أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - غسان نامق - التقشف ونهاية النموذج الأوربي















المزيد.....

التقشف ونهاية النموذج الأوربي


غسان نامق

الحوار المتمدن-العدد: 3720 - 2012 / 5 / 7 - 08:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التقشف ونهاية النموذج الأوربي
سيطرة الليبراليين الجدد على القارة

بقلم: أبراهام نيومان* By: Abraham Newman
ترجمة: غسـان أحمد نامق Translated by: Gassan A. Namiq

منذ بدء أزمة الديون السيادية الأوربية عام 2010 إستجابت بلدان القارة بفرض تقشف مالي. فمن اليونان حتى آيرلندا، قامت الحكومات بقطع الإنفاق بمقدار رقمين. أما إسبانيا، التي ترزح تحت وطأة الركود وتعاني من معدل بطالة يقترب من 25 في المائة، فقد قامت بخفض ميزانيتها بمقدار 8 في المائة كما تخطط لتقليص عجزها بمقدار 27 مليار يورو إضافية في السنة الجارية. وحتى ألمانيا، والتي يعد إقتصادها الأفضل صحةً في أوربا، فقد تعهدت بإلغاء 80 مليار يورو من إنفاقها بحلول عام 2014. وسوف تتعزز سياسات التقشف الوطنية هذه في أنحاء القارة من خلال المعاهدة المالية للإتحاد الأوربي، وهي معاهدة من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في السنة القادمة، والتي ستتطلب من البلدان الأوربية الحفاظ على ميزانيات متوازنة. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فلابد أن يشعر الموالون لحزب الشاي بالغيرة من هذا كله.

من غير الواضح فيما إذا كانت هذه الجهود ستمنع عدوى السوق أو ستجلب الإستقرار إلى البلدان الأوربية على المدى القصير. الأمر الواضح هو أن التقشف سيقوم بتغيير الإقتصاد السياسي الأوربي على المدى الطويل، وهو ما سيمنح المصداقية لأفكار الليبراليين الجدد الخاصة بالحكومات المحدودة والأسواق ذات التنظيم الفضفاض. والسخرية الكامنة في هذا التحول هي أنه سينعش الأفكار ذاتها التي ساعدت في حدوث الأزمة المالية في المقام الأول. وفي نهاية المطاف، فإن الإيمان الراسخ بالأسواق والتنظيم الضعيف هما اللذان سمحا للفقاعة المالية بالإنتفاخ. وفي الوقت نفسه فإن رد الفعل على أزمة الديون السيادية من خلال التقشف سيستبعد أي شبكة إشتراكية ديمقراطية بديلة تؤكد على النمو وتحمي المواطنين من نزوات السوق.

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفي ذروة الإزدهار المالي، كانت التنظيمات الدقيقة والحلول المعتمدة على السوق تبدو غير قابلة للجدل. وكان الرأي آنذاك يقول بأن التنظيم الذاتي للشركات سوف يخفض عبء بطء الحركة والرقابة البيروقراطية، وأن التنافس في الأسواق سوف يحفز ظهور إبتكارات جديدة ويخفض من التكاليف في مختلف الصناعات. وكان على الإشتراكيين الديمقراطيين الأوربيين أن يلعبوا في موقع الدفاع ليس عن التنظيم المالي وحسب، بل عن سياسات العمل والتعليم وعن حماية المستهلكين وحتى عن البيئة.

في بادئ الأمر، بدت الأزمة المالية العالمية مثل نقطة تحول، فقد جعلت من الواضح أن الأسواق لا تقوم دائماً بالتوزيع الكفوء للسلع والخدمات. واستغلت المصارف التنظيم المحدود في طرح إستثمارات سيئة وبيعها إلى زبائن غير مدركين للأمر. وقام صانعو السياسات، في أوربا على وجه الخصوص، باستغلال الإضطراب في مقاومة سياسات الليبراليين الجدد التي كانت سائدة منذ بداية الألفية الثالثة. كما قاموا بالدفاع عن نموذج السوق الإشتراكي الخاص بهم والذي كان قد حمى العمال من الضربة الأولية للأزمة المالية. وفي عام 2008 أعلن وزير المالية الألماني "بير شتاينبروك" أن "سبب الأزمة هو المبالغة غير المسؤولة لمبدأ السوق الحرة وغير المقيدة".

