أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - حنين عمر - متى سنغيّر ما بأنفسنا؟















المزيد.....

متى سنغيّر ما بأنفسنا؟


حنين عمر

الحوار المتمدن-العدد: 3619 - 2012 / 1 / 26 - 02:12
المحور: حقوق الانسان
    


يوم أمس، تفاجأت وأنا أشاهد تقريرات حول الوضع البركاني الذي تمر به البلدان العربية هذه الأيام، أنني لم أشاهد يوما شابا سويسريا يبحث عن بلد يهاجر إليه، أو يقف ساعات أمام سفارة لطلب تأشيرة، ولم أشاهد يوما شابا سويديا يلعن السويد وقدرا انتمائه ويثور ثورة كالثورات التي نعيشها دون أن تهمه فيها حياته أو مماته، مقابل أن يحصل على رغيف خبز أو حياة أفضل، ولم أشاهد رجلا كنديا يريد تغيير جنسيته مثلا !!!
فهل يعقل أن تكون هذه الظواهر موجودة ومنتشرة وعامة مثلما هو الحال في بلداننا العربية في بلدان تقدس مواطنيها وتقلب الدنيا إن تعرض أي أحد منهم لخدش بسيط في اي مكان؟ وهل من المنطقي أصلا وجودها في ظل الرخاء الذي يعيشه المواطن الغربي مقابل شقاء المواطن العربي الذي تعاني أغلبيته الساحقة من ظروف حياة لا تساعد على الحياة ؟
وأنا أتأمل هذه الفرضية وأطالع الخريطة الأوروبية، تذكرت الثورة الفرنسية التي اندلعت في عام 1789 والتي غيرت نظرة العالم لأوروبا ومنحتها وجها حضاريا بعد أن كانت منطقة يسودها الجهل والتخلف والجوع والفقر بسبب تسلط ملوكها وهيمنة الكنيسة آنذاك، لكن الجدير بالذكر أن أسس هذه الثورة تبلورت ثقافيا قبل تحولها إلى حركة شعبية، فقادتها الأبرز كانوا أدباء عصر التنوير الذين انتقدوا الوضع وحرضوا الشارع من خلال نشر ثقافة الفكر والأدب ودفع الشعب الفرنسي إلى المطالبة بحقوقه في المساواة والعدالة بعد أن تضرر من تحكم طبقات النبلاء والأمراء وأصحاب النفوذ الملكي في خيرات أرضه، ولعل أشهر هؤلاء الأدباء التنويريين هم "فولتير" و"جان جاك روسو" و "منتسيكو"، فقد حملت كتاباتهم روح التمرد وهبت عبرها ريح التغيير في مجتمع كسب رهانه مع نفسه في النهاية.
ومن هنا نجد أن الثورة الفرنسية وليدة ثورة فكرية قبل كل شيء، وإنجازاتها التي غيرت وجه الخريطة العالمية ما هي إلا نتائج تغييرات ثقافية في الذهنية الشعبية بحيث انتقلت من الجهل إلى العلم، من العتمة إلى النور – وهذا سبب تسميتها بعصر النور- ، أي أنها بدأت من حيث يجب أن تبدأ وكما ينبغي أن تبدأ: من صنع "عقل اجتماعي" قادر على ممارسة فعل التفكير وبالتالي فعل التغيير.
ولعلنا في بلادنا العربية نهمل حاليا الجانب الفكري والثقافي كثيرا في تكويناتنا الاجتماعية، بل إننا نعاني من غياب نخبة ثقافية ذات وزن ثقيل قادرة على تحمل مسؤولية "التنوير"، فالفرد العربي بشكل عام والشباب العربي بشكل خاص لا يقرأ حسب إحصائيات مراكز البحوث التي أوردت أن معدل وقت القراءة في السنة للشخص الواحد في أي بلد عربي يقارب 6 دقائق فقط لا غير، مقابل ساعات كثيرة لدى الفرد في مختلف المجتمعات الأوروبية. وأن معدل النشر في السنة يقارب 30 كتاب لكل مليون عربي بينما نجد أن كل مليون أوربي يقابله أكثر من 500 كتاب...بالمختصر : العرب أقل الشعوب اهتماما بالقراءة والنشر والثقافة !!!
إن هذه ليست مجرد أرقام ، إنها إحصائيات تكشف مصيبة حقيقية لا نشعر بها مع أننا نعايشها يوميا في شوارعنا، فانتشار الجهل والأمية وحصر القدرة العقلية الإنسانية في مربع صغير لا يتعدى أربعة وظائف محورية هي "الأكل والشرب والبحث عن لقمة العيش وإنجاب الأطفال"، كان سببا هاما في تخلفنا الحضاري وابتعادنا عن أي تطور علمي أو تكنولوجي أو اقتصادي أو ثقافي أو سياسي، مما أدى حاليا إلى قيام ثورات تطالب بإصلاح هذا الوضع المرضي الخطير و الذي تدنت فيه كل المؤشرات الحيوية كانعكاس لتدني مستوى الثقافة.
فقد انعكس الجهل على حياتنا اليومية لزمن طويل، وتحولنا إلى مجتمعات يفوق معدل استهلاكها معدل إنتاجها بعشرات المرات، مما دمر البنية التحتية الاقتصادية وبالتالي زاد الفقر وانتشرت البطالة وأصبح الجوع والفقر والانحراف والبؤس خبزا يوميا يقتات عليه الناس، مما خلق ضغطا عظيما عليهم، تحول – خاصة لدى الشباب- إلى حالة تمرد وثورة وغضب.
