أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - باريس






















المزيد.....

باريس



أفنان القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 3615 - 2012 / 1 / 22 - 12:33
المحور: الادب والفن
    



الأعمال الكاملة
الروايات (16)

د. أفنان القاسم
باريس
رواية الخيال العلمي


الطبعة الأولى دار النسر للنشر والتوزيع عمان 1994
الطبعة الفرنسية تحت عنوان باريس شنغهاي والبرغوث الحيوي /
القوة المطلقة دار لارماطان باريس 2003



إلى تزفيتان تودوروف

To Tzvetan Todorov



القسم الأول
الجزء الأول
1
أعرف أننا كنا، أنا وصديقي فضل، حالمين مسكونين بأفكار لا تصدق. كانت آمالنا وأمانينا لا حد لها، ولم تفعل الخيبات المتكررة التي لحقت بتجارب اقتصادية واجتماعية ترمي إلى تغيير العالم سوى أن تزيدنا إصرارًا على فعل شيء من أجل إنقاذ الإنسانية، فقد كنا نرى مستقبلها يكمن فيها، كنا نراها تحبل بمستقبلها الذي هو جزء يكمل تطويرها الوراثي. وكنا نرى أيضًا في الدرجة التي وصل إليها العلم والمعرفة جهد الإنسان حقًا، ولكن على الخصوص لأن طريق التطور هو هذا، ولا طريق آخر هناك غير هذا الطريق. أما عن المشاكل التي من العادة أن تصاحب أطوار الحضارة في صعودها الحتمي، وخاصة طورها المدوخ الحالي، فهي شيء آخر، إنها من صنع الساسة ومصاصي الثروات. هذا لا يعني أن لا حل هناك، وأن مشكلاً كمشكل البطالة مثلاً سيظل مستعصيًا.
لقد بدأت القصة من هنا، من هذه النقطة على التحديد، عندما ذهبت لأطرق الباب على فضل في مختبره الواقع قرب مقبرة بير-لاشيز في الدائرة العشرين. دائرة غريبة، كل شيء فيها في حركة دائمة، السيارات كثيرة، جد مسرعة، وعلى العكس، الناس قلة، والأوراق الجافة تتطاير هنا وهناك، تحس فيها أنك على أبواب مغامرة مرعبة، وأن شرًا مستطيرًا يطاردك. أردت أن أدرس مع فضل مسألة البطالة المحتدمة في الغرب، والحائلة ليس فقط لشريحة اجتماعية عريضة دون الإفادة من مكتسبات التطور، ولكن لكل مجتمعات الجنوب. كان الخريف في آخره، وشمس الغروب حمراء قرمزية، ثابتة على قباب باريس، وعطارد لا يكف عن الحركة قربها. هذه هي على الأقل الصورة التي كانت في رأسي قبل دخولي المختبر، والتي كانت كمسألة العمل ليست منطقية، فالشمس عبارة عن كتلة من النار المتفجرة، وعطارد في تلك اللحظة لم يكن من الممكن رؤيته بالعين المجردة. قلت مهمتنا أنا والعالم الحيوي، عالم الرياضيات الذي كانه فضل، لن تكون سهلة، وكنت على الرغم من ذلك واثقًا من خصوبة الخيال الذي لنا، فأملت بالوصول إلى نتيجة إيجابية معه.
في المختبر، وجدت نفسي في عالم يختلف تمام الاختلاف عن عالمنا، عالم فعلت فيه التكنولوجيا فعلها. استقبلني روبو، أخذ بصماتي، وسلمني بطاقة ذات كود صالحة طوال مدة زيارتي. بفضل هذه البطاقة استطعت أن أفتح باب ممر انتقلت منه إلى مصعد نقلني بواسطة البطاقة دومًا إلى الطابق الذي يعمل فيه فضل، ومنه إلى مكتبه الذي فتحته البطاقة ذات البرغوث، ووجدت نفسي في النهاية قبالته. عند ذلك، توقفت كل تلك الإشارات الضوئية التي صاحبتني طوال مسيرتي.
أبديت لفضل دهشتي من عالم المختبر غير المعقول ذاك، فقال:
- لهذا السبب أردت أن تأتي لزيارتي هنا، في المكان الصانع للحضارة الجديدة.
قلت:
- إنها المرة الأولى حقًا، ولن تكون الأخيرة. لقد شدني هذا المكان النموذجي إلى التطور التكنولوجي الذي وصلنا إليه.
ابتسم:
- أنت لم تر بعد شيئًا.
- أعرف. أكيد أن العجائب التي تحتوي عليها هذه الغرفة ليس لها مثيل.
وأنا أشير إلى الآلات الدقيقة الصنع التي من حولنا.
دفعني فضل بلطف إلى صندوق أسود مستطيل، وفتحه، فرأيت من الأزرار ما يضاهي أزرار لوحة القيادة في الطائرات. شغل الحاسوب، وقال:
- إنها آلة الفضاء، أخت آلة الزمن التي لويلز. إنها، على العكس، حقيقة واقعة.
هتفت:
- لهذه الآلة القدرة على نقل الأشياء؟
ضحك فضل:
- مهلاً، يا صديقي! هذه الآلة لسوف تكون قادرة على نقل الأشياء وكذلك الناس من مكان إلى آخر خلال مائة سنة ربما.
هدأت:
- لقد ظننت للحظة أننا دخلنا عصر الفاكس المادي!
وضحكت من نفسي.
أوضح فضل:
- إنها الفكرة ذاتها. تحويل المادة إلى بيتات عبر الأقمار الصناعية أو الكابلات، والتي أبدأ في تنفيذها منذ الآن لتكون جاهزة على يد علماء آخرين غيري بعد قرن أو بعض قرن إن كنت متفائلاً. وأنا كما هو عهدك بي، متفائل دومًا.
- أرجو أن تمارس تفاؤلك على الذين جئت من أجلهم، ملايين المحرومين من مكتسبات العلم، والذين نسميهم المحرومين من العمل.
- تقصد الأناس "اللارقميين"؟
- الإنسان الرقمي هو مصطلح جديد إيجابي حقًا في عصرنا هذا.
- وفي العصر القادم أيضًا. إنه العينة الأخيرة للإنسان، إذ لن يبقى علينا سوى استثمار "الترقيم" منذ الآن وحتى نهايات الدنيا، إن كانت للدنيا نهاية.
- نعم، هذه هي الفكرة، كيف يمكننا استثمار هذا الترقيم بالفعل؟ كيف يمكننا تحويل مجتمعاتنا إلى مجتمعات رقمية ليعم التطور التكنولوجي العالم أجمع دون إبعاد أحد شاملاً كل البلدان بنعمه وخيراته؟
كان فضل قد شدني من ذراعي إلى حاسوبه الذي ضرب على ملامسه، فبدت على شاشته معدلات وأرقام أدت إلى تخطيط ثلاثي الأبعاد للدماغ.
قال فضل:
- العلماء يتنافسون الآن فيما بينهم على صنع عقل يضاهي عقل الإنسان. أنا لست من هذا الرأي.
- لماذا؟
ليس هذا لأنهم لن ينجحوا. لسوف ينجحون. وهم قد نجحوا بالفعل حين أتموا صناعة بعض الأندرويدات، ذلكم الآليون البشريو الجسم أو حيوانيوه. أنظر.
ضغط على زر، فرأينا على شاشة جدارية كبيرة مجموعة من الأندرويدات التي لها شكل الحيوان أو الإنسان. كان الحيوان يتكلم كالإنسان، ولا فرق بين هذا الإنسان الآلي ونحن.
أوضح فضل:
- هذه الخنازير التي تراها هناك مثلاً موجهة للحلول محل الجلادين المعذِّبين في مراكز الشرطة. إنها كائنات لا أحاسيس لها، على استعداد أن تلحق بنا أقسى عذاب بينما هي تبتسم. وتلك الأندرويدات التي لها هيئاتنا ستكون شرطة للتحقيق أو شرطة سرية. إنها لا تقهر، وهي حاذقة جدًا، تمت برجمتها على أساس أن تنجح دومًا في مهماتها مهما كانت هذه المهمات صعبة، وخاصة تلك التي لا نقدر عليها بعقولنا وقوانا. ونحن إن تركنا جانبًا الغايات اللئيمة الني فبركت من أجلها، إنها تكلف غاليًا، ولهذا أنا ضدها.
- أضف إلى ذلك أنها ستزيد من جحافل طالبي العمل، إذ يمكن تعميمها في كل المجالات، والواحد منها ما في شك يعمل بقدر عشرة.
- هذا صحيح. أنا ضدها لهذا السبب أيضًا. أنا مع مجتمع تكنولوجي إنساني أولاً وقبل كل شيء، ينعم فيه الكل، خال من الاستغلال الذي ورثناه عن الثورة الصناعية في القرن الماضي. القرن الحادي والعشرون يجب أن يكون قرن الثورة التكنولوجية التي لن يستغل معها الإنسان شيئًا غير رفاهية العيش. ولهذا شرط أعمل على تحقيقه، ألا وهو بدلاً من أن نخلق للعقل البشري عقلاً إلكترونيًا يضاهيه نجعل بالأحرى من هذا العقل العقل الذي لا يضاهى.
- كيف هذا؟
ابتسم صديقي، ثم ركز عليّ نظرة ثاقبة:
- كل إنسان في المستقبل سيحوي عقله عقلاً إلكترونيًا يحمله فيه بدلاً من أن يحمله معه، يزيد من طاقاتنا النيرونية ملايين الأضعاف، فنحقق المعجزات. إنها طريقة ذات كلفة معقولة، ولن نكون بحاجة إلى روبوهات خارقة، بإمكان الإنسان أن يكون أقوى "روبو على وجه المعمورة"، إن جرؤت على التعبير هكذا.
أطفأ فضل الشاشة الجدارية، وعاد إلى حاسوبه. أشار إلى ناحية في قشرة المخيخ، وقال:
- سأزرع هنا برغوثًا حيويًا، فيتم كل شيء.
- برغوثٌ حيويٌّ؟
- نعم. ستكون لهذا البرغوث القدرات القصوى على الإرسال والذاكرة. سيصبح الإنسان، إن جرؤت على القول، "ماكينة مطلقة" قادرة على إبداء كل الحقائق، على إنتاج كل ما لم يُنقل للإنسان من قدرات عن طريق وراثي، كاللغة والحساب والكتابة مثلاً، كل ما اعتبرناه غير طبيعي سيصبح طبيعيًا بفضل البرغوث الحيوي، جد عادي.
- ولكنها أعظم قفزة جبارة بالإنسان الرقمي نحو المستقبل!
- البرغوث الحيوي لهو مستقبل البشرية الأخير الأبدي. بالبرغوث الحيوي يستعيد الإنسان ثرواته التي استلبت منه عن طريق تكريس المكاسب الرقمية في خدمة الإنسانية، هنا يتساوى الجميع، ويصبح لا وجود للاستغلال. مع البرغوث الحيوي تتحقق العدالة الاجتماعية في الرفاهية العامة والسعادة الجماعية القصوى. أرأيت؟ هذا هو الهدف: كل عقل يحمل عقلاً، كل واحد ينقل حاسوبه في رأسه.
- وأين أنت من تحقيق اختراعك هذا؟
- عدة سنوات لن تزيد عن العشرة.
ضحكت:
- الأمر الذي جئتك من أجله لا ضرورة له الآن، فمشكل البطالة وباقي مشاكلنا المعاصرة الأخرى، كالفقر ورقة الحال والضيق وكل شدائد العيش ستجد حلها مع برغوثك الحيوي.
قال:
- الأمور ليست سهلة كما تتصور.
وسحبني من ذراعي:
- تعال، سأريك ما الذي يفعله خصومي.







2
أخذنا مصعدًا داخليًا بواسطة بطاقة فضل الإلكترونية إلى قاعة في الطابق التحتي واسعة. رأيت فيها مجموعتين من الرجال أوروبية وأفريقية وثالثة من النساء صينية. كان العلماء يصورون أدمغتها في آلات جد معقدة، وحاسوبات عديدة تعطي معلومات عنها لا تعد ولا تحصى.
قال فضل:
- العقل الأوروبي لدى هؤلاء العلماء الخطرين لهو الأذكى أما الأفريقي، فلا تكون فيه سوى قوته العضلية. إنهم يسعون إلى الجمع بين أقصى الذكاء وأقصى القوة في مني يزرعونه في إحدى تلك الصينيات اللواتي يكثفن مطلق الجمال، لتأتي بمولود جديد يختلف عن الأبوين في الذكاء والقوة والجمال. ليس بالطبع التغيير الفجائي في الوراثة هو الذي يسعون إليه، فالجينات حقل لم يعد يفاجئ أيًا منهم، يبدأون التغيير منه من أجل الوصول إلى التغيير الإلكتروني الذي حدثتك عنه.
قلت مذهولاً وقد فهمت مقصده:
- يريدون زرع برغوثك الحيوي في رؤوس نخبة من البشر يعملون على صنعها كي يضاعفوا من سيطرتهم علينا ويفاقمون من مشاكلنا؟
- بالضبط. إنهم لا يريدون أن يكون لكل عقل عقل، ولكن فقط بعض العقول الخارقة، والتي تسقط لها بقية العقول عبدة طائعة. ستكون هذه الكمشة من البشر اللامعقول تحت إمرتهم، ينظمون البشرية بها، وبالأندرويدات يقمعونها، فيزداد مصيرنا سوءًا، وبدلاً من الإفادة العامة من مكتسبات التكنولوجيا، تتحول هذه إلى مادة قهر واستعباد واستغلال يفوق كل الشرور الماضية في تاريخ البشر، الشيء الذي يجعل منا رقًا جماعيًا للآلة. بالنسبة لهذا الوضع البشري المنحط لحضارة في أوج تطورها، مشكل البطالة يبدو لا شيء يذكر، حتى أن هذا المشكل لن يكون له وجود، إذ ستسوق آلتهم الجهنمية الجميع إلى العمل، في عملية فرز مستمرة، يصفون فيها كل من لا يستجيب لأوصاف الإنسان العدد، الإنسان الرقم.
هببت به صائحًا، وقد حرضني كلامه:
- كل شيء بيدك. حل دون اختراع البرغوث الحيوي.
- لا يمكنني إلا أن أذهب بالاختراع إلى نهايته. إنه جوهر العلم ذاته في هذه اللحظة من حضارتنا. وإن لم أفعل ذلك أنا، فعله عالم آخر.
- ما العمل إذن.
التقط فتاة صينية راح يتأملها، ويبحث في عينيها عن عصور كثيرة مضت بتاريخ البشرية، وهي تنظر إليّ بعينيها. تركها إلى أحد الحاسوبات، وهو يهمهم مأخوذًا:
- يا إلهي! كونفوشيوس نفسه يسكن في عينيها.
ثم أخذ يردد:
- ما العمل؟ ما العمل؟ ما العمل؟ العمل هو ما جئتني من أجله. المشروع المجتمعي الذي تريد أن تحدثني عنه. يجب أن نلتف على مشروعهم الجهنمي بآخر يحول دونه. كيف يمكن التخلص من البطالة في فرنسا؟ في أوروبا؟ بل في العالم؟ كيف يمكننا أن نصنع من جيوش العمل الضائعة وحدات رقمية تحمي اختراعي، تدافع عن مكتسبات العلم، وتكون قادرة على الوقوف في وجه برابرة الغد، الأندرويدات؟ هذا الاختراع الفذ الآخر، ولكن مع الأسف في خدمة مصاصي الثروات.
قلت:
- فكرتي هي التالية...
لكنه أوقفني:
- انظر إلى القادم. اسمه نيغروبلان. مجموع زنجي وأبيض، وإن شئت أفريقي وأوروبي: إنه أبو مشروع التغيير الوراثي. عدونا اللدود.
كان يرتدي ثيابًا بيضاء براقة، ويضع على وجهه قناعًا إلكترونيًا أسود براقًا أيضًا.
قدمني فضل له، وقدمه لي. قلت له دون صداقة:
- أنا أرى ابتسامتك من وراء قناعك. ابتسامة محتقِرَة ملأى بالاستصغار!
قال:
- أنت كاتب خطير يجب الحذر منه!
أعطاني ظهره، وتوجه إلى فضل سائلاً عن مدى التقدم في أبحاثه، فقال فضل كل شيء سيتم حسب الخطة التي وضعوها. عاد نيغروبلان ينظر إليّ، وأعاد:
- أنت كاتب خطير يجب الحذر منه، ولكن سيسرني أن أقرأك.
- لن أهديك كتابي الجديد، فكن واثقًا؟
- سأقتنيه.
- لن يكون لديك وقت لتقرأه.
- سأقرأه في عدة ثوان، سيقرأه لي الروبو الذي أنا أقوم بإعداده.
- وما الفائدة؟ لن تكون لك فيه عظة، أية عظة.
- في مهنتنا لا مكان للأخلاق. أما إذا ما قرأنا، فلنعرف ما يجري من حولنا، ونستعد.
اعتذر من أجل الإشراف على فحص عقول أفراد المجموعات الثلاث، وقد لفتت انتباهه الفتاة الصينية التي رأى فضل في عينيها كونفوشيوس.
قلت لفضل:
- لنعد إلى مكتبك، فنتحدث.
- الحذر من كل هؤلاء أمر واجب، إنهم العناكب التي لن تتردد عن قتلي عندما تنتهي حاجتهم إليّ، ولكنني أريد أن أريك شيئًا آخر قبل العودة إلى مكتبي.
وبواسطة بطاقته الإلكترونية أخذنا المصعد إلى طابق لم أميز ما إذا كان فوق أم تحت لشدة سرعة المصعد هذه المرة. عندما رأيت النجوم من النافذة، عرفت أنه صعد بنا.
أدخلني فضل في قاعات الحياة الاصطناعية. كانت كل قاعة مختصة بنوع من الكائنات. رأيت في إحداها كيف ينشئون ذبابًا اصطناعيًا خلف شاشات الكمبيوتر، وفي ثانية حيوانات بائدة، وفي ثالثة الإنسان نفسه. رأيتها، وهي تتوالد، وتنمو، وتتكاثر. كانت تشكل جماعات ضد جماعات أخرى، تهاجم بعضها، وتبيد بعضها.
- الإبادة المنظمة بين أفراد الجنس الواحد لهي الطور الذي لم يستطع العلماء الحيلولة دونه. انظر.
جعلني أنظر إلى مقبرة الحاسوبات. كانوا يلقونها في ممر هوائي يشفطها إلى مكان منعزل من مقبرة بير-لاشيز.
- كل حاسوب ملقى عبارة عن قبر توجد فيه عشرات بل مئات الكائنات الاصطناعية الميتة.
قلت بخيال الكاتب الذي كنته:
- وماذا لو نهضت من الموت؟
ضحك مني فضل:
- لن تنهض من الموت، فاطمئن. إن عوالمها مصطنعة، وكذلك البيئة التي ولدت فيها، كيماوية كانت، إلكترونية، أو حيوية. لربما استطاعت ذلك بعد مائة عام، يوم يصبح تحويل المادة إلى بيتات والبيتات إلى مادة أمرًا ممكنًا، في الوقت الذي تعمل فيه آلة فضائي.
- وماذا عن التكافل، أي تعايش كائنين غير متشابهين؟
- ليس في الحياة الاصطناعية. لقد رأينا كيف يكون التكافل بين فيروسات متنوعة، ولكنها تظل كائنات حية، أما هذه، فهي كائنات مصطنعة، وفوق ذلك ميتة.
رميت مقبرة الحاسوبات بنظرة شك وحذر، وقلت لفضل:
- أنت لم تجئ بي إلى هنا من أجل أن أرى آخر نوع اصطناعي لذباب التسي-تسي أو لأتأمل ديناصورات مصغرة انقرضت منذ خمسمائة مليون سنة أو لأقف على الفروقات الجوهرية بين الإنسان الافتراضي ونحن.
- ليس افتراضيًا، وإنما اصطناعيّ، مخلوق بيولوجي إلكتروني في آن. كي تعرف كم هي خططهم جهنمية. إنهم لا يريدون فقط السيطرة على ناس هذه الأرض عن طريق البرغوث الحيوي، ولكن أيضًا أن يصنعوا إنسانًا اصطناعيًا، ليس كالأندريود أو غيره، شيئًا آخر، يشبه في شكله وحركته وتصرفاته شكل وحركة وتصرفات الإنسان البيولوجية. إذ بعد أن يقضوا تمامًا على إنسان هذه الأرض سيملأونها ببشر آخر، كما يريدون هم كيف يكون، تحت إمرتهم. لهذا يجب العمل، والعمل بسرعة.
ودفعني إلى المصعد ثانية، ثم إلى مكان عمله.
أول ما أجلسني على كرسي قلت:
- مواجهتنا لهم ستبدأ بنظام المناوبة.
- نظام المناوبة؟
- نعم. لسنا بحاجة إلى تنقيص العمل إلى خمس وثلاثين ساعة أسبوعيًا أو ثلاثين أو عشرين من أجل استيعاب قسم من العاطلين عن العمل. هذا التنقيص الساعاتي لن يحل مسألة البطالة إلا جزئيًا، وخلال بعض الوقت ليس إلا. إذ لا يلبث أن يولد نظام تنقيص ساعات العمل المشكل ذاته، بعد بضع سنين، مع التزايد الديمغرافي، وتزايد الأوتوماتيزية. إنه حل مؤقت، والناس كرهوا الحلول المؤقتة، كرهوا سياسة الترقيع وإدارة الأزمة إلى ما لا نهاية. نحن بحاجة إلى نظام المناوبة الذي من الممكن تطبيقه في كل مجال من مجالات العمل، وفي كل قسم من أقسام هذا المجال أو ذاك واحدًا واحدًا.
- تعني اقتسام ساعات العمل بين العاملين والعاطلين في قسم ما، والمزاولة كل حسب دوره؟
- واقتسام الرواتب. إن التمتع بالعالم الرقمي ليغني عن جزء من الراتب في هذه المرحلة، وعن كل الراتب في مرحلة قادمة. لقد سبق وكلمتني عن التساوي في الإفادة من مكتسبات التكنولوجيا، وأنا أكلمك عن اقتصاد الرفاه على اعتبار أن العاطل عن العمل موظف يقبض الحد الأدنى كراتب والعامل الحد الأقصى. جمع الراتبين، وقسمهما على اثنين، سيرفع من مرتب الواحد والآخر بالنظر إلى الساعات التي يتقاسمانها في عمل يعتمد على التناوب. يجدر بي الإلحاح هنا على حقيقة أن تخفيض راتب العامل لن يشكل عائقًا ماديًا أمام الحياة، بعد أن تنرك مجتمع الاستهلاك بمعاييره القائمة على الربح. أما إذا ما جمعنا رواتب ثلاثة عمال أو أربعة أو خمسة... إلى آخره، تبعًا لعددهم في قسم ما، فلن ينقص راتب كل منهم كثيرًا – اسمح لي أن ألح على هذه النقطة، فهي مهمة في هذه المرحلة – إذ أن الراتب المقسوم بينهم أكبر من راتب عاطلين التحقوا بعاملين. إنه نظام المناوبة في سياسة تكافل يجب تعميمها، هذا النظام الذي سيصيب مجالاً أكثر أو أقل من الآخر، كل شيء يتوقف على مؤهلات العاطلين وعددهم. لهذا ليس من الضروري تخفيض ساعات العمل في كل المجالات الحيوية، الخاصة والعامة، ستنقص هذه الساعات أو تزيد تبعًا لعدد العاملين في هذا القسم أو ذاك من مجال ما.
- وما الفائدة التي ستعود علينا من تطبيق نظام المناوبة؟ هل سيوقف هذا النظام الاستغلال؟ مشاريع مصاصي الثروات؟ مستقبل البشرية المعتم الذي يلوح به تطور البشرية ذاتها؟
- في نظام المناوبة تدعيم لجبهة العمل، جبهة التطور.
- ولكنها لن تلبث أن تنهار هذه الجبهة تحت ضربات السياسيين ومصاصي الثروات الذين سيجعلون من الهجرة أمرًا مهددًا، سيستغلونه لهدف تفكيك جبهة العمل والتطور.
- إذن على التطور أن يمتد ليشمل العالم أجمع.
- هؤلاء الأغبياء الذين لا يتوقفون عن الكلام عن الهجرة لا يريدون أن يفهموا أن هذا هو معنى التطور ذاته، وخاصة الرقمي، الذي سيمتد، وقد أزال الحدود بين البلدان، شاملاً التطور في صالح هذا العالم، وليس حفنة من الناس، هم دومًا المستغلون للبشرية ذاتهم. اسمع، أعتقد أن علينا العمل على جبهة الخارج هناك معًا وجبهة الداخل هنا. يفهم مصاصو الثروات أن الحضارة الرقمية ستحطم عما قريب الحدود بين شرق وغرب، شمال وجنوب، وعلينا أن ندفعهم إلى البدء من الآن في ترك حركة هذه الحضارة تتحرر في كل الاتجاهات لا عن طريق "إنماء مشترك"، وإنما إنماء بين القارات. بالإنماء المشترك سيصدرون تماسيح مقطوعة الرؤوس، تفاقم ضربات ذيولها من مشاكل هذا البلد أو ذاك، ولن تحل أبدًا في وضع اقتصادي لا توازن عالمي فيه مسألة الهجرة أو البطالة أو حتى التشجير أو غيره. وعلى العكس، بالإنماء عبر القارات سيصدر الغرب أياديه العاملة إلى كل مكان في العالم، وسيبني حضارة متساوقة. في هذا السياق، سيفقد مشروعك "بالمناوبة"، بعد مضي بعض الوقت، أسباب وجوده. إنهم القناصون الجدد، الذين سيشنون حربًا ضد الجهل، ويبنون عالمًا أبيض نظيفًا أشبه بعالم قطب الشمال، الإنسان فيه هو ذلك الدب الأبيض، والبرد ما هو سوى استعارة في لغة الأدب، وصورة افتراضية في لغة التكنولوجيا. الشعار سيكون كالتالي: "أمس كان الاستعمار واليوم إعادة الإعمار!" سندخل حينذاك في تاريخ جديد للبشرية دون حدود بين فضاءاته، دون أحقاد، دون حروب، دون تمامية، دون عنصرية. ستحل مشاكل البشرية نفسها بنفسها، وستنبثق هوية واحدة لشعوب الأرض: الهوية الرقمية.
- هذه هي أقصى الغايات. الساسة هنا لا يرون إلا مشاكل الساعة، وهم إن أقدموا على مشروع كالإنماء بين القارات، سيرونه حتمًا عبر كتل محدودة كتلك التي تربط مثلاً فرنسا بشمال أفريقيا – سيزداد فيه إثمار السوق لا العمل المعتبر ككمية مهملة – وهم، قبل كل شيء، بحاجة إلى ضمانات. ما الذي يمنع دولة كالجزائر مثلاً بعد عملية "ترقيمها" أن تتمرد على القائمين على هذه العملية، وصناع تطورها؟ سياسيًا ميكانزم التطور هنا لا دخل له بالأمر.
- فرنسا وبلدان شمال أفريقيا في وحدة ستجعل منها ثرواتها وعقولها قوة حضارية خارقة. أرى ألمانيا أيضًا في وحدة مع بقعة أخرى من بقاع الجنوب كتركيا مثلاً، وكذلك كل دولة عظمى تكنولوجيًا مع منطقة متخلفة، وخاصة أمريكا والشرق بعد أن ينزع ساستها إلى التطور السلمي الفعلي. المستقبل البشري ليس لوحدات بين دول متطورة كالمجموعة الأوروبية مثلاً، فهي بعد مضي بعض الوقت ستدخل حتمًا في حالة من التفاقم الاقتصادي الذي لا تحمد عواقبه بعد أن تورث الواحدة للأخرى مشاكلها، وعلى العكس، إن المستقبل البشري لوحدات اقتصادية بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب، بين أصحاب المادة الأولى وأصحاب المادة السنجابية.
- الغرب يريد ضمانات، وأنا لو كنت الغرب لطلبت ضمانات مثله.
- سيكون البرغوث الحيوي ضمانًا له.
- البرغوث الحيوي لن يكون ضمانًا إلا لبعض الرجال الأقوياء، ولن يعطيه الغربيون أبدًا لشعوب الجنوب إلا في حالة قيام حرب تكنولوجية مدمرة ينهزمون فيها، وهذا أمر من سابع المستحيلات في الظرف الراهن الذي هم أسياده.
بدا على فضل التعب فجأة:
- سأترك لك التفكير في الضمانات، فلك من الخيال ما يكفي عشرة براغيث حيوية في آن!
ضحكنا، وقمت، وفضل يقول إنه سيوصلني إلى بيتي. وفي اللحظة التي أردت فيها اجتياز باب الخروج إلى عتبة المختبر، انفجر شيء في جيبي، فقال فضل إنها البطاقة التي فبركها لي روبو الاستقبال: كان الروبو ينظر إلينا من بعيد، ويراقبنا إلى أن تأكد من احتراق البطاقة، فانشغل في عمل آخر.
سألت، وأنا أشير إلى البطاقة:
- وما الذي انفجر فيها على التحديد؟
- البرغوث. إنه برغوث ذاتي التدمير.
صحت:
- لقد وقعنا على أحسن ضمان!






3
في الباحة الخاصة لوقوف السيارات، كان شخص يشبه نيغروبلان بانتظارنا، شخص يرتدي ثيابًا بيضاء براقة، ويضع على وجهه قناعًا إلكترونيًا أحمر براقًا أيضًا. قال لي فضل إنه شوغون، مولى التكنولوجيا الجديد في اليابان. تحاشى فضل الاقتراب منه، وأوضح لي:
- شوغون هذا لا يريدني أن أصنع البرغوث الحيوي.
- أهو ضد التطور الرقمي؟
- لا.
- إذن لماذا؟
- لأسباب يابانية بحتة. إن بإمكان مهندسيه أن يصنعوه قبلنا، ولكنه يرفض ذلك.
- لأن لديه من مدخراته التكنولوجية ما يكفي لسنوات عديدة.
- في الحقيقة لا توجد مدخرات تكنولوجية، فالتصنيع بكميات كبيرة مجازفة خطرة، وعلى وجه الخصوص في ميدان يتطور بسرعة هائلة.
- قل لي لماذا.
كنا قد وصلنا سيارة فضل، بعد أن عملنا دورة كبيرة لئلا نمر أمام هذا الشوغون الذي لم يتحرك كالتمثال من مكانه. أدخل فضل بطاقته الإلكترونية في شق يقوم مقام ثقب المفتاح، فانفتح الباب. أدخل نفس البطاقة في حاسوب، وضغط بإصبعه على أحد الأزرار ليفتح لي.
تابع فضل:
- لأن اليابانيين لا يريدون أن يعملوا أقل مما يعملون، وأن يعودوا بالتالي إلي بيوتهم قبل غروب الشمس.
ضحكنا، وفضل يضرب على آلته الإلكترونية، فأشعل المحرك، وسارت السيارة.
- إنها كما ترى أسباب يابانية بحتة، فالياباني يفضل عدم الدخول في آخر عوالم التقدم فقط لأنه اعتاد على ألا يسبق رب العمل إلى البيت.
جاءت فرقة من المحاربين تجري حالما اجتزنا شوغون.
- وهؤلاء هم رجال الساموراي الجدد. لقد تغيرت مهمتهم، وغدوا أقرب إلى العصابات في تنظيمهم. إنهم يخضعون دومًا لسيد، هو هذا الشوغون المعاصر، تمامًا كما تخضع الأندرويدات للنيغروبلان.
سألت:
- أيكون بالفعل هذا هو السبب، ألاّ يعود العمال إلى بيوتهم قبل المغيب؟
- هذا ما يقوله اليابانيون لساستنا، ربما ليظهروا عدم اهتمامهم بتطور التكنولوجيا عندنا، وليوهمونا بالتالي بتفوقهم علينا. وكما تلاحظ كيف هم يلاحقونني، العكس هو الصحيح!
عالج عدة أزرار، فانتقلت السيارة إلى القيادة الآلية، وانطلقت بسرعة خيالية، وفضل يكتف ذراعيه، ويدندن أغنية.
قلت:
- لا حاجة بنا إلى "سبايس ماشين"، سرعة هذه السيارة خارقة للعادة! إنها خارقة للعادة! إنها سيارة المستقبل!
- إنها المستقبل! وإلى الأبد!
فتح جرارًا، وأشار إلى علبة سوداء:
- بفضل هذا السوبر-موديم؟
التفت:
- أين ذهب اليابانيون؟ لقد تخلصنا منهم.
وانطلق يضحك.
- ألم يهددوك؟
- لا. لنقل إلى حد الآن. ولكنني في غاية الحذر.
- ربما ألحقوا بك ضررًا.
- تريد القول ربما اعتدوا عليّ، قتلوني مثلاً؟ اطمئن، لن يقتلوني. أنا محروس من طرف حكومتي، ليس حراسة جسدية أو إلكترونية، ولكن باتفاق مع حكومتهم. إذا مسني سوء، أغلقت فرنسا أبوابها في وجه منتجاتهم.
- ومن يضمن لك أنها ستفعل؟
- نعود إلى مسألة الضمانات. في الحقيقة لا يوجد أحد غيري يمكنه الذهاب بمشروع البرغوث الحيوي إلى مرحلة التحقيق. هذا هو ضماني، إنه برغوثي الحيوي. هذا البرغوث الذي يمكن له يقهر العالم على الرغم من ضآلة حجمه، والذي – تمامًا كما قلت أنت – لن يصبح ضامنًا لأحد، في اللحظة التي يبدأ فيها العمل إلا لمن في يده الأمر والنهي.
كانت السيارة قد أخذت تخفف سرعتها في الأوتوروت الذي ابتلعته بغمضة عين، وعندما اقتربنا من خروج نوازي-لو-غران حيث أسكن، ضغط فضل على بعض الأزرار، وعاد يمسك مقوده.
قلت:
- لقد وصلنا تقريبًا دون أن أحدثك عن أحسن ضمان للغرب لتنفيذ مشروعنا المجتمعي: التطور عبر القارات.
- سأصعد معك، ولكن دعني أولاً أن أصل نفسي بمختبري، إذ غائبًا كنت أم حاضرًا أجهزتي مبرمجة لتعمل ليل نهار، وأنا لا أفعل سوى الوقوف على النتائج التي أثبتها أو أمحوها.
ضرب على زر من هنا وزر من هناك، فبدا مختبره على الشاشة الصغيرة، عمل "زوم" على أحد الأجهزة، ثم بدأ حاسوب السيارة ينقل إليه معلومات الجهاز نفسه. توقف في ساحة بيكاسو من حي البلاط الجديد، على عتبة عمارة الكممبر. هما عمارتان بالأحرى، الواحدة مقابل الأخرى، وهما مستديرتان على شكل قرص جبن الكممبر، لهذا أخذتا هذا الاسم. أما الساحة الدائرية، هي أيضًا الكبيرة، التي بينهما، والتي أخذت اسم بيكاسو، ففي وسطها نافورة لم أر فيها الماء أبدًا، والحورية المنحوتة التي هناك أخالها تصرخ طوال الوقت لموتها البطيء دون ماء، وعيناها تتفجران بالرعب، فأخذتا شكل عيني بيكاسو الشاخصتين.
سأل فضل حاسوبه عن بريده الإلكتروني، وحصل على غير ما هو جدير بالاهتمام، فأعطى أوامره، ثم سحب بطاقته، وهبط من السيارة، وهذا ما فعلت.
قال فضل:
- في المرة القادمة سآتيك بسوبر-موديم. بإمكانك الحصول على الموديم العادي من أي متجر، أما السوبر-موديم، فلا تجده بعد في السوق، وهو يعمل على مستوى بعض المحظوظين. سيكون ذا قيمة من المتعذر تقديرها لنا، طالما بقي مشروعنا الحضاري قائمًا.
قلت وأنا أبتسم:
- وهو كذلك.
لاحظت أن الشبان الذين من العادة أن يكونوا هناك قد داروا بسيارة فضل، وهم يفحصونها من كل ناحية. شبان سود وعرب وبرتغاليون وصينيون وفرنسيون بدوا مسحورين بالسيارة الإلكترونية، سحر كان هويتهم الوحيدة. ضربته ضربة خفيفة على كتفه، وأنا أشير إليهم، فعاد، وحدثهم. فتح لهم السيارة، وجعلهم ينظرون فيها، ثم ما لبث أن أغلقها، وحاذاني، وهو يبتسم، وقد تفرق الأولاد من حولها.
- إنهم عاطلون عن العمل خالدون، أبناء عاطلين عن العمل ربما.
- أتمنى ألا يلحقوا بسيارتي الأذى.
- اطمئن. حقًا أنهم ليسوا عاطلين عن كل شيء، ولكنهم لن يمسوا سيارتك، فهم يعرفونني. إنهم لا يعرفون أن من أجلهم أيضًا مشروعي المجتمعي، ولكنني أحد سكان هذا الحي، واحدًا من قبيلتهم.
- مشروعنا المجتمعي.
- معذرة، مشروعنا المجتمعي. وإذا ما فشلنا مع الحكومة، فسيكون هؤلاء الشباب حلفاءنا الوحيدين من أجل تحقيقه.
- لا أدري كيف سيكون أولئك الذين اعتادوا على المشاكل حلفاءنا، ولكننا لم نصل بعد إلى هذه الضرورة.
- في البداية، لم يكن في حي البلاط الجديد أي مشكل، لقد شدني فيه الهدوء وبساطة الناس وشكل عمارتي الغريب. ثم أخذت الأمور تسوء، وتزداد سوءًا مع ازدياد الأبنية ووفود مزيج من فئات وعروق، طبقة اجتماعية أنهكتها ندرة العمل. وعلى الرغم من ذلك، لم أترك الحي. لقد أصبح الحي مختبرًا لي كما لك مختبرك، وهؤلاء الشبان ليسوا فئران تجارب حقًا بل عناصر إلهام وحلفاء على المدى البعيد من أجل تكريس المجتمع الرقمي إنجازًا حضاريًا متكافئ الفرص كما تقترح أنت.
في شقتي، عرضت عليه نبيذًا من بوردو، فشمه بعمق، وهو يدخل أنفه في الكأس، قبل أن يأخذ منه جرعة، وقال:
- إن تعتيق النبيذ بواسطة زياحات تربط الكهوف بكمبيوترات الذوق في المستقبل سيكون أمرًا جد عادي. وعند ذلك، سنقف على فرق حقيقي بين طعم هذا النبيذ الفاخر، حسب ما يبدو لي، وطعمه حسب طرائق رقمية لن تفرط بحريرة واحدة من طاقته أو بذريرة واحدة من شذاه يمكن أن تضيع في الأثير. سيكون عالم الغد عالم كل شيء ممكن، وكل شيء سيكون ممكنًا بشكل كامل.
- تريد القول على الوجه الأكمل.
- نعم. خال من العيوب.
ذهب إلى حاسوبي، وهو يقول:
- اسمح لي أن أجري بعض المعادلات العاجلة.
- هل هذا بسبب نبيذي؟
- أعتقد ذلك.
فتح الحاسوب، فبدا كتابي الجديد كصفحة استقبال:
- صحيح ما قاله لك نيغروبلان، لا حاجة به إلى قراءة كتابك. مع ميلتيميديا المستقبل سيقرأ أي كتاب بعدة ثوان. إنها لن تعطي تلخيصًا للعمل، ولن تسطر الهام من غير الهام. وهو الشيء ذاته فيما يخص البث الرقمي، سيكون بالإمكان استعراض مائة قناة في عدة ثوان، وأن تؤلف أنت برنامجك الأفضل متى أردت وكل ما أردت، بشكل غير متواقت.
قلت:
- المستقبل الرقمي هذا سيخضع في حالة تصدير التكنولوجيا والتقنين معها إلى بلدان الجنوب لمبدأ الضمانات التي سيطلبها الغرب، والتي تتمثل بكل بساطة بالبرغوث ذي التدمير الذاتي. برغوث بطاقتي الإلكترونية الذي دمر نفسه بنفسه حال انتهاء مدة العمل بها، أتذكر؟
أخذ فضل جرعة نبيذ أخرى، استلقى بنصفه العلوي على الأريكة، وراح يَلِغُ بلسانه باحثًا عن طعم النبيذ في فمه أو ملاحقًا إياه بين أسنانه.
قال:
- تريد القول أن يزود الغرب التكنولوجيا المصدرة بهذا البرغوث حفاظًا على مصالحه؟
- المصالح ستكون واحدة للجميع، وإنما خوفًا من عدم احترام عقد النمو من طرف البلدان المتخلفة، فهي إن أخلت بالعقد، أو أحس الغرب منها تهديدًا، نشكل كودًا كما يشكل رئيس الجمهورية الكود المعلوماتي الرقمي في حالة وقوع حرب نووية، فيتفجر البرغوث من تلقاء ذاته، ويفجر كل التكنولوجيا المصدرة معه. نعم، على رئيس الجمهورية أن يحتفظ بالكود لا شخصًا آخر غيره، فسلام التكنولوجيا على مثل درجة الحرب النووية، ولربما أكثر خطورة. لن نصل بالطبع إلى هذه الحال، لأن البرغوث ذا التدمير الذاتي سيكون ضمانًا مزدوجًا لبلدان الشمال وبلدان الجنوب في آن، ولن يكون أمام الواحد أو الآخر من خيار غير دفع عجلة النمو إلى الأمام، من أجل خدمة الإنسان.
كان نبيذ بوردو المعتق قد أنام فضل، الذي ترك الكأس تسقط من يده، وراح يَغُط.