ومن ناحية أخرى فإن أزمة الديون السيادية قد أعادت صياغة النقاش مرة أخرى. فقد إتخذت المشاكل الإقتصادية الأوربية الأخيرة ثلاثة أشكال مختلفة. فبعض البلدان، مثل اليونان، تواجه أزمة ديون قديمة الطراز: الحكومات إقترضت الكثير من المال أثناء فترة الإزدهار ولا تمتلك وسائل قابلة التطبيق لغرض التسديد. وفي بلدان أخرى، مثل آيرلندا، أجبرت الأزمة المالية الحكومات على إنقاذ القطاع المصرفي وامتصاص ديونه. وثمة بلدان ثالثة، مثل إسبانيا، كانت تعاني من أزمة سيولة وذلك بعدما تطلبت عمليات شراء السندات معدلات فائدة أعلى على الدين الحكومي. وفي الحالتين الأخيرتين كان المذنب الرئيسي هو الأسواق، وليست الحكومات. غير أن ذلك لم يمنع السياسيين في ألمانيا وهولندا من الإشارة إلى الحكومات على أنها هي المشكلة – كونها غير كفوءة ومتضخمة ومسرفة. وقد غدت الحكومة في أثينا مثالاً أمثل على حركة التقشف، إلا أنها لا تمثل إلا سبباً واحداً وراء الويلات الحالية في أوربا.

مما لا شك فيه أنه كان ينبغي كبح جماح حالات الإسراف الحكومي منذ زمن بعيد، وخصوصاً في اليونان، حيث من المعروف أن الموظفين الحكوميين يستلمون رواتب الشهر الثالث عشر أو الرابع عشر كـ "مكافأة". غير أن التقشف يذهب بعيداً في الإتجاه الآخر، فيقوم بسحق السياسات البديلة التي تفضل الإقتصاد المختلط. ويقول مؤيدو التقشف أنه بالنظر إلى الحاجة إلى الحفاظ على موارد القطاع العام ينبغي على الشركات والأفراد المشاركة في تقديم الخدمات الأساسية، مثلما هو الحال في مبادرة المجتمع الكبير في المملكة المتحدة. وفي الوقت نفسه يتم إجبار الحكومات بشكل متزايد على خصخصة قطاعات من إقتصاداتها. فنجد إسبانيا وآيرلندا قد عرضتا كل شئ، من الكهرباء إلى المطارات، في المزاد العلني. والأكثر من هذا، وباسم إنتاجية العمالة، يُطلب من العمال تحمّل عبء الإنتعاش الإقتصادي من خلال إستقطاعات من الأجور والمعاشات وغيرها من المنافع. ويأتي تركيز المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" على الإصلاح البنيوي في خطابها في "دافوس" عام 2012 تجسيداً لهذا التوجّه. وهكذا فإن سياسة التقشف بالضرورة تعزز الإعتقاد بأنه في أعقاب الأزمة لا أحد سوى الأسواق سيتمكن من تحديد معالم الإقتصاد الأوربي.

يحمل هذا المشهد السياسي الجديد عواقب سلبية لأوربا وللعالم. ففي أنحاء أوربا نجد أن صورة الإتحاد الأوربي، بوصفه مدافعاً عن الحكومات الأصغر حجماً والأسواق الأقل تنظيماً، لا تحظى بالشعبية من الناحية السياسية وتهدد بتقويض الدعم للتعاون والتكامل. وكانت معارضة هذه السياسات هي الصيحة التي أسقطت الدستور الأوربي المنحوس في ألإستفتاءات الهولندية والفرنسية عام 2005. والإحتجاجات ضد التقشف التي هزت أثينا ومدريد تكشف عن قلق عميق لدى مواطني الإتحاد الأوربي حيال التعاون الإقليمي. كما إن نجاح الأحزاب المتطرفة، بما فيها الجبهة الوطنية في فرنسا وحزب الإستقلال في المملكة المتحدة وحزب القراصنة في ألمانيا، يشير إلى أن سياسيي التيار الرئيسي يناضلون من أجل توجيه إحباط الناخبين. ويهدد التقشف بتشجيع هذه القوى وإضعاف الإلتزامات الأوربية بشأن الإنفتاح. ولكي يحتفظ الإتحاد الأوربي بشرعيته الشعبية ينبغي عليه أن يكون أكثر من مجرد ماكنة تجارة حرة وإلغاء قيود.

وفي غضون ذلك، وعلى المسرح العالمي، فإن سياسة التقشف تمنع أوربا من عرض رؤية للرأسمالية والعولمة بدلاً من تلك المقدمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، وفي إجتماعات إقتصادية دولية عقدت مؤخراً، وافق المسؤولون الأوربيون على قوانين دولية بشأن مقدار رأس المال الذي يجب على المصارف الإحتفاظ به. وبالنسبة لعامل من الطبقة الوسطى في الهند يساوره القلق حيال الفساد، أو بالنسبة لمزارع إندونيسي يخشى من موجات صدمة الأزمة المالية، نجد التقشف الأوربي لا يقدم إلا أملاً ضئيلاً. فقد إنتهت فكرة قيادة أوربا للطريق العالمي الثالث بين رأسمالية عدم التدخل والإشتراكية المدارة.

