّظَر في تاريخ الأفكار، أيْ في نشوئها وتطوُّرها، لرأيْنا أنَّ الفكر، أيُّ فكر، لا ينشأ ويتطوَّر إلاَّ من طريق صراعٍ يُخاض ضدَّ نقيضه، وأنَّ هذا الصراع، وفي نتيجته النهائية، لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، القضاء نهائياً على هذا النقيض؛ إنَّه يعني فحسب التغلُّب عليه، والمحافظة عليه في الوقت نفسه؛ وأنتَ يكفي أنْ تَمْنَع "نقيض" فكركَ من الوجود حتى تَحْكُم على فكرك نفسه بالموت.

أمْعِنوا النَّظَر في أيِّ فكر فَتَرون أنَّ معظم نصِّه وتكوينه وتفاصيله ومحتواه وشكله.. جاء من صراعٍ خاضه أصحابه ضدَّ نقائضه وأضداده من الأفكار؛ فالأمم تحيا فكرياً بـ "صراع الأفكار (المتناقضة)".

لكنَّ "حرِّيَّة التعبير"، وعلى أهميتها، لا تكفي ذاتها بذاتها؛ فإنَّ "حرِّيَّة التغيير" يجب أنْ تقترن بها على الدوام؛ فما نَفْع أنْ نُفسِّر العالَم إذا ما حِيل بيننا وبين تغييره بما يجعله أكثر جمالاً، وأفضل حالاً، من وجهة نظر الغالبية العظمى للبشر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,098,849
- دَعْهُمْ يَخْتَبِرون أوهامهم!
- -المجلس العسكري- يخوض -معركة الرئيس-!
- -الحياة- فلسفة!
- -الإحساس- من وجهة نظر -مادية جدلية-
- في هذا يكمن -سِرُّ قوَّته-!
- -أزمة- مصر تكمن في عدم اكتمال ثورتها!
- ما لَمْ يُقَلْ في -القرية العالمية-!
- -سادات- يلبس عمامة!
- عندما يُحْظَر قيام أحزاب -على أساسٍ ديني- في الأردن!
- معنى أنْ يزور نجاد -أبو موسى- الآن!
- الديمقراطية -الفَرْدية-.. الأردن مثالاً!
- -خُطَّة عنان-.. من -القبول النَّظري- إلى -الرَّفض العملي-!
- -قضية اللاجئين- في مناخ -الربيع العربي-!
- -الحتمية الماركسية- و-نقيضها الدِّيني-!
- قانون انتخابات أردني.. جديده قديم وقديمه مُجدَّد!
- البونابرت عمرو سليمان!
- هل يُمْسِك عنان ب -العِنان-؟!
- -انهيار المادة على نفسها- في معناه -الفيزيائي الفلسفي-!
- حتى لا تغدو -الديمقراطية- نفياً ل -الوجود القومي العربي-!
- الثورة المأزوم عليها.. و-الفوضى الخنَّاقة-!


المزيد.....




- علماء مصر.. لماذا يخشاهم النظام؟
- عن النكسة والثغرة ومعركة المنصورة.. فيديو جديد لمبارك عن حرب ...
- كندا تعلق تصدير الأسلحة إلى تركيا
- قوات النظام تسيطر على منبج بالكامل... وأردوغان لا يعتبر ذلك ...
- حافلات النقل العام تعود إلى العاصمة الليبية بعد حوالي 30 عام ...
- لماذا يختار رؤساء تونس الجزائر كأول وجهة خارجية؟
- أعنف الاشتباكات تدور في رأس العين وانسحاب أميركي من سوريا
- “صوت العرب” تحيي ذكرى رحيل وديع الصافى “اليوم” .
- ” صوت المعركة” يعود من جديد على اثير “صوت العرب”..غدًا
- عمرو الجنايني رئيس اللجنة الخماسية باتحاد الكرة:البدري لم يك ...


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد البشيتي - في -حُرِّيَّة التعبير-