4
تعددت اللقاءات بيني وبين فضل على كأس نبيذ أو شاي بالنعنع. أحضر لي السوبر-موديم، وغدت الاتصالات بيننا ممكنة في أي وقت، وفي أي مكان، في مختبره، في بيته، في سيارته، وحتى بحاسوبه المحمول. قال لي لو كنا نقتني البرغوث الحيوي لما احتجنا إلى كل هذه الشبكة المعقدة، لجرى الاتصال بين عقلي وعقله عبر القمر الصناعي مباشرة. اتفقنا على أن أكتب مسودة حول مشروع الإنماء بين القارات نعرضها على المسئولين، ونحاول إقناعهم. ومن طرفه، عكف فضل على تطوير البرغوث ذي التدمير الذاتي من خلال نظام كودي يشمل جهازًا في مصنع أو أجهزة المصنع كلها. قال إنه يكفي إضافة مركِّبٍ مداري إلكتروني على سطح البرغوث الموجود قبلاً، تتوقف الترانزستورات الأخرى عليه، فيتم كل شيء.
كان الخريف قد جاء بألوانه الأخاذة، وقد متعني فضل بفضل اتصال بصري بإرسال فيديو حي، على الشاشة التي تربط ما بيننا، لأجمل مشاهد سان-جيرمان-ان-ليه، دون أن أتحرك قيد أنملة من بيتي. كان يحب الطبيعة كثيرًا، وأنا المدينة، مدينة باريس على الخصوص، فكان ينقل لي أحياءها شارعًا شارعًا. كنت أعيش متعة المتنزهين في أماسي الشانزلزيه، أو الساهرين في مقاهي الحي اللاتيني الذي لم أذهب إليه منذ مدة طويلة، كما أنه جعلني أزور المتاحف التي لم أزرها من قبل أو التي زرتها منذ زمن بعيد، وشاركت، من بيتي دومًا، بأكثر من محاضرة أدبية.
استطالت المسودة، وغدت أشبه بحجم كتاب. كتبت مع فضل فصلاً طويلاً حول حتمية التطور الشامل لكل بلدان العالم في الحضارة الرقمية، وأرفق فضل بعض الملاحق العلمية، فيما يخص البرغوث ذي التدمير الذاتي، وكذلك البرغوث الحيوي دون أن نكشف شيئًا من سرية أبحاثه. أملت كثيرًا بكتابي، وانفتاح أبواب النجاح في وجهي هذه المرة. إلى أن جاء يوم كنت أحاور صديقي في ندوة مباشرة على أنترنيت، وإذا بطرقات حذرة على الباب.
نهضت لأفتح، وأنا أطلب المعذرة من فضل الذي كان يوجد على الطرف الآخر من خط فيديو الإرسال، فإذا بي وجهًا لوجه معه. طلب مني الصمت، وهو يسارع إلى إيقاف الجهاز.
قال:
- لا تندهش، إنه جهازي المقلِّد.
واقترح:
- ما رأيك في الخروج، والتحدث بعيدًا عن أعين التكنولوجيا، وأنت إن كنت قد أطفأت كل شيء، فلربما وضعوا ميكروبروسيرات في الجدران، في أي مكان، فمن يدري؟
قلت متحيرًا:
- فليكن.
فضلنا أخذ الدرج على المصعد، فإذا بنا نقع على رجل في الأربعين، وهو يغتصب طفلاً. ترك الرجل الطفل هاربًا أول ما رآنا، وانفجر الطفل باكيًا. سألناه أين يسكن، طرقنا على شقته الباب، وذهبنا إلى البحيرة القريبة من مسكني، وقد بدا عليّ القلق:
- ماذا دهاك؟
قال:
- لقد تركت سيارتي في الموقف، وفضلت أن آخذ تاكسي.
تضاعف قلقي:
- ألا تريد أن تقول لي ماذا هنالك؟
جلسنا على مقعد، ونظر فضل إلى سمك البحيرة الذي كان ينط لاقتناص حشرة أو التهام قطعة خبز رماها المتنزهون.
- إن للسمك الاصطناعي نفس التصرف، ولكنه يتمرد على إرادة صانعيه، ويأكل بعضه. لكل عالم هفوة! لكنني واثق من أن ذاك الوليد بفضل الفيزياء والأحياء والمعلوماتية لسوف يتدارك ذلك يومًا.
صحت دون أن أتمالك نفسي:
- ألن تتكلم بعد؟ ألن تقول لي ما الذي جاء بك على طريقة المتخفين الهاربين من الخطر؟
قال فضل بهدوء:
- المسالة بكل بساطة هي أن نيغروبلان يقوم بأبحاث متوازية لصناعة البرغوث الحيوي.
- بكل بساطة!
- وقد فاقني شوطًا شاسعًا.
- وكيف عرفت؟
- عرفت ذلك صدفة. أتذكر سؤالك عن التكافل بين تلك الكائنات الاصطناعية في مقبرة الحاسوبات؟
- لا أذكر. أو ربما أذكر، ولكن ما الأمر؟
- في إحدى الليالي خطر لي خاطر أنها تظل كائنات عضوية على الرغم من بيئتها الإلكترونية، وأن التكافل ما بينها سيكون ممكنًا.
- ولكنها كائنات ميتة أبادت نفسها بنفسها كما قلت لي.
- ومن يدري أنها كلها ميتة؟
- لا تخفني، يا رجل! إنهم لم يقذفوا بها إلا بعد أن تأكدوا من أنها ميتة.
- وإذا ما تظاهرت بالموت؟ وإذا ما كانت غائبة عن الوعي؟
لم أجرؤ على النطق بكلمة واحدة، كنت شديد الحيرة.
تابع فضل:
- أنا لست من هؤلاء الذين يؤمنون بتحويل الحياة الافتراضية إلى حياة طبيعية، ولكن هذه المخلوقات، كما قلت لك حينذاك، ليست افتراضية. لقد خلقت هذه الكائنات إلكترونيًا حسب قواعد حيوية، وفيزيائية ربما. بمعنى أنها تشكل الكائنات الأخرى الممكنة من غير التي نعرفها إلى حد الآن. إن الذبابة التي تصنع ليست الذبابة التي نعرف، وكذلك البعوضة، والديناصور، وحتى الإنسان إنه شكل آخر للإنسان.
أخذ نفسًا مديدًا قبل أن يضيف:
- إذن أردتُ أن أتأكد من أنها بالفعل ميتة، فذهبت إلى مقبرة الحاسوبات، وجمعت عينات منها، ثم عدت إلى مختبري، لأجد أنها بالفعل ميتة.
ابتسمت ارتياحًا:
- أفضّلُ هذا. لقد أرعبتني، يا رجل!
بينما ظلت أسارير فضل متوترة:
- لكنني وجدت في الوقت ذاته بعض البراغيث الإلكترونية الرقيقة جدًا التي تحوي من النيرونات ما يجعلها تتجاوز سرعة المخ. هذه البراغيث، نعم، أخطأوا في تقديرهم لها، اعتبروها عاطلة عن العمل، فرموها، أو ربما رموها عن خطأ لأن شيئًا ما ينقصها، أعرفه أنا الآن، وهم خلال عدة سنوات.
- ما هو؟ وكيف تعرفه أنت قبلهم؟ ولماذا لم تسبقهم في صنع برغوثك؟
جعلته أسئلتي يبتسم:
- مهلاً، مهلاً، يا صديقي! سأجيبك على كل أسئلتك.
تناول قطعة خبز يابسة سقطت حتمًا من أحد مطعمي الأسماك "العاطفيين" أولئك، وبدأ يكسرها بأظافره، ويلقي بقطعها الصغيرة، فحضرت قافلة من البط لا أدري من أين، وأخذت تتصارع على بعض الفتات.
- أرجو ألا يتصارع الجنوب على التكنولوجيا الرقمية كما يتصارع هذا البط الجائع على بعض قطع من الخبز اليابس. إن قيمة هذا من ذاك للجائع، أيًا كان، لهذا يجب إطعام البطون كالرؤوس إن أردت أن ينجح مشروعك في الإنماء بين القارات.
- لم يغب هذا الأمر عن بالي، وسأكرس كتابة فصل عنه.
عادت أسارير فضل إلى التوتر:
- لم أسبقهم في صنع البرغوث الحيوي ليس بسبب نقص إمكانياتي التي هي على العكس غير محدودة كما تعلم، ولكن لالتزامي بتخطيط زمني أقره مركز الأبحاث العلمي. لهذا سبقني نيغروبلان في أبحاثه السرية، ولهذا أجد نفسي في خطر الآن مع هذه المرحلة جد المتقدمة من الاختراع، فالبرغوث الذي يتجاوز قليلاً سرعة المخ لا يكفي لصنع الإنسان النموذج، الإنسان الخارق، الفوق الطبيعي، بل ذلك الذي يتجاوزه خمسة ستة ملايين مرة أو أكثر.
- وإذن؟ ما الذي يهددك في كل هذا؟ إنهم متفوقون عليك.
- إلا في شيء واحد. هذا الشيء أعرفه أنا لا أحد غيري.
وأخرج من جيبه أسطوينة.
- إنه هنا في هذا السي دي روم، ثمرة أتعابي، فإذا حصلوا عليه، أمكنهم وضع عشرات البراغيث في مكعب لا يتجاوز حجمه عدة مليمترات، وحصلوا هكذا على القوة التي يريدون.
ووضع الأسطوينة في يدي:
- أنا أعطيك إياها.
ونهض.
- هيه! وماذا أفعل بها أنا؟
- خبئها عندك.
- عندي سيجدونها حتمًا!
- خبئها أينما تشاء.
- وأنت؟ ماذا ستفعل؟
- هم لا يعرفون بعد أنني وقفت على سرهم. سأواصل عملي ككل يوم، وسأراقبهم عن كثب.
- وإذا ما فاجأوك هذا المساء؟
- لا تقلق عليّ، سأتدبر الأمر. وهم على أي حال يأملون بحل مسألة قوة البرغوث دون اللجوء إليّ، لهذا السبب لم يفاجئوني هذا الصباح.
- لا تثق كثيرًا بنفسك. نيغروبلان شخص مجنون، لا يقف في وجهه شيء.
- لا تخف عليّ.
تركني فضل، وسار خطوتين، ثم عاد يلتفت:
- حذار من ضياع الأسطوينة.
- أواثق أنت من عدم حاجتك إليّ؟
- عندما سأحتاج إليك، سأقول لك.
وذهب.
بقيت حائرًا، أنظر إلى الناحية التي اختفي فضل منها دون أن أبدي حراكًا. انتبهت فجأة على الأسطوينة في يدي، فأودعتها جيب سترتي بسرعة، وأنا أنظر من حولي. كان السمك قد أخذ ينط كمن أصابه مس، دون أن تكون على سطح الماء حشرة أو قطعة خبز. شككت في السمك، تخيلت نفسي محاطًا بكل أنواع الجواسيس، أحسست بأنني شخص مهم جدًا، ولكنني كنت خائفًا على فضل، صديقي، وعزمت على الدفاع عنه.
أول شيء كان عليّ فعله هو: أن أنهي كتابي عن الإنماء بين القارات، وبعد ذلك أن ينجح الكتاب، ويُحدث ضجة تحمينا أنا وفضل من جبابرة الأبحاث المتوازية.



5
كان من عادتي أن أدور حول البحيرة مرخيًا العنان لأفكاري، لكنني لم أكن في حال تسمح لي بذلك. أحسست، وأنا أنظر من حولي، بالاختناق، كان الباطون قد اكتسح مدينة نوازي-لو-غران الجديدة. بنايات كبرى للمكاتب والشركات، شركات تأمين وبنوك ومعلوماتية في مقدمتها آي بي إم الفاتحة فمها كقرش يريد التهام المدينة. عدت بسرعة إلى الكممبر، وأنا أفكر في مكان آمن أخفي فيه الأسطوينة التي عهد فضل بها إليّ، فعليها كانت تتوقف حياته، والآن حياته وحياتي. حياني الشبان الذين سحرتهم سيارة فضل، كانوا يلعبون كرة القدم، ويحدثون ضجة كبيرة. أول ما دخلت بيتي، أخرجت من جيبي السي دي روم، وذهبت مباشرة إلى مكتبي. اكتشفت أن فضل قد أعطاني الأسطوينة وبطاقته الإلكترونية عن خطأ، فقلت كان ذلك حتمًا لارتباكه، وتناولت عن الرف كتابًا لديدرو، فتحته بالصدفة على صفحة حول "التسامح" وضعت الأسطوينة بينها وبين الصفحة التالية، وألصقتهما قبل أن أعيد الكتاب إلى مكانه. لا، لن يكون هناك تسامح علمي بين فضل ونيغروبلان، العلم وتطوره لا يعنيان شيئًا أمام غايات أصحابه. بإمكان العلم أن يصل بنا إلى مجتمع راق حقًا، لكنه لن يمنع البرابرة من استغلاله. في ألمانيا، في كنف هذا المجتمع الحضاري، المتطور صناعيًا: ولدت البربرية، وحاولوا تعميمها في العالم أجمع، كما أحاول أنا وفضل تعميم الإنماء ومكتسبات العلم في نقلة حضارية تشمل كل الإنسانية. طمأنت نفسي: أمام هجمة البربرية استطاع الإنسان أن يقاوم وأن ينتصر. تركت طوباويتي جانبًا، وقلت الآن الوضع لا يتعلق إلا بفضل وبي، ولا علاقة هنا بين طرفين يتصارعان على مستوى كوكبنا: فضل وأنا ذرتان في كتلة بشرية عريضة، ونيغروبلان في كتلة أخرى، لا، الأمر لا يتعلق إلا بحياة فضل وحياتي، وهذا، على مستوى فردي بحت. لهذا، كان الخطر علينا أكثر جسامة، ومقاومتنا لن تعني أبدًا تغلبنا على خصمنا. كان بإمكانه أن يفتتنا بكل بساطة، وأن يرمينا طعامًا لسمكه الاصطناعي، دون أن يعرف أحد بذلك.
أخذت كأس نبيذ، وجلست أنظر إلى كتاب ديدرو، لم يكن مخبأ مناسبًا، وعزمت على وضع أسطوينة فضل في صندوق فولاذي في البنك. أخذت كأسًا ثانية، وغفوت قليلاً، عندما فتحت عينيّ، كانت شمس الغروب تعكس أشعتها الحمراء عن واجهة عمارتي الدائرية، دائرية حقًا كجبن الكممبر. فكرت في الحال في فضل، وقلت لم يعد حتمًا إلى مختبره، فبطاقته الإلكترونية معي، وأردت الاتصال به في بيته. شغلت الكمبيوتر الموصول بهاتفه، ليقول لي بأن فضل في المختبر. حتى الهاتف الرقمي يخطئ عندما لا يعرف الحقيقة، تمامًا كالإنسان! دون بطاقته الإلكترونية كيف سيسمح روبو الاستقبال لفضل بالصعود إلى مكتبه؟ لكنني كنت أنا المخطئ، إذ كان فضل بالفعل في مكتبه. حاولت بقدر الإمكان ألا أكون واضحًا تمامًا في كلامي معه، وهو كذلك. ظن أنه أضاع بطاقته الإلكترونية التي دعاها بتذكرة المترو، فاشترى غيرها، لكنه نسي أن يمر على البنك، فكيف سيشتري تذكرة للعودة إلى البيت، عندما نعلم أنه ترك سيارته للتصليح. كان يقول لي أي شيء، بسذاجة لا تصدق، خوفًا من أن يكون البث الفيديوي مراقبًا. فهمت أنه في خطر عندما أضاف أنني بمثابة أخيه التوأم، وأنه تمكن من الدخول إلى المختبر بتقمصه شخصيتي تحت ذريعة أنني على موعد معه أكده لروبو الاستقبال جهازه المقلد، وأن بإمكاني اللحاق به دون أدنى مشكل ببطاقته الإلكترونية المرموزة جيمس بوند، ففهمت 007، وتابع بإضافة صفر ثالث.
قلت لنفسي هذه المخلوقات الآلية لا تخلو من غباء، لعدم كمالها، ويا للحظ! عند ذلك، رأيت عددًا من الأندرويدات يقتحمون على فضل مكتبه، ويقتادونه مهددين. رحت أصرخ: ما الذي يجري، يا فضل؟ ما هذا؟ إلى أين تقتادونه؟ تقطعت الصورة، ثم انقطع البث، واجتاحت شاشة الكمبيوتر نقاط طفيلية. فكرت أن أحكي للعالم عما جرى لفضل على الشبكة العنكبوتية، ثم تريثت، ليس قبل أن أقف على الأمر بشكل أوضح، وعزمت على الذهاب إلى المختبر.
كان صياح الشبان الذين يلعبون دومًا كرة القدم يصلني عاليًا لا مباليًا، وفي اللحظة ذاتها، انطلقت عيارات نارية، فخففت إلى النافذة، كان جميعهم قد انسحب من الساحة. نزلت لأقف على الأمر، فتحلق الشبان بي، وقالوا إن مجنونًا قد فتح عليهم النار من إحدى النوافذ، ويا لحظهم أنه لم يصب أحدًا. نصحتهم بعدم اللعب إلى مثل هذه الساعة المتأخرة، والعودة إلى ديارهم، لكنهم لم يصغوا إليّ، فجررت أذيالي، وذهبت إلى المختبر.
كان المختبر محروسًا على غير العادة، أندرويدات من الحيوان والإنسان وروبوهات مختلفة. ذهبت إلى الباحة الخاصة بوقوف السيارات، كانت سيارة فضل هناك. أدخلت بطاقته الإلكترونية في شق الباب، فانفتح. أخذت مكانًا من وراء المقود، وجلست مفكرًا. جعلت البطاقة تزلق في كمبيوتر القيادة، وضغطت على زر وصلني بمكتب فضل وقاعة عمله، لم يكن فيهما أحد، وبقيت الصورة جامدة. أوصلت نفسي ببيته، كانوا قد جاءوا، وحطموا كل شيء فيه. أوصلت نفسي ببيتي، كان كل شيء كما هو عليه. تنفست الصعداء، وعزمت على الدخول إلى المختبر بأية طريقة، ففضل لا بد أنه في مكان ما هناك، وعليّ أن أعمل بسرعة، ربما كانت حياته في خطر، وكل لحظة تمضي كان حسابها عظيمًا. قلت مع كل هذه الإجراءات المشددة لا سبيل إلى اختراق المختبر إلا عن طريق المجرى الهوائي الذي يلقون منه "جثث" الحاسوبات في المقبرة.
لم تكن مقبرة بير-لاشيز تغلق بعد أبوابها، ولم يكن هناك حارس أو زائر. كنت أسمع، وأنا أصعد الطريق الرئيسي الشاققها نصفين، صفيرًا غريبًا، لم يكن صفير الريح، فأغصان الشجر التي انتزع الخريف أثوابها لا تتحرك في الفضاء المعتم، وكأنما جمدها الخوف من شيء تعرفه هي، وأجهله أنا. وكلما توغلت في المقبرة، كلما اتضح الصفير الغريب، وغدا أقرب إلى النواح، أو بالأحرى النباح، فهل تسكن المقبرة كلاب ضائعة؟ تذكرت غياب الحارس، وفي اللحظة ذاتها انخطفت عدة كلاب بين ساقيّ كادت توقف لي قلبي، وانبثق فجأة من بين القبور رجل يلهث سألني:
- هل رأيتها؟
- الكلاب؟ نعم، رأيتها.
قال:
- إذن هي كلاب!
قلت:
- وما هي في ظنك؟ لقد مضت من هناك.
قال الرجل بسرعة:
- أنا هو الحارس، من الأفضل أن تؤجل زيارتك إلى الغد، فأمور غريبة تجري في المقبرة.
سألت:
- ماذا يجري من غريب؟
لكنه عاد يجري، وهو يصيح:
- أمور غريبة! غريبة جدًا!
وابتلعته العتمة، ليحل الصمت فجأة.
سارعت الخطو باتجاه مقبرة الحاسوبات في الناحية الجنوبية الشرقية حيث أضواء المختبر بدأت تصلني من وراء السور. كان الصمت يخيم على مقبرة الحاسوبات بشكل ثقيل جدًا، فأخذت أرفع قدمي بحذر، وأضعها بألف حذر. كانت الشاشات محطمة، والفأرات تدفن رؤوسها في الأرض، وكانت أحشاء الكمبيوترات ملأى بالصدأ. وأنا في وسط المقبرة، أحسست بأنفاس على عنقي، وعلى خدي، وعلى جبهتي، أنفاس ساخنة، اضطرتني إلى إغماض عينيّ، وما أن فتحتهما ثانية تلاشى كل شيء بعد أن تحركت أغصان الشجرة التي أقف قربها، ثم جمدت. اقتربت من الممر الهوائي، وترددت عند فوهته. ألقوا بمجموعة من الكمبيوترات، تحطمت أمام عيني، وسالت مادة كيماوية منها صفراء بكثافة الدم. تغير اتجاه الهواء فجأة، ووجدتني مشفوطًا، فطرت كالكرة، وأنا أصرخ للقوة الهائلة التي جذبتني إلى أعلى، لأسقط في غرفة مغلقة لم يكن فيها أحد.
اعتقدت أنهم أمسكوا بي، ولكن الأمر لم يكن كذلك، فنظام الشفط كان يعمل في الاتجاهين، من الأعلى إلى الأسفل في حالة التخلص من "الجثث" الإلكترونية، ومن الأسفل إلى الأعلى في حالة الإمساك بكل دخيل حيوانًا كان أم إنسانًا أم غيره! إنها مصيدة بشكل من الأشكال، وأنا لم أنتظر أن يحضر أحدهم ليأخذ غنيمة اليوم. مررت بطاقة فضل في شق الباب الذي انفتح، وخرجت إلى ممر طويل خال. أخذت المصعد إلى الطابق حيث يعمل فضل، ودخلت مكتبه. لم يكن أحد هناك تمامًا كما كان ذلك عندما استشرت كمبيوتر سيارته. تجولت بين أجهزته، كان كل شيء في مكانه. وأنا أمر بأحدها، اشتعل تلقائيًا، فأخذت أتابع حركة الزياح الأوتوماتيكية إلى أن تبدى فضل على الشاشة. قال إنه مقلد فضل، وإن فضل لحبيس في غرفة في آخر طابق تحت الأرض. لكنه نصحني بعدم المجازفة الآن في الذهاب إليه، فنيغروبلان يحقق معه، وطلب مني الانتظار. سألته كيف يمكنني إخراجه من هنا، فقال ببطاقة فضل المغنطية. قلت كيف، قال بتمويه المعلومات على الأندرويدات التي تحرسه.
انتظرت ساعة أو يزيد، فرجاني المقلد عند ذلك بالنزول إلى فضل بعد أن تركته يبتلع البطاقة الإلكترونية، ويغير كودها. أخبرني أن نيغروبلان قد غادر فضل، وأنا هو نيغروبلان الآن بفضل الكود الجديد كوده. ما عليّ سوى أن أمررها أينما كان ذلك ضروريًا حتى أصل إلى حيث هو موقوف، فأخرجه أمام أعين كل الأندرويدات دون أي خوف، وأبعده عن خطر المختبر ومن هم فيه.
وبالفعل، تم كل شيء كما قال لي المقلد، وقد فهم فضل كل شيء أول ما رآني أدخل عليه. كانت الإشارات المموهة بين البطاقة الإلكترونية وأمخاخ أولئك الأوتوماتيين الذي لهم شكل حيوان أو إنسان هي التي عطلت عليهم فهم ما يجري، لقد اعتبروني نيغروبلان، وتركوني أذهب بفضل، وهم ينحنون لي طاعة واحترامًا.
همس فضل ونحن نتقدم من روبو الاستقبال:
- لهذا السبب يريدون تملك البرغوث الحيوي بأي ثمن، فهذه الكائنات تظل غبية!
قلت:
- حذار من روبو الاستقبال، إنه يراقبنا من بعيد.
قال:
- اطمئن، ما أن ينفجر البرغوث ذو التدمير الذاتي في البطاقة التي سلمها لي على اعتبار أنني أنت حتى يكف عن مراقبتنا، ويذهب إلى أعماله الأخرى.
- وكيف أعطاك بطاقة دون أخذ بصماتك؟
- يكفي أن تعطي لهذه المخلوقات سببًا منطقيًا. أخبرته بأنني كنت عديم المهارة، فأحرقت يديّ بمائع فتح المغاسل. رد عليّ بأن من حظي أنه لم يمح بصمات المرة الماضية، وتم كل شيء على أحسن ما يرام.
في اللحظة التي أردنا فيها أن نجتاز باب الخروج إلى عتبة المختبر احترق البرغوث، وتركنا روبو الاستقبال وشأننا.
في الخارج، تبعنا بعض الأندرويدات، فنظر فضل في عينيّ، ففهمت. كان عليّ أن آمرهم، بوصفي نيغروبلان، بالعودة إلى أماكنهم، الشيء الذي فعلوه. امتطينا سيارة فضل، وسرنا، ولكننا اضطررنا إلى التوقف على باب الباحة. كان محاربو شوغون يقطعون علينا الطريق، انبثق سيدهم من بينهم، وتقدم منا. كنت أنا على المقود. عندما فتحت من جهتي الزجاج بضغط زر من أزرار الكمبيوتر، تركني، وذهب إلى الناحية الأخرى. أنزل فضل الزجاج، فحياه شوغون بانحناء رأسه كثيرًا، وقال بأدب جم:
- أنت في خطر حقيقي الآن، يا سيد فضل، وبحاجة حتمًا إلى عوني. نيغروبلان في الوقت الحاضر عدونا المشترك، إنه شخص جهنمي، وليس هناك أحد غيري من يمكنه حمايتك وإنقاذك، فتعال معي.
نظر فضل إليّ، فهززت رأسي.
قال له:
- فليكن.
انفعل شوغون، وهتف بأعلى صوته:
- ما عليك سوى أن تتبعني بحراسة رجالي.
ذهب يأمر محاربيه، فتفرقوا بسيارات أحاطت سيارة فضل الذي أخذ يسوقها إلكترونيًا من مكانه الجانبي إلى حيث يذهب بنا شوغون ورجاله.









6
ذهب بنا ركب رجال الساموراي إلى التشاينا تاون. كانت الأشرطة في كل مكان والكريات الملونة الضاوية. حسبنا أنفسنا في دائرة من دوائر بيكين أو شنغهاي. كانت الحوانيت كلها ضاوية، حوانيت بقالة، ومطاعم، وخردوات، وعقاقير، وخليط من روائح كل هذه، ولكن على الخصوص روح التجارة التي تميز بها المكان، المقتطع من أقاصي الشرق، والملتصق ببشرة باريس كشامة. دخلنا في منزل مسور قديم كما ندخل في بطن حوت، المنزل الوحيد الذي لم يهدم في حي بلفيل، ولم تبن ناطحة سحاب مكانه.
ونحن نأخذ مكانًا في الصالون، قال لنا شوغون:
- لربما تساءلتما كيف أطيق سكنًا وسط هؤلاء الصينيين الذين كانوا عبيدًا لنا رغم أنهم علمونا في الماضي كيف نصنع الخزف والحرير! لا أخفي عنكم أنني عنصري، لكن للضرورة أحكامًا. أنا هنا في التشاينا تاون لأن نيغروبلان يقيم هنا هو أيضًا.
صاح فضل:
- ماذا؟ هربتنا من نيغروبلان لتأتي بنا إلى عقر داره!
- لا تغضب، يا سيد فضل! أنا لا أرميك بين أنياب النمر، وإنما أخبئك. إنه المكان الوحيد الذي لن يبحث نيغروبلان فيه عنك.
- إنه أول مكان سيخطر على باله.
قلت:
- أنت غريمه، الوحيد الذي سيلجأ إليه فضل حسب نيغروبلان.
- طالما السيد فضل تحت حمايتي، لن يجرؤ نيغروبلان على اقتحام قلعتي. لربما فكر أنه عندي، ولكنه سيعمل ألف حساب قبل أن يبعث بمن يختطفه أو يلحق به الأذى على الأقل. ليس هذا هو المشكل، وإنما لماذا هو هنا في التشاينا تاون.
سأل فضل:
- نعم، لماذا؟
- لأن مختبره السري هنا، أبحاثه المتوازية تجري هنا، يا سيد فضل.
- ماذا؟!
- أنا جاره، يا سيد فضل، أتابعه عن قرب.
رأينا من النوافذ محاربي الشوغون، وهم ينتشرون في الحديقة بسيوفهم البراقة وأسلحتهم الفتاكة.
قلت:
- وهو أيضًا. هو يتابعك حتمًا عن قرب.
- لكنه لن يستطيع شيئًا. أنا لا غبار عليّ في نظر القانون، والحكومة الفرنسية تسهر على أمني. مثلما وقعنا عهدًا بعدم المساس بك، يا سيد فضل، الفرنسيون أيضًا وقعوا عهدًا بعدم المساس بي. إنه دومًا شرط إغلاق الحدود أمام بضائعنا إذا ما مسسناك بسوء، يا سيد فضل، والذي ينطبق على فرنسا في حال مساسها بي.
علق فضل:
- كنت لا أعلم بذلك.
صفق شوغون، فحضرت فتاة برشاقة الغزال لتقدم لنا كأسًا من الساكي، وهي ترسم على شفتيها ابتسامة ساحرة.
قال شوغون:
- بصحتك، يا سيد فضل! بصحة برغوثك الحيوي!
دون أن يشرب شيئًا من كأسه بسبب قناعه الإلكتروني. لا ولم يشرب فضل شيئًا من كأسه، وكذلك أنا.
- ما دخل برغوثي الحيوي في كل هذا؟
- لا خيار لك الآن، يا سيد فضل. إن غادرت ملكي صفاك رجال النيغروبلان، وإن بقيت ضمنت حياتك لإتمام أبحاثك.
- ومن قال لك إن نيغروبلان سيسبب لي ضررًا؟ إنه بحاجة إليّ.
- أنت عنيد، يا سيد فضل، كزلزال في جزيرة هونشو! أعرف أنك لن تكشف عن أسرار أبحاثك لأحد حتى لي. هنا، سأترك لك مطلق حرية العمل: صحيح ما يقال، البرغوث الحيوي لهو ضد التقليد الياباني في العودة إلى البيت قبل الغروب. وأنا، رغم هذا التقليد، أتمنى لك النجاح.
ونهض، وهو يدعونا إلى مصعد داخلي، للهبوط إلى الطابق التحت الأرضي.
- أنا أريدك أن تنجح في أبحاثك لسببين.
- وما هما هذان السببان، يا ترى؟
- لا، ليس لأجل تحدي نيغروبلان فقط.
- ولأجل ماذا أيضًا؟
- لأجل التفوق عليه. هذا هو سببي الأول.
توقف المصعد، وخرجنا منه مباشرة إلى قاعة فسيحة فيها من الأجهزة الإلكترونية ما لا يعد ولا يحصى. ضغط شوغون على زر أحدها، فخرجت أسطوينة، نقلها بإصبعين، وقدمها لفضل:
- في هذا السي دي روم كل المعلومات التي تشاء عن أبحاث نيغروبلان المتوازية.
انقض فضل على الأسطوينة، فجذب شوغون يده إلى صدره:
- تحت شرط أن تصل إلى طريقة تنفي فيها كل شيء. أريد أن تنجح في أبحاثك لتصل إلى إلغاء كل شيء، والحيلولة دون أن يتورط العالم في حضارة رقمية ذات نتائج وخيمة، وهذا هو سببي الثاني.
ضحك فضل ساخرًا:
- الإلغاء لن يتم بعد درجة النجاح التي وصل إليها نيغروبلان.
وضحك شوغون ساخرًا هو أيضًا:
- لست غبيًا إلى هذا الدرجة، يا سيد فضل، أنا لست أندرويد ساذجًا، ما قصدته بالإلغاء، أن تعمل على صنع برغوث حيوي "سلبي"، يزرع إلى جانب "الإيجابي"، فيبطل مفعوله.
تأوه فضل، وقال:
- آه!
وهو يلتقط السي دي روم من يد شوغون.
- هذا حلم يحتاج تحقيقه إلى سنوات طويلة من الكد والعمل.
- فليكن! إن امتلاكي للبرغوث الحيوي السلبي سيجعلني قادرًا على التحكم بحضارة بأكملها، ولكن الأهم من ذلك، سأتفوق على نيغروبلان، وأجعله هو والعالم أجمع تحت إمرتي.
تدخلت:
- هذا جنون! أرجو أن تكون سليم العقل كي تقول كل هذا! نحن على شفا معركة حامية الوطيس بيننا وبين نيغروبلان يتوقف عليها مصير البشرية، وأنت تريد أن تحبس فضل هنا، تحت الأرض، وطوال سنوات، من أجل شيء هو أقرب إلى الوهم: البرغوث الحيوي السلبي!
غضب شوغون غضبًا شديدًا، أخذت عضلات وجهه تحت قناعه الإلكتروني، الأحمر علاوة على ذلك، بالتوتر، فهذا قد أخذ يهتز كمن سار فيه تيار كهربائي من طرف إلى آخر.
جمجم شيئًا باليابانية، ثم ترجم لنا ذلك في الحال:
- هذا هو شرطي، وأنتما، أيها المغامران اللذان لا مثيل لهما على وجه المعمورة، شئتما أم أبيتما، ما عليكما سوى التنفيذ!
وفي اللحظة ذاتها صعد المصعد الذي ما لبث أن هبط ليخرج منه ثلاثة ضخام من رجال الساموراي، تفرقوا هنا وهناك من حولنا، فتبادلنا أنا وفضل نظرة قلقة.
قال فضل:
- ولكن، يا سيد شوغون، كل ثمرة أبحاثي تركتها هناك في المختبر، فكيف لي أن أحقق رغبتك؟
عارضه شوغون:
- غير صحيح!
وضغط على أحد أزرار البث الفيديوي، فإذا بنا نرى بيتي، وندخل مع عدد من رجاله إلى الصالون. اتجه أحدهم مباشرة إلى كتاب ديدرو، مزق الورقتين الملصقتين، وأخرج الأسطوينة التي عهد بها فضل إليّ.
كلمهم، قال لهم:
- حسن كل شيء! أحضروا أيضًا سي دي روم مسودة السيبر-كاتب، فهو أيضًا سينزل ضيفًا علينا لسنوات، يكتب خلالها مسودة أخرى تفند مشروع الإنماء عبر القارات.
ثم أطفأ الكمبيوتر، وانطلق يقهقه، قبل أن يتركنا، بينما، أنا وفضل، ينظر كل منا إلى الآخر حائرًا في أمره.




7
أن نرفض الرضوخ لشوغون، لم يكن ذلك شيئًا راشدًا، لا ولا الإضراب عن الطعام. أردنا أولاً أن نكسب ثقته، فقعدنا نعمل، فضل على تركيب البرغوث الحيوي، السوبر-بوس، الجامع بين جهده وجهد نيغروبلان، وأنا على إنهاء كتابي عن مشروع الإنماء بين القارات. بررنا ذلك بوجوب إنجاز ما بدأنا به كي نقف على ميكانزمات المشروع المضاد "السلبي"، كما يريد شوغون.
في أحد المساءات، فاجأني فضل بأنه توصل إلى طريقة بالاتصال بنغروبلان في مختبره السري. كان قد اتصل بمقلده، فأعطاه كود الدخول إلى الشغّال الإلكتروني.
قلت:
- ها أنت تريد أن تخلص من أنياب النمر لتلقي بنفسك بين أنياب الذئب!
قال:
- إنها مناورة ليس إلا. لن أتصل به الآن، وإنما في اللحظة التي يكون فيها البرغوث الحيوي في جيبي. عند ذلك، سأقايضه.
- وإن خذلك، واستولى على برغوثك؟
- عندئذ لسوف أتصرف.
- كيف؟
- بأخذ الترانزستور الذي سيدمر نفسه بنفسه. أتذكر؟ إنها نفس فكرتك فيما يخص ضمانة الغرب لدى دول الجنوب. أمر الترانزستور ذي التدمير الذاتي هذا لن يعلم به أحد غيري وغيرك. سيكون ضامنًا لنا من استعمال البرغوث الحيوي لغايات أخرى غير شريفة، وفي الوقت ذاته حافظًا لحياتنا، فإذا ما تعرضنا للخطر فعلاً هددناه به.
- ومتى سيكون برغوثك جاهزًا؟
- خلال عدة أسابيع.
- هل أنت واثق؟
- أنا واثق.
- طيب. وأنا أيضًا أكون قد انتهيت من كتابة كتابي.
- بإمكان مقلدي أن يرسله إلى الإليزيه حال انتهائك.
سلمت عليه بحرارة:
- المهم ألا يشك فينا النمر الذي نقبع بين أنيابه، فيعضنا، ويضع حدًا لآمالنا إلى الأبد.
- سأطلعه على بعض النتائج الثانوية، وسأحاول العزف على أوتاره نفسها، فأزين له أن البرغوث السلبي ممكن التحقق، وأننا نسير في الطريق الصحيح حقًا، ولكن البطيء... إلى آخره.
هبط المصعد، وانفتح على شوغون. سأل عن تقدم أبحاثنا العلمية والنظرية، فقال له فضل إن كل شيء يسير في الطريق الصحيح، ولكن البطيء، وهذا شيء طبيعي، أمام هدف جبار سيحول دون ترقيم العالم. أعدت بدوري ما قاله فضل على طريقتي، من أن على العالم أن يبقى بربريًا إلا من بعض الأقطار كاليابان وكوريا والكامبودج أو بالأحرى إلا من بعض الشركات المتعددة الجنسية في جنوب شرق آسيا التي ستستعبد كل شعوب الدنيا، مبقية إياها على مستوى اجتماعي واقتصادي لا يتغير: مترو، بولو، دودو! فانفجر ضاحكًا من شدة السعادة، وقال إنه يدعونا على العشاء فوق، فوافقنا.
على طاولة العشاء، كانت الأطباق كلها تخلو من اللحم، فأوضح شوغون أنه نباتي، دون أن يأكل من الأطباق شيئًا بسبب قناعه.
سألته:
- لم هذا القناع الذي لا يسمح لك بالأكل مع مدعويك؟ هل تخاف من أن يعرفك أحد؟
أجاب:
- لا!
- ألأنك لست جميلاً؟
- ولا هذا.
- ربما كنت امرأة.
غضب شوغون، وأخذ يضرب بقبضته على الطاولة، ويتفوه أشياء باليابانية الساخطة التي خف إثر سماعهم لها رجاله، وأحاطوا بنا من كل جانب.
اعتذرت، وطلب فضل من شوغون الهدوء، فلم يكن قصدي استفزازه.
فجأة، حضر أحدهم بسرعة البرق، وهمس في أذن شوغون بيابانية ما لم نفهم. أمر شوغون رجاله أن يخرجوا كلهم، فأخذوا يعجلون الخروج. دفعنا شوغون إلى المصعد دفعًا، لكن صوتًا أوقف الجميع. التفتنا، فرأينا رجلاً في الأربعين، يضع على رأسه قبعة، محاطًا بأربعة من رجال الشرطة. تظاهر شوغون بتفاجؤه بوجوده، فتركنا، وتقدم منه محييًا:
- أهلاً بك، أيها السيد جافير!
وقدمه لنا:
- إنه السيد جافير، مفتش الشرطة في التشاينا تاون.
ثم قدمنا له:
- وهذان هما صديقاي العالم فضل والأستاذ...
قاطعه المفتش جافير:
- نعلم أنهما عندك.
وقفنا أنا وفضل في جهة المفتش، وأنا أقول له:
- وماذا تنتظر لإطلاق سراحنا؟ نحن رهينتاه!
لم يتردد المفتش جافير إذ كشف:
- لدي أوامر عليا.
استنكر فضل:
- ماذا؟ لديك أوامر عليا بإبقائنا رهائن لدى شوغون!
لم يتنهد المفتش جافير:
- الأوامر جاءتني من قصر الإليزيه ذاته.
حدقنا أنا وفضل في عيني بعضنا غير مصدقين، وأعدنا من فم واحد:
- من قصر الإليزيه ذاته!
- نعم، من قصر الإليزيه ذاته. الإليزيه لا يريد أن يسمع بمشروع الإنماء بين القارات، بإمكان رئيس الوزراء أن يحل مسألة الهجرة على طريقته، وليذهب ملايين العاطلين عن العمل إلى الجحيم!
قهقه شوغون، وطلب إلينا العودة إلى أماكننا في الطابق التحت الأرضي، فأوقفنا المفتش جافير:
- أقدم لكما اعتذار من هم أعلى مني مرتبة، فأنتما لو خرجتما من هنا، فإلى قبركما لا ريب. ستُغتالان إما على يد نيغروبلان وإما على يد الدي إس تي. لهذا، كما تريان، بهذا الإجراء نحفظ لكما الحياة.
أعاد شوغون وضعنا في المصعد، وهو يدعو المفتش جافير ورجاله إلى تناول طعام العشاء معه، الشيء الذي شكروه عليه. قال لهم إن لم يكونوا نباتيين مثله، حضّرَ لهم طباخوه كافة الأطباق التي يحبونها، فكرروا شكرهم له. بدأ يضحك، وقال للمفتش جافير إن لديه صنفًا جيدًا من زيت الكولزا لو شاء قليلاً منه، الشيء الذي دفعهم إلى مغادرة المكان هو وصحبه غاضبين، وشوغون يطلق قهقهات هستيرية.