سياسة التقشف في أوربا ليست مجرد صراع قصير المدى بين بلدان الفائض في الوسط وبلدان العجز في الأطراف. إنها جدول أعمال سياسي طويل المدى تفضل المقرضين على المدينين ورأس المال على العمالة، وبهذا ينبغي النظر إليها من خلال عدسة السياسة الحزبية. فقد كانت حكومات يمين الوسط في ألمانيا وهولندا وإسبانيا من بين أبرز مؤيدي التقشف. ومن ناحية أخرى، وإذا أتت الإنتخابات الفرنسية والهولندية بأحزاب جديدة إلى السلطة، ستكون هناك فرصة لأوربا لرسم سبيل مختلف للإنتعاش.

إن إحياء جدول أعمال بديل بالنسبة للإقتصاد السياسي في أوربا سيتطلب في المقام الأول قيام الديمقراطيين الإشتراكيين بإقناع الناخبين بأن الأزمة ليست مجرد قصة حكومات مسرفة، بل قصة أسواق متهورة كذلك. فتناول إخفاقات السوق يتطلب وجود تضامن في ما بين البلدان الأوربية. ويجب على الحكومات الدائنة أن تدعم دور المصرف المركزي الأوربي بصفته مقرض الفرصة الأخيرة وأن تسمح بإصدار السندات الأوربية التي ستساعد في حل مشاكل السيولة في إسبانيا وإيطاليا وغيرهما. كما يجب على الناخبين والزعماء الأوربيين أن يطالبوا باحتشاد الحكومات من أجل تشجيع النمو من خلال وقف المزيد من الإقتطاعات الشديدة وتوسيع الإستهلاك، وخصوصاً في البلدان الدائنة. حيث أنه إذا تم السماح للتقشف أن يأخذ مجراه، بينما تستمر برلين وبروكسل في تجويع الوحش، يمكن أن تصبح أوربا سريعاً مرتعاً للإضطراب الإجتماعي واسع الإنتشار.


* أبراهام نيومان: أستاذ مشارك في "كلية إدموند أي والش للخدمة الدبلوماسية" في "جامعة جورج تاون"، الولايات المتحدة الأمريكية.

عن موقع مجلة "شؤون خارجية" الأمريكية، بتاريخ 1/5/2012.
http://www.foreignaffairs.com/articles/137611/abraham-newman/austerity-and-the-end-of-the-european-model





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,803,969
- ثلاث قصائد للشاعرة الأمريكية -إيميلي ديكنسون-
- قصيدة: اللقلق
- مأزق الولايات المتحدة الأمريكية
- فتاة - قصيدة لعزرا باوند
- الموصل
- الخلافة في السعودية آخذة بالتشكل
- مرحبا بحرب الأشباح
- غيتس: العراق سيواجه مشاكل إذا إنسحبت القوات الأمريكية
- (غيتس) و(مولين) على إتصال وثيق بالجيش المصري
- إيران والأوضاع الراهنة في العالم العربي
- الأمر المشترك بين إسرائيل وإيران
- قطع شبكة الإنترنت
- راتب بنيامين نتانياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني
- السيستاني وجائزة نوبل للسلام.. وجهة نظر مغايرة


المزيد.....




- اكتشاف حطام حاملة طائرات يابانية من الحرب العالمية الثانية
- استمرار الاحتجاجات في لبنان رغم -إصلاحات- الحريري
- شاهد: ملوك وأمراء وقادة يحضرون مراسم تنصيب إمبراطور اليابان ...
- نتنياهو يفشل للمرة الثانية في ستة أشهر في تشكيل حكومة إسرائي ...
- شاهد: ملوك وأمراء وقادة يحضرون مراسم تنصيب إمبراطور اليابان ...
- -عمل إرهابي-... إيران ترجح المتورط في الهجوم على ناقلتها الن ...
- في أول سابقة من نوعها ترامب يهدد بضرب حليف في الناتو
- تفاصيل اختبارات -تي-72- في كندا
- وكالة: غارات على مخازن -طائرات تركية مسيرة- في هذه الدولة ال ...
- اكتوبر الوردي..


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - غسان نامق - التقشف ونهاية النموذج الأوربي