فالشاب العربي حينما يشاهد حياة الشاب الغربي، يشعر بذلك التفاوت الفادح في مستوى المعيشة وفي فرص العمل والحصول على حياة هادئة ومريحة تحفظ كرامته وتصون أنفته، ولأن هذه الأنفة لدى العربي متضخمة جدا بفعل جيناته التاريخية والحضارية فإنه لابد أن يرفض واقعه ويسعى إلى تغييره كيفما أملت عليه الطبيعة.
لكن إن تأملنا هذه الثورات بشكل أعمق ، فإننا نجد أن مشكلة الشعوب الأساسية ليست الحصول على الخبز، إنما هي: "كيف تصنع هذا الخبز؟" ، لأن صناعته تحتاج إلى مواد أولية تهاونا في الانتباه لأهميتها هي : الثقافة التي تشكل الوعي والفكر والقدرة على صنع حضارة جديدة، فبدون ثقافة عميقة وبدون وعي حقيقي لا يمكن صناعة ثورة حقيقية وتغيير فعّال ومستمر التأثيرات.
وقد كنت سمعت بعض الآراء التي ترى أن الشعوب الفقيرة لا يمكن أن تقرأ، وهنا لابد أن نوضح أننا شعوب ثرية ولا أقصد بذلك السائل الأسود الذي يضخ دولارات في شكل براميل ملونة ويسمونه "النفط"، إنما بإرث تراثي وبتاريخ ثقافي عظيم يمتد لآلاف السنين التي قامت فيها على خلفيته عشرات الحضارات العظيمة. حضارات حكمت العالم وسيطرت على منافذ قوته وبقيت خالدة، إننا أثرياء مثلا باكتشافات أجدادنا التي صنعت أمجاد علماء الغرب حينما تناقلوها عنا، وأثرياء بطاقتنا الدينية والروحية والعاطفية التي تجعلنا أكثر انفعالية ولكن أكثر قدرة على ممارسة إنسانيتنا، فتلك هي ا"لثروات الحقيقة "التي تصنع "الثورات الحقيقية".
لأن الإصلاح يأتي أولا عبر استغلال هذه الثروات لبناء أول قاعدة صلبة يمكن تشييد أي حضارة عليها ، وهي "الإنسان"، بناء نفسية الفرد العربي، وتخليصه من كل آثار الضغط التي خلقت منه مسخا مشوه الإنسانية بفعل عوامل الحياة القاسية التي تعرض إليها لأمد بعيد فصهرته كما تصهر النار الزجاج وشكلته في قالب عكر ماهيته الأولى.
وحتى إن لم يكن ذلك ممكنا بنسب نجاح عالية حاليا بالنسبة لأجيال مضت تشربت بتلويثات الزمن، إلا أنه من الممكن المراهنة على الأجيال القادمة من خلال رفع مستوى التعليم والاهتمام أكثر بنشر العلوم الإنسانية وترويج الأدب والفلسفة والفنون بجميع مجالاتها، فهي أول أشكال التعبير الإنساني وأكثرها قدرة على اختراق روحه وترك أثر ايجابي فيها بنعومة فراشة تحط على زهرة.
هذا الأثر الناعم سوف يظهر بشكل تسونامي يمسح التخلف والخرافة والتشوهات لينشئ جيلا مختلفا قويا سوف ينتقل بالتالي إلى كينونة اجتماعية، بحيث ينتقل الفرد من كونه جزئية إلى كونه كلية، ويتحول من ذات مفردة إلى مجتمع كامل سوف يتحرك بناءً على جزئيته أي على "الإنسان" فيه، وطبعا ستتوالى هذه التراتبية لتمتد أعلى : فالإنسان السوي الناجح الواعي يخلق مجتمعا سويا ناجحا واعيا، وهذا المجتمع سيخلق نجاحات على مستويات أخرى : علمية ، واقتصادية، وسياسية، فالعلم كمادة ذهنية ما هو إلا نتيجة تفكير تم تدريبه سابقا على الوصول إلى الحقيقة من خلال القراءات الثقافية والأدبية، وهكذا نصل إلى التفوق العلمي الذي يصنع تفوقا اقتصاديا لا محالة ، والتفوق الاقتصادي يصنع تفوقا سياسيا يتحكم في جغرافية العالم وفي تاريخه أيضا.
إن بداية الإصلاح إذن تبدأ من القلب، ومن تهذيب العاطفة وتثقيف النفس والحفاظ على إنسانية الإنسان، حينها يمكن لكل مشاكلنا الكثيرة أن تنحل بلمسة سحرية واحدة من عصا الجنية ، كما انحلت كل مشاكل سندرلا الفقيرة وتحولت إلى أميرة.
لكن بانتظار أن نحصل على العصا، سوف يظل هناك بين الفينة والأخرى شعوب تتظاهر للمطالبة بحقوقها الشرعية و وتثور لأنها متعبة، وتبحث عن "وطن أجمل" في ظل سلطة هذه المنافي التي تأكل الأطفال والأحلام والآمال والأعمار، وتدفع بالناس إلى الصراخ عاليا لتعبر عن آلامها، هو صراخ لا علاقة له بالطائفية ولا بالسياسة...إنه صراخ ألم زائد فقط يحتاج إلى علاج ولا يحتاج إلى مسكنات، يحتاج إلى تفكير منطقي خارج العنف وبعيدا عن التخريب والهمجية، تفكير عاقل وحكيم وراجح يخرج بهذه الأمة من نفق مظلم تسير فيه على غير هدى تحت الأرض نحو السماء والشمس والحرية، يحتاج إلى أن نعي ونحترم ونكون على قدر مسؤولية كلمة "تغيير" لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...فمتى سنغيّر ما بأنفسنا؟
//
حنين