8
حزن فضل حزنًا شديدًا لتخلي السلطة عنا، كل ما كنا نفعله من أجل رفعة شأن البلد قد ذهب أدراج الرياح، والتطور لن يكون خير للبشرية فيه، سيستغله اثنان شريران هما شوغون ونيغروبلان، الأول يريدنا أن نبقى على حالنا، الحال الذي وصلنا إليه، نراوح في أماكننا، والثاني يريدنا أن نغدو له عبيدًا طائعين، وفي كلتا الحالين سنكون نحن الخاسرين.
أوقف فضل أبحاثه العلمية، وقد غلبه اليأس، ولم تعد تؤثر فيه تهديدات شوغون. غدا مستعدًا لكل شيء، لعدم الأكل، للتعذيب، وحتى للموت. أخذ يهلوس في الليل، ويتكلم مع مقلده، فيشجعه هذا كما أشجعه وأحاول الرفع من معنوياته دون فائدة. كان يراني أعكف على إتمام كتابي عن مشروع الإنماء بين القارات بعزيمة لا تفل ودومًا بأمل أعظم نجاح ممكن، فيهزأ بي، وكان يقول إن أتعابي كلها ستضيع سدى، فلن يأخذ برأيي أحد، بل على العكس، سيحاربني الكل، وأولهم الحكومة. مثل هذه المشاريع الجريئة تخيف رجال السلطة، وتجعلهم يترددون آلاف المرات، يرجحون حساباتهم الشخصية، وماذا يهمهم أن يكون التطور في مصلحة الإنسانية أم لا، المهم بالنسبة لهم مصلحتهم هم، وهم لهذا سيشاركون في استعباد البشر إن طلب نيغروبلان منهم ذلك، وسيقنعون حين دمار الأرض بالعيش في جزيرة ضائعة. كيف من الممكن إذن أن يقبلوا بمبدأ التطور ومنطق الحضارة الرقمية المؤسس للدولة المثال؟ كيف من الممكن أن يروا السلطة تفلت من أيديهم في مجتمع رقمي يعمل بنفسه وبشكل كامل؟ إنهم المؤسسون الجدد للأسر البربرية!
في أحد الصباحات، نهضت لأواصل عملي، فتحت الكمبيوتر، فلم أجد كتابي، كانت في مكانه نقاط بقدر كل نجوم العالم. أخبرت فضل بامحاء الصفحات مذهولاً، واعتقادي أنه شوغون، فقال ليس شوغون، وإنما هو، وأطلق ضحكة ساخرة، وأنا أكاد أفقد عقلي. أخذته من تلابيبه، وتعاركنا، إلى أن جاء رجال الساموراي، وفرقوا بينا. سقطت في يأس أشد من يأسه، رآني أعاني في زاوية وحدي، فاقترب مني، واعتذر لي. فسر فعلته، قال ليطلق شوغون سراحي، وأعود إلى حياتي الطبيعية، إذ لا فائدة من كل هذا. الإنسان سيدمر نفسه بنفسه، لأنه شرير بطبعه، والسيطرة على العلم من طرف نيغروبلان وشوغون لهو أكبر برهان. الإنسان هو البرغوث ذو التدمير الذاتي نفسه، فلم القلق من أجل الوصول إلى ضمانات تحول دون انتشار الحضارة الرقمية؟
كان على وشك الانهيار، أصفر الوجه، مرتعشًا. كان ينظر إليّ نظرة إنسان آلي خالية من الحياة. كشف لي فجأة عن خطته. قال إنهم على كل حال سيقتلونه، ولكنه لن يرضى بالموت كجرذ في مصيدة. أكد لي أنه تمكن من الاتصال الليلة الماضية بينما أنا نائم بنيغروبلان، وسيحضر بين ساعة وأخرى ليخرجه من هذا الوكر.
قال:
- سأدفعهم إلى قتلي أمام أعين العالم، القتل الذي أريده أنا، فلعل العالم يعرف الكارثة التي تنتظره، وأكون بموتي قد عملت بالقدر الذي أستطيع على إنقاذه.
رجوته أن يذهب مع نيغروبلان دون أن يدفعه إلى قتله، وأنه واهم، لن يقلق بقتله أحد، ولن يتحرك عالم يسيطر عليه أناس كالأندرويدات التي صنعوها لا عاطفة لديهم تنهيهم عما يفعلون أو ضمير يردعهم. وحينما أصر على موقفه، لم أجرؤ على الذهاب معه. ما كان بإمكاني أن أمنعه من الذهاب إلى موته، وما كان بإمكاني أن أحميه. كنت كأي جبان واثق من إطلاق سراحي بعد أن محا فضل كتابي، ولم أعد أشكل خطرًا على أحد. لم يكن ذلك يسعدني طبعًا، كان خذل أقرب الناس لي يضاعف من عذابي، ويكاد يدمرني نفسيًا. لكنني لم أحرك ساكنًا، بقيت أنظر إليه، وكأنني أنظر إلى شخص افتراضي عبر شاشة كمبيوتري، وكم كنت أحقد على نفسي. تساقطت كل الأحلام التي كرست قلمي من أجلها، حياتي، صحتي. انهارت على "أنفوغراف" الفشل، كانت كالصور التي خذلها الحاسوب، كصور لأماكن عديدة للعالم في لحظة واحدة، لحظة الغروب القاني.
فتح فضل يدي، وربطني من جديد بمحنته عندما وضع في كفي كعيبًا صغيرًا لا يزيد حجمه عن عد مليمترات. رسم على شفتيه ابتسامة الموت، حسبتها ابتسامة الموناليزا، وقال إنه البرغوث الحيوي السوبر الذي عمل عليه الليالي الطوال أثناء نومي. لم أصدق عينيّ، نهضت أضمه، وأهنئه، فقد نجح في الأخير، وبإمكانه أن يواجههم كلهم الآن، ولا داعي للأفكار السوداء. لكنه فاجأني بقوله إن هذا الاختراع سيكون بداية طريقه إلى الموت، كمسيح جاء برسالة لا شيء فيها من التسامح والتآخي والتفاني، ولن يترك أحد يستغله. بموته سيكون له، له وحده، له وحده فقط. رجوته، فلم يسمع لي. كشف لي أن البرغوث مزود بترانزستور ذاتي التدمير، وهو بعد أن يحرره نيغروبلان سيبلعه أمام أعين سكان التشاينا تاون كلهم، ويفجر نفسه بنفسه.
لم أفلح بالطبع في إقناعه بالعدول عما رسم، توكأت على جبني، وانزويت أمضغ وحدي أقسى مشاعر الخذلان نحو صديقي، أغلى صديق، وكم كان ذلك مذلاً ومشينًا. قلت آه! ما أسعد الأندرويدات! تابعت فضل، وهو يمحو في الحاسوبات كل أثر لجهوده، وهو يدمر الأسطوانات الصلبة. كان يعمل بحذق نملة وخفة وطواط. كان يعمل بسرعة، فالساعة التي حددها نيغروبلان كانت تقترب. وبالفعل، ما أن أتم محو كل شيء حتى سمعنا جلبة فوق، وعيارات نارية، وما لبث المصعد أن هبط، وإذا ببابه ينفتح على نيغروبلان، وثلاثة من أعوانه. طلب من فضل أن يرى أولاً السوبر كعيب الحيوي، فبسط فضل كفه. قهقه نيغروبلان على رؤيته من شدة السعادة، ورجا فضل أن يصاحبه، وأنا أجلس دومًا في زاويتي، أنظر إليه، ولا أبدي حراكًا.







الجزء الثاني
9
لقد قتلوا فضل. لم يتمكن من الانتحار، من تفجير جسده. كانوا أسرع منه إلى أخذ السوبر-برغوث الحيوي، لكنه دفعهم إلى قتله في قلب شارع بلفيل. طارت أشلاؤه كالأجنحة، والعالم يراه، ولا يفعل شيئًا. بكيت أنا، وبعض صينييي تشاينا تاون. بكيناه حتى جف الدمع من أعيننا، ثم ذهب كل منا في طريق. ضعت، فأخذت أبحث عن الماضي، عن الماضي الذي قضيته مع فضل، أبحث في الماضي عني لعلني أجدني، وكان كل الماضي يندفن في فضاء الحي اللاتيني. كان الحي اللاتيني هو الماضي، ماضي باريس، وماضي فضل، وماضيّ أنا، يوم ولجت بخطوتي الأولى فيه، نحو المجد، وزمن باريس الرغيد، مذ كانت المدينة لاتينيّ الطقس، ثم غدت البداية اللانهائية للامبالاة. وكان هذا بالفعل ما أردت في المحنة أن أجده: عدم الاكتراث، التهاون، الطيش، الاستهتار. كان كل هذا مرسومًا على بلاط الحي اللاتيني، مطبوعًا على جدرانه، متغلغلاً في زمنه العريق في القدم، فكل عابر من العابرين قد ترك في الحي اللاتيني أول حلم جاء به إليه، تركه بمحض إرادته، أو أخذوه منه، وهو يعلن بابتسامة عريضة عن لامبالاته. وهكذا دون اللامبالاة ما كان الحي اللاتيني، ما كانت باريس. كانت باريس تلك الشجرة الوحيدة التي يمضي عاشقان من تحتها، وهما يدريان أنهما سيقولان لبعضهما وداعًا مع المنعطف القادم الذي يلتقي فيه السان ميشيل بالسان جيرمان. ولهذا السبب أيضًا أردت الذهاب بعد مصرع فضل إلى الحي اللاتيني، كي آخذ في إحدى مقاهيه كأس نبيذ بوردو، وأقول له على طريقتي وداعًا، أن أجرب ألا أكون تعيسًا، أن أعيش أخيرًا لحظة الفراق الأبدي القاسية كالماضي دون اكتراث، وهذا الذي كان.
كان الحي اللاتيني في تلك الليلة يضيء على غير عادته بعد أن غسلته الأمطار، سالت من أشجاره العارية آلاف الدمعات، وانعكست على واجهات محلاته أضواء المصابيح. توقفت في السان ميشيل أمام إحدى الواجهات التي تصل الأرض بالسماء، ونظرت إلى صورتي المهتزة، الساقطة في الضباب، وهمست: لقد خدعتني باريس! ولكن الرغبة في قول الأشياء كما كنت أود كتابتها قد أخمد حميتي. لقد أخذت باريس أحلى سني عمري، ورمتها في السين! كانت هذه طريقتي في التعبير عن لامبالاتي، كنت لا أعاتب باريس، وإنما كنت أبحث عن سر سحرها عليّ، وآمالي الباطلة هذه كانت جزءًا من سحرها علي! كانت باريس تمارس عليّ سحرها بمجرد أن ألفظ الحروف التي تشكل اسمها، وكان بودلير يثير شرها الجميل فيها وخيرها الأحمق ولكن المشتهى شهوة جسد فينوس الذي لا يشيخ أبدًا في اللوفر. تضاعفت تعاستي، والحي اللاتيني لا يبالي بي. في الماضي، كنت أنا اللامبالي، واليوم لا أحد يبالي بي.
دخلت إحدى المقاهي، وطلبت على الكونتوار كأس نبيذ شربتها دفعة واحدة بظمأ السنين التي أضعتها في الكتابة. تفجر الماضي في رأسي، منذ خطوتي الأولى الصغيرة نحو المجد إلى الشر القادم والموت، وأخذت أسعل سعالاً حادًّا، فقال لي النادل:
- عليك أن تعود طبيبًا، يا سيدي.
لم أكن أعلم أن بإمكان الماضي أن يقتلني أنا أيضًا، فألحق بصديقي. لم أكن أظن في هذا العمر أن لا مكان للطيش، وأن الحي اللاتيني ليس سوى حي كسائر الأحياء. طلبت كأس نبيذ ثانية دون أن أرفع رأسي، فثالثة، وأنا أشربها في كل مرة دفعة واحدة، وأسعل، وأبصق، والنادل يرمي النظر إلى تجاعيد وجهي التي تصطرع كالديدان بإشفاق.
خرجت إلى الرصيف، والعالم يميد تحت قدميّ، وبدأت أشتم العابرين، ولا أحد يأبه بي. ضربت بالجدران، جررت نفسي، وسقطت على الأرض، ولا أحد يراني. بدوت سيدًا للتسكع بمعطفي الأسود الطويل، بلا طريق، بلا هدف، شعري منكوش، وسحنتي متفسخة. رميت وجهي بين كفي، ورحت أجهش بالبكاء. مر بي بعض السياح، وهم يضحكون بأعلى أصواتهم، فعدت إلى التفكير في صديقي فضل الذي قتلوه منذ أسبوعين كبيرين أكبر من مقبرة، وقلت أذهب إلى قبره، لعله يحاكيني، أو لعله على الأقل يسمع لي.
كانت فتيات الإعلانات العملاقة في المترو تضحك على الضيق الذي أنا فيه. كنت موجعًا، ورغبت في النوم على مقعد مجاور لمقعد ينام عليه متسكع هرم، في الاستلقاء، لا شيء آخر غيره. جاء القطار، خرج الركاب، صعد غيرهم، انطلقت الإشارة الرنانة، انغلقت الأبواب، وغادر، فأخذت أشتم من هم على الرصيف المقابل. أحسست هذه المرة بالعار، وَلَكَأَني الغثيان بسوطه. ذهبت إلى زاوية، وحاولت التقيؤ، فلم أستطع. جاء قطار ثانٍ، فجررت نفسي كي أصعد فيه. كنت على وشك الانهيار عندما أمسك بي شاب من كتفي، وسحبني داخل المقصورة بفارق زمني ضئيل بعد أن ضربتني دفتا بابه الآلي، والقطار يطلق إشارته المعلنة عن مغادرته.
باريس...
نزلت في محطة بير-لاشيز، وخففت في الحال إلى المقبرة مثل خفاش هرم. كنت أحمل في معطفي الثقيل الأسود موت باريس كله معي، وكل قبابها، وكل أقبيتها، وكنت أفتح ذراعيّ إلى أقصاهما، وأغلقهما على جثمان صديقي الوهمي، وأنا أرسم ابتسامة باهتة. غدا الليل من حولي كريمًا، لكنه أبخل من قنديل، والشتاء دافئًا، لكنه أبرد من كأس نبيذ.
طرقت باب المقبرة الحديدي بإلحاح، وأنا أصيح بحارسها:
- افتح، يا شيطان الموتى!
فحضر حارسها متلكئًا، وقال مغتاظًا:
- هل أنت ثمل؟ المقبرة مغلقة. عد غدًا. الزيارات على الساعة الثامنة.
رأيته، ولقد لف أنفه جيدًا بخمار أحمر كلون الدم القاني، فجذبته منه، وهددته، ولكنه تخلص مني، وقال:
- أنت أسوأ من المخلوقات الغريبة التي هناك!
تركني مرتعدًا، وأغلق على نفسه باب حجرة يتصاعد الدخان من مدخنة على سطحها. كان الدخان في الليل الأسود أبيض من امرأة، ورائحته أزنخ من محرقة. سمعت فجأة صديقي فضل يناديني، فأخذت أناديه بدوري، وأنا أطرق باب المقبرة، وأهزُّ بابها العملاق بيديّ الاثنتين إلى أن توقفت على يد ناعمة تلمسني من كتفي. عندما التفت، رأيت فتاة صينية تبتسم لي. إلى يمينها فتى أسود يحمل طفلاً على رأسه عمرة، وإلى يسارها فتى أبيض، وكلهم يقفون هادئين كالتماثيل، وهم يبتسمون لي.
سألتني الفتاة الصينية:
- هل تريد الدخول إلى المقبرة؟
قلت: نعم.
- هل هو عزيز عليك؟
قلت: نعم.
قالت لي:
- تعالَ.
راح ثلاثتهم والطفل بين ذراعي الفتى الأسود يركضون من أمامي، وبين الفينة والفينة ينظرون إليّ، وأنا أهرول من ورائهم، ثم ينظرون إليّ، ويضحكون. أخذ العرق يتصبب من جبهتي، وأحسست بقلبي يسقط في هاوية التعب، ثم يتسلق الهاوية بصعوبة، وأنا أنشب أظافري في الشقوق. أخذوا، كلما التفتوا نحوي، يضحكون، ولا أعلم إذا كانوا يضحكون مني أم عليّ. كانوا يضحكون، وكأنَّ لهم فمًا واحدًا. وكانت لهم أسنان بيضاء، أبيض من كل أبيض، بينما كنت أكشف عن أسناني التي نهشتها جحافل السوس دون إرادة، فأبدو، وكأنني أضحك لهم، وأشاركهم متعتهم تلك اللامبررة.
تفاجأت بتوقفهم على عتبة المختبر الذي كان فضل يعمل فيه، وقد أطبق الصمت على العالم، وسقط كل شيء في الظلام. بدت لي باريس، وأنا أرفع رأسي إلى إحدى الأشجار الضخمة العارية، كضوء انطفأ لتوه.
انتظروا حتى سكنت لهثاتي، وعادت الابتسامة ترتسم على ثغورهم، حتى أن الطفل قد ابتسم لي، وسألني بصوت بالغ:
- ما اسمك؟
فلم أجبه لتأملي فيما حولي، ولعدم رغبتي في قول اسمي، ولم أفطن لصوته البالغ إلا بعد مضي بعض الوقت. دفعوا باب المختبر، ودخلوا. لم يكن روبو الاستقبال هناك. بدا المكان خاليًا لا أحد فيه. قلت بعد مصرع فضل، هجر نيغروبلان مختبر الدائرة العشرين لأسباب أمنية واضحة، والطفل يصوب عينيه إلى عينيّ، فتصيبني رعشة، وشعور بالتبرم. كان المصعد معطلاً، فأخذوا الدرج، وهم يضحكون ضحكًا خفيفًا يعبر عن رهبة وهناءة. كان همي أن أصل إلى قبر صديقي، فلم أطرح عليهم أي سؤال عن المصير الذي آل إليه المختبر، حتى أنني نسيت كل ذلك مجرد أن ساقوني إلى الممر الهوائي، وطلبوا مني أن أقذف بنفسي إلى مقبرة الحاسوبات، وعلى ترددي، راحوا يقذفون بأنفسهم واحدًا تلو الآخر، ثم نادوا عليّ من تحت، فقذفت بنفسي، وإذا بي أسقط في بركة من مائع أصفر لزج. أخذت أمسح نفسي، وأنا أشتم، وهم يضحكون عليّ. رأيت الطفل يفحص بعض الحاسوبات المحطمة، ولم أفهم كيف تمكن من تشغيل أحدها. جذبته الفتاة الصينية من ذراعه، وسألت أين قبر صديقي، فتعذر لي الوصول إلى القبر في تلك المدينة/ المقبرة، وفي ذلك الليل/ البحر. أخذنا نبحث في القمم عن قبر فضل بعد أن قلت لهم: لقد مات شهيدًا، فالشهيد مقامه في الأعالي. عندما عجزنا عن الوقوع عليه، جعلوني أحمل الطفل، وأخذوا يصعدون على القبور، ويلعبون. خارت قواي، فوضعت الطفل إلى جانبي، والطفل يلتصق بي، وأخذت أبكي، وهم يضحكون، ويلعبون. دفعني الطفل إلى قبر مفتوح، أنزلني منه إلى قاعة كبيرة تحت الأرض ملأى بالأعمدة، ومن وراء كل عمود خرج طفل، قال إنهم أصدقاؤه، وقال إنهم يتامى لا أحد يعلم بمخبئهم. رأيت في أعينهم نظرات غريبة، وأحسست على عنقي بأنفاس ساخنة، فسحبته من ذراعه، وصعدت به. تقدمت من أول قبر أمامي، واحتضنته، وأخذت أخاطب صديقي الميت:
- لن أسألك لماذا مت، ولن أقول لك إنهم جمعوا يدك ورأسك وقدمك وبعضًا من أشلائك، وقالوا هذا هو كل جسدك الذي وجدوه. حسنًا فعلت إذ مت، دفعتهم بكرمك وإخلاصك إلى قتلك، بعد أن أخذوا منك برغوثك الحيوي، فمت كما شئت وابتغيت. لأن الموت العادي الذي أعيشه أنا لهو أسوأ موت! إنني قلم ميت! الجسد الميت كالقلم الميت، كلاهما واحد. أنا لا أخطط مثلك كي أدفعهم إلى قتلي. أكتفي بجبني. أخطط إلى اكتساح الشيخوخة لوجودي. في هذا فقط تكون ميتتي أكثر شجاعة من ميتة الجبناء على فراشهم. أخطط إلى اكتساح المرض لكياني. إلى التفجر باليأس. إلى التجذر بالخوف. إلى التجوهر بالعزلة.
أحسست بأصابع الطفل على وجنتي تمسح لي دمعي، ابتسم لي، ثم تركني، وذهب مهرولاً إلى مدفن إحدى الكونتيسات. سمعت صرير الباب الذي فتحه، والذي غاب من ورائه. انتبهت إلى اختفاء الفتاة والفتيين، لم أعد أسمع ضحكاتهم، ولا أرى ظلالهم. ذهبت بسرعة البرق في أثر الطفل، فوجدته يرضع من ثدي أمه التي تمارس العشق مع الفتى الأبيض على قبر الكونتيسة. كان الفتى الأسود قد نظر في عيني لما دخلت، وأوقفني، ثم راح يبسط أصابعه على الفخذ المستلقية. وعندما انتهى الفتى الأبيض، جاء دور الأسود الإفريقي، فألقمت الصينية الطفل ثديها الثاني، ورجلها الثاني يقوم بفعل العشق معها، بحركات الأول نفسها، وكأن الفتيين واحد، وكأن العشق فعل دائم، بينما راح رجلها الأول يبسط أصابعه على فخذها، وهو ينظر في عيني، ويبتسم، ثم نهض، وأمسك بيدي، وفرش أصابعي على أجمل شيء في الدنيا، فلم تحترق بالشوق. كانوا هم الشوق والانتشاء، كانوا يعبرون عن ذلك بنظراتهم الناعسة، وكأنهم يمارسون فعل العشق دومًا رغم انفصالهم عن بعضهم، فها هو رجلها الثاني قد نهض، وفرش أصابع يدي الثانية على الفخذ الثانية، وأنا ألتف على نفسي كالقنفذ، لا أشعر بشيء.
قدمت الفتاة الصينية لي نفسها، وطلفها لم يزل يرضع من ثديها:
- اسمي شنغهاي.
أشارت إلى الفتى الأسود، وقالت:
- اسمه إم. سي. إس.
ثم أشارت إلى الفتى الأبيض، وقالت:
- اسمه سي. آش. إل.
وهي لا تتوقف عن الابتسام، وهم لا يتوقفون عن الابتسام.
أشرت إلى طفلها الذي نام، وحلمتها في فمه، وسألتها:
- ما اسم الطفل؟
فضحكت، وخلعت العمرة عمن ظننته صبيًّا، فإذا بشعر أشقر يتساقط كالشلال:
- إنها بنت واسمها باريس.
ضحكت، وقلت:
- إنه ذنب الكونتيسة!
كان المدفن دافئًا، فالشمع يتوقد في كل مكان. تخيلت نفسي في إحدى سرايا القصور، وقبر الكونتيسة التي تضطجع عليه شنغهاي سريرها الوثير الموشاة أعمدته بالذهب.
جاءني سؤالها المتوقع:
- وأنت، ما اسمك؟
غضبت، وقلت: لا اسم لي!
قهقه الفتيان، وقالا:
- إنه الرجل الذي لا اسم له.
قلت لهما: موافق.
سألت شنغهاي:
- وماذا تعمل؟ نحن لا نعمل، وأنت، ماذا تعمل؟
قلت: أعمل كاتبًا. إذا كانت الكتابة عملاً.
جاءني ثلاثتهم، وبدأوا يلمسون بأصابعهم معطفي الملوث، ويمسحون بأكفهم شعري المنكوش، ويفردون بأعينهم تجاعيد وجهي الغائرة، وكأنهم يسعون إلى التبرك من طرف نبي، فدفعتهم عني، وأنا أشتم. أفاقت باريس، وبكت بصوت الرجل الذي لها. كنت قد أخفتها، فذهبت، وقبلتها من خدها، ثم قلت: إني ذاهب، فقالت شنغهاي: لم لا تبق معنا؟ باريس تحبك! ولأول مرة اكتست ملامحها بالحزن، وتوقف إم. سي. إس عن التبسم أو الضحك، وكذلك غدا حال سي. آش. إل، لكنني لم آبه بهم.
وأنا على باب المدفن، سمعت حجر القبر ينزاح. التفت، فرأيتهم يخرجون منه حاسوبًا. جاءت باريس، وراحت تعالجه بيدها، فتتابعت الصور فيه، وعاصفة من غبار الزمن أخذت تشدني في مكاني. رأيت الكونتيسة بكامل أبهتها وأناقتها، وثلاثتهم قد تحولوا إلى تماثيل ثبتت عيونهم عليها. مدت يدها إليّ، فمددت يدي إليها، لكن الشاشة منعتني من ملامستها، فلم تكن شيئًا آخر غير مقلدها، وهي قد أطلقت قهقهة اهتزت لها القبور. عقدت العزم على الهرب من عالم الموتى الغريب هذا، فأخذت أجري، وشنغهاي وصحبها يجرون من ورائي، يريدون الإمساك بي. أوضحت لي شنغهاي، وهي تواصل الجري من ورائي، أن هذه الكونتيسة فولتير، كانت من مريدات جدها الذي علمها مبادئ التاوية في الفلسفة والأخلاق، وهي بعد أن أوصت بكل ثروتها للأبحاث الرقمية التي تأخذ هذه المبادئ بعين الاعتبار، ماتت في حادث سيارة. خلال ذلك، كان الأطفال قد غادروا مخبئهم، وهم في أبهى حللهم. راحوا يسيرون في ممرات القبور، وهم يحملون القناديل، ومقلد الكونتيسة من حاسوبها أخذ ينادي عليّ، ويقول: إياك ودسائس الصغيرة! يريدني أن أعود إليه، وصديقي فضل الذي ظهر مقلده فجأة إلى جانب مقلد الكونتيسة يريدني أن أغادر المقبرة. كان بعض الأطفال قد راحوا يجرون من وراء باريس، وهم يرمون إلى اللعب معها، فقالت لهم، وهي تشير إليّ: إن جدي لا يريد ذلك! تسلقت ذراعي عندما بدأ يصلنا عواء من جهة ما من المقبرة، وجعلتني أركض بها بكل قواي، وأمها وسي. آش. إل وإم. سي. إس يتبعونني إلى أن وصلنا الممر الهوائي الذي دخلنا منه، فخرجنا منه، وهو يشفطنا، كما دخلنا، وأغلقته باريس لا أدري كيف بعد خروج آخرنا حائلة دون ملاحقة الأطفال لنا. سمعناهم في مقبرة الحاسوبات، وهم يبكون، وحاول بعضهم أن يتسلق سور المختبر، ثم سمعناهم، وهم يطرقون رؤوسهم عليه، فأشفقت عليهم، وقلت لشنغهاي: هم أطفال على أي حال! وأنا لم أمنع باريس من اللعب معهم!
قالت شنغهاي:
- إن باريس تعرف ما يدور في رأسك أكثر منك! ثم ذاك العواء، ألم تسمعه؟ ألا تخاف من الكلاب؟
راحت باريس تقهقه على مسمع رؤوسهم الصغيرة التي تُطرق، وتتهشم على السور، وأخذت تضرب بقبضتها على صدري من شدة الانشراح، إلى أن ردعتها أمها، وهددت بتركها مع الأطفال الغريبين. لفتني باريس بذارعيها، دون أن يبدو عليها الخوف، ودفنت وجهها تحت ذقني.




10
قذفت تلك الكتلة الدبقة التي وجدت نفسي أشدها بين ذراعي، وقلت لهم: وداعًا، أنا ذاهب! رجتني شنغهاي أن أبقى معهم، لأنهم بحاجة إليّ، وأرتني دموع باريس تحت القنديل. كانت باريس تبكي، ووجهها يتبدل في كل لحظة، تارة يصبح صينيًّا، وتارة إفريقيَّا، أو أوروبيًّا، ثم صينيًّا، إفريقيًّا، أوروبيًّا... قلت لشنغهاي: إن قدري بلا أمل، وأنا لا أطيق الأطفال. قالت شنغهاي:
- إن باريس طفلة ليست كباقي الأطفال.
ووجه باريس الدامع لم يزل يتبدل حتى خيل لي أنه غدا عدة وجوه زرعت في عنق واحد، فصحت:
- أنا أخشى هذه الطفلة! هذه الطفلة ستحطم عزلتي!
أعطيتهم ظهري، وسرت في شارع مينيلمونتان، وأنا أسمع خطواتهم تتبعني. كان الشارع فارغًا من الناس والسيارات، وليل شديد الحلكة يخيم عليه، لا تؤثر المصابيح فيه. رفعت نظري إلى الغيوم الواطئة، وقلت ستمطر عما قليل. كانت خطواتهم لم تزل تتبعني، وعندما كنت التفت لم أكن أجدهم. قلت سأهبط في أول محطة قادمة، وآخذ القطار إلى عمارة الكممبر. عاد وجه باريس المتبدل يسيطر عليّ، فتمنيت لو أقع عليهم حينما ألتفت. استمر وقع خطواتهم يصلني دون انقطاع، وأنا لا أقع عليهم. فجأة، انبثقت من الظلام كوكبة فرسان افتراضية، سلطت عليها كشافات الضوء، فبدت تعدو في الفضاء. شدتني بزاتها الحمراء النظامية، وشعورها الطويلة المتساقطة من عَمَراتها الحديدية. ومثلما انبثقت من الظلام فجأة ذابت في الظلام فجأة، وحط صمت قطعته ضحكات شنغهاي وسي. آش. إل وإم. سي. إس.
أخذت أركض في شارع بلفيل، وأنا ألهث، وأسعل من وقت إلى آخر. هبطت درجات محطة كورون كي أجد المحطة مغلقة، فالساعة كانت تتجاوز الواحدة صباحًا. أطلقت عدة شتائم، وضربت باب المحطة الحديدي بقدمي. وأنا أهم بصعود درجات المحطة، رأيت شنغهاي والفتيين فوق، وهم يضحكون.
قالت شنغهاي:
- جدي لا يسكن بعيدًا من هنا، وبإمكانك قضاء الليلة معنا.
نزلت باريس من بين ذارعيها، وجاءت تشدني من يدي. ثم ما لبثت أن تسلقتني، ودفنت وجهها في صدري.
سرت معهم على مضض مني، وهم يضحكون ضحكاتهم الخافتة. كانوا سعداء لأنني معهم، وكنت أكثر الناس تعاسة لأنهم معي. رأيت باريس تفتح عينيها واسعًا في الظلام، فإذا بنا أمام لعبة افتراضية للأحصنة الخشبية، وهي تدور حسب بعض الأنغام الموسيقية، وكشافات الضوء مسلطة عليها. أشرت إلى باريس، وأنا أنظر في عيني شنغهاي مرتبكًا متحيرًا، فأكدت لي أنها هي، فسألتها إذا ما كانت لها قوة سحرية، فضحكت، وضحك إم. سي. إس. وسي. آش. إل. معها، وقالت:
- إنه سحر علمي.
قلت: أنا لا أفهم.
قالت:
- لسوف تفهم.
فجأة، امتطى الأحصنة الخشبية الأطفال الذين أرادوا اللعب مع باريس في المقبرة، وهم في أبهى حللهم، فرفعت باريس رأسها نحوهم، وضحكت. لم تكن حيرتي أكثر من ارتباكي، كنت أقف متسمرًا في مكاني لا أفوه بكلمة. أوقفت باريس ضحكتها، وثبتت بصرها باتجاه الأحصنة الخشبية، فرأيت برقًا في عينيها، وفي لحظة واحدة بدلت وضع الأطفال: غدت وجوههم متجهة إلى ذيول الأحصنة الخشبية، والآخرون لا يكفون عن الضحك، ثم أوقفت الأطفال فوق السروج على رؤوسهم، وانفجرت مع صحبها تضحك، حتى أنني كسرت جليد الذهول، وضحكت أنا الآخر، وهي تنقلهم من وضع إلى وضع، حتى كدنا نفقد أنفاسنا، ونحن نضحك ملء أشداقنا، ومثلما انبثق كل ذلك من الظلام فجأة، ذاب كل ذلك في الظلام فجأة.
ونحن على أبواب التشاينا تاون، وصل إلى مسامعنا عجيج وضجيج، فأخذت شنغهاي باريس من بين ذراعي، وطوقتها بذراعيها. انتصب إلى يمينها سي. آش. إل، وإلى يسارها إم. سي. إس، وكأنهما نمران.
استقبلنا تنين من الورق، وهو يقذف من فمه النار، ومن ذيله المفرقعات. خلعت شنغهاي وجه التنين، فتبدى وجه آخر أكثر لغزًا مصبوغ بالألوان. كلمته بالصينية، وبعد أخذ ورد، ابتسمت نصف ابتسامة، وقالت لنا: إنه ابن عمي كين، وإنها بداءات سنة الكلب، وهو هنا للاحتفال بمولد القمر. تطلعنا نحو الغيوم الكثيفة، الواطئة، فقالت: إنه يرى أبعد من الغيوم. قلت: القمر الجديد يغرق كله في الظل، فقالت: إنه يرى نصفه الآخر المضيء.
تقدمنا بخطوات حذرة على ظهور تماسيح من الورق، وشنغهاي متحيرة، مرتبكة، وفجأة، صفقت من حولنا أجنحة ببغاوات عملاقة. كانت الريبة تخيم على الجميع، فربطت شنغهاي ابنتها بحزام من حولها. أردنا العودة من حيث أتينا، لكن سورًا من أجساد السلاحف الورقية الملونة قد قطع علينا الطريق. وجعلتنا عشرات من الثعابين الورقية العملاقة نركض إلى بيت جد شنغهاي الواقع في أقصى زقاق يغرق في الظلام. حط الخوف في قلوبنا، فلانت خطواتنا، ثم تجمدت على ضربات الصنوج وموسيقى الأرغن البربري. تصاعد الدخان الأبيض، وكسى وجوه الموسيقيين الملونة. ضحكت شنغهاي، وهي تشير إلى بعض الفوانيس، وقالت: هؤلاء هم أهلي، وهم يحتفلون بالفعل بمولد القمر. طمأنتنا، وضحكنا. فكت باريس من حولها، وجعلتها تمشي إلى جانبها. نظرتُ إلى الوجوه الملونة وجهًا وجهًا، ولاحظتُ أن لكل وجه رسمًا يختلف عن الآخر، والرسم لحيوان خرافي غريب، لم يجعل من الوجه قناعًا، فالوجه قد بقي وجهًا لبشر ذي رسم حي يلفت الأنظار، ويثير الأفكار. تعالت الموسيقى حتى صار صخبها يصم الآذان، والتف الموسيقيون بباريس وشنغهاي، ولكن إم. سي. إس. وسي. آش. إل شقَّا لنا طريقًا إلى باب الجد الذي وجدناه مفتوحًا، فدخلنا منه، وأغلقناه من ورائنا.
وجدت شنغهاي جدها قد صبغ وجهه بالألوان الزاهية، فعرفت أن هناك خطرًا يهدد الجميع. وبالفعل، حطم الموسيقيون باب الجد، ودخل علينا رجال شوغون بسيوفهم السامورائية. وفي اللحظة ذاتها، خرج رجال الشرطة المختبئون في أجساد الحيوانات الورقية، وداهموا برئاسة المفتش جافير البيت. كان الجد قد فتح لنا بابًا جانبيًّا بزر كبسه بقدمه، وحالما اجتزناه، وجدنا أنفسنا نسقط في هوة انطبقت علينا، ورحنا نجري في أحشاء باريس.
قالت شنغهاي بعد أن جرينا حتى تعبنا:
- علينا أن نجد مكانًا آمنًا نخبئ فيه باريس، فكل الذي جرى من أجل اختطافها.
أعطت أمرًا لسي. آش. إل:
- اذهب إلى ساحة البورصة، وابحث عن ماركو سيد قطاع الطرق، وقل له باريس في خطر، نريد أن نخبئها عنده.
وأعطت أمرًا لإم. سي. إس:
- أما أنت، فاذهب إلى الطاحونة الحمراء، وابحث عن دافيد سيد القوادين، وقل له باريس في خطر، نريد أن نخبئها عنده.
ثم توجهت إليّ دون أن تطلب رأيي:
- سأمكث أنا وباريس عند الرجل الذي لا اسم له بانتظار أن يأتيني أحدكما بجواب مفيد.
وسألتني:
- أين تسكن؟
ترددت، فأمسكت باريس بيدي، وجعلتني أنظر في عينيها البارقتين.
قلت: في الضواحي، في نوازي الكبير، في منطقة اسمها البلاط الجديد، في عمارة اسمها من اسم جبن الكممبر.
وما أن عرفا عنواني حتى انطلقا رمحين مصممين.
خرجنا من أحشاء باريس، أنا وشنغهاي وابنتها، وعرضت على شنغهاي أن نأخذ سيارة أجرة إلى حيث أسكن، فرفضت، قالت: يمكن أن يكون السائق واحدًا منهم، فيذهب بنا إلى حيث لا نريد. وعندما شرحت أن المكان حيث أسكن بعيد، وأن علينا أن نأخذ القطار السريع للذهاب إليه، ولا يوجد قطار سريع في هذه الساعة، قالت إننا سنذهب بالسيارة التي بطاقتها الإلكترونية في جيبي. تذكرت بطاقة فضل. وفي الحال، أخرجتها، وأنا أتساءل كيف يمكننا الوصول إلى سيارته. أشارت إلى الناحية الأخرى للشارع، فإذا بسيارة فضل تربض قرب الرصيف. أدهشني منها كثيرًا أن تعرف فضل، وسيارة فضل، وخاصة بطاقته الإلكترونية، بطاقة أنا نفسي نسيت أنها معي. ضحكت شنغهاي، وقالت:
- لا تشغل بالك! الكل يعرف فضل الذي ضحى بحياته من أجلنا، ونحن نعرفك أنت أيضًا. لم نتوقف عن الضحك، لأننا كنا نمثل عليك دورًا ليس خبيثًا، فقد كانت الطريقة الوحيدة كيلا نصدمك. كل تلك الأسئلة من حولك في المقبرة كانت كي ندخل إلى عالمك شيئًا فشيئًا.
- والبطاقة الإلكترونية؟ كيف عرفت أنها في حوزتي؟
- باريس هي التي عرفت. باريس تعرف كل شيء.
انطلقت بنا سيارة فضل بسرعة خارقة، قادتها باريس من مكانها الخلفي. كانت الريبة تنهشني، ولم يكن هناك مجال للسؤال عن سبب ملاحقتهم لي. كنا ذاهبين مع سرعة السيارة المذهلة، وكأننا محمولون على كف جني. أحسست بوهط جعلني أسترخي على مقعد بذراعين أول ما وصلت مسكني. شعرت بشيخوختي قبل أوانها، وقد أسعدني أن أشعر بموتي يقترب. مددت ذراعي، ورحت أفكر في مصير باريس التي يتنافس رجال الشرطة وأفراد السامواري على اختطافها، الأوائل لصالح نيغروبلان، والأواخر لصالح شوغون بعد أن وضع مصرع فضل حدًا لوهم البرغوث الحيوي السلبي.
أنامت شنغهاي ابنتها في فراشي، أغلقت عليها الباب، وجاءتني ببنطالها اللصوق الأسود، وشورتها الجينز الممزق الحواف، وبلوفرها العريض الأسود، وكأنها تخرج من ضباب أبيض.
جلست عند قدميّ، وحنت رأسها بين قدميها، وذهبت تفكر، وتتأمل، لمدة ليست قصيرة. أخذت أصابعي بين يديها، وجعلتني ألمس ثقوبًا في رأسها، نهضت على إثر لمسي لها مهتزًا، وكأن برقًا قد برق في جسدي.
قالت شنغهاي:
- ألم تتذكرني؟ أنا التي نظر فضل في عينيها في المختبر، ونظرت في عينيك.
قلت:
- آه، لقد تذكرتك الآن!
- لقد وقع اختيارهم عليّ، ثم على إم. سي. إس. وسي. آش. إل...
قاطعتها:
- إم. سي. إس. وسي. آش. إل؟
فأوضحت:
- أنها الحروف الأولى لما يمثله رجلي الأسود من "عالم اتصالات ثانوي" هو الجنوب عامة، وما يمثله رجلي الأبيض "كوليرا وحرية" الكوليرا بمعنى العدوى الرقمية، والحرية هي حرية الغرب.
سكتت قليلاً قبل أن تعيد:
- لقد وقع اختيارهم علينا، وأنا قد وقع اختياري عليك، لتنقذ باريس.
لم أتمالك نفسي عن الصياح:
- لأنقذ باريس! من أنا كي أنقذها؟
- أنت كاتب. ستكتب قصتها، فتحول دون موتها.
لم أتمالك نفسي عن الضحك هذه المرة:
- حتى ولو كتبت قصتها، فلن يقرأها أحد. أنا لا قارئ لي، وقد انتهت مواضيعي.
- بل هو موضوعك! لهذا بحثنا عنك، لهذا تبعناك. قصة باريس ستكون رائعتك، سيتكلم الكل عنك وعنها، فتنقذها من الموت، وتدخل عالم الشهرة والمجد هذه المرة من أبوابه العراض.
أخذتني بين ذراعيها، وضمتني مثلما تضم زوجًا خذلها في محاولات الحب بسبب جفاف الشهوة وعدم الرغبة في العناق.
قالت:
- يجب أن تكون زوجي الثالث.
أبعدتها عني بلطف، وشعرت نحوها بحنان الأب، فاندهشت لعدم جفاف عاطفة كهذه في قلبي.
قلت:
- قلب الإنسان سر عجيب!
قالت:
- عقل الإنسان هو السر العجيب!
نزعت بلوفرها، فبان لها نهدان صغيران كحبتي كمثرى. ضمتني، وأوضحت:
- بعد أن زرعوا في رؤوسنا أنا وإم. سي. إس. وسي. آش. إل. أقطابًا كهربائية في نقطة تشريحية حددتها العقول الإلكترونية بدقة، ووسعوا من منطقة الجنة التي في أدمغتنا حتى أمكنهم اكتساح منطقة جهنم أو على الأقل معظمها، أخذوا من إم. سي. إس. وسي. آش. إل. منيًا ومني بويضات، وضعوها في بيئة اصطناعية، وبعد أن صنعوا عدة أجنة، اختاروا منها أحسنها، وضعوا فيها حصان دماغه السوبر-برغوث الحيوي الذي سلبوه من صديقك، وخلقوا جنينًا للطفل النموذج، زرعوه في أحشائي، كي ألد بعد أربعة أشهر ونصف باريس ابنتي ذات العقل الجبار القادر على نقل صورة افتراضية للناس والأشياء كما رأيت في حالة كوكبة الفرسان والأطفال، أو الإتيان بالناس والأشياء من زمن مضى كما رأيت في حالة مقلد الكونتيسة فولتير ومقلد فضل. نحن الثلاثة لنا بعض القوى المحدودة، إنها القوى العقلية القاعدة، والتي عليها تم صنع قوى باريس المذهلة بفضل اختراع المرحوم صديقك الذي سيغير وجه العالم. لهذا تجدهم اليوم، وقد دخلت ابنتي سنها العملي الفاعل، يريدون اختطافها، وتكريس دماغها لتجاربهم وغاياتهم.
وأخذت تلهج بشكرها:
- أشكرك على حمايتك، أشكرك على إنقاذها!
قلت متحيرًا متهيبًا:
- كيف يمكنني حمايتها؟ كيف يمكنني إنقاذها؟ لن يصدق أحد قصتها.
- المهم أن تقتنع أنت بقصتها، وأن تصبح قصتها قصتك. ولكي تصبح قصتها قصتك عليك أن تكون زوجي الثالث، فبواسطة قوة فعل العشق تغدو لك قوة فعل الدماغ، إنه الاتصال الموصل للأفكار، ملغم التاوية والعلم، وكل قوتنا تأتي عن طريق بثها.
خلعت شورتها، ثم بنطالها اللصوق، وجاءتني كما تجيء نحلة إحدى الورود، ولسعتني، فدبت في كل أنحاء بدني قوة الشباب وعنفوانه. ونحن نمارس فعل العشق، كانت تتحكم بي وبها جنسيًا. كنا نغترف من اللذة بحورًا، وكلما أصل إلى حالة القذف تعيدني إلى بداية العناق. كانت تحررني من عواطفي في الوقت الذي تجذبني إليها، فتغدو هي عاطفتي الوحيدة. قضينا الليل بطوله، ونحن في عناق عوض النوم، كان عناقنا مريحًا يحقق لنا كل رغبات الجسد، ويسود كل حاجاتنا الروحية في آن، فلم يكن للعناق غاية وحيدة، كان هو الغاية، كل الغايات، فعوضني ذلك عن النوم والحلم، عن الجوع والظمأ، وبقينا في أحضان بعضنا هكذا إلى أن راحت تتبدى لي شيئًا فشيئًا عينا باريس، وهي تبرز من وراء هالة ضبابية، ثم سمعت ضحكات شنغهاي المسكرة كما في غناء ساحر. وفي الأخير، نامت شنغهاي ملتفة على بعضها كطفل في مهده. خجلت، وأنا أنظر إليها عارية، وتذكرت ابنتي التي ماتت في أريحا، فقمت وغطيتها. ظننت أن المطر قد تساقط، فنظرت من النافذة.
فتحت على باريس الباب، كانت تنام ملء جفنيها. وضعت يدي على خدها، وعلى شعرها، وذهبت أقطع آخر الليل وحدي، فليس هناك أجمل من قضاء آخر الليل وحدك. تنظر إلى بقايا الليل، وبقايا الليل تنظر إليك، إلى أن يودع أحدكما الآخر، وتسقط كل نجوم العالم على قدميك. لكن صياح امرأة دب فجأة، ثم انطلقت عيارات نارية، ثم حل الصمت. لم يفتح أحد بابه، كان الكل نيامًا ما عداي.
فتحت زجاجة نبيذ، وأخذت من فمها جرعة مُرة. رغبت في الضحك الأسود، لأنني سأنقذ باريس من الموت. أنا المنتظر لانقضاض فهد الموت عليّ سأنقذ باريس من الموت، وكل إرادة الحياة بيدها! كيف بإمكان الموت أن يتحداني بالموت؟ بالموت الذي لم يكبر بعد في حضن الحياة؟ كيف بإمكان موتي الذي نضج بسني عمري الضائع أن يؤجل موعد سقوط ثماره في اللحظة الأخيرة؟
أخذت جرعة ثانية من فم الزجاجة، وقد أصبح للنبيذ طعم أقل مرارة. قلت: هراء! وأطلقت نصف ضحكة كتمتها بأصابعي على حركة شنغهاي تحت الغطاء. كان جسدها أجمل موت، فهل ما زلت أحيا؟ هل غادرت العالم الأسود الأجمل من كل الثعابين الملونة من أجل تجربة علمية؟ هل أصبحت جبانًا جبن ذئب تطارده الكلاب من أجل قوة فعل العقل الخارق؟ هل خفت من مصير المهمش السعيد من أجل مجد القلم الوهمي؟
أخذت جرعة ثالثة، كبيرة هذه المرة، من فم الزجاجة، وقد أصبح للنبيذ طعمٌ سكريّ. عبرت في رأسي سحابة من الحزن، وجاءتني رغبة في التبول، ولكنني بقيت في جلستي دون أن أحرك ساكنًا. نظرت إلى شنغهاي التي تحركت، وفَرَدَت شعر الليل الذي لها، ومالت بوجهها، فكأنها تنظر إليّ، وهي مغمضة العينين. انفتح جفناها فجأة، طار ملاكان في رأسي، ثم انغلق جفناها. رفعني الملاكان من كتفي إلى السقف، وأنا لا أستطيع الصراخ بصوت عالٍ. كنت أصرخ، ولكن بصوت أخرس. قال لي الأول: أنا ملاك الموت، وقال لي الثاني: أنا ملاك الحياة. جذبني ملاك الموت، وأمرني: تعال معي الآن إلى مملكتي، واخلص من مهتمك الصعبة، مهمة إنقاذ باريس.
أخذت جرعة رابعة، والنبيذ يتدفق من فمي، وقلت: إن في الأمر لسخرية!
قال ملاك الموت: أنا لا أسخر، وأنت ستموت في اللحظة التي تجتاز فيها في رأسك الخط الفاصل بين الجنة وجهنم.
قلت: لم أكن أظن أن الموت على مثل هذه السهولة.
وعزمت على الهرب من ملاك الموت، فالخوف من الموت أقل من فكرة الموت، والحياة أكثر إثارة.
اختبأت في ظل ملاك الحياة، فبحث عني ملاك الموت حتى هلك من التعب، وذهب. أراد ملاك الحياة أن يتبعه، فتركني أسقط من السقف على الأرض. رأيتهما يغيبان في الأرض المحصورة لجهنم، من تحت الجنة. وعلى حطام زجاجة النبيذ، نهضت شنغهاي، فقلت لها:
- إني عزمت على إنقاذ باريس.
جاءت إلى حضني، وهي تضمني، وتضحك. أعطتني قلمًا، وفرشت جسدها لأكتب عليه، فكتبت تحت ثمرة الكمثرى: اليأس، الحزن، الاستسلام! وتساقط المطر بغزارة.
كنت حزينًا ويائسًا ومستسلمًا، لدي رغبة شديدة في التبول، ولكنني مكتسح بالرُّهاب. أخذتني شنغهاي بين ذراعيها، وجعلتني ألعق بلساني الكلمات التي كتبتها تحت ثديها لأصل عن طريق الاستثارة الذاتية إلى كبح شعوري بالحزن واليأس والاستسلام. كنت وأنا أجامعها أحس برغبتي الشديدة في التبول، مما شكل إعاقة داخلية لحرية نشاطي الجنسي. كانت هي لا تصل أبدًا إلى ذروة نشوتها، وكنت أنا قد انقلبت على ظهري، أنظر إلى أظافري التي غرستها في جسدها. قالت لي شنغهاي، وهي تمسح جروحها إن اتصالي بجسدها يكبح اتصالي بعقلها، لأنني لا أتحكم بعد بطاقتي الجنسية، فلم أعلق، وذهبت أغط في نوم عميق.
عندما نهضت كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا، عجلت الذهاب إلى المرحاض، وحاولت التبول، ولكنني فشلت، كان الألم يجتاح كل جزء في جسدي. سمعتني شنغهاي أصرخ، فجاءت، وطرقت عليّ الباب. قلت لها: لا شيء، لقد اعتدت الصراخ في المرحاض. تمكنت من إطلاق بعض النقاط، وخرجت، وأنا أصفر الوجه. إنها بروستاتي. وكالعادة لن أذهب عند طبيب. سألتني شنغهاي إذا كنت مريضًا، فنفيت، قلت لها: سأتمشى قليلاً، من عادتي أن أتمشى قليلاً في الصباح قرب البحيرة.
فتحت النافذة، فجاءت باريس لترى البحيرة، وقالت بصوتها الرجولي: آه، ما أجمل البحيرة! لكن شنغهاي أغلقت النافذة، وقالت لها: عليك المكوث في البيت. لم تحتجَّ باريس، بل وافقت بصوتها الخشن: كما تشائين يا ماما! أشرت إلى حنجرتي وفمي، وأشرت إليها، ففهمت شنغهاي:
- أخطأوا في أحد عناصر الوراثة.
ثم طمأنتني:
- ستكون لباريس القوة على تصويب ذلك، أليس كذلك، يا عزيزتي؟
هزت باريس رأسها. جاءت سيارات الشرطة والإسعاف، فخافت شنغهاي على باريس، وخبأتها. أخرج رجال الشرطة من عمارتي جثث أفراد عائلة بأكملها، قتلها ربها ثم انتحر.
وقفت على حافة البحيرة، وفجرت نهرًا من البول، تنهدت، وارتحت، وأصابني الشعور بالغضب والكآبة. كنت غاضبًا للموت الجماعي، وكئيبًا لأنني لم أكتب هذا الصباح، ولم أقرأ. لقد غيرت باريس مجرى حياتي. أردت الذهاب إليها وإلى أمها لأطردهما، لكنني رحت أتمشى بقدم رخوة من حول البحيرة. لم أكن أفكر في شيء، كان عقلي في حالة خمول ذهني. تلذذت على قطع بعض الوقت غائصًا في سكون الخمول، أو خمول السكون، ورأيت سمكًا أحمر، ينط برأسه على سطح البحيرة ليسحب قطعة خبز أو حشرة ميتة. تذكرت فضل، وتعليقه حول إطعام البطون والعقول لينجح مشروع الإنماء عبر القارات، فأين فضل الآن؟ وأين المشروع؟ رأيت سمكة تشبه باريس، لها نفس عينيها، ونفس شفتيها. قلت: أمعقول هذا؟ قهقهت السمكة فجأة، واختفت. تساءلت: أهو خيال؟ فركت عينيّ، وقلت كفى هلوسة. تذكرت الصراع القائم بين الياباني شوغون والفرنسي نيغروبلان حول اختطاف باريس، وتكريس البنت لتجاربهم وغاياتهم، وقلت إن لها من قوة الدماغ ما يفوق الخيال! طفقت أبحث عن السمكة في البحيرة من كل جوانبها دون أن أجدها، وعندما رفعت رأسي إلى نافذتي العالية، رأيت باريس تقف على حافتها، وهي تلوح لي، بكلتا يديها، قبل أن تلقي بنفسها في الفراغ.
رحت أصرخ بصوت أبح، وأرفع ذراعي نحو السماء، والناس يرون طائرًا ضخمًا يصفق بجناحيه، وكل العالم يركع تحت قدميه. تحول الطائر إلى ضباب أبيض قادم من بعيد، وهواء راح يحرك قمم الأشجار العارية. لم تكن تلك، بالطبع، باريس، وإنما مقلدها.
11
وصل إم. سي. إس. إلى الطاحونة الحمراء متأخرًا، فوجد أبوابها موصدة. كانت رائحة الأجساد ورائحة الكحول والدخان تنفذ منها، كان كل شبق المدينة يمحي في تلك اللحظة، وباريس هذه أنفاسها. نام على عتبة الباب الجانبي الخاص بدخول الراقصات والراقصين، ونهض على أقدامهم، وهي تعلوه.
على خشبة المسرح كانت الفتيات يتدربن على رقصة الكنكان، فابتسم إم. سي. إس. بحث في القاعة عن دافيد، فلم يجده. قال له أحدهم إنه في مكتبه. ذهب إلى مكتبه، فلم يجده. لفت انتباهه نواح يأتي من الممر، فرأى فتاة تبكي، ودافيد يقول لها:
- إن هذا مكان للعاهرات، وأنت بنت شريفة!
طلب إلى حراسه طردها، وهو يقول إن لويس الكبير الذي أرسلها لا أخلاق له، وأقسم أن يدق عنقه.
عندما رأى دافيد إم. سي. إس. أخذه في الأحضان، وسأله عن أخبار شنغهاي وباريس وسي. آش. إل. التفت إلى حراسه، وقال لهم، وهو يشير إلى إم. سي. إس، إنه عائلته الصغيرة.
تقدم لويس الكبير من بعيد بصحبة فتاتين، فهب دافيد به صائحًا، وقال له إن هذا مكان قذر للقذرين أمثاله، وعليه ألا ينسى ذلك. طلب لويس الكبير من دافيد أن يغفر له، وقال عن ابنة العائلات تلك إنها هي التي أرادت ذلك. كانت تريد أن تصبح عاهرة بكل قواها العقلية، فماذا يفعل أمام إصرارها؟
قدم له الفتاتين اللتين بصحبته، وقال إنهما جديدتان على المهنة، ولكنهما تتقنان الرقص جيدًا.
كشف دافيد عن ثدييهما، وعن فخذيهما، وبعد تردد قال:
- ليدربهما كارلوس، الإرهابي القديم.
أخذ إم. سي. إس من ذراعه، وأدخله مكتبه.
قال له:
- وأنت، متى ستغني عندي؟
لكن إم. سي. إس. همهم:
- باريس في خطر، تريدك شنغهاي أن تخبئها عندك.
- باريس في خطر!
- أرسل شوغون من وراء خيرة المحاربين الساموراي من اليابان ليختطفها.
- لماذا لم تبلغوا الشرطة؟ هل أبلغ الشرطة؟ لدي أصدقاء في الشرطة.
- الشرطة متواطئة.
- مع شوغون.
- مع نيغروبلان. فرنسا تريد باريس لها فقط.
ضغط على بعض الأجراس، وحكى في الهاتف، فحضر في الحال أربعة رجال أنيقين، قال لهم: باريس في خطر، وعلينا أن نجد مخبأ لها. ثم توجه إلى إم. سي. إس. بالكلام:
- قل لشنغهاي أن تحضر البنت، وسأتدبر مع عقول الطاحونة الحمراء أمر الحفاظ على حياتها، إنهم أرباب الخطط الجهنمية، فكيف مع أمر بسيط كهذا؟
شكره إم. سي. إس، وشد على يده. وهو يخرج، سمع دافيد يكلم أخته على الهاتف، يقول لها كلمات الأخ الصادقة، بأمرها كل ما تريد، ويدللها. مرَّ إم. سي. إس. بالمسرح، فوقف ليتفرج. كانت الراقصات يقفزن، ويصرخن فجأة، وهي يرتمين بساقين مستقيمتين على الجانبين، وكارلوس يصفق موقعًا ومشجعًا. عندما عدن إلى رقصتهن، بدل إم. سي. إس الأسطوانة، وجعلهن يرقصن الراب، ثم انسحب على صيحات كارلوس المستاءة، وهو يطلق ضحكًا مكتومًا.
في الطريق، أخذ يغني:

أنا لا أضيع لحظة واحدة
لأن اللحظات من نقود
النقود لا تصنع السعادة
فهل تصنع التعاسة؟
يكفي أن يكون المرء قادرًا
من يزرع الريح يحصد التمبو

قطع إم. سي. إس. أغنيته فجأة، فقد أحس بأحدهم يتبعه. حاول الهرب منه، فلم يستطع. بقي الرجل يتبعه، ثم أحاط به عدة رجال، فحاول إم. سي. إس. بقوة عقله اختراقهم، فلم يستطع من جديد. مدوا أياديهم قصد الإمساك به، فأسقط على الأرض حوافظهم، وأطار منها أوراق نقودهم، مما جعلهم يخفون لالتقاطها. خلال ذلك، اختفى إم. سي. إس. في أول محطة مترو. سحب مقبض الخطر أول ما ركب في المقصورة، فجاء السائق يجري. أخذ مكانه، ولم يتوقف القطار في باقي المحطات رغم احتجاج الركاب.













12
حملت نفسي، وأنا أحس بوهن صحي، وقلت أذهب إلى سوبرمارشيه (( كارفور))، وأشتري فرخ دجاجة، فهؤلاء الذين هم عندي ليسوا من سكان الفضاء، هم أناس مثلي، يأكلون، ويشربون، ويخرون، ويشخون، على الرغم من أن ما يفعلونه يبقى خارج نطاق الإدراك الحسي.
لسعتني نسمة الهواء، واشتد الضباب الأبيض.
فكرت، وأنا أرى دخانًا أبيض يتصاعد من مدخنة مصنع قرب البحيرة، في الحبالى اللاتي يستنشقه، واللاتي يلدن أطفالاً مشوهين، فهل فكر العلماء في أولئك الأطفال، وهم يصنعون باريس النموذج؟ أم أنهم بسببهم صنعوا الطفل النموذج؟ طفل المستقبل؟ طفل العالم الرقمي؟ طفل العالم المتطور؟ طفل العالم المتطور الذي سيحكم العالم بعد لحظة إنهاء العالم على يد التطور؟ فمن يضمن وليد التطور ألا ينسف كل شيء؟ العالم بمن فيه، والعلماء أولهم، ويحطم على رؤوسهم مختبراتهم؟ فهذه باريس تتمتع بكامل حريتها، وهي بإمكانها أن تفعل ما تريد بإرادة أفلتت من يد المعادلات والأنابيب.
فجأة، جاء شبان البلاط الجديد يجرون، تسلقوا بناية المصنع، وأخذوا يفرغون في المدخنة أكياسًا من الزبل حتى سدوها. انطلقت صفارات الإنذار، لكن الشبان فروا إلى ما لا يعلم أحد.
عدت أدراجي، فوجدت المصعد معطلاً.
وأنا أصعد الدرج إلى مسكني، تذكرت أنني نسيت فرخ الدجاجة، فذهبت إلى السوبرمارشيه من جديد. قلت الضباب الأبيض سيأتي بالثلج، ورأيت ثوب الغيم يغدو كالمخمل. في السوبرمارشيه، نسيت لماذا أنا هناك، فعدت أدراجي. في منتصف الطريق، تذكرت ما كنت أزمع شراءه، فأخذت أردد في ذهني: فرخ دجاجة! فرخ دجاجة! إلى أن دخلت (( كارفور)). في السوبرمارشيه، نسيت ما رددته في ذهني طوال الوقت. كانت ذاكرتي قد ضعفت بعد كل الذي جرى لنا أنا وفضل عند شوغون. في الماضي كانت لي ذاكرة أقوى من عشرة براغيث حيوية! كنت أكتب الكتاب في رأسي قبل أن أحوله إلى كلمات على الورق. أحسست بحاجتي الماسة إلى باريس. الإنسان بلا ذاكرة ليس إنسانًا، وباريس ذاكرة الإنسان! عزمت على المرور من أمام كل الرفوف كي أتذكر الغرض الذي جئت من أجل شرائه، والناس من حولي يذهبون مباشرة إلى ما يريدون أخذه، يتناولونه بخفة وحنكة، إذ كانوا لا يحركون البضائع، ولا يخدشونها، ويضعون غرضهم في عربة يسوقونها بمهارة، فلا يصدمون أحدًا، ولا يؤخرون أحدًا عن إتمام عملية الشراء بالسرعة القصوى.
وقفت أمام رف الأسماك، وقلت لا، لم يكن سمكًا ما أردت. أخذت في طريقي بعض الأرغفة المستطيلة، كانت كالقامات، وكان ذلك لبداية إغماء سببه ضعف ذاكرتي. وعلى العكس، رأيت الناس خبزًا. عادت لي الهلوسة من جديد، وكنت أعرف هذه المرة لماذا. لأنني رجل بلا ذاكرة! رأيت بين الناس أحب الكتاب الفرنسيين إلى قلبي: كامو، سارتر، دوراس، وغيرهم. كانوا كثيرين. أرادوا أن يعيدوا لي الذاكرة عن طريق الاتصال الروحي. كانت روحي الحقل الوحيد الذي لم يعث فيه شوغون فسادًا. روحي غير الرقمية. كانت الرؤية في عينيّ قد تعددت، وهداني رأس كامو إلى أن فرخ الدجاجة هو ما أريد. كان رأسه قد نبت بدلاً من رأس الفرخ، وهو يشير إليّ بالاقتراب، ولا يتوقف عن التبسم.
هممت بنقله بين أصابعي، فإذا برأس سارتر ينبت مكان رأس فرخ مجاور، وهو يحثني على أخذه. غضب كامو، وفي اللحظة التي أردت فيها رفع سارتر، إذا بدوراس تختال برأس اختارت له جسد فرخ ممتلئ أغراني. عندما حملت الفرخ بيدي، أخذت تنبثق من أعناق الفراخ كل رؤوس أدباء فرنسا المعاصرين.
تراجعت منذهلاً، وأنا أنظر في الممرات، فأرى أن الناس كلهم قد تحولوا إلى فراخ أخذت تلتهم بمناقيرها البضائع حتى أتت عليها، وأفرغت الرفوف منها، وتحولت الفتيات اللاتي كن يجلسن من وراء الصناديق إلى دجاجات رومية أخذت تنقر العملة النقدية بمناقيرها، وتخزنها في حواصلها.
شددت رأسي بين يديّ، والأرض تميد تحت قدميّ. كنت على وشك السقوط عندما أمسك بذراعي مراقب، ورافقني إلى الصندوق، وقد عاد كل شيء إلى طبيعته. دفعت، وخرجت. في اللحظة ذاتها، دبت ضجة غير متوقعة من حول شبان البلاط الجديد الذين سرقوا ما سرقوا، وهربوا دون أن يتمكن الحراس من القبض عليهم. كنت معهم قلبًا وقالبًا، وسعيدًا لنجاحهم في سرقتهم.
في ساحة بيكاسو، حيرتني ماكينات ألعاب فيديو كبيرة أقع عليها لأول مرة، كان شبان البلاط الجديد يلعبون، وهم يصيحون، ويضحكون، غير مبالين بأحد، وكأنهم لم يسرقوا شيئًا. اقتربت من إحداها، ولمحت أحد أفراد عصابة الساموراي مختبئًا خلفها، فخفت. صعدت الدرج ركضًا، الركض الذي يقدر عليه واحد مثلي في عقده الخامس، وما أفضل ذلك إذا ما عجل في إنضاج شيخوختي. فتحت الباب شبه خائر، رميت فرخ الدجاجة أرضًا، وأمرت شنغهاي بمغادرة مسكني في الحال. توقفت باريس عن اللعب على الحاسوب، وسألتني شنغهاي عن السبب، وهي لا تستطيع إخفاء استغرابها. كان إم. سي. إس. هناك، فسألني هو الآخر عن السبب. رأيت دمعًا في عيني باريس، لكنني حجرت قلبي، وقلت لهم:
- رجال الساموراي تحت، ولا أريد أن تسببوا لي المشاكل.
قالت شنغهاي لإم. سي. إس:
- لقد اقتفى أفراد السامواري أثرك.
قال إم. سي. إس:
- لنلجأ إلى دافيد، إنه مستعد لفعل أي شيء من أجل باريس.
ونظر إليّ شزرًا.
رجتني شنغهاي أن أسمح لهم بالبقاء حتى هبوط الليل، أو على الأقل حتى عودة سي. آش. إل، هكذا يتمكن اتحادهم الثلاثي من مواجهة العصابات. رفضت، وقلت: تذهبون الآن، وإلا ناديت الشرطة.
رحت أدفعهم، وأنا أشتمهم، وأشتم صديقي فضل الذي كان سببًا في تعرفي عليهم.
قالت شنغهاي:
- رجال الشرطة أخطر علينا من رجال الساموراي.
ولكنني طردتهم، والضباب الأبيض على الأرض يزداد، وكذلك الغيم في سماء البغضاء. تناولت فرخ الدجاجة عن الأرض، وفصلت من شدة الحنق رأسه عن جسده، ثم رحت في جسده طعنًا بالسكين، فلم أشفِ غليلي. جرعت النبيذ من فوهة الزجاجة، وأنا ألهث، وأفكر في أنني أخطأت في حق باريس، فهي لم تزل طفلة، وليس من حقي أن أعامل ذويها بمثل تلك المعاملة. لم أشأ النظر إليهم من النافذة، كنت أخشى أن ألفت انتباه أفراد الساموراي، فألحق بباريس وشنغهاي وإم. سي. إس. الأذى. تمنيت أن يلفهم الضباب الأبيض، ويحميهم. أحسست بالبغضاء تجاه نفسي، فأكملت شرب الزجاجة، ذاهبًا آيبًا، إلى أن سقطت بطولي على الأرض، بعد أن تعثرت بالبساط، وأنا أصرخ مناديًا شنغهاي!



13
جلس سي. آش. إل. إلى يمين ماركو الذي قال له:
- افتح أذنيك جيدًا، لتتعلم شيئًا، يا بني.
أخذ قطاع الطرق الطليان أول من أخذ بالدخول على ماركو، وهم يضعون على مكتبه الأموال. قال لهم:
- نحن إخوة من عدة أمهات، وعليكم أن تأخذوا أجرًا.
رفضوا كلهم، وقالوا إن أجرهم على الله، ويكفيهم شرفًا أن يعملوا معه، ويكون راضيًا عليهم.
قال لهم:
- خذوا إذن بعض الأموال لتحسين نوعية المخدرات، وخاصة أن قلبي يفطر حزنًا على الشبيبة.
وأعطاهم شيكًا تبرع به للأبحاث الجارية ضد السيدا.
دخل عليه قطاع الطرق الفرنسيين، ووضعوا على مكتبه الأموال. قال لهم:
- نحن أبناء عم لحّ، وعليكم أن تأخذوا أجرًا.
رفضوا كلهم، وقالوا ما قاله الطليان. أعطاهم مالاً لتحسين نوعية الأنيسون، وخاصة أن قلبه يفطر حزنًا على سكان (( الرئينيون))، وكتب شيكًا تبرع به لوزارة السياحة من أجل بناء فنادق درجة أولى في الجزيرة.
دخل عليه قطاع الطرق العرب، ووضعوا على مكتبه الأموال، فنهض، وضربهم، قال لهم إن تزوير بطاقات الإقامة لم يكن ناجحًا، وإن بيع السجاد لم يكن مربحًا، ولكنه أثنى على دور الجوسسة الذي يقومون به لدى كبار رجال الشرطة، أعطاهم مالاً لتحسين نوعية الأختام، وكتب شيكًا باسم والي المقاطعة.
دخل على ماركو قطاع طرق من كل بلدان العالم بما في ذلك اليابان، وسي. آش. إل. يفتح أذنيه على سعتهما دون أن يسمع شيئًا، كانت تشغله مسألة أمن باريس. انحنى على أذن ماركو، وذكره بالمسألة.
قال ماركو:
- كل ما فعلته مع قطاع طرق العالم ما كان إلا لأجل باريس. هذه هي الوحدة بين القارات التي لا تحتاج إلى إنماء مشترك، وهذه الوحدة من أجل باريس.
لكن ذلك لم يطمئن سي. آش. إل.
أضاف ماركو:
- باريس ستختبئ عندي، فعندي مركز الأمان، كل العالم يحمي هذا المركز، لأن هذا المركز هو ماركو، وماركو هو المخضع للعالم.
شكره سي. آش. إل، وشد على يده. خرج، وماركو يكلم أحدهم على الهاتف باليابانية دون أن يفهم منها شيئًا. في الممر، أخذ سي. آش. إل. يتظاهر بالاصطدام بقطاع الطرق، ويبدل الشيكات التي أعطاهم إياها ماركو من جيب هذا إلى جيب ذاك، وكذلك فعل بالمسدسات التي سحبها من الذين كانت معهم، ودسها في صدارات الذين لم يكونوا يحملون سلاحًا، وترك الجميع في خصام فجر الضحك من خاصرتيه.
في الساحة، نظر سي. آش. إل. إلى أعمدة البورصة العملاقة، وقال هذا هو معبد النقود! كان مصير كل أموال مدينة النور يتوقف عليه، وكل أسهمها، وكل سنداتها، وكل شركاتها، وكل صفقاتها التجارية. كان معبد النقود هذا بمثابة القلب، وبمثابة إصبع الديناميت، حياة باريس تتوقف عليه، ومصير العالم. ذهب إلى أحد الأعمدة، وأخذ يدق عليه بقبضته، إلى أن كلّ من التعب والعناء. أعطى البورصة ظهره، فهو يفضل الأشجار، ويحب البحر، وذهب إلى نادي البحر الأبيض المتوسط في الوجه المقابل، وحجز خمسة أمكنة إلى المارتينيك.




14
بعد ساعة من مغادرة باريس وشنغهاي وإم. سي. إس، نظرت من نافذتي، فرأيت ماكينات لعب الفيديو تسقط في أمواج الضباب الساكنة. كان الضباب الأبيض يجثم فوقها، والأدخنة تتصاعد من البيوت المحيطة بساحة بيكاسو. اطمأننت عليهم، فها هم رجال شوغون لم يزالوا هنا، معنى ذلك أنهم تمكنوا من الفرار دون أن يلحق بهم الأذى. لكنني خفت على فكرة صعود رجال الساموراي عندي بحثًا عمن يريدون، وفي حال معرفتهم بعدم وجودهم أن يلحقوا بي ما لا يرتجى. أردت أن أنزع عن فرخ الدجاجة جلده، إذ كنت مطاردًا بالخوف الدائم من الكولسترول. ومع ذلك، رميته بجلده في قدر ماء يغلي كي أسقط مريضًا، وذهبت أشرب بعض النبيذ.
سمعت صوت الجرس، فارتعدت فرائصي. وبعد تردد، فتحت لأجد نفسي وجهًا لوجه مع سي. آش. إل. حياني (( بأهلاً موليير))، ودخل.
سألته وأنا أخفي خوفي: ماذا تريد؟ لقد ذهب أصحابك.
تفاجأ: ذهبوا إلى أين؟
أجبت: إلى الشيطان!
وأخذت جرعة نبيذ صغيرة من فوهة الزجاجة.
قال: لماذا تركتهم يذهبون؟ باريس في خطر!
قلت: لقد طردتهم.
قال: لم أكن أتصور أن كاتبًا يفعل هذا.
قلت: كاتب على مؤخرتي!
وأخذت جرعة نبيذ كبيرة هذه المرة لا لأقهر خوفًا لا يتركني، بل لأستطيع العيش معه.
قال: إذن سأذهب، إنهم حتمًا عند دافيد.
وقفت في طريقه، وأنا أفتح ذارعيّ على سعتهما، وأرجوه أن يبقى، ثم انهرت باكيًا.
قلت له: إنني خائف، إنني يائس، وقد ارتكبت أعظم خطأ في حق باريس. كنت أنانيًّا، جعلتني شنغهاي زوجًا لها، ولكنني طردتها.
قال لي كان عليّ ألا أشتهي شنغهاي.
قلت له: لم أستطع إلا أن أشتهيها، كانت الجسد الذي لم أعد أحلم به منذ زمن طويل.
قال لي كان عليّ أن أضاجعها بعقلي، لكنني ضعيف، فضلت متعة الجسد العابرة على متعة العقل الخالدة.
أكد لي أنه وإم. سي. إس. لم يكونا من اختيار شنغهاي، اختارهما العلماء كي يصنعوا الطفل النموذج، أمَّا أنا، فقد اختارتني شنغهاي بكل إرادتها، وما كان مني إلا أن خذلتها كما خذلت فضل من قبلها.
ذكرني أنه يمثل الذكاء، وإم. سي. إس يمثل القوة، وشنغهاي تمثل الجمال وماضي الحضارات الغابرة، أن شنغهاي الحفيدة الصغرى لآخر إمبراطور للصين.
قلت له: ماذا أكون لشنغهاي كي تختارني أنا العجوز المترهل الذي ضيَّع كل شيء؟ لا تقل لي لأجل أن أكتب قصة باريس، وباريس لا يمكن لأحد أن يكتب قصتها، حتى أن أعظم الكتب لن يمنع السفاحين من العلماء من تحقيق أهدافهم بها.
قال: لأجل أن تكتب قصتها، فتحصل ضجة، هذا صحيح، ولكنها اختارتك أنت، أولاً وقبل كل شيء، لأنك كنت في اعتقادها تمثل الحكمة، الحكمة هي التي ستهدينا إلى أنجع الطرق لمواجهة أهداف العلماء الجهنمية. أنت، مع الأسف، تمثل الخذلان، خذلت شنغهاي، وخذلت فضل، وخيبت أمل باريس بك، وخيبت الكتابة.
قهقهت، وأنا أسقط على ظهري. كنت خائفًا، كان ضحكي بسبب الخوف. أخذت جرعة نبيذ كبيرة أخرى، كي أخفي ارتعادي، وقلت:
- وهكذا أخطأت شنغهاي في حسابها، فما أنا سوى متشرد تائه، خائن، تمامًا كما قلت، أرتعد من الخوف.
تجاهل كلامي، فأمسكته من ذراعه، وشددته إليّ.
- إنني يائس من أمر باريس، فهم سيقضون عليها، إن لم يكونوا قد قضوا عليها. لقد رأيت دمعًا في عينيها قبل أن تذهب. أحس الآن بيأسها ويأس أمها وإم. سي. إس. كان اليأس حمامًا أسود في أعينهم. أرى الآن دمعًا ودمًا وأدمغة مسحوقة. أرى مناقير بيضًا أبيض من الأبيض تغدو سودًا. أرى أجنحة سودًا أسود من الأسود تغدو بيضًا. أرى مخالب صُفرًا أصفر من الأصفر تغدو حمرًا.
بدا لي فجأة أنه يفكر في شيء آخر، وأن على وجهه أمارات السعادة.
قال لي سي. آش. إل:
- لا تيأس، سنذهب كلنا إلى جزيرة المارتينيك.
أمام عدم فهمي أعاد:
- سنذهب إلى المارتينيك بعد إنقاذ باريس. إنه المكان الخلاسي الذي يناسبنا جميعًا.
نظرنا من النافذة، فرأينا ماكينات ألعاب الفيديو تسقط دومًا في أمواج الضباب. كان عمالقة الصمت والخوف والشك سادة المكان. قلت لسي. آش. إل، سنأكل فرخ الدجاجة، ثم سنذهب بحثًا عن باريس وشنغهاي وإم. سي. إس، عندما يهبط الليل، في الطاحونة الحمراء. سنأخذ سيارة فضل، ونتخلص من رجال الساموراي.
كنت خائفًا كطفل، فألقى نظرة عليّ، نظرة تومض ذكاء ومعرفة، وطلب مني ألا أقلق ما دام أفراد عصابة الساموراي لم يغادروا ساحة بيكاسو، وما دام هو مصمم على حمايتي من أجل شنغهاي زوجتي، ومن أجل باريس حفيدتي التي لا بد أنها الآن في مكان آمن. قال لي هي حفيدتك، وأنت أبي! انحنيت على جبينه، وقبلته. قلت له: أنا شيخ بحاجة إليك، يا ولدي! لكنني لم أحس بالاطمئنان. جرعت بعض النبيذ من فوهة الزجاجة، ثم قدمتها له، فجرع منها، وقال: من عادتي ألا أشرب النبيذ، ولكنني أشرب معك، لأنك أبي، وأنا ليس عليّ تجاهك سوى واجب الطاعة والخضوع!
قلت:
- منذ لحظة كنت أباك وأنت ولدي، والآن، بعد هذه اللفتة الرائعة منك، أنت أبي وأنا ولدك!
واطمأنت جوانحي اطمئنانها يوم كنت طفلاً في أحضان أمه وأبيه.
ما أن انتهى خوفي حتى هبت من الناحية المفتوحة للساحة ريح بدأت ضعيفة، وغدت عنيفة. حركت أمواج الضباب الساكنة، فماجت كالبحور، واضطرت رجال الساموراي إلى مغادرة مخابئهم. سمعت صيحاتهم الغاضبة، ولم يتأخر الثلج عن السقوط.
رأيتني طفلا أقف مترددًا بين الأعمدة، ثم وقفت تحت الثلج، وفتحت لندفه ذارعيّ.
انطلق نفير سفينة مدوية، ثم انبثقت من الثلج والموج والضباب سفينة ضخمة آتية من صين القرون الوسطى، مصنوعة من الخشب المصقول، ومن صواريها تتدلى أشرطة حريرية ملونة.
اشتعلت في كواتها الأضواء، وفي مقدمتها وقفت باريس بثوب وردي اللون، وهي تمد يديها إليّ. صعدت سلمًا من الحبال إليها، فلم أجدها، فوقفت على حافة السفينة أنظر إلى ملايين العصافير الملونة، وهي تخرج من بطنها، ورأيت آلات موسيقية، وهي تصعد درجها الداخلي عازفة، ولا أرى غير أصابع العازفين. كان ميكي ودونالد وبغزبني قد صعدوا الدرج المفتوح كالسرة، وأتوا يسلمون علي. قال لي بغزبني: ما الجديد يا دكتور؟ وذهب، وزميلاه يضحكان منه. كانت مارلين مونرو قد صعدت الدرج أيضًا مع مارلون براندو وجيمس دين، وقد جاءوا جميعًا بسحر الرسوم المتحركة يسلمون عليّ. قبلتني مارلين مونرو من خدي، فكدت أطير من شدة الفرح. وفجأة، اهتزت السفينة على إيقاع حوافر تصعد من جوفها، ومالت على الجانبين، وهي تُدَوّْمُ، فمرت من أمامي ملايين الأحصنة العربية البيض، تبعتها ملايين الخنازير الصينية السود، ثم ملايين الفقمات القطبية الزرق، فملايين الدلافين النورماندية الذهبية. وعلى أنغام موسيقى الروك الصاخبة رقص شبان البلاط الجديد، ثم غنى فريق "بويتيك لوفر" أغنية جديدة، رومنطيقية، انطلقت في الأجواء على أنغامها ملايين البالونات الملونة التي تبعتها ديناصورات من العواشب يجرها رجال آليون، وسلاحف عملاقة لم تزل موجودة، وسحالي عملاقة منقرضة، إلى أن هدأ كل شيء، وأصبح للثلوج النادفة صوت نسمعه حال ارتطامها بسطح السفينة الذي غدا أبيض من بياض قلب الطفل، قلبي. ترددت عند ذلكٍ، وأنا أفكر في الشيخ الذي سأصبحه. أردت التمرد على اللون الأبيض، وكدت أعبث بقدمي مشوهًا كل تلك الثلوج. أردت الخروج من الطفولة والخيال؛ لأرتمي في اللون الأحمر للدماء، وأردت ذبح شيخوختي قربانًا لكل الأطفال، لكنني لم أهجر بعد طفولتي في هذا المكان، وذاك الزمان، وتركت الثلوج تغمرني من قمة رأسي إلى أخمص قدمي.
أحسست فجأة بوجود باريس إلى جانبي على حافة السفينة، قالت لي بأعذب صوت سمعته لبنت في حياتي: هل تأتي معي؟ هززت لها رأسي بالإيجاب، فإذا بالسفينة تصعد في الأجواء كالمنطاد، ترفعها ملايين من طائرات الورق. مرت بالشيخ الذي أصبحته، وحياني الطفل الذي كنته مودعًا. كانت بعض الوجوه الملتصقة بزجاج النوافذ السائلة بالبخار تتابع المشهد، وكنت أنا شديد الحزن. قلت لسي. آش. إل. دون أن أنظر إليه:
- ستذهب هذه السفينة لتغرق في بحر غزة.
حير كلامي سي. آش. إل:
- أية سفينة؟ أنا لا أرى سفينة. أنا لا أرى إلا الثلج المتساقط!
ضحكت من نفسي، وقلت:
- اسمح لي! إن لي خيالات الأطفال هذه الأيام، لست أدري لماذا!
عدت أنظر من النافذة، فلم أر سوى ثلج لا يتوقف عن التساقط. كانت ساحة بيكاسو خالية، لا أحد فيها، وكانت نوافذ الحي كلها تغرق في الظلام. قلت هذه لحظتنا الأفضل لامتطاء سيارة فضل. كان شبان البلاط الجديد يغتصبون في ظلها امرأة. عندما رأوني، سحبوا المرأة، وذهبوا هناك غير بعيد، وعادوا يواصلون اغتصابهم لها. أراد سي. آش. إل. أن يهاجمهم، لكنني منعته. لاحظت أنهم قد حاولوا عبثًا فتح السيارة الإلكترونية. امتطيناها، وطرنا إلى الطاحونة الحمراء.
في الملهى، حاول حراس دافيد الدفاع عن معلمهم، فأرداهم المفتش جافير ورجاله قتلى.
أحضروا أخته، فمزق المفتش جافير عن صدرها، ثم عراها، وهي تقاوم عبثًا بين أيدي رجاله. قال له:
- سنلوث أختك، ولن تصبح المرأة المحترمة التي صنعتها. قل لنا أين تختبئ باريس عندك، وسنترك أختك تمضي إلى حالها.
كانت المسدسات مسلطة على رأس دافيد، وأحد عمالقة الشرطة يثني ذراعه خلف ظهره، ودافيد يقول:
- لن أحنث بكلمة شرف أعطيتها.
ضرب الشرطي العملاق رأس دافيد في حافة مكتبه، فتدفقت أنهار الدم، ودافيد يقول:
- إن باريس في عهدتي، وقد أعطيت كلمة شرف لن أحنث بها.
قال المفتش جافير متهكمًا:
- وشرف أختك؟
- أختي ستظل في نظري أطهر أخت.
افترشها أحد رجال المفتش جافير، وقام بفعلته تحت ناظر دافيد، وأخت دافيد تطلق صيحات الذل والاستسلام.
أخذ دافيد يبكي، فطقطق الشرطي العملاق عنقه، وغادر المفتش جافير ورجاله الملهى بسرعة.
كنا قد شاهدنا أنا وسي. آش. إل. كل شيء من طاقة مزججة في السقف، فقال لي إن باريس وشنغهاي وإم. سي. إس. مختبئون حتمًا في مكان ما من الملهى، وإلا لم كل هذا الإلحاح من طرف المفتش جافير؟ قلت لربما غادروه قبل وصوله.
كانت لدي رغبة في الانتقام لدم دافيد وشرف أخته، وتمنيت لو كانت لي قوة باريس الخارقة. سحبني سي. آش. إل. من ذراعي، وأخذنا ننظر إلى شارع بيغال من وراء هيكل الطاحونة الحمراء المضاءة، الدائرة ككل طواحين الهواء. رأينا بعض المارة السائرين بمعاطفهم الثقيلة، وبعض السياح الضاجين الخارجين من المترو، ولم يكن هناك أي أثر لشرطي. دوى نفير سيارة الإسعاف، وأخرجوا جثة دافيد. رأى سي. آش. إل. شنغهاي تمسك بيد أخته دون أن تكف هذه عن البكاء، ورأيت باريس بين ذراعي إم. سي. إس، وجمهور من فناني الملهى ورواده يحيط بالجميع.
قفزنا من السطح، ونحن ننط ككرتين، ووجدنا أنفسنا وقوفًا أمام حارس الملهى الخارجي. صاح من المفاجأة، ونادى علينا، لكننا صعدنا مع شنغهاي وإم. سي. إس. وباريس وأخت دافيد مع جثة دافيد في سيارة الإسعاف التي انطلقت بنا.
وأنا أنظر من الزجاج الخلفي إلى سيارة فضل الواقفة قرب الرصيف، كنت أرى بنات الهوى في ثياب الراهبات، وهن يكشفن لزبائنهن عن أفخاذهن الموشاة بالمطاط. لم يكن ذلك تصورًا افتراضيًا أو هاجسًا كامنًا في عقلي الباطن، تلك كانت صورة مدينة باريس في خالص صدقها: مزيجًا من الوداعة والدعارة. رأيت فيها أناي في تلك اللحظة اللاحقة لزمن الفاجعة، فاجعة ذهب ضحيتها دافيد. لحظة فيها من التكامل بين نقيضين لا يمكن عدهما وإلى لا ما لا نهاية: الجمال والقبح، الذكاء والغباء، الطيبة والشر، الحب والكره، الضوء والظل، النار والنار، وكانت الفاجعة تكمن في عدم معرفة أي نار هي التي تحرق المرء في باريس، نار ضوئها أم نار ظلامها؟
صحوت على شنغهاي، ووجهي بين يديها، تديره إليها. ضممتها، وقلت لها، وأنا على وشك البكاء:
- يجب الانتقام لدم دافيد وشرف أخته.
قالت شنغهاي:
- مع الأسف لا يمكننا الانتقام.
- باريس يمكنها الانتقام.
- باريس لم تزل في مرحلة الطفولة.
كانت باريس تمسح عن وجه دافيد الدم، وتبتسم له، وتمسح عن وجه أخته الدمع، وتقبلها من خدها. وكانت سيارة الإسعاف تجري بنا، ونحن في جوفها عاجزون لا نستطيع أن نفعل شيئًا.
قالت شنغهاي:
- لقد زرع العلماء في رؤوسنا أقطابًا كهربائية تركزت في منطقة نفوذ فعل الخير والمتعة، أما باريس، فأمرها يختلف، إن دماغها المبرغث مصنوع سلفًا لتكون أفعاله على مراحل، وهم يريدون أن يتحكموا بهذه المراحل، لهذا تجدهم يسبتسلون في وضع يدهم عليها.
قلت:
- سأنتقم إذن لدم دافيد وشرف أخته وحدي.
التفتت شنغهاي إلى سي. آش. إل وإم. سي. إس، وقالت:
- أردت أن أجعل منه زوجي الثالث دون أن أفلح.
قلت:
- إذا كنت، يا شنغهاي، لم تفلحي في التحايل على الحكمة معي، فالحكمة في ظرف دموي كهذا هي القتل.
أخذت شنغهاي تبكي، وتقول: إنني أضعت الطريق إلى المجد.
مسحت باريس دمعها، وقبلتها من خدها، وشنغهاي تقول لها: انتقامه مهر المجد.
قلت:
- عندما يلقون القبض عليكم سيكون لكم نفس المصير الذي كان لدافيد.
طلبت إلى السائق أن ينزلني، فأنزلني، ونزلوا كلهم معي. قلت لهم إني ذاهب إلى أحد البارات لأسكر، فلم ينبسوا ببنت شفة، لكنهم تبعوني. لم يكن المكان غريبًا عليّ، رغم أني أضع القدم فيه لأول مرة. اتجهت إلى بار ليس بعيدًا، ثم استدرت لأجدهم دومًا ورائي.
قالت شنغهاي:
- نريد أن نحميك.
انفجرت مقهقهًا، والناس الذين يمرون بي ينظرون إليّ. قال إم. سي. إس:
- أقسم المفتش جافير أن يقتلك شر قتلة لأنك خبأت باريس عندك.
كشفت عن قفاي، وقلت:
- لم يبق لي إلا قفاي، فليقتله!
ركضت شنغهاي، وضمتني، وقالت:
- لقد أصابك الجنون، يا حبيبي!
قال سي. آش. إل:
- إنه مجنون منذ مولده.
لكن شنغهاي راحت تقبلني، وتقبلني، وتقول لسي. آش. إل:
- إنه مجنون منذ عرفني. لقد أصابه الجنون بسببي.
وقفت باريس بيننا، وراحت تقبلني من خدي تارة، وتقبل شنغهاي من خدها تارة، وتقول:
- إن العراك لا يفيد شيئًا.
قالت شنغهاي،
- نحن لا نتعارك، يا صغيرتي، نحن نحب بعضنا على طريقتنا.
قالت باريس:
- لنذهب إلى الاختباء عند ماركو، وغدًا صباحًا سأفكر لكم في حل.
ضحك إم. سي. إس، وقال:
- لم تعد باريس صغيرة، إن باريس تكبر.
ضحك سي. آش. إل، وقال:
- لقد كبرت باريس الليلة بمقدار عشرة أعوام.
قالت شنغهاي:
- إن عقلها الذي كبر بمقدار عشرة أعوام وربما أكثر.
قلت:
- إنها ستبقى حفيدتي الصغيرة، حفيدتي المدللة!
قالت باريس:
- وأنت، يا جدي، ستبقى جدي الصغير، جدي المدلل!
أخذتها بين ذارعيّ، وقبلتها من خدها، وهي تقهقه ألذ قهقهات سمعتها في حياتي. وضعت ذراعًا على كتفيها، وذراعًا على كتفي شنغهاي، وقلت:
- بعد موت فضل، أنتما كل شيء لي في الوجود!
قهقهت شنغهاي هي الأخرى، وقالت:
- اطمئن، سننتقم لدم دافيد وشرف أخته، أما الآن، فاجعل مني ومن باريس حبك الأوحد.
قلت:
- وهل أكون حبكما الأوحد؟
ترددت شنغهاي، تحت نظرات سي. آش. إل. وإم. سي. إس، لكن باريس قالت، وهي تميل بعنقها على ذراعي:
- أنت حبي الأوحد، يا جدي!
نظرت إلى هذا الجمال الذي سيعجز الأدمغة، وغبطت نفسي. كان كل هذا الجمال لي وحدي، ألست حب باريس الأوحد؟ كانت باريس هي أيضًا وأمها حبي الأوحد، وقد وجدت نفسي في مكان سأصارع منه العالم من أجلهما. في أمور العواطف لا خيار هناك. كان عليّ أن أواجه شوغون ونيغروبلان ومن لف لفهما. كان ذلك قدر باريس بنتًا ومدينة، قدر غدا قدري. وبانتظار المواجهة الكبرى، كان عليّ أن أخبئ حفيدتي في أي مكان يبعدها عن أعينهم، فقالت شنغهاي إنه لم يبق لنا سوى ماركو. ذهبنا عنده، وتركنا ننتظر في حجرة مجاورة ريثما ينتهي من اجتماع مع زبائن لم يقل لنا إنهم كانوا أفراد الساموراي، وإن شوغون ذاته على رأسهم.





15
قدم ماركو مشروب الساكي لرجال الساموراي الذين كانوا يصحبون شوغون، ولأنه ما كان بإمكانه أن يشرب معهم بسبب قناعه، رفع كأسه بصحتهم. كانوا يجلسون في ثيابهم التقليدية، وسيوفهم تتدلى على خصورهم، وكان شوغون يقول لماركو:
- أهدافي من أهدافك، يا ماركو، فأنت مع الشرف العلمي، ونحن لا نريد باريس إلا لأجل الشرف العلمي، وخدمة الحضارة. نيغروبلان ليس مع أي شرف، وأهدافه لا تخدم الحضارة. أما إذا كنت تعمل ضد العلم كنيغروبلان، فسنعمل نحن بدورنا ضدك. لن نصدر لك ساعات السايكو المقلدة، ولا آخر مبتكرات تكنولوجيا سوني المصنوعة لحسابك بشكل متوازٍ، لا ولا قطع غيار السيارات التويوتا التي تكسب منها أكبر المكاسب. دعنا إذن، وقد عجزنا عن صنع البرغوث الحيوي السلبي، نجني من دماغ باريس العجيب بدورنا أكبر المكاسب... العلمية، لنصنع حضارة رقمية جديدة تفوق حضارتكم هذا صحيح، ولكنها ستبقى في خدمتكم. إن قصدنا نبيل كما ترى، ونحن لن نهبط قيمة أسهمك في البورصة، ولن نخدعك.
قال ماركو:
- لن يخدع أحدنا الآخر، ولا داعي للف والدوران معي. أعرف، أيها السيد شوغون، أنك لا تريد باريس إلا للتفوق على نيغروبلان، وإبقاء العالم على ما هو عليه من درجة تقدمه، فمع التطور الرقمي سيفلت من يدك، والبرهان على ذلك باريس.
خلال ذلك، كانت باريس قد ربطت نفسها عن طريق أحد الأقمار الصناعية بحاسوب ماركو، وشغلته، لتسمع كل ما يقال في الصالون، وتنقل لي ولشنغهاي وإم. سي. إس. وسي. آش. إل. ما يجري من حديث بين شوغون وماركو، فأزداد حنقًا وعزمًا على مواجهتهم وتعطيل خطتهم.
سألتُ باريس:
- ماذا بإمكانك أن تفعلي؟
حذرتها شنغهاي:
- حذار من أن تفعلي شيئًا شانئًا.
قالت باريس لأمها:
- لقد كبرت، يا ماما، وهؤلاء يريدون الغدر بنا.
ارتعدت شنغهاي:
- إذن بإمكانك أن تفعلي شيئًا شائنًا.
خفضت باريس رأسها بين قدميها، وقالت:
- بإمكاني، يا ماما. لكنه ليس شيئًا شائنًا، أنا أدافع عن نفسي وعنكم، أنا أدافع عن جدي، فهو ضعيف، ليست له قوى كقوانا.
وأمسكت بيدي، فقلت لشنغهاي:
- إن باريس بعد أن غدت كبيرة تعرف مصلحتها.
احتجت شنغهاي:
- الآن تجدها كبيرة!
- أقصد كبيرة بعقلها. إن لها قوة عقولنا جميعًا.
قالت شنغهاي:
- لا أريدها أن تقتل.
قال إم. سي. إس:
- ستقتل الأعداء.
قالت شنغهاي:
- لا أريدها أن تقتل حتى الأعداء.
قال سي. آش. إل:
- باريس لن تلوث يدها بدم أحد، عقلها الذي سيقتل، وهم الذين صنعوا عقلها، إنها جريمتهم!
قلت:
- ستبقى باريس بريئة من دمهم.
قال سي. آش. إل:
- باريس هي البراءة المنتقمة للبراءة!
قال إم. سي. إس:
- باريس هي الانتقام البريء من الانتقام!
قلت:
- ستبقى باريس مذنبة حتى الانتقام!
ضمت شنغهاي ابنتها، وهي تبكي، وتقول:
- ستدخلني باريس في منطقة نفوذ الجحيم.
وتوجهت إليّ حزينة:
- هل أنت سعيد؟
قلت: سأكون سعيدًا إذا رمت باريس هؤلاء القتلة في نار الجحيم.
طلبت إلينا أن نغلق عليهم الأبواب والنوافذ من الخارج، بعد أن حيدنا الحراس، وعن طريق القمر الصناعي دومًا، فجرت باريس الحاسوب، فاشتعل، وأشعل في الصالون نارًا لم يتمكن ماركو ولا السامورائيون من إطفائها، فماتوا احتراقًا أو اختناقًا ما عدا شوغون لقناعه الإلكتروني.
هذا ولم تهدأ شنغهاي بعد كل ما فعلته باريس، قالت إن أرواح أجدادها لغاضبة، ومن أجل أن تستعيد الهدوء والطمأنينة، أحرقت حزمة من النقود سرقها لها إم. سي. إس. من جيب أحد قطاع الطرق الذين جاءوا بعد الحادث، وعزمنا على العودة إلى أحشاء باريس، والاختباء عند جد شنغهاي. كان بإمكانه هو، سيد الداو (أو الطريق) الموجه لسير الأشياء الصائب وسلوك الرجال القويم، أن يجد طريقة ينقذ بها باريس من ذئاب العلم، أما أنا، فبعد ما فعلته باريس بماركو والآخرين، كنت عاجزًا عن إنقاذ قطة تستغيث. عاد إليّ إحساسي بالحزن والاستسلام واليأس، اليأس الشديد. منعني يأسي من خذلانها كما خذلت ذات مرة أعز صديق لي. عادت إليّ إرادة إنقاذها، استمددت ذلك من يأسي وضعفي، وقلت لا مكان أمين أكثر من عند جد شنغهاي. أضف إلى ذلك أن عندي سيشدد المفتش جافير الحراسة، ولن يتأخر رجال الساموراي عن الانتقام مني.
امتطينا قاربًا مطاطيًّا، ورحنا نجدف في مجاري باريس، ونحن نكاد نرتطم بأقبيتها الرطبة. تركني إم. سي. إس. وسي. آش. إل. أجدف وحدي، وراحا يداعبان شنغهاي، ويلمسانها في أماكن تثير رغبتها أكثر في أحدهما. لكن عدم استمالة الواحد لها أو الآخر جعلهما يتصارعان حتى الموت، فصاحت شنغهاي بهما دون فائدة، وقالت كل هذا من صنع باريس، التي استنكرت، وقالت:
- لا شأن لي في الأمر.
ولولا أن سكّنت شنغهاي جموحهما، وطيبت خاطرهما، لوقعنا في الغائط. أخذت كل واحد إلى ثدي من ثدييها، وجعلتهما ينامان.
قالت لي باريس:
- هذا ليس نهر اللؤلؤ الذي في الصين، ومع ذلك، سأهديك من هذه النتانة كنزًا لا أجمل منه إلا في خليج العرب!
وبالفعل، بدأت تنبثق من نهر الغائط لآلئ أنصع نقاء من الطهارة، فأخذت بالمجداف أجمعها، وأمسح بإصبعي الوسخ عنها. شكرت باريس، وقلت لها إنها أطيب بنت في الوجود. سألتني ماذا سأفعل باللآلئ، قلت كل شيء لا يخطر ببال ولا يعن بعقل، إذ بعد كل ما حصل لي ولفضل لم يبقوا لي إلا مشروعي الشخصي الخاص بي أنا وحدي، مشروع حياتي. قهقهت باريس، ونهض على قهقهتها إم. سي. إس. وسي. آش. إل.
كنا قد وصلنا الهوة التي تصلنا ببيت جد شنغهاي، فصعدنا سلالمها، ووجدنا أنفسنا في صالون الجد، ومن حولنا باقات لا تعد ولا تحصى من ياسمين الصين. كان الجد يجلس على طراريح من الحرير، يرتدي كومونو حريريًّا، ومن فوق سكسوكة الناسك التي له يدخن من أنبوب بعض الحشائش. نقل قبعة القش المخروطية من رأسه إلى أنفه، وقال إن مني تصعد رائحة النتانة.
جاءت شنغهاي بعطر قوي، وغسلت به يدي دون أن ينفع ذلك في شيء.
قلت:
- إنها اللآلئ.
قال: ارمها في الحوض، فهي لن تجلب لك إلا سوء الحظ.
رميتها في الحوض، وهي تشتعل نارًا، وتفوح منها رائحة جد كريهة قبل أن تختفي في جوفه.
قالت شنغهاي آسفة:
- إنها باريس.
التي نفت، وقال:
- لا شأن لي في الأمر.
حذر الجد شنغهاي بنظرة قاتمة:
- انتبهي على ابنتك قبل أن تفقد ال "كي"، هذا النفس الحيوي الذي يحيي الكائنات ويصلها بطاقة دينامية الكون، ويصبح الوقت متأخرًا. لقد حرفت ابنتك ال "دو" (أو الفضيلة) عن مسارها، وجعلت اللاكائن ينبثق من الكائن!
عندما أخبرته شنغهاي بعزمنا على الالتجاء إلى رحابه ريثما تهدأ العاصفة من حول باريس، ومن حولنا معها، أشار إليّ، وقال:
- يعرف أن العاصفة لن تهدأ.
قلت:
- إن أحدًا لم يرنا ونحن نأتي عندك.
قال:
- العاصفة تعرف الطريق إلى جد شنغهاي. إن هذا من دينامية طبيعية الأشياء، وإن كان من ورائها تدخل الإنسان.
سحب نفسًا مديدًا من الأنبوب، ثم قدمه لي، فقلت:
- إن لي صدرًا تعبًا.
فضحك جد شنغهاي:
- لهذا السبب، ليقوى صدرك.
وبالفعل، بعد نفس أو نفسين أحسست بالشباب يُنفخ في رئتيّ. قال جد شنغهاي:
- يا زوج حفيدتي الثالث، لك الآن من الشباب بقدر ما لزوجي حفيدتي الأول والثاني، فخذ الجميع، واذهب بهم إلى حيث ينام صديقك في المقبرة، هناك تقل المخاطر بعد أن قطع صديقك كل المخاطر، واستطاع أن يجمع كل القوى الفيزيائية والكوسمولوجية التي هي قاعدة كل دينامية العالم، ويدخل في الفناء المطلق.
فكرت في الأطفال الذين خرجوا إلى باريس ليلعبوا معها، ثم خدعتهم بسببي، وجعلتهم يحطمون أدمغتهم على السور. وفكرت في مقلد الكونتيسة فولتير الذي علم بالخديعة، ولو بشكل متأخر، وحال دون أن ينتثر جسدها رمادًا. أما مقلد فضل صديقي الذي كان يرجوني أن أغادر المقبرة، فلم يكن ذلك بسبب دسائس باريس التي كان عقلها الصغير يحيكها ضدي – بإرادتها أو بغير إرادتها، هذا شيء آخر – ولكنها كانت دسائس تحاك ضدي على أي حال، لم يولها فضل صديقي الأهمية الكافية مقابل المخاطر التي كان يتوقع حدوثها، وها هو جد شنغهاي يعيدنا إلى المقبرة، إلى العواء الغريب، وإلى مهد العناصر الخمسة. أوصاني أن أبقى يقظًا، فعزمت على الحذر، وعلى عدم الوقوع بسهولة فريسة شياطين الأدمغة. أردنا الرجوع إلى أحشاء باريس من حيث جئنا، فقال لنا جد شنغهاي بل خذوا الطريق العام، وستحميكم ال "الزونغ" (الأمانة) من أعدائكم، وال "كي" (العدالة)، وال "كسن" (الإخلاص) وال "يونغ" (الحكمة والشجاعة).
سرنا في شارع بلفيل، شارع الولع الأقصى شرقي بالربح الكثير، وأنا أشدهم إقدامًا وحيوية. كانت لي روح تفوق بقوة قناعتها الروح التجارية الجشعة التي تهيمن على المكان، وكانت شنغهاي تمسك باريس من يدها، وعلى وجهها الدقيق ملامح الخوف من شيء ليس متوقعًا. أراد إم. سي. إس. وسي. آش. إل. أن يعيدا مشهد التودد الذي لعباه في أحشاء باريس، فعنفتهما شنغهاي، استغربا، وقالا إن شنغهاي تخرج من منطقة نفوذ الجنة في دماغها، ولربما أصيبت بالنوراستينيا. قالت باريس إنها لا تريد الذهاب إلى المقبرة، وجعلتنا نرى في جادة بلفيل تحت كشافات الضوء لعبة افتراضية للأحصنة الخشبية التي ظلت تدور على نغم بارد لبعض الوقت قبل أن يمتطيها فجأة أطفال افتراضيون شبه وحوش، لهم حدبات، يتضاحكون، ويتقاتلون.
صاحت شنغهاي بابنتها مؤنبة:
- لماذا فعلت هذا؟
فنفت باريس كعادتها، وأنكرت، لكن شنغهاي أخذتها، وضربتها، وباريس تبكي ثم تقهقه.
قالت شنغهاي:
- تحولت هذه البنت إلى شيطان!
أخذتُ باريس بين ذراعيّ، فدفنت رأسها في صدري. توقفت عن القهقهة، وعادت تبكي.
قالت:
- أنا لا أسيطر على نفسي، يا جدي.
نظرت في عيني شنغهاي المنهارة، وكل من إم. سي. إس. وسي. آش. إل. يمسكها من ذراع.
قالت شنغهاي:
- كل مصائب الدنيا ستنزلها هذه البنت على رأسي!
وما أن أصبحنا في شارع مينيلمونتان حتى بدت كوكبة افتراضية من الفرسان الغوليين، وأخذت بهراواتها تطرق رؤوس بعض العابرين الافتراضيين.
قلت على صراخ شنغهاي وندبها:
- هذه ليست باريس، انظري، لم تزل باريس تدفن رأسها في صدري.
وما أن رفعت باريس رأسها حتى جاءت مجموعة من الدبابات الافتراضية من بعيد، فنقلت شنغهاي ابنتها بين ذراعيها، ورجتها:
- سيطري على عقلك، لا تدمري الدنيا.
انفجرت شنغهاي تبكي، وانفجر سي. آش. إل. يبكي، وأراد إم. سي. إس. أن يخنق باريس بكفه، فمنعته، وضربته، فأخذ يبكي هو الآخر.
أخذت وجه باريس بين يديّ:
- فضل لم يكن يؤمن بتحول الصورة الافتراضية إلى حقيقة، فهل يمكنك أن تفعلي ذلك؟
قالت:
- افهمني، يا جدي، كل هذا من صنعهم. عليّ أن أبدل ربطي بالقمر الصناعي الذي وضعوا أيديهم عليه.
واحتضنتني.
هل أخنقها بيدي هاتين؟ هل أقتلها؟ هل أجرم بطفلة؟ عقلها مجرم مدمر، وهي طفلة بريئة، هم الذين عليّ واجب خنقهم وقتلهم.
طرقت بوابة مقبرة بير-لاشيز، فخرج الحارس ذاته، وقد قف شعر رأسه الذي غدا أبيض، واستطال حاجباه، وغارت عيناه. جذبته من خناقه، وهددته، ففتح البوابة بسرعة، وذهبنا إلى مدافن الكونتيسة موليير نختبئ بعد أن حذرت الحارس من إبلاغ الشرطة.
في المدفن، طلبت الكونتيسة موليير إلى إم. سي. إس. وسي. آش. إل. عن طريق مقلدها أن يخرجا مع باريس قليلاً ريثما نتحدث في أمر لا تريد أن تسمعه الصغيرة. كنا أنا ومقلد فضل وشنغهاي قد رحنا نصغي إلى الكونتيسة التي راحت تقول:
- يجب تسليم باريس إلى الشرطة، إنها طفلة خطرة، متحكمة، متسلطة، بل هي الشيطان في جسد طفلة! إذا تركتموها وشأنها هدمت المدن، وارتكبت أبشع الجرائم. الآن بما لها من عقل صغير تفعل العجب العجاب، فكيف بعد أن يكبر عقلها، ويصبح لها عقل بالغ؟ عقلها يكبر تبعًا للأحداث التي تهزه، وتجعله ينمو سنين في غمضة عين، يختصر الفصول، وبدلاً من أن يترك الين واليانغ، يا شنغهاي، كل ما هو مؤنث وكل ما هو مذكر، يتكاملان في دينامية الكون، يكرس الصراع بينهما لصالحه الشخصي. لا، ليس هذا ما علمني إياه جدك، أنا التي كنت أحسن مريداته. لا، ليس من أجل هذا أوصيت بكل ثروتي للأبحاث الرقمية التي تأخذ بعين الاعتبار مبادئ التاوية في الفلسفة والأخلاق.
قالت شنغهاي:
- لن أسلم ابنتي إلى الشرطة، إن هذا يعني تسليمها إلى نيغروبلان. حتى الآن استطعت حمايتها منهم، فلن أقدمها لهم على طبق من فضة.
قال مقلد فضل:
- لا تسلميها، بل أنقذيها.
قلت:
- لن ينقذها أحد غيري.
سأل فضل: كيف؟
قلت:
- يجب إيقاف الذين يفعلون كل ما يريدون بواسطتها عند حدهم.
سخر مقلد فضل مني:
- أنت لم توقف الذين قتلوني أنا عند حدهم ولم تنقذني!
قلت:
- لأنك رفضت.
سأل:
- رفضت ماذا؟
قلت: أن تسمع لي. لم يكن أحد يستطيع إنقاذك، فهم شبكة من المجرمين الذين استخدموا أقرب العاملين معك. كنت تشير إليهم واحدًا واحدًا وتقول هؤلاء هم العناكب الذين سيقتلونني. حتى ونحن كنا رهائن عند شوغون لم تسمع لي.
قال مقلد فضل:
- كنت يائسًا.
قلت:
- أما أنا، فلم أكن يائسًا، كنت جبانًا. اليوم أنا يائس. أنت دفعك يأسك إلى انتحار فشلت فيه، فكان مصرعك، وتحققت غايتك، أما أنا، فإحساسي باليأس هو الذي سينقذ باريس. إنه زمنها، والأزمان تختلف، وأنا لربما أصبحت عجوزًا ما فيه الكفاية، وقلمي قد جف. فماذا سأخسر؟
قالت شنغهاي:
- ستخسرني.
وانخرطت في البكاء.
طلب مقلد الكونتيسة فولتير منها أن تمسح دمعها، وسألها:
- أتحبين هذا العجوز المتغطرس إلى هذه الدرجة؟
هزت شنغهاي رأسها، وقالت:
- ستفلت من يدنا الأمور.
قلت:
- لن تفلت.
قال مقلد فضل:
- لنرسم خطة ضد الرئيس.
ضحك مقلد الكونتيسة:
- ضد الرئيس!
قال مقلد فضل:
- هو من يأمر نيغروبلان، ويغدق عليه الأموال.
قلت:
- لنواجه الرئيس علينا أن نستعين بعقل باريس.
قالت شنغهاي:
- سيرفض عقل باريس.
قال مقلد الكونتيسة:
- عقل باريس مكبل بعقل الرئيس.
قال مقلد فضل:
- السر كله في عقل باريس.
قلت:
- لا سر هناك، لقد فبركوا عقلها كما فبركوا مقتلك.
قفز مقلد فضل من مكانه:
- لقد قتلوا باريس إذن كما قتلوني، وما هذا سوى مقلد باريس كما أنا مقلد ذاتي.
بكت شنغهاي، وبكى مقلد الكونتيسة، وبكيت.
قال مقلد فضل:
- هذه ليست باريس بل صورة افتراضية عنها مدمرة.
بكى مقلد فضل هو الآخر، وقال:
- لقد نجحوا عبرها في تحقيق ما لم أكن أعتقد، ولوضع حد لخططهم الجهنمية بها لا حل إلا في تدميرها.
رفضت الحل النهائي في حق باريس، وأنا أذرف الدمع، وأبكي.
قلت لمقلد فضل:
- جد حلاً آخر يحفظ لي حفيدتي!
وعندما عجز عن إيجاد حل آخر، قلت:
- أموت أنا بدلاً منها، فأنا عشت حياتي، أما باريس، فلم تبدأ بعد حياتها!
أفهمني مقلد فضل أن المسألة لا علاقة لها بالعواطف أو الفداء، لأن لباريس الافتراضية هذه قوة التدمير، وعلينا واجب تدميرها. رفضت من جديد، ورفضت شنغهاي، قالت إنه مخطئ تمامًا، باريس هذه من قض وقضيض، ثمرة أحشائها، ووافق مع مقلد فضل مقلد الكونتيسة.
إذا بمقلد الكونتيسة البهية الخلابة يغدو هيكلا عظميًّا، فرملاً، وإذا بمقلد فضل يغدو أشلاء مشوهة، وإذا برجال الشرطة يحيطون بنا من كل جانب. امحى المقلدان، واحتلت شاشة الحاسوب نقاط لا تعد ولا تحصى.
تمكنت أنا وشنغهاي من الهرب عن طريق قبو يصل مدفن الكونتيسة فولتير بقاعة الأطفال الكبيرة التحت الأرضية الملأى بالأعمدة. لم يكن فيها أحد، فأخاف الصمت المخيم شنغهاي، وطلبت أن نخرج من هناك بسرعة. وفي اللحظة ذاتها، أحسسنا بأنفاس ساخنة على رقابنا، ووجناتنا، فازدادت شنغهاي خوفًا، وأنا رحت أنظر من حولي حذرًا، دون أن أرى في الظلام شيئًا. فجأة، انفجرت حزم مصابيح رجال المفتش جافير اليدوية، فقفزت بين أيدينا طيور عملاقة تشبه النعامة يزيد طولها عن ثلاثة أمتار: هي التي كانت بأعناقها الطويلة تمد رؤوسها إلى رؤوسنا، فنحس بأنفاسها. عندما دهمها ما نعانيه من إحساس بالخطر، عادت، وهي تبتسم لنا، وحملتنا على أكتافها، وبسرعة الريح خرجت بنا من ناحية ما تحت الأرض. أنزلتنا قرب مقبرة الحاسوبات، ونحن نداعبها، وهي تبتسم لنا، وتميل سعيدة. قلت لشانغهاي هذه دينورنيسات من العصر الثلثي، فاستغربت وجودها. أخذت هذه الطيور ذات الوجوه الظريفة تداعبنا بدورها، وهي تدفعنا برؤوسها، وهي تنفخ على شعرنا، وهي تلحس أيادينا، إلى أن جاء العواء، فتركتنا خائفة، واختفت بين القبور هاربة.
دبت حركة في مستنقع من السائل الأصفر، وعلى مفاجأة منا كان حاسوبان قد أخذا يعملان. همهمت شنغهاي يائسة أن هذا من فعل باريس، وفجأة، انبثق من السائل حيوان وليد بقدر قبضة اليد. الجسد جسد كلب، والوجه وجه تتكافل فيه عدة حيوانات: الأسنان للفهد، والأنف للقرد، والعينان للبوم، والرأس لوحيد القرن. أخذت شنغهاي تشدني متراجعة، وهي تحاول ألا تصرخ، ثم أطلقت صرخة الرعب في اللحظة التي أحاطت فيها بنا من كل جانب عشرات من الحيوانات البالغة المشابهة لمن ولد منذ قليل. انقض أحدهم علينا، لكن طلقات المفتش جافير كانت الأسرع، فأرداه قتيلاً، وفرت باقي الحيوانات متفرقة هنا وهناك بين القبور.
كان المفتش جافير قد أمر برفع باريس على هودج كما ترفع الأميرات، وجاء بإم. سي. إس. وسي. آش. إل. في الكلبشات، ورجاله يدعسون رأسيهما. دعسوا رأسي أنا أيضًا ورأس شنغهاي، وأراد المفتش جافير أن يقتل الحيوان الوليد. صوّب بمسدسه رأسه، فنزلت باريس من الهودج، وحالت دون ذلك. حملته بين ذراعيها بحنان، وذهبت إلى ناحية في الظلام، كان أطفال المرة الأخيرة، وقد شاخوا قليلاً، يتجمعون فيها، وينظرون عن كثب إلينا. أوكلت إلى أحدهم بالحيوان الوليد، وراحت تمسح بيدها على وجوههم بحنان، وهم يقبلون أطراف أصابعها، وأذيال ثوبها. جاءت أرتال من الفراشات الوضاحة، وراحت ترقص فوق رأس باريس، وتبتسم لها، ثم عادت من حيث جاءت.
صاح المفتش جافير برجاله:
- لقد انتهت الحفلة!
وقادونا إلى مركز شرطة بلفيل.





16
كانت في ممرات المركز وقاعاته مجموعات من أندرويدات الرجال – الذئاب الخانعة، ووراء المكاتب والآلات الكتابة شرطة من أندرويدات الخراف الشرسة. كانت شرطة الخراف تجري التحقيقات مع الرجال – الذئاب، وهذه أضعف من الحشرات، تطأطئ رؤوسها، وتحني هاماتها، وتجيب إجابات هامسة مستسلمة أمام زعيق الخراف، وضربها على الطاولة، وإطلاق شرر الحقد من عيونها.
ذهبوا بشنغهاي وإم. سي. إس. وسي. آش. إل. وحدهم، وضاعوا عن ناظري عند آخر الممر الطويل. أما أنا، فأدخلوني في قاعة ذات أرائك فخمة، وطاولات يلمع عليها عدد لا يحصى من الكمبيوترات. قدم لي المفتش جافير سيجارًا، فأخذته بيديّ المكبلتين. طلب لي قهوة، وقال إن دوري لن يلبث أن يأتي، وذهب من باب داخلي دخل منه أحد الوزراء المكبلين بصحبة ضابط شرطة راح يطرح على الوزير الأنيق المعطر أسئلته بحذر وخوف يصل إلى حد الرعب، والوزير يجيب بغضب وعنف، وهو يضرب بيديه المكبلتين على الطاولة.
قال الوزير إن لا شأن له بقضية الدم الملوث، والشرطي يسجل أقواله على الكمبيوتر. وقال إذا كانت هناك قضية للدم الملوث، فهي قضية الدولة. رمى باللوم على التكنولوجيا التي لم تكن على المستوى المطلوب، فلم تميز أدوات المختبر بين دم ملوث وغير ملوث.
قال الضابط:
- يؤكد أهالي المصابين إنكم كنتم على علم بالأمر، وسكتم لأجل النقود، بعتم الدم الملوث لتجنوا الأرباح الطائلة، فقتلتم ما قتلتم.
عاد الوزير يصيح، ويضرب بيديه المكبلتين على الطاولة، والضابط يطلب إليه مغادرة القاعة في اللحظة التي دخل فيها وزير آخر مكبل اليدين يرتدي قميصًا من الحرير، ويبتسم ابتسامة براقة.
كان يبتسم ابتسامة الملاك، وفي الوقت ذاته تتفجر عيناه شررًا، وهو ينفي بشدة كل علاقة إفساد أو نصب بخصوص أسهم الشركة اليابانية التي اشتراها.
قال الضابط بعد أن سجل أقوال الوزير على الكمبيوتر إن الأمر يتعلق بشراء كل هذه الأسهم بزهيد المال تحت ذريعة أنها شركة مفلسة، وفي الحقيقة أدرت عليكم الصفقة الأرباح الطائلة. أخذ الوزير يضرب على الطاولة بكلتا يديه المكبلتين حتى كسرها، وابتسامة الملاك على شفتيه تثقب فمه. نفى التهمة بشدة، والضابط ينظر إليه نظرة رجل آلي لم يؤثر فيه سلوك الوزير. وقبل أن ينصرف، اقترح الوزير على الضابط صكًّا بآلاف الدولارات يسيل له اللعاب مقابل صمته، فلم يؤثر فيه ذلك.
دخل وكيل أحد الوزراء، فرأيت في فمه غليونًا من العاج، وحول عنقه سلسال من الذهب. وقبل أن يبدأ التحقيق، أخذ يضرب بكلتا يديه المكبلتين على الكمبيوتر الذي جعله يمحو كل معلوماته. قال إن على الشرطة أن تلقي القبض على الوزير، وأن تطلق في الحال سراحه، لأنه لم يفعل شيئًا سوى تنفيذ أوامره بتحويل الأموال الخاصة بالوزارة تحت توقيع مزور.
جاء الضابط، وتأكد من انقفال قيديه. قال إنه لا يقوم إلا بتنفيذ ما أمر به، وكل الأمر بيد المفتش جافير الذي لم يلبث أن جاء وكيل الوزير بجواز سفر صحيح- مزور يحمل اسمًا غير اسمه، وأطلق سراحه تحت شرط مغادرته البلاد فورًا.
طلب إليّ الضابط أن أتقدم منه، وقال إنني أهم من كل الوزراء الذين حقَّق معهم، ولو كان الأمر بيده، لعينني أول وزير للذكاء الرقمي.
قلت لا بد أن في الأمر التباسًا، لكنه راح يعدد كتبي التي قرأها أو سمع عنها. تقدم، وفك قيديّ، وطلب مني أن أحكي له كل ما أعرف بخصوص باريس.
نفيت كل معرفة بباريس، وكل معرفة بأمها أو بأبيها الإفريقي أو بأبيها الأوروبي. قلت إن المقبرة هي التي جمعتنا، وكان ذلك محض صدفة. وقلت إن علاقتي بها عابرة، حتى أن صديقي فضل لم يكن يعرفها. كان مثلي ساذجًا وغبيًّا، وهي ليست بحاجة لمن هو ساذج وغبي.
لم أقل للضابط الذي كان يسجل على الكمبيوتر أقوالي إنني رأيت بعضًا من خوارقها، أو إنني زوج أمها الثالث. كنت قد نسيت شنغهاي في اللحظة التي غابت فيها عن ناظري في ممر مركز الشرطة الطويل. تحولت شنغهاي إلى طيف أزرق، وبدوت قلقًا لا أدري لماذا. ربما بسبب طيف شنغهاي الأزرق، وهي عارية في أحضاني. كرهت ذاتي، وأحببت وجه الضابط. كان لا يتوقف عن الهمس، والإشارة بأصابعه. وكان لا يبتسم، ولكنه كان يفتح عينيه واسعًا، ويغلقهما بشدة.
قال لي الضابط إنني أخفي الكثير مما أعرف، وقد رأى في عيني طيفًا أزرق. أصابني الدوار، فطلبت حبتي أسبرين شربتهما مع كأس ماء.
جاء المفتش جافير، وقال إن عليّ أن أعترف بكل شيء، وبدا لي صلدًا كفولاذ، فظًّا كمدرب من مدربي الشرطة.
هددني، فقلت سأكتب عنكم في الجرائد.
أخذني بعد أن عاد وغلَّ يديّ إلى غرفة القذارة. تركني هناك، وذهب. رأيت أندرويدات المحققين – الخنازير وهم يحطمون الجسد المعدني لأحد الرجال – الذئاب بخراطيمهم، وحوافرهم، فتنفجر مئات الأسلاك الكهربائية التي تمثل الأمعاء، ويحترق حاسوب الرأس في أكثر من مكان.
قال لي المحقق – الخنزير، وهو يصفعني صفعة أسقطتني في هرم من رؤوس الرجال – الذئاب المهشمة:
- هل ستكتب عنَّا في الجرائد؟
قلت:
- لن أكتب.
لكنه ركلني بحافره:
- لماذا تكذب؟
قلت:
- بماذا أحلف لك؟
صاح:
- برأس أمك الخنزيرة.
وراح يقهقه، والدم يسيل من طرفي فمي.
توقف زميله الضارب على الكمبيوتر، وقال:
- حدثنا عن باريس.
أخذت أشتم باريس، وأم باريس، وصديقي فضل الذي كان السبب في معرفتي بها.
قال المحقق الخنزير:
- لا تشتم، تأدَّب!
صمت، وقلت: أما إذا أردتم أن أحدثكم عن خوارقها، فقد رأيت منها الكثير. هذا لا يعني أنها ليست في خطر والكل يريد امتلاكها، وفي المقدمة الياباني شوغون. باريس في خطر، والعالم في خطر، وأول من هم في خطر أنتم.
حضر اثنان من المحققين- الخنازير، وفتحا فمي إلى أقصاه، وراح ثالث يصب في فمي نهرًا من زيت الخروع، وأنا أصرخ:
- ستفلت باريس بقوة برغوثها الحيوي منكم، وستنقلب عليكم، ثم ستقلب الدنيا على رؤوسكم! أنا جدُّ باريس، فصدقوني!
تركوني أتلاهث في بركة من زيت الخروع والبول إلى أن هدأت.
قال لي المحقق الخنزير:
- سنمحو كل شيء من ذاكرتك.
- لن يمكنكم محو باريس.
- وإذا عصيت سنمحوها من الوجود هي أيضًا كما نمحو الذاكرة من الرؤوس.
خفت على باريس:
- أعدكم بألا أقول شيئًا.
وبكيت:
- اتركوني في حالي، أترككم في حالكم.
دخل المفتش جافير فجأة، وأمر:
- أطلقوا سراحه.
أمام دهشة المحققين- الخنازير أوضح:
- نفت باريس كل علاقة له بها.
تردد المحققون – الخنازير:
- هل أنت واثق من ذلك، يا سيد جافير؟
نبر المفتش جافير:
- كما أنا واثق من أنكم أشنع الخنازير وأقذرها!
خيب أملهم، فهمهموا:
- لقد بدأنا نعتاد عليه! ألا يكون قد تدبر الأمر مع حفيدته؟
غضب المفتش جافير:
- يتدبر الأمر معها كيف، وهي في مكان، وهو في مكان آخر؟ بواسطة عقلكم الخنزيري!
تململ المحققون- الخنازير في وقفتهم، وعادوا يهمهمون:
- خسارة! لقد بدأنا نعتاد عليه!
صاح المفتش جافير:
- أما هو، فلن يعتاد عليكم!
وجعلهم يطلقون سراحي.

17
وقفت وراء نافذتي، وأنا أشرب النبيذ من فوهة الزجاجة. كانت ساحة بيكاسو خالية إلا من بعض الشبان المتجمعين هنا وهناك، والضباب يتصارع حول فوهات المصابيح. جاء أفريقيان، وهما يتخاصمان، فالتف بهما الشبان قبل أن يفرنقعوا فجأة على ضرب الرصاص. هرب أحد الأفريقيين، وظل الثاني يرقد على الأرض في دمائه. رحت أعبُّ النبيذ عبًّا كي أنتزع طعم زيت الخروع من فمي، وأنسى صورة الدم الرخيص في ساحة بيكاسو، أنسى دمي، أوجاعي، أو على الأقل كي أحتمل وجود طيف شنغهاي الأزرق، وهي عارية على جسدي. نسيت أوجاعي، ولم أنسَ شنغهاي، كانت المركب الراسي في تلك الميناء البعيدة، والنجمة السجينة في ذلك العالم الأحمر. كيف لم أنسَ شنغهاي؟ شنغهاي التي بحجم شجرة الأرز؟ أحسست أنني اختنقت تحت وطأة سور ربض عليّ، وكاد يسحقني، أطول سور في التاريخ. ارتميت على الأرض، والنبيذ يتدفق على وجهي، وأحسست بالخوف من الاختناق. أحسست أن شنغهاي تربض على صدري تريد خنقي، فناديت عبثًا باريس. كنت أكره باريس، تخلت عن باريس، وفي ظنها أنها أنقذتني من براثن الأندرويدات الخنازير. تخلت عني، وتركتني أختنق، وأنا أخال نفسي أنسحق تحت جسد شنغهاي بعد أن صار له وزن التنين. تخلت عني، وأنا الذي أحبها أكثر من ابنتي التي ماتت. تمنيت لها الموت، ونهضت على فكرة الموت. جرعت ما تبقى في الزجاجة، وفتحت أخرى. كان الموت ساحرًا في عزلتي التامة. كانت العزلة سحر الموت. وأنا، قد بثني سحر الموت سحر الحياة. أحسست بنفسي شابًّا في الثلاثين من العمر، ولكن مخالب القلق قد ازدادت مضاء، وهي تطبق علي.
أين شنغهاي؟ وإم. سي. إس؟ وسي. آش. إل؟ أين ذهبوا بهم في ذلك الممر الطويل؟ لماذا تركتهم يأخذونهم إلى مصير مجهول؟ لماذا تخلت عنهم باريس؟ ابنتهم؟ لماذا لم تتخل عنِّي وتخلت عن أمها وأبويها؟ أنا، على أي حال، لم يكن الجبن هو الذي جعلني أتركهم يذهبون، وإنما لأنني أردت أن أشرب قليلاً، أن أحس بنفسي وحيدًا.
أية سعادة أن يحس المرء بنفسه وحيدًا! يفتك بكبده تحت ذريعة نسيان أوجاعه الجسدية، فما هي أوجاع الجسد مقابل أوجاع العقل؟ جاء طيف شنغهاي الأزرق، وغدا أحمر، التف الطيف بذراعيه العاريتين حول جسدي. تضاعفت سعادتي، كنت وحيدًا، وغدوت وحيدًا مع طيفها.
عزمت على كتابة مقال أحكي فيه كل شيء بخصوص باريس. وما يحصل يحصل. لم تعد المسألة مسألة كوباي، مسألة أناس يقتلون باسم العلم من أجل تجارب ستعود بالنفع – كما يدعون – على الإنسانية، مسألة باريس شيء آخر. العلماء الذين صنعوها هم أعداء العالم. أعداء الإنسانية. باسم العلم. لكي يصبح العلم في خدمتهم عليهم أن يقتلوا الإنسانية. وباريس كانت العلم الذي به يريدون قتلنا – أو استعبادنا – جميعًا.
كانت هذه هي فكرة المقال. سآتي بتفاصيل، وسأسرد ما وقع بالفعل. سأدافع عن الطفولة، لا عن طفولة باريس فقط. وسأدافع عن الشيخوخة، لا عن شيخوختي فقط. وسأطالب الرئيس بتخفيض الميزانية المخصصة لأبحاث الدماغ.
أخذت جرعة نبيذ، وحملت قلمي، فغادرتني عاصفة الرغبة في الكتابة. ألقيت نظرة إلى طيف شنغهاي الذي غدا لهبًا أصفر إلى أن بات على وشك الانطفاء، وكسرت القلم.
ارتميت أرضًا، وقد عاودني الشعور بالاختناق. أخذت ألهث، وأشهق. فتحت الباب، وسقطت على عتبة جاري، ورحت أطرق بابه، انشق بابه، ثم انغلق بعنف بعد أن أطلت منه عينان لبومة فزعة.
في الصباح، ذهبت إلى مخفر بلفيل، وطلبت رؤية المفتش جافير. كنت عازمًا على إطلاق سراح شنغهاي وزوجيها، أو على الأقل معرفة مصيرهم. تفاجأت بخلو الممرات والقاعات من المجرمين والمحققين. وبعد أن أذهبني شرطي إلى آخر، قال لي شرطي يشبه إلى حد بعيد الأيل إن المفتش جافير قد خرج في مهمة لدى عصابة الساموراي. قلت له: أريد والحال هذه أن أرى رئيس المركز. حدد لي مكان مكتبه الواقع في آخر الممر، وقال: اسأل عن السيد الضابط هناك.
مشيت أقطع الممر الذي غابت عني شنغهاي فيه لآخر مرة، كان الهدوء يشبه إلى حد بعيد هدوء المحطات الفضائية، وكان الخوف قد أخذ يضاعف دقات قلبي.
لم يكن هناك أحد في آخر الممر، ولم تكن هناك أبواب أو نوافذ. وجدت نفسي في مكان مربع انغلق عليّ، وما أن لمست أحد جدرانه حتى هبطت إلى طابق تحت الأرض، ووجدت نفسي في مستشفى من أحدث مستشفيات العصر.
كان ممر المستشفى يلمع بلونه الأبيض، ويتوهج بالأضواء البيضاء، وكان الصمت سيد المكان، فلا حركة لقدم، ولا صوت لمقص.
نظرت من الأبواب المزججة، فرأيت بعض المرضى الذين زرعوا في رؤوسهم عددًا من الأقطاب الكهربائية المتصلة بآلات إلكترونية.
أردت العودة من حيث أتيت، بعد أن تبين لي أنني أخطأت المكان، لكنني لمحت من بعيد شنغهاي خارجة من غرفة العمليات، ومن حولها عدد من الأطباء والممرضات. كانت شنغهاي مزروعة بالأقطاب الكهربائية في كل مكان من جمجمتها بعد أن حلقوا شعرها، ووضعوا في أنفها وفمها عشرات الأنابيب.
فاجأني شخصان آتيان من خلفي، وهما يحكيان عما أسمياه
(( بالاستبطان))، وقال أحدهما: علينا أن نصبح الذات التي تشاهد ما يجري في الذهن من شعوريات ليس فقط لوصفها أو لتأويلها وإنما للتحكم بها كالتحكم بالبرغوث الحيوي. عند ذلك، عرفت فيه نيغروبلان. إذن لم يكن هذا مستشفى، وإنما المختبر الذي للعالم الشيطاني.
وجدتني أدخل إحدى الغرف، وما أذهلني أكثر من أي شيء آخر أن المريض المستلقي في الفراش كان جد شنغهاي.
ابتسم لي، وهو شبه ميت، قال لي، وهو مغمض العينين إن هذه التي زرعوها في رأسه ليست أقطابًا كهربائية وإنما جحافل من الجيش الياباني. وبدأ يصف لي وقائع معارك منشوريا، وكيف استبسل وحده كمائة تنين. ثم حكى لي عن مختبرات الموت التي أنشأوها هناك، وكيف جربوا عليه أسلحتهم الكيماوية.
بدأت أنزع الأقطاب الكهربائية من رأسه، ولحية ذقنه الرمادية يتساقط شعرها بين أصابعي. امحت ابتسامته، وأخذ الدمع يسيل من عينيه المغمضتين. قال لي، وأنا أحمله خفيفًا بين ذراعيّ إن عليّ أن أنقذ شنغهاي من الموت لأنه مات، وهذا، من هو بين ذارعيّ، إمبراطور الصين الذي أرادوا إعادته إلى الحياة عبثًا.
قلت:
- سأنقذ إمبراطور الصين أولاً ثم شنغهاي الخالدة.
قال، وأنا أركض به في الممر:
- لقد أرادوا أن يعرفوا السر الذي أسقطني، أنا سليل ملوك الدنيا منذ الأزمان الميثولوجية وعهد السلالات الملكية الثلاث، وأن يصلوا إلى سر حضارتنا أم الحضارات.
كانت حالته في خطر، لهذا طلبت إليه ألا يتكلم. وأنا أصعد به إلى قلب المركز، فقلب الطريق، قلت له سآخذك إلى طبيب، لكنه قال إنهم أخطأوا، لأن لا أحد يعرف سر سقوطه سوى شنغهاي.
قلت:
- ها هم يحاولون معها هي الأخرى.
قال:
- إذا تركتني أعود إلى الموت، فلن يفلحوا معها.
قلت:
- لن أتركك تعود إلى الموت، وهم لن يفلحوا معها، لأن باريس معها.
كشف:
- لا أحد مع شنغهاي الآن، حتى أنني سأخذلها بدوري إذا جعلتني أحيا، فعن طريق التماهي بين عقلها وعقلي سيقفون على السر.
أكدت:
- لن تخذلك شنغهاي.
غضب:
- بل أنا من سيخذلها إن لم تدعني أموت! لن أترك للطبيعة مهمة تهذيبها، وسأجعلها نهبًا للتناقضات، تسعى إلى السلطة والمال مبتعدة عن التماهي بالكون، وليس في هذا شيء من الحكمة، حكمتك، ينبوع سعادة البشر.
تابعت آثار الغضب على وجهه دون أن أعير أقواله أدنى اهتمام. كان همي الوحيد أن أعالجه.
ضربت جرس أول طبيب وجدته في عمارة عالية، ففتح لي الباب الخارجي، وصعدت بالجد الدرج بعد أن وجدت المصعد معطلاً. وأنا في الطابق الثالث أو الرابع، ضربت ذراعاي بجناحِ صقرٍ حلق على علو تسعة طوابق أو عشرة، ثم رمى بنفسه من علِ، وعاد يدخل في جسد جد شنغهاي الذي سقط على الأرض جثة هامدة.