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,283,396,427
- أغنيات بتاريخ إنتهاء صلاحية
- العرب ... لديهم مواهب -أمريكية- !
- الحفاظ على الرأس المرتفع : دور الإعلام العربي في الثورات الش ...
- كل عام وأنت نزار قباني
- قبر الغريب
- اليوم العالمي للرجل
- المدن كالنساء
- فلسفة الكعب العالي
- سحر أبيض وأسود
- المصفقون
- هيباتيا: شهيدة النور
- أبطال من ورق
- لازاريوس بروجكت
- فنجان قهوة
- أنتَ ؟ : أنتَ الذّاكرة
- نقطة...أول العطر!!!
- في مديح المنفى البعيد جدا
- كامل الشياع : ليس كل الموتِ موتا
- سيجارة إخبارية
- ست ُّالشناشيل


المزيد.....




- أردوغان: تركيا ستنقل قضية الجولان إلى الأمم المتحدة
- آلاف المعلمين يتظاهرون للمطالبة بعقود عمل دائمة في المغرب
- المغرب: آلاف المعلمين المتعاقدين يتظاهرون في الرباط لليوم ال ...
- مصر تخاطب الإنتربول للقبض على 12 شاركوا في بطولة دولية للمكف ...
- جنايات صلاح الدين: الإعدام لإنتحاري حاول تفجير نفسه على القو ...
- دعوة من ظريف لإغاثة ضحايا السيول
- المنظمة المصرية تتقدم بتهنئة المجلس القومي لحقوق الإنسان لح ...
- الحرس الثوري يشارك بقوة في إغاثة منكوبي السيول في إيران
- دفاعًا عن حرية الرأي والتعبير المنظمة المصرية تدين قرار حجب ...
- المنظمة المصرية تحذر من عودة قضايا الحسبة


المزيد.....

- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حقوق الانسان: قراءة تاريخية ومقاربة في الاسس والمنطلقات الفل ... / حسن الزهراوي
- العبوديّة والحركة الإلغائية / أحمد شوقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - حنين عمر - متى سنغيّر ما بأنفسنا؟