18
في تشاينا تاون أعلن الناس الحداد على موت جد شنغهاي، صبغوا وجوههم بالشيد، ورفعوا الأعلام البيضاء.
قرعت الطبول قرعات رتيبة، وانطلقت من النوافذ زفرات النساء والرجال.
أحرق الأطفال أعواد الند، ومنعت الحمائم عن النزاء.
جاء المفتش جافير ليقدم تعازيه، كان الحضور من أهل الصين يربطون على رؤوسهم وشائح بيضاء مرسومة عليها إيديوغرامات سوداء.
وجاء شوغون مع بعض أفراد الساموراي الجدد ليقدموا التعازي، فرقصت البنات بين أياديهم رقصة الحزن.
تقدم المفتش جافير مني، وهمس في أذني:
- بعد انتهاء المراسم سألقي القبض عليك.
قلت له:
- أعرف. لكنني لن أتيح لك الفرصة لتحقيق ذلك.
قال:
- أنا لا أقوم إلا بواجبي.
قلت:
- أنا أسخر منك ومن واجبك.
- أتهددني؟
- إذا كنت تسعى إلى القيام بواجبك، فاذهب، وأنقذ شنغهاي من الموت.
- ستموت شنغهاي في سبيل مجد باريس.
قلت: مجد باريس سيقتلك.
وانسحبت في اللحظة التي حمل فيها مجموعة من الشبان جثة جد شنغهاي، والمفتش جافير يلاحقني بنظراته.
شاركت بحمل جثة جد شنغهاي إلى محرقة الجثث، وقد ازدحم الناس من حولي، ولم أعد أرى المفتش جافير. قبل أن ندفع جثة الجد في اللهب، أخذ يبتسم لي، وبدأت لحية ذقنه تنبت سوداء كلحى الشباب. كان عليّ أن أذهب إلى شنغهاي، أن أخبرها بموت جدها. أسقطت نفسي من الهوة، وأخذت أبحث عن منفذ يؤدي بي إلى المختبر السري. رأيت سهمًا في أحشاء باريس يشير إلى مركز الشرطة، فقلت هذه هي الطريق. صعدت من بالوعة إلى قلب المختبر السري، وعدت إلى الممر الذي يسقط في الصمت. رأيت شرطيًّا يقوم بالحراسة، وشاهدت ممرضتين تخرجان بأم. سي. إس. من غرفة، وهو يصرخ صراخًا جنونيًّا. كان كشنغهاي حليق الشعر، وفي جمجمته آثار الأقطاب الكهربائية.
انقض إم. سي. إس. على إحدى الممرضات، وعضها، وهذه راحت تصرخ صراخًا حادًّا. باغت الأخرى، وجاء إلي حيث أختبئ. كان يلهث ككلب، وقد تشوه شكله. ناديته باسمه، فخاف خوفًا شديدًا. أخذ يبحث بعينيه المنفجرتين بالخوف عني، ولم يجدني. أراد الهرب، فخرجت، وأمسكته من كتفه. ما أن وقع عليّ حتى أخذ يصرخ، وينادي رجل الشرطة ليأتي، ويلقي القبض عليّ. حاولت تهدئته، فلم أفلح. قلت له إنني أنا، فلم يتذكر من أنا، لكنه كان يريدهم أن يلقوا القبض عليّ أنا وحدي دون غيري.
قلت لا بد أنهم اخترقوا دماغه إلى منطقة جهنم، إلى النقطة الأعمق من بنيته البيدماغية.
حاولت الهروب والاختفاء، فأمسك بي، وضربني على صدغي، وعلى رأسي، وبدا شرسًا وحشًا.
نهضت، وأنا أترنح، وتناولت من الظل كرسيًّا محطمًا. رفعته في وجهه، فخاف مني كنمر يخاف من مروض، وانزوى مرتعدًا.
خرجت من باب خلفي، في اللحظة التي دخل فيها الشرطي. لم يعد بإمكاني أن أرى شنغهاي. كان عليّ أن أختار بين الصعود إلى مركز الشرطة أو الهبوط إلى أحشاء باريس. في مركز الشرطة هناك المفتش جافير، وفي أحشاء باريس هناك القارب المطاطي.
أخذت أمواج البول والغائط في أحشاء باريس تقذف القارب المطاطي باتجاه نهر السين، وباءت محاولتي بالفشل، كنت أريد أن يذهب بي إلى أقرب محطة أركب فيها القطار إلى الضواحي. وبعد أن يئست اليأس الكافي، وجدتني أخرج إلى قنطرة (( آلما)). كانت القنطرة مهدمة، كلها أنقاض كأنقاض معركة لنابليون انتصر فيها الروس هذه المرة، فقلت هذا من صنع باريس. جرفني شعور بالخوف على دماغها، لأن جسدها اليافع لن يحتمل ذلك. قلت سيجعلونها تبذل كل طاقتها إلى أن يميتوها بعد أن يستغلوها أكبر قدر، وتمنيت لو أعيرها جسدي، فلمن هو في مثل عمري قدرة أكبر على المقاومة. كان رجال الشرطة يبعدون الناس عن ركام القنطرة، ورأيت المفتش جافير، وهو لا يبخل عليهم بإعطاء أوامره، لكنني استطعت الاختفاء بين أجساد العابرين، وأخذت تاكسي إلى سيارة فضل حيث تركتها واقفة قرب الطاحونة الحمراء. امتطيتها، وعدت بسرعة الريح إلى مسكني في نوازي الكبير.
كنت حزينًا ومحبطًا. لم أستطع أن أفعل شيئًا من أجل شنغهاي. وكنت مصدومًا، وقلقًا، بعد الذي فعلوه في إم. سي. إس. قلت إنهم جهنم الحقد والرعب، تلك التي زرعوا فيها علمهم. كان الحقد يصرخ في عينيه، وفي الوقت ذاته كان الرعب يحوله إلى حشرة منسحقة.
تساءلت عما تفعله باريس الآن بعد هدم قنطرة (( آلما))، عما فعلوه بواسطتها. لكن صورة شنغهاي، وهي خارجة من غرفة العمليات قد سيطرت على عقلي. كانت صورتها محور كل اهتماماتي، وكنت أحس بعجزي، ويأسي.
أخذت أعب النبيذ من فم الزجاجة، ودخل الليل من خلف الستارة. كان الحزن أشد سوادًا من الليل، وكان الإحباط يلتهم عقلي. أحسست بوطأة العالم على كتفي، وفكرت برعب أن الليل لم يزل في أوله. كان علي أن أقضي الليل دون نوم، أنا وزجاجة النبيذ والأثاث الذي سيتحول إلى هياكل للعبيد.
قلت لنفسي لقد حاولت، لكنني أصبت بالفشل. حاولت أن أذهب إلى شنغهاي، فأقول لها جدك مات، وانتهى كل سر معه.
قلت إن سره يكمن في لحية ذقنه، فأخذت أقهقه، وأنا أعب النبيذ عبًّا، لأن العلماء لم يقفوا على ذلك. كنت قد اكتشفت الأمر وحدي، والدليل على ذلك ابتسامة الجد على ثغره الميت.
وصلتني طرقات على الباب، فنهضت كالجمل الخائر لأفتحه. ترددت في اللحظة الأخيرة، وأنا أفكر ربما يكون المفتش جافير، فتناولت سكينًا بعد أن قررت قتله.
فتحت الباب، والسكين يبرق في قبضتي، فتراجعت شنغهاي مرتعبة. رميت السكين، واحتضنتها، وهي تبعدني عنها مرتعدة. فَتَّشَت عن باريس في كل أنحاء الشقة، قلتُ باريس ليست عندي، باريس عند المفتش جافير. قالت إنها لم تعد عنده، وهي تريد أن تجدها. أجلستها، ورحت أتأملها: لقد قتلوا جمالها!
أخذت أبكي على قدميها، وأقول لها: لماذا فعلوا بك كل هذا؟
تركتني أبكي، وهي تحدق كفرخ الصقر المرتعب. لمست الثقوب التي في جمجمتها، والحزوز التي تشقق وجنتيها. أبعدت يدي عنها، وقالت:
- أعرف أنهم قتلوا جدي.
قلت: لكنهم لم يقفوا على سره.
قالت مرتعدة: أنا لم أقل لهم شيئًا.
قلت: بعد موت جدك لم تعودي تعرفين شيئًا، أما أنا، فأعرف كل شيء.
أخذتني في أحضانها بشكل مفاجئ، وأخذت تبثني عواطفها، وبيدها تبحث عن السكين. نَقَلَته في قبضتها، وقبل أن تغرسه في ظهري وصلت طرقات على الباب.
نهضت لأفتح، ثم ترددت.
قالت شنغهاي: إن المفتش جافير قد عدل عن إلقاء القبض عليك، والدليل على ذلك أنه أطلق سراحي.
قلت: من الطارق إذن؟
فتحت الباب، لأقع على إم. سي. إس. وسي. آش. إل، وهما في حالة من عدم التوازن.
كان شكل كل واحد أكثر رعبًا من الآخر، وقد بدت جيدًا منطقة النفوذ في كل جهنم التي ركز الأطباء عليها.
جلسا جنبًا إلى جنب مقابل شنغهاي، ولم ينبسا ببنت شفة.
أخذت جرعة من زجاجة النبيذ، وعرضت على الجميع مثلها، فرفضوا. كانوا لا يسمعونني، ولا يرونني. كانوا يجيبون بصوت واحد أقرب إلى نقيق الضفادع. قام سي. آش. إل، وجلس قرب شنغهاي. أحاطها بذراعه، فانقض عليه إم. سي. إس، ودخل الاثنان في معركة جهنمية. كانت شنغهاي تقهقه حبورًا على مرأى جراحهما النازفة. تناولت من يدي زجاجة النبيذ، وعبت منها عدة مرات متتابعة. قالت: إن مرأى الدم جميل، ولكنه غير مسكر، لهذا تود لو يسكرها النبيذ. أفرغت الزجاجة في فمها، وهي تقهقه، وتقول: انظر إليهما، وكل منهما يذبح الآخر من أجلي! هذه هي القيمة القصوى التي على المرأة "الديفاتا" أن تعطيها لنفسها، وهي في الوقت ذاته قيمة كل الحروب، وكل الهزائم التي تحول الموتى إلى أبطال! إنها لحظة احتراق النيرفانا دون الاكتفاء بالتعلق على بابها من أجل سلامة البشر، لأن البشر لا يعرفون سلامة أبدًا، إنهم الخصوم مذ ولدوا، الراغبون في كل شيء، المشدودون إلى كل شيء، اللامخلصون، الساهرون على ألا يحفظوا الكائنات من أجل العدم!
أوقفتهما بقوة المروض التي اكتشفتها فيّ، ورأيت أن قانون حفظ المشاعر عند ثلاثتهم قد اختفى، فقد قرأت شيئًا عن نظرية النسبية العاطفية. نهض إم. سي. إس. فجأة، وأراد أن يقفز من النافذة. تناول سي. آش. إل. السكين، وأراد أن يحفر كفه. أخذتني شنغهاي من ذارعي، ودفعتني في غرفة النوم، وبدت عطوفًا كذئبة. أخذت شنغهاي تعانقني بعد أن أغلقت الباب بالمفتاح. حاول سي. آش. إل. وإم. سي. إس. تحطيم الباب، وعندما عجزا بكيا، ثم ذهبا نائمين.
كانت شنغهاي الذئبة التي فيها. لم تكن هي. كانت تمارس استثارتها الذاتية بشكل عنيف. وكان إيقاع اللذة عندها غير وامض، ذا صيرورة متواصلة. كانت تتهيج على دفعات، ودون توقف، ومحركها لم يكن اندفاع العواطف أو نزوات القلب، وإنما تلك القوة الباعثة في العقل، وكلما أتى موعد التدفق عندي، ضربتني على عضوي، وجعلتني أبدأ من جديد. كانت تجعلني أراكم على طريقتها كل طاقة، وأغدو مثلها كالحيوان العصبي الواقع تحت تأثير تهيجه الدائم. خفضت اندفاع عواطفي إلى نقطة الصفر، كي تتحكم بها على هواها، وقتما تشاء، وكيفما تشاء.
طال أمري مع شنغهاي، وأصابني التذبذب والنوسان. كانت شنغهاي قد وجهت كل شيء باتجاه واحد، مما أدى إلى تعكير وضعي الجنسي. إضافة إلى ذلك، أصابني نهك نفسي. تحولت الألوان في عيني إلى أسود وأبيض فقط. أصبحت أرى البحر أسود، والرمل أبيض. رأيت السماء سوداء، وشنغهاي بيضاء. رأيت الليل أبيض، والنهار أسود.
رأتني شنغهاي أنازع الموت بين يديها، انقضت على عنقي، وأرادت خنقي. كان الرقاص في رأسها قد بدأ يعيد لها التوازن، فكلما اهتزت، وهي تشد بكل قواها على عنقي، اهتز الرقاص. كنت على وشك الموت، وشنغهاي على وشك التفجر من شدة السعادة. إلى أن هدأ الرقاص، وهدأت. عادت إلى طبيعتها الأولى. حملتني بين ذراعيها كطفلتها باريس، ولأول مرة منذ زمن طويل نمت كطفل.
حلمت بقروش آلية تقرضني بأسنانها، فحطمت شنغهاي بعضها، وطردت بعضها. جاءت كقافلة من الدلافين الافتراضيين البيض، وحملتني إلى شاطئ رمله أسود. فتحتُ عينيّ، فرأيت شنغهاي بيضاء أكثر من الأبيض، كانت تنظر إليّ دون أن تغفو. اعترفت لي بأن المفتش جافير أرسلها لقتلي، لأنني الوحيد من يعرف السر الحضاري. قالت إن جدها قال لها ذلك قبل أن يموت، وهي بدورها قالت ذلك للمفتش جافير، فأمرها أن تقتلني، قبل أن يتقاتل شوغون ونيغروبلان عليّ. قالت إن الشخص الوحيد الذي يجب قتله هو المفتش جافير، لأنه في حقيقته أداة للقتل، تود لو تقتله، وإذا ساعدتها، قتلته عن طيب خاطر، لكنني عدت إلى النوم من جديد.
بعد ساعة أو ساعتين قمت من النوم، فرأيت إم. سي. إس. أبيض، وسي. آش. إل. أسود. لم تكن شنغهاي هناك، فذهبت إلى المطبخ والحمام باحثًا عنها. نهض إم. سي. إس، وقال لي:
- ذهبت شنغهاي لتقتل المفتش جافير.
قال سي. آش. إل:
- أمرتنا بالبقاء معك لئلا تذهب وتقول له.
قلت:
- لن أقول له.
قال إم. سي. إس:
- أنت تكذب، ونحن نقرأ أفكارك.
قلت:
- أنا لا أكذب.
قال سي. آش. إل:
- أنت تراني أسود بينما أنا لست أسود، إذن أنت تكذب، يا موليير! نظرتك تشي بك!
قلت:
- صحيح، أنا أراك أسود، وأرى إم. سي. إس. أبيض.
غضب إم. سي. إس. مني، وقال:
- سنأخذك لتعالج عينيك، وإلا ما قدرنا على منعك من أن تقول للمفتش جافير كل شيء.
قلت:
- ليذهب المفتش جافير إلى الجحيم!
قال سي. آش. إل:
- ولكنني أريدك أن تعيد لي لوني.
وكذلك أخذ إم. سي. إس. يرجوني أن أعيد له لونه.
فتحت عينيّ إلى أقصاهما، وأغمضتهما، دون أية فائدة. حككتهما بأصابع إم. سي. إس، ثم بأصابع سي. آش. إل، فلم أنزع اللونين الأسود والأبيض من حقلي النظري. قلت: هذه حالة طارئة، ولننتظر إلى الغد.
قالا:
- لا يمكننا الانتظار.
وشرحا لي كيف خربت عليهما برمجمتهما، بعد أن قلبت لون كل واحد، وبالتالي الدور المناط به.
سألت:
- خربت برمجمتكما كيف؟
أجابا:
- لقد زرعوا في رأسينا بعض الزياحات العضوية التي تتصرف بنيروناتنا.
قلت:
- سأذهب إذن لأرى طبيبًا للعيون.
قالا:
- عليك أن تعود إلى النظر بكل الألوان في أقرب فرصة.
أخذاني في سيارة فضل دون أن يهتم شبان الحي بمصيري: كانوا يحاولون سرقة إحدى السيارات التي كانت هناك. ساقا السيارة الإلكترونية بسرعة جنونية، وهما يقهقهان كمجنونين، إلى مستشفى الأنتركومينال في منطقة كريتيّ غير البعيدة عن منطقتي.
كان المستشفى مبنيًا من الطوب الأحمر الذي برق في رأسي لحظة قبل أن يغدو أسود، تشعر بنفسك فيه وكأنك تعود إلى القرون الوسطى، تشعر به خارج باريس، كوكبًا معلقًا بين التخلف والحضارة.
ترددت على بابه، فدفعني إم. سي. إس. إلى الدخول فيه، وجذبني سي. آش. إل. إلى قاعة الانتظار حيث كان عشرات المرضى. كان كل واحد يحمل عينيه، وينتظر. أحاط بي إم. سي. إس. وسي. آش. إل. كلص اليمين، ولص الشمال، وكأني كنز لا يقدر بثمن. كنت أصغر الموجودين سنًا على الرغم من عقدي الخامس، وكنت أقلهم خطرًا، فلا مشاكل عندي مع قلبي، أو كبدي، وظهري لم يزل منتصبًا.
انتظرت طويلاً أن ينادوا عليّ، وراح كل من إم. سي. إس. وسي. آش. إل. يحرق الأرَّمَ على كل مريض يذهب إلى الطبيب قبلي. احتجز سي. آش. إل. شخصًا في غرفة للأرشيف، ورش إم. سي. إس. شخصًا آخر بمطفئ الحرائق، والأطباء لا يتوقفون عن مناداة المرضى:
السيد (( فر))، والسيد (( راح))، والسيد (( سخِرَ من)). السيدة (( مفلس))، والسيدة (( سيء))، والسيدة (( هالك)).
السيد (( كلب الثعالب))، والسيد (( كلب الأوكار))، والسيدة (( نار الموقد)).
نادوا على السيدة (( آس بري)) فتبعتها. طلبوا منها بالميكروفون أن تتجه إلى مركز تصوير الأوعية. كانت تزحف زحف سلحفاة، وابنها أو حفيدها يمسكها من ذراعها. سمعتها تقول له بكلمات متقطعة إنها لا تشكو من عينها فقط بل ومن أذنها. قال لها: إنني هنا، فلا تخشي شيئًا!
جعلوها تنتظر دورها على الباب المفتوح، فرأيت كيف كانت الطبيبة تزرق عيني المريض بمادة لا تخترقها أشعة إكس قبل أن تبدأ بتصويب بندقية الليزر فيهما. ليزر أصفر وأخضر وبرتقالي، والمعالج يحاول ألا ينط برأسه إلى الوراء.
أوقفني إم. سي. إس. وسي. آش. إل. على باب الغرفة التي سيفحصني فيها الطبيب، فخرج الطبيب على صوت أحد الشيوخ.
قال له الطبيب: أنت يا سيد (( بِرسيم)) لم تأخذ موعدًا.
قال الشيخ معتذرًا: لم أعد سيدًا لنفسي، يا دكتور.
قال الطبيب مشجعًا: بلى!
قال الشيخ، وقد قضمه فك اليأس: ما أنا سوى كلب طريد!
أمسكه الطبيب من ذراعه، وهو لا يكف لحظة واحدة عن تشجيعه، وأدخله في غرفة مجاورة.
فاجأني أحد المنتظرين: كم الساعة؟
أجابه إم. سي. إس. بلهجة جافة: الحادية عشرة.
قال الرجل: لدي ساعة، لكنني لا أرى جيدًا. أنا لا أستطيع القراءة، ولا السياقة، لقد أحرقوا لي عيني بالليزر.
قلت: أنا يمكنني القراءة والسياقة.
قال: يا لك من محظوظ! هل هو الرزق ذاته؟
قلت: لا بد أنه هو.
قال: إذا ارتفع الضغط رأيت كل شيء أبيض.
قلت: أنا أرى أبيض وأسود.
قال: إن حالتك خاصة.
قبل أن يضيف: أنا جئت من بعيد، من شيربور. وأنت؟
تدخل إم. سي. إس، وقال: لا تطرح كثيرًا من الأسئلة.
همهم الرجل: البحر في شيربور لا يهدأ أبدًا.
ثم انطوى على نفسه: منذ الصباح، وأنا أنتظر صور وصف الأوعية، ولن آخذ القطار الساعة الواحدة. البحر في شيربور صاخب دومًا!
طالت عودة الطبيب من الغرفة المجاورة، فجذبني إم. سي. إس. وسي. آش. إل. كلٌّ من ذراع، ووضعاني من وراء منظار الفحص. أمسك إم. سي. إس. برأسي لئلا أتحرك، وبعد أن نقط سي. آش. إل. عينيّ بالنِّقْرِس، أخذ يسددهما ببندقية الليزر، ويطلق، بينما كانت صدمة الليزر تلقي برأسي إلى الوراء، وتكاد ترميه أرضًا.
مادت الأرض تحت قدميّ، وأخذت أرى العالم أحمر اللون. طلبا إليّ أن أفشي لهما بسر جد شنغهاي الحضاري، فرفضت.
عاد سي. آش. إل. يسدد عينيّ بالليزر، وطلب إليّ من جديد أن أفشي بالسر الحضاري. هل أقول له إن كل السر كامن في سكسوكة جد شنغهاي؟ رمز الوحدة الطوطمية؟ كنت أحتمي بالسر، فرفضت البوح به. أخذ إم. سي. إس. بندقية الليزر من سي. آش. إل. بعنف، وأمره أن يفتح لي عينيّ بالقوة بعد أن أغمضتهما على عالمي الأحمر الذي يشبه سردابًا في هرم.
كاد سي. آش. إل. أن يفقأ لي عيني، وإم. سي. إس يسددهما ببندقية الليزر، ويقهقه، إلى أن غبت عن الوعي.
ونحن في طريقنا لامتطاء سيارة فضل في موقف السيارات الأرضي، وجدتني محاطًا بعدد لا يعد ولا يحصى من البذلات الدرعية، شل الخوف إم. سي. إس. وسي. آش. إل، وجمدهما في مكانيهما. كنت أرى كل شيء أحمر اللون، في وشاح ضبابي، وكنت وقتذاك مستعدًا للإفشاء بالسر الحضاري. وهن جسدي، وضعف بصري، وخارت قواي. لم تعد بي طاقة على التفكير، كان الليزر قد اخترق عيني إلى دماغي، وصحرن الجزء الأكبر من مناطقه.
امتدت بعض الأيدي القابضة على المسدسات، ورفعت القناع الحديدي لإحدى البدلات الدرعية. رأيت رأس المفتش جافير مقطوعًا، يقيء آلاف الكابلات، وبعد عدة لحظات من المفاجأة والرعب، قلت إنني لم أكن أعرف أنه أندرويد! تقدمت مني إحدى البدلات الدرعية، ورفعت عن وجهها قناعها الحديدي، فإذا بي أقع على شنغهاي. أخذ إم. سي. إس. وسي. آش. إل. يقهقهان من شدة الحبور، فأطلقت شنغهاي مسدسها بين قدميهما، وأسكتتهما.
قالت شنغهاي: قتلت جافير بعون شوغون، وأخذت مكانه.
قام إم. سي. إس، ووقف على يمينها، وكذلك فعل سي. آش. إل. الذي وقف عن شمالها.
قلت لها: أنت في خدمة شوغون الآن؟
قالت شنغهاي: أنا المفتشة شنغهاي الآن، وهؤلاء كلهم أعواني، وكلنا في خدمة الرئيس لنتحاشى أن يصبح نيغروبلان الرجل الأقوى.
رفعت البذلات الدرعية الأقنعة الحديدية عن وجوهها، فرأيت مزيجًا من رجال الشرطة، ورجال الساموراي.
قلت لشنغهاي: هنيئًا لك بالمنصب الجديد، وأنا ذاهب.
تحركت ذاهبًا، فاعترضتني سيوف رجال الساموراي وأسلحة رجال الشرطة.
قالت شنغهاي: عليك أن تقول لي سر جدي الذي نسيته، وأنا أضمن لك أن يكون موتك حلوًا.
قلت: نسيت سر جدك. أنساني هذان القزمان السر بعد أن قوساني بسلاح الليزر.
ارتعد كل من سي. آش. إل. وإم. سي. إس، وقالا، إنهما ما قصدا سوى إعادة الألوان إلى نظري.
ضربتهما شنغهاي حتى جعل العنف رأس المفتش جافير الإلكتروني ينطق لشدته، كانت باريس هي التي تتكلم.
قالت باريس: اتركوا السر لدى جدي، فصدره خير مكان يحفظ السر، ويحفظنا من شر الأعداء.
تقدمت شنغهاي من رأس المفتش جافير، وحملته كمن تحمل طفلاً، وسألت باريس بحنان عن صحتها، وأين هي، وماذا تفعل؟
قالت باريس: عليك أن تجديني إذا أردت أن تسمعي أخباري.
انفتح فم المفتش جافير، وقاء بعض النوابض. قذفته شنغهاي مشمئزة، وقالت لجماعتها:
- باريس تضمر لي الحقد وأنا أمها.
قال إم. سي. إس: لنجدها، ونقتلها!
قال سي. آش. إل: سنقتلها، وسنتحرر منها، فهي ليست ابنتي ولا ابنتك.
قال إم. سي. إس: باريس ليست ابنة أحد.
قالت شنغهاي: إنها ابنة المختبر.
قلت: إذا أردتم قتل باريس أفشيت السر، وجعلتها تقتلكم.
قالت شنغهاي: سنذهب إلى البحث عنها معًا، نحن كي نقتلها، وأنت كي تجعلها تقتلنا، وسنرى لمن تكون الغلبة.
قلت: موافق.




19
ذهبنا نبحث عن باريس في المختبر السري الواقع تحت المخفر، كانت شنغهاي وكل أعوانها قد خلعوا البذلات الدرعية، وارتدوا ألبسة الشرطة. ارتدى كل من إم. سي. إس. وسي. آش. إل. البزة النظامية، وحمل كل منهما مسدسًا وسيفًا.
حطم رجال الشرطة بعض ما في المختبر من أدوات حديثة، انتزعوا الأقطاب الكهربائية من رؤوس بعض المرضى، وقتلوا عددًا من الأطباء والعلماء، لكن نيغروبلان قد تمكن من الهرب.
لم تكن باريس هناك.
قلت لشنغهاي: علينا أن نبحث عن باريس في الشوارع.
عند هبوط الليل، أركبتني شنغهاي في المقعد الخلفي من سيارة جيب مكشوفة، وأجلست إم. سي. إس. وسي. آش. إل. إلى جانبها. طارت كالريح بحثًا عنها في شوارع باريس، وكل شوارع باريس في الليل واحدة، كل شوارعها جميلة، الأضواء تتسلل من بين أشجارها، وتظن أن ناسها العابرين على الأرصفة تعرفهم جميعًا. فكم من مرة أوقفت شنغهاي السيارة، وذهبت ترى إذا كانت تلك البنت باريس، وكم من مرة نزل إم. سي. إس. وسي. آش. إل. واثقين من أنهما وجداها، ليعودا خائبين.
في ساحة النجمة التي انطفأت، كانت كل نجوم الدنيا معتمة. ونحن نجتاز قوس النصر المهدم، انطلقت صفارة أحد رجال الشرطة، فأوقفت شنغهاي السيارة. نزل إم سي. إس. وسي. آش. إل. يجريان، فرأيا في الظلام والضباب مجموعة من أندرويدات الرجال – الذئاب، وهم يتصارعون فيما بينهم. أخذا يضربانهم بالمسدس والسيف، ومشيا دون أية رحمة في أحشائهم. كان بعض الأناس العاديين يمضون من هناك، ففعلا فيهم كما فعلا في الأندرويدات، بل وأكثر. كانا قد فقدا كل إحساس، ولم يبق لديهما سوى الظمأ للدم والانتقام.
شممت رائحة الدم لما عادت شنغهاي تنطلق بنا في شارع الشانزلزيه، فتضاعف في عيني اللون الأحمر: تملكتني سعادة غريبة لرائحة الدم، ولهبوب الريح. كنت قد ودعت لحظة عدم الاكتراث إلى الأبد، وأحسست بالكبر، بالمستقبل العاجز، وباللحظات الفائقة، وفجأة سقطت بين فكي خطوتي الأخيرة نحو المجد. أخذت تتساقط مع أمانيّ الضائعة معاطف الشانزلزيه ذات الفراء الطويلة، والقبعات العريضة، وأحذية جلود التماسيح. جاءت إلى أحضاني كل نساء الشارع ذوات المساحيق الكثيرة، وكل صواني المحار في مقاهيه، وكل سائحاته العابرات. نهلت من عجرفة الشارع وغطرسته، وأنا ألمس فوهة مسدس إم. سي. إس. الساخنة، ومسحت قطرات الدم عن سيف سي. آش. إل، فركبني جنون المجد الأبدي. وقفت والريح تلطم وجهي، وأخذت أصيح بأعلى صوتي:
- ما أجمل السلطة! ما أبدع القتل! ما أروع الإجرام!
أخذت شنغهاي تقهقه كتنين، وأراد كل من سي. آش. إل. وإم. سي. إس.. أن يأخذها في أحضانه، ويمارس فعل العشق معها، وهي تسوق بسرعة جنونية.
وصلنا الأوبرا، ودخلناها باحثين عن شبح باريس فيها. تَرَكَنا ناس اللوحات العملاقة والتماثيل نبحث عن باريس في متاهاتها، وظلوا يلقون علينا نظرة متجمدة من الأزمان الحجرية.
لم نجد باريس، فقفز سي. آش. إل. إلى الخشبة، وأحرق الستارة. احترق كل شيء في معبد الموسيقى، وتحولت دار الأوبرا إلى ركام. كنت أحس بالراحة شيئًا ما، فلم يكن حي الأوبرا حيي. كان شعوري بالإحباط من وقت إلى آخر بسبب الأوبرا، لأنني ما كنت في حي الأوبرا مرة إلا لاضطراري. ليست الصدفة هي التي دفعتني إلى الجلوس ذات مرة في مقهى السلام، وكانت المرة الأولى والأخيرة. ليست الصدفة هي التي دفعتني إلى العمل في إحدى مجلات شارع لوي-لوغران لسنة واحدة، وكانت السنة الأولى والأخيرة. ليست الصدفة هي التي دفعتني إلى التعرف على امرأة نظرت إليّ عبر مرآتها، فأُخذت بعينيها الشاردتين، ولم تكن المرأة الأخيرة. كنت قد أصبحت ناضجًا، وبدأت أفكر في الانتحار.
تركنا الأوبرا من ورائنا، وأنا أصرخ: ما أروع النار!
وقفنا في حي باربيس، فأخذت السيف من يد إم. سي. إس، ورحت أذبح بعض العرب الذين لا يتقنون غير لعب الورق، من أجل أن يربحوا شيئًا، بعد أن خسروا كل شيء. لكنهم كانوا أقوى مني، فجرحت اثنين أو ثلاثة قبل أن يتمكنوا من الهرب. اختلطت رائحة دمهم برائحة أشقائهم الأفريقيين ورائحة سيارات الديزل والروائح الأخرى غير الزكية. كان مزيج كل هذا هو رائحة الضياع ذاتها التي تحرق حياتهم وحياتي، وكان ذلك هو قدر الأشياء اللامنتظر. أذهب دمهم اللون الأحمر من عينيّ، وعدت أرى العالم بالألوان كالماضي.
قلت: هؤلاء العرب يلوثون اسم العرب، اسم فرنسا، اسم باريس.
واستبعدت اختفاء باريس عندهم.
قلت: إذا كانوا يلوثون اسمها، فماذا سيفعلون بجسدها؟
في بيغال، رأينا مجموعة من العاهرات اللواتي يركبن في نصف شاحنة للشرطة.
قال إم. سي. إس: لنبحث عن باريس بينهن.
فلطمته شنغهاي.
قال سي. آش. إل: إن باريس لم تزل طفلة صغيرة.
قلت: هذا لا يمنع تعهيرها.
تحاشيت نظرات شنغهاي الغاضبة، فقالت لي: لن تنقذها مما عزمنا عليه.
قلت: سأنقذها.
قالت: سنقتلها، ونقتلك.
في تلك اللحظة، رأيت وجهًا يطل عليّ من بين وجوه العاهرات، وهو يبتسم لي. كانت فتاة في العشرين قد انحنت، وهي تدخل في نصف شاحنة الشرطة، وعادت تبتسم لي.
لم أرَ جمالاً كجمالها.
كانت أروع من الإجرام.
أعادني جمالها إلى أول فتاة أحببتها، وإلى آخر عاهرة ضاجعتها. كنت وما زلت أحب الفتيات البيض، اللواتي لا تزيد خصورهن عن طوق سبابة اليدين وإبهامهما، واللواتي في نهودهن عينان متحديتان، وهن من الشفافية بحيث ترى وجهك في مرآة وجناتهن، حتى أن الموت غرقًا في عيونهن الصافية أجمل متعة.
استعدت طعم أول قبلة لي وآخر لطمة، ورأيتني من خارج جسدي الشيخ شابًّا في العشرين. أخذت أضواء الليل تضحك لي، وبدت لي شوارع باريس أجمل شوارع الدنيا. طلبت من شنغهاي ألا تقطعها بسرعة، لكنها أطلقت عدة شتائم مغلظة، وكادت تقتل عددًا من العابرين، وهي لا تتوقف عند الأضواء الحمراء لشدة ما كانت مسرعة.
في المخفر، وضع رجال الشرطة كل العاهرات اللواتي أتين بهن في قفص، وفتاة وجه القمر تحاول الاقتراب مني، ومحادثتي. أمرت شنغهاي بقتلهن كلهن لأنهن يلوثن باريس، فقلت: اتركي لي تلك التي هناك، وأنا أشير إلى الفتاة.
رمتها شنغهاي بنظرة ازدراء، ثم بنظرة شك، ذهبت، وجذبتها من شعرها، وحدقت في عينيها، ثم أطلقتها.
قالت لي: اذهب، ونم معها، فهي لك.
وبينما كنت ذاهبًا معها، قالت شنغهاي: ستكون هنا في الصباح الباكر لنتابع البحث.
قلت: سمعًا وطاعة!
بَحَثَتْ عن إم. سي. إس. وسي. آش. إل. كي يرافقاني، لكنها لم تجدهما، كانا يضاجعان عددًا من العاهرات أمام عدم مبالاة الأندرويدات من إنسان وحيوان.
لمحت على وجه شنغهاي بعض القلق والضيق، فعجلت الخروج مع الفتاة ذات وجه القمر إلى الطريق.
في الطريق، قالت الفتاة لي: ألم تعرفني؟
قلت: لا.
قالت: أنا باريس.
فانعقد لساني دهشة.
قالت: لقد فجر السوبر-برغوث الحيوي في جسدي الأنوثة.
قلت: باريس! أحقًّا أنت؟
ضمتني، وهي تقول: كم أحبك، يا جدي!
قلت: حذارِ من أمك وأبويك، فهم يريدون قتلك.
قالت باريس: من الصعب أن يعرفوني، وعلى الخصوص بعد أن نفذت من دائرة تحكّم نيغروبلان، لدي الآن قمر صناعي وحدي.
قلت: على كل حال، عليك أن تختبئي.
واقترحتُ أن تختبئ عندي، فقالت: سيجدني الكل عندك.
قتل: سأهددهم بالسر الحضاري.
قالت: لن يمنعهم ذلك من قتلي بعد أن غدوت الآمرة لذاتي، لكنني سأختبئ في قصر الإليزيه.
- في قصر الإليزيه ذاته؟
- سأقف على سر الرمز النووي، فأحمي نفسي، وأحميك بهذا السر.
صعدنا شارع فوبورغ سانت-هونوريه ذا الهوية الأرستقراطية الباذخة، اجتاحتنا البرودة، ونحن في قلبه. نظرت في إحدى الفترينات إلى فستان سهرة بسعر جهنمي، فأصابني الدوار، وتقيأت. جذبتني باريس، وتسللنا إلى حديقة القصر، فرأينا الرئيس من إحدى النوافذ، وهو يرغي في وجه أحد الضباط، ويزبد.
قالت باريس: انظر إليه على حقيقته الأولى، ديكتاتوري في ثوب ديمقراطي.
ذهب إلى غرفة نومه، وارتدى قميص نوم نسائي، ووضع على رأسه طاقية تنتهي بذيل.
قالت باريس: انظر إليه على حقيقته الثانية، رجل في ثوب امرأة.
فتح باب بيت الماء، وجلس ليقضي حاجته، وهو يتأوه، ويعتصر، ويكاد يبكي.
قالت باريس: انظر إليه على حقيقته الثالثة، عجوز في ثوب طفل.
قلت: أنا وصديقي فضل أردنا أن نؤكد عالمًا في تطور دائم لإنسان رقمي مالك لكل شيء، وبالتالي دون أن يتعلق بشيء، وقد تحققت كل رغباته، ليغدو هو حقيقته الوحيدة، ويكون له قدر الإنسان كإنسان.
قالت باريس: إنه لحلم من الأحلام! إن الرئيس هو مالك كل شيء، الأشياء والعباد، فانظر إلى ما هو فاعل.
جاء بمفتاح قَبَّلَهُ، وفتح به علبة حديدية في حائط، فبدت أزرار عدة تحمل أرقامًا أشعلها، فاشتعل من فوقها شعار القنبلة النووية. ابتسم حتى برزت أنيابه. قرأ على ورقة رقمًا مركبًا، وتظاهر بضربه على الأزرار، وهو يقهقه من شدة السعادة.
فجأة، طارت الورقة ذات الرمز النووي، وهي تحترق كسهم من النار، وانطفأت. ركب الرئيسَ الذهولُ، وأخذ يشد شعره.
قالت باريس: الآن لا أحد يعرف سر الرمز النووي غيري.
قلت: سيتذكره.
قالت: لقد محوته من ذاكرته.
أمسكت باريس من يدها، وأبديت لها خوفي:
- كنت في خطر، وغدوت في خطرين: الكود النووي، وكود الترانزستور الذاتي التدمير في السوبر-برغوث الحيوي.
ابتسمت، وقالت:
- إذن حدثك فضل عن الخطر الذي في رأسي، ولكن اطمئن، من الخطر أن أدمر نفسي وأدمر العالم، أليس كذلك؟
قلت:
- أعرف أنك تحتمين منهم بسر الرمز النووي، ولكن أتحمين ذاتك منه؟
ابتسمت، وقبلتني من خدي، وقالت:
- كن مطمئنًا ما دمنا معًا. أما إذا ما حصل لي شيء، بوصفك الوحيد الذي يعلم سر الترانزستور الذاتي التدمير الذي في رأسي، فستحميني من نفسي، ستحميني من الرمز النووي.
فلم أطمئن.
- امحيه من ذاكرتك الآن، يا باريس، واجعلي من قوة فرنسا النووية ركامًا من الأسلحة المهملة.
عادت تقبلني من خدي، وتقول:
- عليّ أن أفعل أشياء كثيرة قبل أن يكون لك ما أردت. ربما حققت مشروع إنمائك بين القارات، إذ أنا، بإمكاني أن أكون الضمان الذي يفرضه الغرب.
كنت في أحضان الغرب، في أحضان أحد رموزه: قصر الإليزيه. أحسست أن تنفيذ حلمي على مرمى حجر. كانت باريس تبتسم لي بحنان، فابتسمت لها. كنت سعيدًا بها، ولكن على الخصوص، لأنني في قلب قصر الإليزيه، في الممنوع المسموح، والمحال الممكن. شدتني الأعمدة التي فيه، مع أنها أعمدة أصغر من تلك التي للبورصة. ذهبت إلى أحدها، وأخذته بين ذراعيّ، فقهقهت باريس، وقالت أتريدهم أن يلقوا القبض علينا؟ فجأة، دكت الانفجارات أركان الإليزيه، وتبادل الحرس الرئاسي ورجال شرطة شنغهاي الطلقات. كانت شنغهاي تقود المعركة بمساعدة إم. سي. إس. وسي. آش. إل، وقد وضعا في أماكن عدة من جمجمتيها الحليقتين عدة أقراط غجرية، وفي أنفيهما، وفي شفتيهما.
أوضحت شنغهاي أن كل ما تفعله من أجل حماية الرئيس وأمن فرنسا، بعد أن تسللت باريس وجدها العربي إلى قصر الإليزيه.
أمر الرئيس بأن يفتحوا أبواب القصر لشنغهاي، فأطاع رئيس الحرس الرئاسي، وأوقف القتال.
كنا قد اختبأنا أنا وباريس في قبو القصر، فوقعنا على أجمل اللوحات في العالم، وأعتق أنواع الخمور، وأحدث أنواع الحاسوبات. كانت العناكب قد نسجت على اللوحات لوحاتها، وقد ألبست زجاجات النبيذ بثياب من صنعها، لكنها لم تجرؤ على لمس شاشة حاسوب واحدة. شغلت باريس أحدها، ونقلت إليه عن طريق عينيها بواسطة قمرها الصناعي كل ما في اللوحات من بشر وحيوان وأشياء. ضغطت على أحد الأزرار، فإذا بأجمل غادات الدنيا هنا. أرسلت إليهن باريس مقلدها، فالتففن به، ورحن يهذرن، ويضحكن. ثم أرسلت مقلدي، فترجل أعظم قادة العالم، وجاءوه بالنبيذ، وأخذوا يشربون معه، ويخططون للحرب القادمة التي سيخوضونها.
تحول مقلدو العناكب إلى راقصات افتراضية نصفهن عربيات ونصفهن غربيات، ورحن يرقصن رقصة مركبة من عندنا وعندهم.
فتح علينا رجال البروتوكول باب القبو، وبمساعدة الطباخين نصبوا أعظم مائدة نصبت في الإليزيه.
كذبت عليهم باريس عندما قالت لهم إنني رئيس عربي سيجري تنصيبه في الأيام القريبة القادمة، فقالوا كل هذا الاحتفال على شرفي.
عزفت في الحاسوب سيمفونية باريس أعذب الألحان الكلاسيكية، وأشهرها، وأخذ نابليون الصغير الافتراضي على غير عادته يدندن لحنًا لإم. سي. إس، فتفاجأ البعض في البداية، ثم نهض، وبين ذراعيه باريس، وطلب من الموسيقيين أن يعزفوا اللحن الذي دندنه.
ضحك البعض الذي تفاجأ حتى قلب على ظهره، ثم نهض معظم الحاضرين، ليرقصوا الراب كما يرقص نابليون الصغير مع باريس. تركنا أنا وباريس مقلدينا معهما، وتسللنا إلى حديقة القصر.
رأينا الرئيس، وهو يغادر الإليزيه بحراسة شنغهاي وسي. آش. إل. وإم. سي. إس.
قالت باريس: لم تعد الإليزيه مكانه المناسب للحكم.
قلت: إلى أين ستأخذه شنغهاي يا ترى؟
قالت: إلى تشاينا تاون.
سألت: وهل قال لها بخصوص الرمز النووي الذي نسيه؟
أجابت: لن يقول لها، إذا قال لها انتهت سلطته، لكنني سأفضحه.
سحبتني باريس من ذراعي، وقالت لي:
- سنذهب إلى باربيس للاختباء هناك ريثما نجد حلاً لكل هذا.
فدهشت:
- إلى باربيس! معقل العرب.
- هناك للجميع هوية واحدة: الكل عربي والكل فرنسي، وقد أضاع الكل حياته.
وافقتها:
- هذا صحيح! قلت ما قلت لأنني خائف عليك.
قالت باريس:
- لا تخف عليّ! سنذهب للاختباء في مصنع الأجساد.

20
في باربيس، مضينا بمتجر تاتي وأوساخ المترو ودكاكين الأقمشة القبائلية البراقة وبائعي اللحم الحلال والزلابية والنعناع والحشيشة والمعدنوس والسوق المغزوة بالمصريين والعاهرات البشعات السمينات والعمال الذين هرموا قبل الأوان. كان حي باربيس بالنسبة لي يمثل شيخوختي، لحظتي الأخيرة قبل الموت، حضور الحاضر المفاجئ.
استقبلت صاحبة الحمام التركي باريس بالأحضان، نادتها باريس بيا أمي، ونادتها صاحبة الحمام بيا ابنتي. عاتبتها لأنها لم تأت لزيارتها منذ مدة طويلة، فاعتذرت باريس، وقالت إنها تريد أن تأخذ حمامًا أميريًّا.
صفقت صاحبة الحمام، فإذا بثلاث نساء موشومات بثلاث حيات في وجوههن يحضرن، أخذن باريس، وغبن معها في بخار أهوج من وراء باب.
نظرت صاحبة الحمام إليّ، وقالت: اتبعني، فتبعتها. أجلستني من وراء زجاج: من جهتي زجاج، ومن الجهة الأخرى مرآة، فرأيت النساء الثلاث، وهن يخلعن عن باريس ملابسها. حدقت في جسدها، لم أر في حياتي أجمل من جسدها: فخذها المسحوب، وبطنها المسكوب، ونهدها المنصوب. أغمضت عينيّ، وجاءتني امرأة كل الأحلام المستحيلة، لتفقدني رشدي.
قدمت لي صاحبة الحمام كأس شاي أخضر بالنعناع، وأنا أنظر إلى وجهها، فأرى أن لها وجهًا قمريًّا يشبه وجه باريس إلى حد بعيد. قالت لي إنها لم تعد تحن إلى الجزائر قبل كل الذي يجري في الجزائر منذ زمن بعيد، وإن باريس أعز عليها من ابنتها.
سألتني من أكون لباريس، فقلت جدها. انحنت على يدي، وقبلتها، قالت لي يا سيدي. قالت إنني لست سيدها فقط بل وسيد كل العرب. قلت: إنني إنسان بسيط. قالت: أنت إنسان متواضع.
أخذت النساء الثلاث يمسدن جسد باريس الشهي، ويدعكنه بزيت الزيتون القبائلي. استعذت بالله من الشيطان الرجيم، فغابت صورة أجمل نساء الأرض من عينيّ.
قلت: إنه جسد حفيدتي، وأنا أنظر إليه.
قالت: تنظر إليه كما تنظر إلى جسدك.
أعدت كالأندرويد: أنظر إليه كما أنظر إلى جسدي.
قالت: هذا الجسد الشهي لغيرك هو جسد طفولتك، لغيرك على مرآه تنتصب المدافع، وتشتعل الحروب، وتنهدم المدن.
سَحَبَت ستارًا، فرأيت عددًا من الرجال العراة المنتصبة ذكورهم، وهم يتابعون حمام باريس من وراء زجاج ثان.
نهضتُ غاضبًا وطردتهم.
أتيت صاحبة الحمام أريد الإجرام بها، فأوضحت لي، وأنا أمسكها من خناقها:
- إنهم من العرب المحرومين الذين لم يروا نهدًا واحدًا منذ مغادرتهم لديارهم، وأنا وباريس متفقتان على ذلك، كل شيء يجري من بعيد مقابل بعض المال الذي نتقاسمه.
خلعت النساء الثلاث ما عليهن من أسمال، فرأيت الحيايا كيف تزحف في كل مكان من أجسادهن. وضعن باريس على ركبهن، وبدأن يغسلنها بماء الورد، ويفركنها بصابون العسل.
مشطن لها شعرها الطويل، وهو يطول أكثر، إلى أن وصل ركبتيها، ثم لففنها بالحرير، وخرجن بها.
انتظرت طويلاً على باب باريس، إلى أن خرج من عندها رجل – ذئب، تبعه شرطي – خروف، فمحقق – خنزير، فعاشق- ظبي، فعاشقة – غزالة.
اقتحمت بابها أريد أن أحطم الدنيا على رأسها، فقالت لي: إنها مهنتها. ألم يلق عليها القبض في بيغال؟ وكشفت أنها ضريبة السكوت عن مخبئها.
- ولكنها أندرويدات!
- إذن تنسى من هي باريس! تنسى ما في رأسها! باريس هي باريس وهي أندرويد في آن. إنهم يأخذون من أحشائي الطاقة التي يحتاجون إليها، والتي هي بمثابة الروح للإنسان.
اعتذرت لها، وقلت: لم أكن أعرف.
قالت: سنأكل الآن، ثم ننام.
جاءتنا صاحبة الحمام بأطباق جزائرية كثيرة، فأكلت باريس منها بشهية، ثم نامت كالطفلة الرضيعة في حضن المرأة.
لم أتوقف عن شرب سيدي إبراهيم، تحولت إلى عشرة خنازير، وأخذت أصرخ، وأحطم كل شيء كان على مرمى يدي، فأمسكني عشرة رجال، وجعلوني آخذ حمامًا بالقوة.
مع بداية الصباح الضبابي، حاصرت جحافل شنغهاي الحمام التركي، وطلبت إلينا أن نسلم أنفسنا، قبل أن تحطم الدنيا على رؤوسنا.
سألت باريس: كيف عرفت شنغهاي بوجودنا هنا؟
أجابت: مثلما عرفت بوجودنا في الإليزيه. شنغهاي لم تنس السر الحضاري، لقد كذبت عندما قالت إنها نسيته، وخدعت جدها.
قلت: وما العلاقة؟
قالت: أنت أيضًا تعرف السر الحضاري، وعن طريق اتصالها العقلي معك، تتعرف على موقعك، وإن شئت موقعنا أنا وأنت.
قلت: ولكنني سليم العقل. لا برغوث ولا زياح في رأسي.
قالت: بزرعه الأقطاب الكهربائية في رأسها، نيغروبلان أعطاها القوة على التسلل إلى رأسك عن طريق برغوثي الحيوي.
سألت: ألم تنفذي من دائرة تحكمه؟
أجابت: نفذت، هذا صحيح! لا تنس، مع ذلك، أن شنغهاي أمي، ونيغروبلان يستغل نقطة ضعفي هذه بتحريض جهازي وجهازها العصبيين عن طريق برغوثي وأقطابها الكهربائية.
- وماذا سنفعل؟
- لا تخف، هذا كل ما يقدر عليه نيغروبلان، وهو، لهذا، يسعى إلى إلقاء القبض علينا، عليك وعليّ، لكنني لن أسلم نفسي. إذا سلمت نفسي، أجبروني على الإفشاء بالسر النووي. أما إذا استطعت الصمود، فسأتمكن من إفشال طرقهم الأخرى الجهنمية.
فَكَّرَتْ قليلاً قبل أن تضيف: أول شيء يجب عمله هو أن أمحو من ذاكرتك السر الحضاري.
وشنغهاي في الخارج قد أخذت تهدد بإطلاق بعض الصواريخ.
قلت: بمعنى أننا سنهرب بعد ذلك إلى مكان لن تعرفه شنغهاي.
قالت: هذا صحيح.
ركزت عينيها في عينيّ، فضربتني شرارة خرجت من عينيها، واخترقت دماغي. أصاب شنغهاي الصداع، فأمسكت بجمجمتها بين يديها، ومادت بها الأرض. أمرت أعوانها باكتساح الحمام، فقتل إم. سي. إس. النساء الثلاث الموشومات، والحيايا تقفز من أبدانهن تريد عضه. هرع سي. آش. إل إلى نجدته، وهو يفجر رؤوس الحيايا بسلاحه، وكلما فجر رأسًا، خرجت منه حية، حتى امتلأ الحمام بجثثها.
جعلتنا صاحبة الحمام نهرب من دهليز أرضي، ضمت باريس إلى صدرها، وانفجرت باكية، مسحت لها باريس دمعها بأصابع حانية، وقبلتها من خديها، ومن ثدييها، وذهبنا.
جاءت شنغهاي، وشنعت بها.
لحقت بنا، لكن الدهليز الأرضي قد انغلق من ورائنا. التفتنا، فإذا بفراشات ضوئية تتبعنا، مئات آلاف الفراشات ذات الحياة الاصطناعية تجيء صوبنا، وهي تتوهج، وتتوهج. قالت باريس إن هذا الدهليز يؤدي إلى مقبرة الحاسوبات، ففهمت لم الفراشات هنا. أخذت الفراشات تداعبنا، وهي تجري معنا فوق رؤوسنا، وتبتسم لنا، وأحيانًا تقع على شفتي باريس، وتقبلها.
كانت باريس تبتسم لها، وهي تخف إلى جانبي بأروع فتنتها، أو تضحك لمداعباتها، غير مبالية بما ينتظرنا على الطرف الآخر.
تفرعت اتجاهات الدهليز، فقررنا أخذ أحدها المؤدي إلى السين، لكن الفراشات الضوئية أصيبت بالذعر فجأة، وأخذت تعمل من أجسادها جدارًا يمنعنا من التوغل فيه. عرفنا السبب في اللحظة التي انبثق فيها من الظلام سرب ذباب ذي حياة اصطناعية من النوع البربري، قطعت الفراشات عليه الطريق، وجرت معركة حامية الوطيس فاقت في ضراوتها معركة بئر حكيم. انتثرت الجثث الضوئية من الطرفين على قدمينا، ومع ضعف الأعداء تمكنا من الوصول إلى السين، وأخذ قارب ركبناه، وعبرنا به النهر. استعدت سيارة فضل الإلكترونية، وذهبنا إلى مقاطعة اللوار.








21
استأجرنا قصرًا من قصور اللوار، ولم نحاول الظهور في نواحي القصر إلا لمامًا. عكفت باريس على حماية البيئة، وأنا على دراسة عصر الأنوار من أجل مسودتي الجديدة حول الإنماء بين القارات. أخذت باريس عينات من ماء اللوار اكتشفت فيها الزئبق والألمنيوم والرصاص، فكادت تجن. قالت هذا النهر الذي من مائه صنعت فرنسا التواريخ ومن رمله الأمم ها هم بصدد قتله! قلتُ الفضلات السامة تلقيها بعض المصانع المجرمة، وتركتُ لها حرية عقابها.
كنت في الليل أتناقش مع مقلديْ فولتير ومونتسكيو عبر شاشة الحاسوب حول خصائص النظام الدستوري لدى الإنجليز. كانت باريس تأتيني بأفخر أنواع النبيذ، فأشرب باسم ثلاثتنا حتى الفجر.
حضر معنا النقاش مقلد روسو في إحدى الليالي، واتهمنا بالبرجزة، لأنه كان مع قيام دولة الفلاحين.
قلت له: تريد أن تصل بدولة كهذه إلى المساواة.
قال: ستكون الخطوة الأولى مبدأ "ذرهم يفعلون" التاوي.
قلت: هذا المبدأ سيعزز دولة الدكتاتورية.
فضحك مونتسكيو، وقال: الدكتاتورية والحال هذه نسبية كالديمقراطية في مجتمع رقمي.
احتج فولتير: على الديمقراطية ألا تكون نسبية، وإلا كانت أفظع من الدكتاتورية، على الديمقراطية أن تكون كلية.
قلت: لم توجد إلى حد الآن ديمقراطية كلية، وتوجد دكتاتورية كلية. الأنظمة الكليانية غالبًا ما تُعْطَى مثلاً، ولكن أيضًا يجب ألا ننسى الأنظمة الرأسمالية، وما يسمى بالأنظمة السوسيوديمقراطية. في الأنظمة الأولى حزب واحد لا يقبل بأية معارضة، تسيطر السلطة فيها على كل شيء. وفي الأنظمة الثانية أغلبية ومعارضة متفقتان ضمنيًا على أخذ السلطة تعاقبيًا، فالوجوه هي ذاتها، تسيطر على كل شيء منذ مولدها حتى مماتها، وقد انطبع هذا النظام الدكتاتوري "النظيف" بسبب اللعبة الانتخابية التي لا تغير في العمق شيئًا على كل المؤسسات: المقدم التلفزي مثلاً يبقى هنا يقمعنا بصورته التي تشيخ أمام أعيننا كل يوم بالتدريج إلى ذات صباح يلفظ فيه روحه، والمعلم والموظف وحتى ساعي البريد. إنه نظام الهيمنة من المهد إلى اللحد، ولا علاقة هنا في شيء بالكفاءة التي يسوقونها حجة واهية.
أكد فولتير: هذا صحيح، الشاب كالشيخ بإمكانه أن يكون ذا كفاءة مضاهية.
تابعت: والغريب في الأمر أن أولئك الساسة الشيوخ المتختخون عندما تفلت السلطة مؤقتًا من بين أيديهم هم الذين يدعون إلى التغيير – كلامًا بالطبع – لأنهم سيكونون دومًا هنا، يقمعون باسم التغيير، ولا تغيير هناك. التغيير حسب مفهومهم تغيير الطاقم الحاكم فقط لا غير، بانتظار أن يأتي دورهم في الحكم.
قال مونتيسكيو: نظام التعاقب هذا تركة ثقيلة لن يحتملها المجتمع الرقمي.
قلت: المجتمع الرقمي سيؤزم هذا النظام إلى أن ينفيه، لهذا يريدون السيطرة عليه من خلال سيطرتهم على البرغوث الحيوي، ولهذا أيضًا سيرفضون نظام التناوب الذي أقترحه، والذي بإقامته يمكن أن نصل إلى تحقيق ديمقراطية كلية. مقدم الأخبار الذي هنا منذ ثلاثين أو أربعين عامًا سيختفي وجهه فجأة ليحل محله أكثر من وجه شاب، وهو للاطمئنان لن يختفي إلى الأبد، فلن يجري قمعه، إذ سيتناوب تناوبًا حصصيًا ليس لا محدودًا مع آخرين ليسوا أقل كفاءة منه تقديم جريدة المساء، وبالتدريج الزمني سيذهب للعمل في أقسام أخرى، مع الاحتفاظ بكافة حقوق الأقدمية. المناوبة سينطبق نظامها على كل واحد، من أكبر سياسي إلى أصغر موظف، إنها تتضمن تقسيم السلطة تقسيمًا عادلاً سيكون معنى الديمقراطية الرقمية ذاته. ليس تقسيم الدولة إلى الإليزيه لنا وماتينيون لكم، وإنما تقسيم في صدر كل مؤسسة تكون الكفاءة فيه المعيار لا الحزب ولا المحاباة. وهكذا لن تصبح الوظيفة ملكًا خاصًا لأحد كما الدكتاتورية التي تُبقي الدكتاتور إلى الأبد في مكانه مضطهدًا الجميع، وأنتم خير من يعلم أن الاضطهاد ليس سياسيًا فقط، فالاضطهاد أنواع، الصورة التي غالبًا ما تراها تضطهد، والباص الذي تأخذه كل يوم، وابتسامة صوفي مارسو التي ليست بريئة، ومهرج ماكدونالد الذي لا يُضحك والذي يدعي أنه يحب الأطفال... و... و...
جاءتنا باريس بنبيذها المعتق، وقالت: إنكم تنسون دور العلم، يا سادة.
قال فولتير: نريد أن نعرف كل أسراره.
قلت: باريس كل أسراره. باريس هي العلم، العلم الرقمي على وجه التحديد، الضامن لديمقراطية رقمية تكون كلية.
وضحكت، فضحكوا، وأثنوا على جمالها.
بدأ القرويون يشكون من اجتماعاتنا الليلية، وأثار فضولهم ذلك الرجل الذي ليس له اسم، وليس له شكل، والذي هو أنا، فلم أكن أكشف عن هويتي لأحد، ولم يكن شكلي يوحي بأنني عربي أو فرنسي. أضف إلى ذلك، تلك الفتاة الرائعة الجمال التي ترافقه في نزهاته القليلة أو عندما تريد أن تنقي اللوار بقوة عقلها.
أبلغوا رئيس مخفر الناحية، فأتاني، وعبر عن بالغ اعتذاراته عندما نقل لي بكلمات مترددة ما يدور على ألسنة الأهالي.
في الليل، قلت لباريس: علينا أن نغادر القصر هذه الليلة.
ودون أن نفكر كثيرًا، عزمنا على الذهاب إلى إسبانيا.
سَأَلَتْ باريس: إلى أي زمن فيها من أزمانها الماضية، فخلتها تمزح، قالت: أنا جادة، يا جدي، إذ بعد مائة عام من الحلم، تمكنت من تحقيق آلة ويلز.
حيرتني: تمكنت من تحقيقها كيف! ومتى؟
قالت: إنها آلة الفضاء التي كانت لصديقك فضل، وأنا قد حولتها إلى آلة زمن، لتعذري بعد عن تحويل المادة إلى بيتات، وهذه إلى أصلها المادي من جديد. وعلى العكس، استطعت أن أجد طريقة تحول الحلم إلى بيتات، فما الحلم إلا صور، والماضي لهو جزء منها. لم أتمكن بعد من الذهاب إلى المستقبل، وأعتقد أن ويلز فيما يخص هذه النقطة كان جد متفائل. إن الدخول في أحلام لم تقع تشكل المستقبل أمر من رابع المستحيلات في الوقت الراهن.
قلت: لا أريد أن أذهب لا إلى ماضي إسبانيا ولا إلى مستقبلها.
قالت باريس: سنتوقف إذن في ناربون، ونأخذ مشورة بعض أصدقائي الكاتالان.
سألت: لديك أصدقاء كاتالان؟
أجابت: بعض الثوريين منهم.
قلت: ولست خائفة من أن يعرفوا السر النووي؟
قالت: إنهم أناس محترمون، وقد عهدت إليهم بآلة الزمن لثقتي بهم.
وبالفعل، حملتنا في الليلة ذاتها سيارة فضل الإلكترونية، وغادرنا القصر دون أن يدري بنا أحد.
أول ما وصلنا ناربون، مدينة النبيذ واليورانيوم، احتفل بمقدمنا أصدقاء باريس الكاتالان. عزفوا لنا على قيثار القدامى، وغنوا لنا بلغتهم. غنت باريس معهم، فقلت لها: كنت أجهل أنك تعرفين لغة الكاتالان. قالت: من هم مثلي ليسوا بحاجة إلى تعلم أية لغة من اللغات. حدثونا عن أوضاعهم، قالوا لنا إن حكمهم الذاتي مسخرة، وإنهم مذ تفكك الأندلس، وهو يصبون إلى استقلال لن يحصلوا عليه في زمننا. حكيت لهم عن حتمية التطور الرقمي في توحيد العالم، فسخروا مني، وقالوا بل على العكس، الحضارة الرقمية ستفاقم الهوة بين الأمم، وستنقسم إلى طوائف، تمامًا كما حصل في العهد الأندلسي، والطوائف إلى قبائل وعشائر. والحال هذه، لن يحسوا بهويتهم بين هويات سائر البشر إلا إذا عادوا إلى الماضي، وظفروا بالاستقلال الذي أعطاهم إياه أبو عبد الله الصغير، والذي رفضه لهم ملك سرقسطة. قالت باريس إنها تعرف ملك سرقسطة، تعرفت عليه في رحلة قامت بها في آلة الزمن، فطلبوا إليها أن تتوسط لهم عنده، فوافقت بعد أن وافقتُ مذعنًا. دخلنا آلة فضل السوداء، وذهبنا بعد أن شغلتها باريس بأحلامنا إلى الماضي الافتراضي.
دخلنا قلعة محصنة، فرأيت غرناطة، أم أبي عبد الله الصغير، تخرج من مخدع ملك سرقسطة، وهي تحاول ألا يراها أحد.
قبَّل ملك سرقسطة يد باريس، وعندما قدمتني له، اهتاج، وأراد قتلي. قلت له أنت عنصري، وقومجي واطئ، وخرجت إلى قصر أبي عبد الله الصغير المجاور.
وجدت أمه غرناطة تضربه على رأسه بخفها، وتأمره بتسليم القصر لملك سرقسطة. ومقابل ذلك، عرضت عليه الزواج من أجمل فتيات الأندلس وأعرقها عائلة، فرفض، وقال إنه يريد الزواج من باريس. استغربت منه ذلك، إذ كيف عرف باريس؟
سألت: هل رأيت في حياتك باريس مرة واحدة؟
قال: سمعت عنها.
قلت: إنها لن تقبل بواحد مثلك.
قال: سأكون شيئًا كبيرًا إذا قبلتني، وسيعوضني عما أنا فيه جمالها وذكاؤها الشيء الكثير.
قلت: سأقول لها.
منعتني غرناطة من الذهاب، وأمرت حراسها بإلقاء القبض علي.
أخذ أبو عبد الله الصغير يبكي بين يديها، ويتوسل إليها إلى أن أشفقت عليه. أرسلت إلى باريس المراسيل، فجاءت بعد أن عجزت عن إقناع ملك سرقسطة باستقلال الكاتالان. قال لها: ما جاء إلا ليعيد إلى إسبانيا الموحدة مجدها القديم.
جعلت غرناطة، أم أبي عبد الله الصغير، باريس ترتاح على وسائد من زهر البرتقال، وغمست قدميها بعطر النارنج. خضعت لجمالها، وقالت لها يا ابنتي. أخبرتها بأن ابنها يريد الزواج منها، وأنها ستكون زوجته السابعة والسبعين. أطلقت غرناطة بالطبع سراحي، وقلت بوصفي جدها لا أوافق على هذا الزواج.
قدمت لي شرابًا مسمومًا منعتني باريس من شربه. سألتها غرناطة كيف عرفت بالسم المدسوس، واتهمتها بالسحر.
رمتني وباريس في السجن، فحاصر ملك سرقسطة قصرها، ولم تنفع معه ليلة قضتها قرطبة، أخت غرناطة، في فراشه، كان عازمًا على تحريرنا. قالت غرناطة إن ولدها سيسلم له القصر مقابل الزواج من باريس وقطع رأسي، فرفض ملك سرقسطة عرضها، قال إنه يريد باريس والقصر، وليقطعوا رأسي.
قلت لباريس: هذا عصر كريه، فافعلي شيئًا كي تنقذي البشرية منه. هذه الأندلس ليست الأندلس!
قالت باريس: مثل هذا الزمان يجب محوه من الوجود.
خشيت عليها وعليّ فقلت: علينا أن نخرج من هذا الزمان أولاً.
قالت: سنستعمل الحيلة.
نادت على الحراس، بعد أن أشعلت في التبن حريقًا، فخرجنا، وجعلتهم يشوون في جهنم الصغرى.
عدنا إلى ناربون، وكشفت باريس للثوار الكاتالان عن معرفتها بسر الرمز النووي. اتفقت معهم على تفجير الأندلس، فلا زمانها ينفع، ولا مكانها ينفع، ولتحترق الدنيا على رؤوس حكامها. أفجعني أن تحرق باريس حلمي الأندلسي وأسعدني في آن، أردت حقًا التخلص من تركة ثقيلة تمنعني من الدخول إلى المستقبل من بابه العريض، وفي الوقت ذاته لم أشأ أن أفقد حلمًا يساعدني على قطع هذا الزمن الرديء الذي أعيش فيه. وفي ساعة الصفر، سقطت قنبلة نووية على قصور غرناطة، ومحت الأندلس من الوجود، بعد أن جعلتها تشوى في جهنم الكبرى.
في ذلك الوقت، كان كريستوفر كولومبس في أمريكا ينام في حضن إحدى الفتيات السمراوات، وهو يظن أن تلك كانت الهند. لم يكن يعرف أنه في أرض جديدة، دفعت مراكبه الرياح إليها. وعندما سمع بمحو الأندلس من الوجود، عزم على أن يقيم على الأرض الجديدة جنته بأي ثمن، حتى ولو اضطره ذلك إلى السير على جثث كل حبيباته!
قالت لي باريس حزينة:
- هذا هو مصير كل حلم جميل: العدم!
همهمت:
- كل الأحلام الجميلة واحدة!
- ولكل الأحلام الجميلة ذات المصير!
- سأمحو مشروع الإنماء بين القارات من رأسٍي إلى الأبد إذ لا يكفي أن أمحوه من الحاسوب فقط.
لم تعلق باريس، كانت حزينة، حزينة جدًا، همهمت:
- حتى نصفي الآلي حزين!
وانفجرت تبكي.



22
أثَّر تفجير القنبلة النووية في باريس تأثيرًا عظيمًا، لم تكف عن البكاء حزنًا على الأندلس، ودت لو كنا قد ذهبنا إلى مكان آخر غيرها، إلى المارتينيك مثلاً، جزيرة المستقبل، لكن كل شيء كان متأخرًا، وعزمت على تسليم نفسها لشنغهاي. وافقت، وقلت لنفسي هكذا تبتعد ذاكرتها عن الإشعاعات النووية.
ونحن على أبواب باريس، رأينا دخانًا يصل الأرض بالسماء. كانت المكتبة الوطنية تحترق بعد أن أشعل إم. سي. إس. وسي. آش. إل. النار فيها. كان ديدرو ورامبو وإيلوار ومالارميه وموليير وبودلير وفلوبير وأراغون وسيلين وكل الباقين كل منهما لهبًا يصرخ قبل أن يتفجر بآلاف الألوان، وكانت شنغهاي تقتل أو تشنق أو ترسل للمختبرات كل الكتاب والفنانين.
غلت يدي باريس، وغلت يديّ، وجعلتنا نرى برج أيفل كيف تحول إلى أنقاض، والمسلة إلى حطام، وقالت هذا هو مصير كل حضارة لا تخضع لها. خوفتنا، وأخذتنا إلى بيت جدها القديم في تشاينا تاون حيث جعل الرئيس مقر إقامته.
جلس الرئيس في المكان الذي كان يجلس فيه جد شنغهاي، وضع على رأسه قبعته المخروطية، وفي فمه أنبوبه الطويل، وقد نبتت له سكسوكة تشبه سكسوكته.
قلت لنفسي: لقد أخبرته شنغهاي بالسر الحضاري.
قال لباريس غاضبًا: بعد أن أخذت مني الرمز النوويّ، وفضحتني لدى أعدائي، أصبح خادمي لا يأبه بتعليماتي، فقدت هيبتي، وفقدت فرنسا هيبتها، حتى أن بعض جاراتها الضعيفات كالبلجيك مثلا غدت تهددها.
قالت باريس: لكنك تعرف الآن السر الحضاري.
قال: ما هذه سوى بعض المظاهر، لأنقذ ما يمكنني إنقاذه، فالسر الحضاري لا شيء دون السر النوويّ.
ثم أمرها: انحني، وقولي لي الرمز في أذني.
جعلتها شنغهاي تنحني عنوة، في الوقت الذي أمسكني فيه كل من إم. سي. إس. وسي. آش. إل. من ذارعيّ.
قالت باريس: لقد نسيت الرمز بعد أن دمرت الأندلس لئلا يحصل دمار آخر.
صاحت شنغهاي: كاذبة!
وطلبت من الرئيس أن يسمح لها بقتلها، فردعها الرئيس:
- لن تقتليها قبل أن تبوح لي بالرمز النووي.
لكنها رجت:
- دعني أشفي غليلي، دعني أقتل ابنتي.
ردعها الرئيس من جديد:
- ليس قبل أن تبوح بالرمز الخطير.
وتوجه إليّ:
- قل لها أن تبوح لي به، فأعيد لفرنسا عظمتها، أنت لن تنكر لفرنسا فضلها عليك.
قلت:
- اعطني مهلة ثلاثة أيام.
وأعطاني.
حررتنا شنغهاي من الأغلال، ورافقتنا مع بعض أعوانها إلى حيث أسكن في نوازي الكبير، شددت الحراسة من حولنا، وأقامت معسكرها في ساحة بيكاسو بعد أن حطمت اسمه، وأسمت الساحة ساحة الموت.
رجوت باريس أمام كل هذا الهول:
- أنت نادرة زمانك، بإمكانك أن تتذكري الرمز النووي.
قالت:
- لم أعد نادرة زماني، أنا الآن فتاة عادية كأية فتاة.
حيرتني باريس، وقلت لن تكذب على جدها، فماذا فعل نيغروبلان بها؟
أوضحت:
- كل ما يجري الآن بإرادة الفتاة العادية التي هي أنا، ولا سلطة لي على نصفي الآلي، حتى أن نيغروبلان لا يستطيع معي شيئًا، إذ يستحيل على السوبر-برغوث الحيوي الاستمرار في العمل! ولا سلطة للعلماء عليّ بعد دمار الأندلس.
أخذتها بين ذراعيّ ورجوتها:
- افعلي شيئًا من أجل خاطري!
فأكدت: لا يمكنني أن أفعل شيئًا.
فتحت زجاجة نبيذ، وأخذت أشرب من فوهتها، قلت: لم تزل أمامي ثلاثة أيام.
جاءت باريس، وشربت معي من فوهة الزجاجة. جعلتني ألفها بذارعي، وسمعتها تسأل:
- كيف سنخلص من حصار شنغهاي؟
قلت: شنغهاي أمك، فتدبري الأمر معها بالحسنى.
قالت باريس: شنغهاي كانت أمي، وهي الآن واحدة من ألد أعدائي.
- لم تحبل بك شنغهاي تسعة أشهر، ولكنها حبلت بك، لقد حبلت بك شنغهاي كأي أم وكنت في بطنها كأي جنين.
- لم تكن سوى حقل نبت فيه.
- لقد ربتك شنغهاي في كنفها تسع سنين.
- لم تكن سوى شارع ذهبت فيه.
- لقد حمتك من جنون شوغون ونيغروبلان قبل أن يجننها العلماء.
- لم تكن سوى مخفر حُبست فيه.
رجوتها: افعلي شيئًا من أجل جدك!
قالت: أنا لست باريس، وأنت لست جدي!
وحاولت تقبيلي، فأبعدتها عني، وأنا أصرخ من شدة الرعب. قمت إلى غرفتي، وأوصدت على نفسي الباب بالمفتاح.
شغلَتِ الحاسوب، أخذت تجرب فتح الباب بقواها الإلكترونية، ففشلت، وبقواها الفيزيائية، ففشلت أيضًا.
صاحت، شتمت، ودعت عليّ بالموت.
إذا بإم. سي. إس. وسي. آش. إل. يطرقان الباب، ويدخلان بزيهما البوليسي. رميا بأسلحتهما أرضًا، ومزقا ثوب باريس، وأرادا اغتصابها. خرجت من غرفتي، ورحت بهما ضربًا.
قلت: حرام عليكما! باريس ابنتكما!
قالا: نحن لا نعرف أحدًا بهذا الاسم! باريس هذه الرمل، الصحراء!
سمعت شنغهاي صراخ باريس، فجاءت تجري. عندما رأت الحال التي وضعها فيها أبواها، عادت إلى نفسها، إلى أمومتها، استعادت أحاسيسها، وغضبت على زوجيها الخائنين غضبًا شديدًا. أردت إم. سي. إس. قتيلاً، وسقط سي. آش. إل. على قدميها، ورجاها ألا تقتله. قال لي: يا موليير، لا تدعها تقتلني، لكنها قتلته. تحول مقلد إم. سي. إس. إلى ساكهورن، ومقلد سي. آش. إل. إلى ساعة رملية.
لفت شنغهاي باريس العارية الباكية الشاكية بذراعيها، وأخذت تبكي معها.
قالت لها إنها ستظل وحيدتها المدللة، وعرضت عليها أن تهرب معها إلى الصين، لتخلص من أداة الموت والدمار التي أصبحتها.
مدت باريس يدها إلى يدي، واعتذرت لي. كانت يدها دافئة، ناعمة، لها ملمس يد ابنتي الصغيرة التي ماتت في أريحا.
قالت باريس لشنغهاي: سنأخذ جدي معنا.
قالت شنغهاي: هذا إن أراد أن يأتي معنا.
قلت: سأترك كل العالم وآتي معكما.
قبلتني شنغهاي بشوق، وقالت إنني زوجها الأوحد. سكتت قليلاً ثم كشفت: أثار وجود رجالي غضب شبان البلاط الجديد، وهم يزمعون مهاجمتهم بقناني الكوكتيل مولوتوف. سأنضم إليهم، وأزرع الموت في أجساد جنود لا حياة حقيقية لهم، فكلهم أندرويدات، وأضمن بذلك طريقًا آمنًا لهربنا.
فجرت شنغهاي بعون أولاد البلاط الجديد، الغاضبين الذين ليس لهم أي أصل، المعسكر من زواياه الأربع، وغدت الجثث جبالا. جثث أندرويدات لا تعد ولا تحصى. رأيت الجثث على مستوى نافذتي، فقمت، وأغلقت الستارة. لم نكن نعلم أن المفتش جافير يتربص بشنغهاي وبأبطالها الشبان مع رجاله. حاولنا التسلل من بين أقدام الجثث، فألقى المفتش جافير القبض علينا بعد معركة حامية الوطيس ذهب عدد من الشبان ضحاياها. غل أيدينا على بلاط الدم، وساقنا عند الرئيس، ليستعيد مكانه لديه، ويصلح هذا مختبر نيغروبلان المهجور. في الحقيقة، نيغروبلان هو من زرع للمفتش جافير رأسه، وخيط عنقه، بينما لا يتوقف المفتش جافير عن ترديد كلمة الواجب... الواجب!
قلت للرئيس: لم تنتهِ المدة التي أمهلتني إياها.
قال: أردت الهروب إلى الصين.
قلت: باريس نسيت الرمز النووي بالفعل.
ضحك مني ساخرًا، وقال: لنيغروبلان والعلماء الآخرين طرقهم في معرفة ذلك.
طلب إليه المفتش جافير أن يقطع رأسي كسائر الكتاب الذين قطعت شنغهاي رؤوسهم، فقال له: اترك رأسه للعلماء.
نادى على شوغون، وجعل رجاله يغتصبن شنغهاي مقابل عدم تهريب آخر مبتكرات التكنولوجيا اليابانية لمدة ستة أشهر، يكون الاقتصاد الفرنسي قد انتعش قليلاً.
رافقتُ المفتش جافير مع باريس إلى مختبر نيغروبلان السري الواقع دومًا تحت مخفره، فالتقطنا العلماء، على رأسهم نيغروبلان، وأخذوا يحضروننا لتجاربهم.
كنا، أنا وباريس، يمسك أحدنا بيد الآخر، لم نكن خائفين، كان شعوري بملمس يد ابنتي في يدي يبثني بالراحة، ويبثها بالاطمئنان، كنا هادئين لا نفكر في المصير الذي ينتظرنا. كنت على استعداد أن أعطيهم من أجل باريس حياتي... وقبل أن يفصلونا عن بعضنا، ابتسمتُ لباريس، وابتسمت باريس لي.


الجزء الثالث
23
بعد فحصه لباريس، أكد نيغروبلان أن ذاكرتها لم تزل سليمة. قال إن ما تلف عندها الميكانيزم الذي يسمح بالإفضاء إليها، فعمل أول ما عمل على شحن السوبر-برغوث الحيوي الذي يستحيل عليه الاستمرار، دون أن يفلح. وبعد ذلك، لجأ إلى حقن نخاعها الشوكي بالنيروستيرويدات أيضًا دون أن يفلح.
لم تبق لنيغروبلان سوى طريقة واحدة للوصول إلى ذاكرة باريس، وذلك بإضرام التعارض بين جهنمي وجنتها. هيأني الأطباء لإجراء العملية في الحال، فاستأصل نيغروبلان منطقة الجنة من دماغي، ووضعني في غرفة الإنعاش. كانت الأقطاب الكهربائية المزروعة في رأسي واللفائف من حوله تجعل منه شكلاً موميائيًا نادرًا، أضف إلى ذلك عشرات الأنابيب التي كانت تخرج من فمي وأنفي، وقد أحاطتني عشرات الأجهزة الإلكترونية التي تعمل بدقة مثل أوركسترا يقودها مايسترو وهمي.
اخترقتُ قشرة الدماغ، وحططت الرحال في عالم افتراضي ليله سديميّ، كانت النجوم البعيدة تنطفئ بالتدريج كلما تقدمت منها، وكانت الهضاب اللامتناهية تثير في نفسي الدهشة والخوف، الدهشة من الخوف ذاته، والخوف المحفز على قطع كل تلك الهضاب.
كنت مندفعًا بخوفي للوصول إلى أقاصي المجهول، وكانت الهضاب تتلاشى بعد عبوري، وتتسطح كصحراء حجب الشمس عنها جناحا صقر عملاقان، فخيم عليها الليل، واجتاحها البرد.
لم أعتد خوفي، ومع ذلك كنت أتحرك بأمره، وكان الظلام المخيم يخفي خطر المكان الذي كنت أقطعه. كنت أذهب شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا وكأني أسير باتجاه واحد.
امحت الاتجاهات، وأخذت أسير فقط. كانت طريقتي في قطع المسافات عبارة عن ردود أفعال لا أكثر ولا أقل، وكان يصبح لي حافر الحصان مرة، جناح الصقر مرة، وأحيانًا كنت أزحف زحف النمل، وتلك كانت أقسى حالات الخذلان.
سبب لي إنجاز حالة الخذلان تلك اجتراح متعة الخذلان، وضاعف عندي بالتالي شعوري بالخوف، فعزمي على قطع عالم الجحيم المطفأ.
عندما أصبحت على وشك الوصول إلى حافة المخيخ، توهج المكان توهجًا شديدًا، وبزغت أشعة حمراء أغشت على بصري. كان اتجاهي قد تحدد، استعدت حاسة التوازن، وعادت لخطواتي قدم الإنسان التي لي. أخذ عقلي يخفق بشدة، وكل ما هو كامن فيه من عواطف قديمة قد هاج وماج دفعة واحدة.
تذكرت باريس، وفي اللحظة ذاتها شعرت بيد أحدهم تنزع اللفائف عن رأسي، وتنتزع قطبًا كهربائيًّا غائرًا لتزرع مكانه رأسًا دقيقًا لجهاز فيه ميكرو كاميرا فيديو.
عاد التوازن بين الكابت والمحرض عندي، إذ اشتعلت سماء قشرة الدماغ بملايين النجوم الألقة، واختفت الأشعة الحمراء لجهنم. التفت بصعوبة، فرأيتهم قد أحضروا باريس إلى سرير مجاور، وقد أجروا لها العلمية ذاتها التي أجروها لي، لكنهم استأصلوا منها منطقة جهنم.
كان الاتصال بيني وبينها يجري عن طريق التعارض بين المنطقتين، وبواسطة لغة التحريض الإلكتروني أراد نيغروبلان والعلماء الآخرون استعادة الرمز النووي الذي ضاع في بحر ذاكرة باريس بعد أن جعلوا من ذاكرتي وسيطًا.
أخذوا يسجلون ما تزوده خلايانا العصبية من شحنات كهربائية، وعكفوا على دراستها.
لكننا استطعنا، أنا وباريس، مقاومة العلماء، وعلى رأسهم نيغروبلان، عن طريق التكامل بين جنتها وجحيمي. أسكتنا خلايانا العصبية في اللحظة التي توصلنا فيها إلى حالة من التوازن الأيوني. توقفت الشحنات الكهربائية عن العمل، فجن جنون الدارسين لها، وبواسطة التهييج الكهربائي الخارجي، حاولوا إعادة ضبط الأمور، والسيطرة على سلوكنا.
رحت أهرب منهم إلى براكين المخيخ مثل كلب طريد، تلاحقني السياط، وأنا أسقط في هواتها. كنت أنبح نباح المسعور، وأذهب في الاتجاه الممنوع كي أنفذ من دائرة حركاتي التي يسعون إلى ضبطها.
ركضت في أحشاء أحد البراكين، وأنا أصرخ من لسع السياط والجمر. كانوا يحاولون جري من عنقي، وقد أرهبتني محاولاتهم، فأخذت أعض من الألم ذيلي وساقي.
دخلت في منطقة الدخان والفحم، واختبأت في جبل من الرماد. تكومت على نفسي، وأنا ألهث، وأبكي.
وصلني وقع أقدام عملاقة، فقطعت أنفاسي، إلى أن خذلني شعور الكلب الذي فقد ثقته بسيده، قمت، وانطلقت أجري بين الأقدام العملاقة، والأقدام العملاقة تحاول سحقي.
تمكنت الأقدام العملاقة من محاصرتي، فوجدتني أطل على باريس من حافة جنتها.
رأيتها تتلوى بين آلاف الحيايا التي جاء بها نيغروبلان لتبتلع باريس، وتأخذ ذاكرتها منها بعد أن يئس من الوصول إليها عن طريق التعارض بين جهنمي وجنتها. التفت الحيايا على بعضها، وقد دهنت باريس أجسادها بالزيت، وحاكتها في حركتها التي لا تنتهي.
بدت باريس أكثرها تلذذًا، وأقلها تمردًا. رأيت في لذتها لذة الإذعان، فقلت: ها هي ذي باريس الخانعة! ها هي ذي باريس الخائنة.
كانت تبدي في حركة التلوي المدروسة من طرف نيغروبلان ولاءها لهم، وفي الوقت ذاته خيانتها لي بعد أن تركتني أعاني وحدي في براكين المخيخ.
أصابني تشنج عضلي هائل، وحدي دون عون من أحد، وعزمت على الاستسلام. قلت سأتركهم يجعلون مني وسيطًا لمعرفة الرمز النووي الذي ضاع في ذاكرة باريس، وتبًّا للعالم!
أخذت ألحس نعال الأقدام العملاقة، وأمسح بالسياط جراحي، تركت دمعي يترقرق مثل النهر الذي يترقرق قرب باريس وشعب الحيايا الغارق حتى النخاع في لذة الجماع الجماعي.
دخلت الحيايا في الحيايا، وانطلق عنها فحيح جنوني هز أركان الجنة هزًّا. تساقط الثمر عن الشجر، وماج النهر في الزوبعة، وبدلاً من أن تبتلع الحيايا باريس، أخذت باريس تبتلع الحيايا واحدة واحدة، فضرب العلماء على آلاتهم، ولم يعرفوا ماذا يفعلون.
لم تخني باريس إذن، فعلت كل ذلك عن عمد لتقوم بضربتها دفعة واحدة.
حاولت الهرب من حصاري إلى باريس من أجل عونها، لكنهم تمكنوا من تطويقي، وأخذ الحية الأخيرة التي لم يتركوا لباريس فرصة ابتلاعها، وعكفوا على دراسة ذاكرة باريس عبر لسان الثلب الذي لها دون أن يصلوا إلى شيء، فقرر نيغروبلان والعلماء الآخرون أن يعيدوا مولدنا من جديد، وأن يجعلونا نكبر في زمن يدرسون مراحل تكون الذاكرة فيه مرحلة مرحلة. لم يعد الميكانزم المفضي إلى ذاكرة باريس هدفهم، وإنما إعادة بناء ذاكرتها ذاتها بعد أن جرى تمردنا.




24
وجدتني وباريس جنينين في الساق الدماغي، وعلى التحديد في البصلة السيسائية. أخذتنا ينابيع ضوء حلقية في تيارها، ونحن نضحك ونضرب بأيدينا.
كانت ينابيع الضوء باردة منعشة، تتدفق، وتطلق الشعاع. وكنا نستنشق الهواء الساطع، ونتنفس.
قالت لي باريس إنها ستتزوجني بعد أن نولد، فأفهمتها أن الزواج أمر من أمور الكبار، وأنا لن أصبح زوجًا لها، لأنني سأكون أخاها.
قالت: سأتزوجك قبل أن نولد، فهذا العالم هو عالمنا الحر الوحيد.
قلت: لا داعي لكل هذه المراسم، فنحن توأمان.
بذر نيغروبلان والعلماء الآخرون أول بذرة لذاكرة باريس: الرغبة في الزواج من أخيها قبل الولادة.
صعدنا صخورًا قرمزية اللون، وألقينا بجسدينا في ينبوع. ضحكنا، ولعبنا، حملتها بين ذارعيّ، وقذفتها في الضوء. حملتني بين ذارعيها، وقذفتني في الدم. شربت الدم من يدها، وأشربتها الدم من يدي. حملتها على ظهري، وسبحت بها. حملتني على ظهرها، وسبحت بي. وعندما تعبنا، وضعتها في حضني، ونمنا.
وبينما كنا نائمين، انتفخ بنا الساق الدماغي انتفاخًا هائلاً إلى أن تفجر، فرمتنا أمواج الضوء المندفعة إلى شبكة عريضة مُعَرَّقة، كنا قد ولدنا.
أخذت باريس من يدها، وسرنا، وهي خائفة من الوقوع في الشبكة. كانت تخشى الوقوع في الأسر منذ اللحظة الأولى لمولدها. بذر نيغروبلان وزملاؤه في أجهزتهم ثاني بذرة لذاكرة باريس: الخوف من الوقوع في الأسر بعد الولادة، حتى أنها عندما رأت طيورًا من الأشعة تقطع السماء من فوقنا، خبأت وجهها في صدري مذعورة، فسجلوا: كل شيء يهددها.
قلت لها: لا تخافي! هذه طيور من الأشعة.
رفعت رأسها مترددة، وقال: أنا أحب الطيور.
- ولماذا تخافين منها؟
- لأنها لا تغني.
- هذه طيور تغني دون أن نسمع صوتها.
- أنا أحب الطيور التي تغني وأسمع صوتها.
فسجل نيغروبلان والعلماء الآخرون: تحب الطيور التي تسمع غناءها.
- في الخارج هل يسمعون صوتها؟
قلت: لست أدري.
تشبثت بيدي، وقالت: لا تترك يدي!
قلت: لن أترك يدك.
زلت قدمي، فسقطت من الشبكة، وسقطت معي باريس. أحسست بنفسي أطير كالطيور الشعاعية، وكذلك رأيت باريس تحلق قربي.
قالت باريس: ما أجمل أن أطير.
فسجلوا: تحب الطير كالطيور.
قلت: أرأيت؟ تلك الطيور ما أروعها.
غنت، فلم أسمع صوتها، ولم يسمع أحد صوتها.
بدت باريس حزينة لأن أحدًا لا يسمع صوتها، فسجلوا: تحزن لأن غناءها لا يسمعه أحد. لكننا انجذبنا إلى قوة مفاجئة، وسقطنا في حالة من التوتر الشديد. كانت الكمبيوترات قد أخذت تحلل انفعالات باريس التي تؤثر في سلوكها، والتي تمثل ذاكرتها الأولى، فحصل العلماء على النتائج التالية: زواجها بمحرم وحريتها المهددة واستحالة إيصال رسالتها إلى العالم. لم يكن فك رموز كل هذا في ذلك الطور يساعد على معرفة الرمز النووي. لهذا قرروا أن نواصل رحلة العمر عبر الدماغ، فلكل سن زمنه، ولكل زمن ذاكرته. صدرت من الأجهزة الإلكترونية إشارات محرضة من العبث، فأخذنا نحلق، ونحلق، ثم تركنا أنفسنا نسقط في الفضاء السحيق، ونحن نصرخ، ولا يسمع أحد غيرنا صراخنا. كنا قد لعبنا حتى تعبنا، فنامت باريس بين ذراعيّ، ثم نمت بدوري.
نهضنا من نومنا لنجد أنفسنا في سن المراهقة، كنا في منطقة تحت المهاد، منطقة تشبه إلى حد بعيد مناطق تحت البحر.
بنيت لباريس بيتًا من الصدف، وجعلت من الحراشف الملونة السقف والجدران. عملت لها حديقة من شجر المرجان، وقطفت لها ثمارًا عمرها مئات الأعوام.
أصحبنا أصدقاء لحشائس البحر التي كنا من صدورها نتنفس، ومن محاراتها نأكل، ومن جذورها نشرب، وعلى أكفها ننام، وعندما يبرد جسدانا كانت تنفخ فيهما الحرارة. اطمأن قلب باريس، ولم تعد تخشى الوقوع في الأسر، فعقدنا العزم ذات يوم، وذهبنا نكتشف عوالم ما تحت المهاد على ظهر أحد القروش.
كانت كل حيوانات البحر أخوة لنا، وكنا نحب السهر معها في الليل على أضواء السفن المنعكسة.
كنت أحب باريس حبًّا مطلقًا، وكانت تعتبرني رجلها الأوحد.
في الصباح، كنا ننهض من النوم، بعد أن نكون قد حلمنا حلمًا واحدًا. وخلال النهار، كنا نذهب إلى حدود ما فوق المهاد، ولا نجرؤ على النظر إلى العالم. كانت أشعة الشمس شديدة، وكان إحساس باريس بتهديد كل شيء لها يعود إليها في سن المراهقة.
لم تشأ باريس أن تكبر، أرادت أن تبقى في سن المراهقة مع أصدقائها القروش وصديقاتها السمكات الملونة دون أن تغادر منطقة ما تحت المهاد إلى الأبد.
جئتها من حطام سفينة غرقى ببعض التماثيل، فكادت تطير من شدة الفرح. أخذت تنام في ظلالها، وتحتضن الأبطال العمالقة. وفي لحظة اشتياقها إليّ، كانت تجيئني، وتلتف بذارعي، فأملس شعرها الطويل بيدي.
قلت لها: سنعمل من عالم ما تحت المهاد عالمًا مشابهًا لعالمنا.
ففرك نيغروبلان ومن معه من العلماء أياديهم أمام أجهزتهم من شدة السعادة، لأن المقاربة بين العالمين ستؤدي إلى معرفة الرمز النووي حسبما كانوا يتصورون.
أخذت أبني أنا وأصدقائي الحيتان مدينة مزيجة من نابلس وباريس: تقاطع شارع الشويترة مع شارع الشانزلزيه، وغدت حارة الياسمينة حارة من حواري الحي اللاتيني.
أنشأنا الحدائق، والمتاحف، وأعدنا بناء الأوبرا، والمكتبة الوطنية. تجاوز برج إيفل بطوله سطح البحر، وأعدنا لقوس النصر شأنه يوم بناه نابليون تخليدًا لانتصاراته.
أحبتني باريس كثيرًا، وشكرتني كثيرًا، قلت لها: كل ذلك بفضل الحيتان القادمين من حوض البحر الأبيض المتوسط، فأصرت على أن كل الفضل يعود لي وحدي.
أخذتني، وقبلتني أطول قبلة في التاريخ.
لم يصل نيغروبلان وزملاؤه إلى ما تصوروا، لم يكن هناك اختلاف بين العالمين، حتى أن استنتاجاتهم الأولى حول حرية باريس المهددة قد ذهبت أدراج الرياح.
ذهبنا مرة أخرى إلى حدود ما فوق المهاد، كانت إرادة نيغروبلان علينا، فكادت تعمينا أشعة الشمس الشديدة. أراد أن يزعزع ارتباطنا بعالمنا، فزادنا به تعلقًا.
كنا نفضل الظلال الزرق، والليل الملون كالحراشف.
عدنا إلى مدينتنا التي بنيناها تحت البحر، وأخذنا نتجول في شوارعها نحن وشتى أنواع السمك بحرية دون أن يعجب ذلك نيغروبلان الذي لجأ إلى بث سياسة المراتب الاجتماعية في رؤوسنا.
قالت الحيتان: نريد أن نجعلك علينا رئيسًا، فرفضت.
قالت باريس: في هذا العالم لا حاكم ولا محكوم، لا مالك ولا مملوك.
أصر الحيتان والقروش هذه المرة على أن يجعلوا من أحدهما رئيسًا، وقام بينهما صراع أودى بحياة الكثيرين.
قالت باريس: لم يعد عالم الموت والدم هذا عالمنا.
وافقت: هذا العالم ليس لنا.
قالت: وما العمل؟
قلت: أن نكبر.
قالت: وماذا يعني أن نكبر؟
قلت: أن نستطيع اختراق حدود ما فوق المهاد، هناك فوق عالم آخر.
قالت: إذن لنكبر.
ابتهج نيغروبلان والعلماء الآخرون لأن في المحطة السابقة لم تنضج ذاكرة باريس كما انتظروا: لم تعتبرني المحرم الذي تنبأوا بزواجها منه، وهي قد نعمت بالحرية إلى اللحظة التي انتزعوها منها. أما رسالتها إلى العالم، فلم تتحدد بعد، لهذا لم تسع إلى إبلاغها. كانوا يعولون على ذلك في سنها القادمة، واستعدوا إلى تحويل كل شيء في ذاكرتها إلى أرقام ورموز.
في عالم ما فوق المهاد، كانت باريس امرأة تتفجر أنوثة، وكنت رجلا أتفجر فحولة.
نظرنا من حولنا، فأبصرنا من حولنا غابات تتلو غابات. كانت جذور الشجر تبرز على سطح الأرض، والأغصان تصنع الشبكات.
كنا وحيدين أنا وباريس في النهاية، في عالم لا يوجد فيه شيء غير الشجر. وكانت أشعة الشمس تتخلل الأغصان بعد جهد، فتصنع أعمدة من الضوء.
أحببت باريس حتى الجنون، وأحبتني باريس حتى الجنون بل وأكثر من الجنون، كانت تريدني أن أكون لها وحدها.
قلت لباريس: أنا لك وحدك. في هذا العالم لا يوجد غيري وغيرك. لكنها كانت تشك في علاقتي بالشجر، وبالجذور التي أقضي الساعات الطوال في اجتثاثها، وبالأغصان التي لا أتوقف عن قطعها.
كانت تشك في علاقتي بالظلال، وبظلها هي أكبر شك، إذ كانت تريدني ألا أحب أحدًا آخر غيرها وإن كان ظلها.
كانت تشك في علاقتي بأعمدة الضوء، وبالشمس التي لا نراها.
قالت لي: أغير من ظلك.
فوقعت على الأرض من الصدمة، وغدوت سحلية.
وقالت لي: أنت لا تحبني الحب الكافي.
فغدوت حية ابتلعت السحلية.
وجاءت لي بالبراهين، قالت لي: أنت تحب ابنتك التي ماتت في أريحا أكثر مني.
فغدوت ضفدعة ابتلعت الحية.
قلت لها: ابنتي ولدت ميتة.
لكنها أصرت على موقفها.
جاءتني ببعض النساء من عالم الفيديو، وجعلتني أهتم بهن، ثم اتهمتني بحبهن، قلت لها: ما هن سوى صور!
لكنها أصرت على موقفها، وقالت إنني أخدعها.
أصبحت تحسب الوقت علي، متى أذهب؟ ومتى أعود؟ أصبحت تحسب الأكل علي، ماذا آكل؟ وماذا أشرب؟ أصبحت تحطم الجذوع، وتقصف الأغصان، وتدمر الجذور كلما غضبت، وتنزوي وحيدة في النتوءات والتلافيف.
قالت لي إنني أهرب منها حين النوم، وأنا أحلم بغيرها. طلبت من العلماء أن يدخلوها في أحلامي، فأدخلوها. وجدتني لا أحلم إلا بها وبجمالها، فاتهمتني بالكذب والخداع والتدجيل.
تفننتُ في فعل العشق معها، وأبدعت في إمتاعها، فلم يرضها ذلك، قالت لا أفعل ما أفعل إلا لأخفي عنها ما أخفي.
اتهمتني بالأنانية لأنني لا أحب أحدًا غيرها، وبحب النفس، والسعي وراء المجد على حسابها.
اتهمتني بالفحولة لأنني لا أمارس فعل العشق إلا معها، وبالتسلط، وتشييد عالم الرجولة المقيت.
قالت إنني استغللت جمالها لأكتب أجمل القصص، وأغدو مشهورًا، بسببها فقط دخلت عالم المجد.
بدأت تضربني في صدري، وتجرح بأظافري وجهي، كي تشفي غليلها، وتجعلني بشعًا في عيون الحسان.
أخذت تذبح السحالي على وجهي، وأنا نائم، فأنهض، وأنا أطفو بالدم. وراحت تدفع الحيات في فمي، أو تجعل من فخذي مستنقعًا للضفادع.
وفي إحدى الليالي، تعطرت بعطر الصندل، وفرشت شعرها على جسدي العاري، وعندما رفعتها، ورفعت الجبال، بترت لي عضوي.
أسقطتني في هوة سحيقة، حيث لا يوجد هناك سوى المخصيين والمخنثين، ولكن كان عالم الهوة المظلم بعيدًا عنها أجمل من كل جنات الدنيا التي هي سيدتها، وعندما أحس عقلها بسعادتي غير المتوقعة تلك، ندمت على فعلتها، فأخرجتني من الهوة السحيقة، وراحت تحاول إعادة الفحولة لي، دون أية فائدة. اكتسحتني الأيام، واكتسحتها، وهي تحاول، وتحاول، دون أن تفلح، وظلت على حالها معي سنين وسنين، تحاول، وتحاول، وتبوء محاولاتها بالفشل، ولم تكف عن محاولاتها التي عزمت على أن تدوم إلى الأبد.
حاول العلماء، على رأسهم نيغروبلان، أن يحللوا هذا الجانب من ذاكرة باريس، جانب الانفعالات والأهواء، وخاصة ما دفعها إلى القيام بفعلها الأخير، المرادف لإرادة الانتقام من الذات والإحساس الأبدي بالموت، فقدمت لهم الكمبيوترات جداول مذهلة: رموز صينية ومعادلات لا متناهية بالعربية عكفوا على دراستها دون أن يمكنهم الوصول إلى الرمز النووي. عادوا إلى تفسير تغيرات باريس العاطفية وتغيراتي أنا الجسدية، وتوقفوا طويلاً على مسخي ضفدعة ادعوا أنها رمز الرئيس ذاته، وابتلاعي للحية جعلهم يعودون إلى الحيات التي ابتلعتها باريس في الجنة. وقتوا للحدثين، وتوصلوا إلى رقمين في التقويم الروماني. لكن نيغروبلان قد شكك في الأمر، قال وما يدريه أن المقصود حرفان يونانيان، فعاد إلى تعميق دراسته للرموز الصينية، وربطها بالحالات الحيوانية التي صرتها، فتعددت الحروف تعدد هذه الحيوانات ذاتها، لهذا أرجأ كل شيء ريثما ندخل طور الشيخوخة، وننهي بذلك دورة العمر الذي لنا.
عدت أنا وباريس إلى عالم ما دون قشرة الدماغ، وقد وطئنا عتبة سن الشيخوخة.
وجدنا أنفسنا في عُقَدٍ ودورانات لا تنتهي.
كانت باريس بشعة، وجهها مليء بالتلافيف والنتوءات، وكنت أنا أبشع منها. كان مجرد النظر إلى الواحد أو الآخر يثير الكره في الدماغ، فكيف بعد كل هذي السنين الطويلة من العيش معًا. كنت أكرهها كرهًا شديدًا، وكانت تكرهني الكره ذاته.
لطمتها على وجهها، وطرحتها أرضًا أريد قتلها، لولا تدخل نيغروبلان ومن معه من العلماء وإرسال أوامرهم بواسطة الفيديو.
قامت من تحتي، وهي تبكي، وتمسح عن أنفها دمها، وتقول إنها ستقتلني هي ذات يوم، ولن تستمع إلى أوامر أحد.
أخذت تفك العقد، وتلطمني بها كالسياط، ثم ربطتني بها، وألقتني في دوران رحت أدور فيه، وأنا منجرف معه، وأصرخ صراخ المرتعب المدكوك بالرعب.
رمى لي نيغروبلان بحبل افتراضي أمسكت به، وتسلقته إلى باريس، وباريس تهرب مني، وقد أصبحت الرعب ذاته. كنت أحقد عليها حقدي على الذين أعادوني إلى شيخوختي في عالم لا يمكن أن يكون وطنًا أو متاعًا، وأردت الانتقام منها لكل أحفادي الذي قتلوا أو الذين سيقتلون. رأيتها جدة دميمة، إلى جانب كل الموت الذي زرعته، وكان الموت طريقتي الوحيدة في إعلاء شأو حياة أحفادي الذي قتلوا أو الذين سيقتلون.
جاءتني راجية، وهي تبتسم لي، فقلت: كم هي بشعة ابتسامتك، يا باريس! أحاطتني بذارعيها، وهي تقبلني، فقلت: كم هي خادعة قبلتك، يا باريس! انتزعت من خدها بعض التجعيدات، وهي ترميني بها، فقلت: كم هي كريهة فتنتك، يا باريس!
خَرَّت بين يديّ باكية، فلم تخفف دموعها من حقدي عليها وكرهي لها مثقال ذرة.
كانت تبكي وأنا أزداد لها كرهًا.
وكانت تبكي كي تعبر عن كرهها لي.
كنا نكره بعضنا كره وطن لوطن وتنين لتنين وحذاء لحذاء.
تمنيت لو كنت أمسك سيفًا لقطعت رأسها في الحين.
تمنت لو كانت تمسك خنجرًا لزرعته في رأسي دون تردد.
انبثقت باريس في لحظة من لحظات التدفق المحرض من كرهها لي، وارتمت في أحضاني كجذع خشن أخذت أملسه بيد حانية. رفعته على كتفي، وبدأت أمتطي العقد إلى أن اقتربت أكثر ما يكون من قشرة الدماغ.
اخترقتها بالجذع، وأخرجت منها رأسي، فوجدت باريس الجميلة الخالدة التي أعرفها في ثوب أميرة عربية بانتظاري.
قالت لي: لنقطع صحراء الليل.
قلت: لنقطعها.
وسرنا على هدى نجمة تنطفئ بالتدريج عائدين إلى أعمارنا.





25
فشل نيغروبلان والعلماء معه في الحصول على الرمز، فالذاكرة ليست معادلات أو رموز أو أرقام وإنما الحياة ذاتها. لم تنفعهم أحدث الأجهزة الإلكترونية، ولا أقوى العلوم الرقمية. لكن نيغروبلان لم يشأ الاعتراف بعجزه، أصر على أطروحة أن باريس تنجح في عرقلة مساعيه، وأنني أتواطأ معها، لهذا أراد معاقبتي والانتقام من باريس. أسقطني أعوانه في هوة جهنم، وأغرقوا باريس في نهر الجنة. رفعوا درجة إحساس عقلي بالعذاب إلى أقصاها، وكذلك فعلوا بالمتعة لدى باريس، لكننا تآزرنا، ووقفنا عقلاً واحدًا في وجوههم.
قلبنا الأحاسيس، وجعلنا إحساس عقلي بالعذاب إحساسًا فردوسيًّا، وإحساس عقل باريس بالمتعة إحساسًا جحيميًّا.
أخذت أتلذذ على طعم السقوط، ووضع الاحتراق، وأدخل عالم الجحيم كفرس تقطع جمر الوهاد بغبطة.
وأخذت باريس تتعذب على طعم العسل، وبرودة الماء، وتقطع جسور الفردوس كثور محمل بالأثقال.
رحت أقاوم كل محاولة تريد إعادة الأمور إلى نصابها.
قاومت شحنة الألم، وقاومت باريس شحنات ضد المتعة. أصبح الألم واليأس والمرض محفزي على احتمال عالم الجحيم، وكذلك غدت السعادة والأمل والفرح لباريس محفزها على احتمال عالم الجنة، والفرق بيني وبينها كان جوهريًّا. كنت أحتمل عالم الجحيم بصفته عالم الجنة، وكنت تحتمل عالم الجنة بصفته عالم جهنم.
هكذا رحنا نقاوم كل محاولات العلماء، فلم يفلحوا في فصل عقل الواحد عن الآخر، واحتملت باريس لأجلي كل عذابات النعيم.
لم أستطع التمتع بعذاباتي على حسابها، رغم أنها لم تفه بكلمة واحدة، ولم تتذمر. كان الصبر صفة الضعف عندها، ولم تكن تدري أن للصبر صفة القوة.
أردت أن تعرف قوتها، أن تستمد قوتها من قوة عذاباتي، أن تحول عذاباتي إلى عذابات حقيقية، أن تدخل عالم المتعة من بابه العريض، أن تطرق الباب عليها وتعيش، أن تستمتع بوقت العزلة أجمل الأوقات، أن تغيظني لأنني فقدت وقتي، أن تكون أنانية على حقيقتها عندما تطرد كل الملائكة الطيبين، وتسمع للموسيقى وحدها.
أقنعتها بواسطة التواصل الكهربائي بين عقلي وعقلها أن نقوم بمحاولة حاسمة ردًّا على سلوك العلماء، فننسف كل خططهم.
حركت رأسها وهي مستلقية إلى جانبي في سريرها، وفتحت عليّ عينيها في اللحظة التي فتحت فيها عينيّ عليها.
كانوا يعولون على استسلام عقل باريس وعقلي بسهولة، ونسوا من تكون باريس، من أكون أنا.
اتحدت قوانا الدماغية في تركيز مذهل كاد يستنفد كل طاقات خلايانا العصبية، وشللنا كل حركة في الأجهزة الإلكترونية التي وصلوا رأسينا بها.
امّحت الصورة من جهاز الفيديو، ثم تفجَّر الجهاز، وندَّ عنه حريق.
جن جنون الرئيس لما علم بالنبأ، نادى المفتش جافير إلى صومعته الصينية، وطلب منه أن يعتقل كل العلماء الفرنسيين. رفض المفتش جافير المساس بنيغروبلان لأنه خالقه، قال كل العلماء الآخرين إلاه، فقال له الرئيس أرسله إلى جهنم إذن، أبعده عني بأية طريقة. اقترح المفتش جافير أن يعيده إلى مختبر بير-لاشيز بعد إصلاحه، فوافق الرئيس.
خرج شوغون من مخدع شنغهاي، وعرض على الرئيس إحضار علماء يابانيين، لكنه قرر إحضار علماء أمريكيين، وقال: هكذا تبقى الأمور ما بيننا، وأبقى سيدًا للعلم والمعرفة.
جاءت شنغهاي ببطن منتفخ، وراحت تدلك قدمي الرئيس بحبق الماء، وتطلب منه أن يحررها من مهمة صنع طفل لليابان.
دفعها بقدمه، وقال: أريده أن يكون لي جاسوسًا عليهم.
جاء العالم الأمريكي أكسون بأحدث الأجهزة التكنولوجية، وربطونا بها بعد أن نظر بعين الاحتقار إلى الأجهزة الفرنسية. قال عنها إنها ليست متطورة، ووصف فرنسا ببلد الغرب المتخلف. أخذ يجري عمليات افتراضية على مخ افتراضي لباريس، واستطاع أن ينزع السوبر-برغوث الحيوي الذي توقف عن العمل، مقابل شلل عام أصاب المخ لم يأبه به. كانت غايته تكمن في استئصال البرغوث من أجل زرعه في رأس آخر، هكذا يعيد تشغيله، ويحصل على الرمز النووي المسجل في ذاكرته، ولا بأس أن تشل باريس أو حتى تموت.
في الليل، قلت لباريس عن طريق الإشارات الإلكترونية:
- يجب أن نفعل شيئًا.
قالت باريس:
- أعرف ماذا تريد أن تقول:
قلت:
- كي نخلص من كل هذا الذي نحن فيه علينا أن نضع حدَّا لأهداف أكسون.
قالت:
- نحتاج إلى وسيط.
قلت: شنغهاي.
قالت: لن تقبل شنغهاي.
قلت: سنناديها، ونرى.
قالت: سنناديها.
وناديناها عن طريق الأقطاب الكهربائية المزروعة في رأسها، وذلك بتحريض جهازها العصبي عن بُعد، وتوجيهها مسافيًا.
ضرب رأس شنغهاي برأس ياباني كان يضاجعها، فدفعته عنها، وهي تشد رأسها بين يديها. أصابها الصداع، فرفعت عينيها إلى الساعة الجدارية، وعقربها الكبير يغادر منتصف الليل بقليل. فتحت النافذة، واحتضنت الفضاء الفسيح، وراحت ترسل أنفاس طويلة، فلم يغادرها صداع كنا سببه. جاءتنا والصمت يخيم على المكان. ظنت أننا نريد منها أن تفكنا، وتهربنا. أوضحنا لها عن طريق الكمبيوتر أنهم استأصلوا مني منطقة الجنة، ومن باريس منطقة جهنم، وعيشنا يتوقف على مدى ارتباطنا ببعضنا وبالأجهزة المحيطة بنا.
ظهر مقلد باريس فجأة على شاشة الكمبيوتر، وقال لشنغهاي، وباريس الممددة تضع يدها على بطن شنغهاي، وتحس بحركة الجنين: نريدك أن تضعي حدًّا لأهداف أكسون. أكسون يريد انتزاع السوبر-برغوث الحيوي من رأسي، وقتلي.
ارتعدت شنغهاي: أن أضع حدًّا لأهداف أكسون!
قلت: سنضع حدًّا لرغبته في استئصال البرغوث، فنخلص من سعيه لاسترداد الرمز النووي، وننقذ البشرية من الدمار، وبعد ذلك، سنصل إلى طريقة تحرر حياتنا من التوقف على هذه الأجهزة.
قالت شنغهاي: لم تعد لي القوة على الفعل.
قالت باريس: ستفعلين بطاقتنا أنا وجدي.
تراجعت شنغهاي، وهي تلف بيديها جنينها، وتقول: اتركوني وشأني. أريد أن أكون أمًّا كباقي الأمهات، وأن يكبر طفلي كباقي الأطفال.
قالت باريس: الرئيس يريده له جاسوسًا.
أصرت شنغهاي: وأنا أريده لي طفلاً كباقي الأطفال.
قلت لشنغهاي: لن يتحقق ذلك إلا إذا ساعدتنا.
قالت: لن أفعل.
وذهبت راكضة.




26
في هدأة الليل والسكون سمعنا صرخات العلماء الفرنسيين في مركز الشرطة، ووصلنا وقع خطوات حذرة في الممر.
دخل علينا المفتش جافير الحجرة، ونظر إلينا، ونحن نضيع تحت أقنعتنا الغريبة. غاب بين الأجهزة، ثم أخذ يسحب منها الأسلاك والأنابيب، وتركنا نلفظ أنفاسنا الأخيرة.
سقطت على الأرض، ورحت أزحف بقوة أنفاسي، وأنفاس باريس الأخيرة، إلى أن وصلت المكان المضيء.
كانت الممرضة المكلفة بالسهر علينا تنام، فأيقظتها، وهي تطلق على هيئتي صرخات فزعة مدوية.
جاء بعض الأطباء يجرون، حملوني إلى سريري، وأعادوا ربطنا أنا وباريس بالأجهزة التي تتوقف عليها حياتنا.
اعتقد أكسون أن الفعل من فعلنا، وفسر لجوئي إلى الممرضة المكلفة بالسهر علينا بدافع الخوف من الموت في اللحظة الأخيرة، فقرر إنزال أقسى العقوبات بنا، وهو يضحك مثلج الصدر، كان يريد إذلالي بالنوم مع حفيدتي.
أخذت أكتب في الكمبيوتر كل عبارات الترجي، قلت لأكسون بأنني سأساعده على معرفة الرمز النووي. رجوته ألا يدنس العلاقة الطاهرة التي بيني وبين باريس، ألا يلوث فخذي حفيدتي، ألا يجعلني جدًا ملعونًا.
برمج عملية العناق رغم أنفي، وباريس لا تنبس ببنت شفة. رجوت باريس أن ترجوه، لكنها قالت:
- أقطع طريقي المرسوم.
لم أصدق كل تلك القدرية التي سقطت على عقلها.
سمعتها تقول:
- سأعلمك معنى الحياة.
لم تكن سعيدة، ولم تكن حزينة، كانت تريد إنجاز فعل العشق، واستعدت لتدخل في الكمبيوتر.
دخلت الشاشة بإشارة صغيرة من أحد الأزرار، أما أنا، فقد رفضت الدخول.
جعلني أكسون في الجهاز الإلكتروني عاريًا، ودفعني دفعًا بين ذراعي باريس كما لو كان الأمر لعبة فيديو. بدأت باريس تمارس فعل العشق معي باشتياق قبيلة من النساء المتوحشات، وحرارة ألف فخذ وذراع، في الوقت الذي كنت فيه ممددًا على سريري، والدمع يسيل على خدي.
عاد إليّ يأسي كما هو يأسي، وكل عذاباتي كما هي كل عذاباتي. كان ألم صغير يشق عقلي كالبرق، ويكاد يسلب لي حياتي. أصبحت أخاف من الشجر المائل، والجدران المتصدعة. غدوت أحسُّ أن للبكاء طعمًا مرًّا كالبكاء، وأن البكاء ضروري عندما يرتكب الإنسان جرمًا مهما كان صغيرًا، ويجرفه الندم.
حثتني باريس على النسيان، فقلت: من عادتي أن أنسى كل شيء، أما فعل كهذا، فلن أنساه ما بقيت حيًّا.
قالت باريس: ما كان ذلك سوى فعل افتراضي.
قلت: لقد حصلت على متعتك.
قالت: سأظل حفيدتك البريئة.
قلت: براءتك جريمة.
قالت: سأظل حفيدتك الطاهرة.
قلت: طهارتك رجس.
قالت: سأظل حفيدتك الحبيبة، حفيدتك الوحيدة.
قلت: ستظلين حبيبتي ولعنتي.
ضممنا بعضنا في الكمبيوتر، وبكينا في السرير.
اتفقت مع باريس أن نضع حدًّا لأهداف أكسون بواسطة الجنين في بطن شنغهاي.
قلت: لأخفف من مصابي.
قالت: اعتمد عليّ.
حرضنا عن طريق أقطاب شنغهاي الكهربائية جهاز الجنين العصبي، فنهض، ودفعها إلى استلال سيف أحد رجال الساموراي الذين ساهموا في صنعه. كان أكسون ينام في صومعة الرئيس، بعد أن تحدث معه طوال الليل عن "عملية العصر" التي سيزمع إجراءها على باريس. وشنغهاي على بعد خطوة من أكسون، عادت إلى رشدها، وأخذت تقاوم إرادة جنينها عليها، وذلك باقتصاد طاقتها إلى أقصى حد، إلى أن طرحت السيف أرضًا.
أعدنا أنا وباريس الكرة، فجعلها جنينها تستل السيف من جديد، لكنه لم ينجح في دفعها باتجاه أكسون، وكانت الصدفة أن زرعت السيف في قلب "أبيه" الياباني.
أيقظت شنغهاي الرئيس، واعترفت له بكل شيء، وهي تمنع سقوط السيف على عنقه، إذ لم تعد تتحكم بجنينها، بعد أن تمكنت من تخفيض طاقتها إلى درجة جعلتها تنفذ من توجيهنا له عن بُعد. كان الجنين يعمل بتحريض من جهازه العصبي ذاته، من أجل إتمام أول فعل حر له، دون أن يبالي بأن يكون موضوع فعله الرئيس أو غيره. أخذ الجنين يدفعها إلى التنفيذ، وهي تدفع يدها بالسيف بعيدًا عن عنق الرئيس. وليخلص من إرادة جنين استقل عنها، نصحته بالعودة إلى الإليزيه، فنهض، وهو يشتم، وينادي المفتش جافير.
تضاعف يأسي بعد الفشل الذريع الذي منينا به أنا وباريس مع أكسون، كنا قد بذلنا كل طاقتنا، وصرت أنا على الخصوص لا أملك القدرة على بذل شحنة كهربائية واحدة. غدت أقل حركة تسبب لي جحيمًا من الآلام، وكان جحيمي النفسي يذلني أكثر، ويجعل مني جعلاً تسحقه الأقدام.
قلت لباريس: أنا على وشك الموت.
فأخذت باريس على شاشة الكمبيوتر تذرف الدمع.
قلت: لكنني أريد الموت على الشكل الذي أنا أختاره.
قالت باريس: لن يسعد أكسون موتك طالما لم ينجز عمليته الجراحية فيّ، وبقي عقلي يتوقف على عقلك.
ذرفت الدمع أنا أيضًا، وعزمت على سحب الأسلاك والأنابيب، ووضع حد لعذاباتي، فمنعتني باريس.
قالت: إذا مت متنا سويًّا، ولكن ليس قبل أن أنتقم لك منهم، وأستنفر العالم كله.

27
أبدت باريس تعاونها مع أكسون. في البداية، ظن ذلك مناورة منها لتأخير العملية الجراحية في مخها. شك في استعدادها المفاجئ لمثل هذا التعاون، لكنها وضعت حدًا لتساؤلاته حول صدق نواياها عندما استطاعت أن تشغل السوبر-برغوث الحيوي جزئيًا، وتأتيه بالرمز النووي. تأكد أكسون أولاً من عمل البرغوث الجزئي وصحة الرمز، وطلب من باريس ألا تقول شيئًا للرئيس، فيعتقد أن الحصول على الرمز قد تم بفضله. اشترطت باريس إطلاق سراحها وسراحي، بسبب ارتباط جنتها بجهنمي. أجرى أكسون على مخها الافتراضي عملية جراحية افتراضية تعيد لها منطقة جهنم، فنجحت دون أدنى خطر. كان الإعداد لها فعليًا يحتاج إلى بعض الوقت، ومن هنا إلى هناك، وافق على إعطاء حرية الحركة المحدودة لباريس ولي ريثما تستقل عني.
فرح الرئيس فرحًا عظيمًا لاسترداده الرمز النووي، وتردد في اللحظة الأخيرة.
- وما يدريني أن الرمز صحيح؟
أجاب أكسون:
- لقد تأكدت بنفسي من كل السوبر-برغوث الحيوي، الجزئي هذا صحيح، ولكن على الخصوص الجانب الخاص بالذاكرة، وبالتالي هذا الرمز النووي صحيح.
- باريس ماكرة، يا مستر أكسون، قادرة على كل شيء، لن يصعب عليها خداعنا.
- علميًا لا شك هناك، أما عمليًا...
وضحك، فغضب الرئيس:
- أنا لن أنسف العالم للتأكد من صحة الرمز.
- إذن لا تشك في شيء، يا سيدي الرئيس. اقبل بالرمز، وإن لم يكن صحيحًا، وسيعتقد الكل بأنه بإرادتك سيدمر العالم، فيهابك، وتصبح في أعين الجميع بالفعل "الرئيس".
- ليس المهم أن أصبح الرئيس في أعين الجميع، وإنما في عيني أنا، لأن الرئيس هو شعورك بكونه أنت أولاً ثم العالم، وهذا الشعور لن يأتيك به اقتراع عام أو أكبر مقعد في الإليزيه، وإنما حوزتك على رمز تعرف أنك تقتنيه وحدك، وأن بإمكانك تركيبه بعدة ثوان، وتفجير الأرض. هذا هو كل جوهر مهنتنا، يا مستر أكسون. لهذا أنا رئيس، ورئيسكم الأمريكي رئيس، وكل رئيس يملك قوة نووية، أما الباقون، فهم ليسوا رؤساء وإنما قرود. ولهذا أيضًا من واجبك أنت، يا مستر أكسون، وكل علمائنا، أن تدافعوا عن هذا القوة التي يجب أن تبقى لنا وحدنا، وإلا ما كانت الرئاسة رئاسة في هذا العصر.
ابتسم أكسون:
- أن ندافع عن قوتنا النووية يعني تكريس كل الإمكانيات اللازمة من أجل أبحاثنا وأحلامنا.
صاح الرئيس:
- خذ كل شيء، يا مستر أكسون، كل ما تريد، ما عدا هذا الرمز.
- هذا الرمز أتركه لك، وأنت اترك لي السوبر-برغوث الحيوي.
- السوبر-برغوث الحيوي...؟
- الذي في رأس باريس.
- آه! كدت أنسى، خذه، وخذ باريس معه.
وخف يجري إلى علبته المصفحة، ليخبئ فيها بضع أرقام وحروف يمكنها تدمير العالم.
قهقه أكسون عندما وجد نفسه وحيدًا في الصالون الرئاسي. كان الرئيس لا يعلم أن قيمة السوبر-برغوث الحيوي أكبر من أكبر قنبلة نووية، وأن من يملكه هو وحده مالك العالم، مستقبل العالم والبشرية جمعاء. وليصل أكسون إلى تحقيق ذلك، أي إلى أخذ باريس، وأخذه، كان عليه أن يقضي على غريمين خطرين: نيغروبلان وشوغون.
حط المارينز في بلفيل، وفي غمضة عين حاصروا مقر شوغون، ثم اجتاحوه. قتلوا شوغون، وكل رجاله. فضل المفتش جافير عدم التدخل، وسارع الذهاب، هو وباقي الأندرويدات من رجاله وحيوانه إلى بير-لاشيز لحماية نيغروبلان في مختبره، فقصفهم المارينز بالمدفعية، وفجروهم ألف قطعة إلكترونية. كانوا قد قضوا عليهم كلهم عن بكرة أبيهم، وغدا الطريق لأكسون مفتوحًا من أجل أخذ باريس، من أجل أخذ السوبر-برغوث الحيوي.




28
بعد خروجنا من مختبر أكسون، لجأنا، أنا وباريس، إلى مقبرة بير-لاشيز. أرادت باريس الاحتماء بحيوانات غريبة أكثر إنسانية مع ذلك من الإنسان ريثما يحين انتقامها. كانت سعيدة على منظر نيران المارينز، وهي تدك نيغروبلان ومختبره وكل من هم معه، فهذا غريم ينتهي، وذاك غريم انتهى، كانت تقصد شوغون، ولم يبق سوى غريم واحد: أكسون. سألتها ماذا ستفعل أمام قوة المارينز الساحقة المتحركة بأمره؟ أخبرتني أن ورقتها الوحيدة لمواجهته ستكون الصمود أكبر وقت ممكن، ليهتز العالم، ويتحرك. وكان رأيي أن العالم لن يتحرك، فكم كنا مجنونين، أنا وفضل، حينما رأينا في التطور الرقمي بين القارات مستقبل العالم الحتمي ورفاهيته الشاملة للجميع. مستقبل العالم التخلف والركود، واللامبالاة الجماعية صفة من صفات الإنسان الجوهرية. ترددت باريس قبل أن تعلن أنها ستهز العالم على الرغم من كل شيء، ستهزه بأكبر فاجعة ستُرتكب باسم العلم. شوشني كلامها، وأقلقني. احتضنتها، وطلبت منها ألا تخفي شيئًا عن جدها.
- سأموت، يا جدي، هل تعرف هذا؟
- ماذا؟! أنا من سيموت. ألم أخبرك؟ أنا من يريد الموت بدلك. سأتركهم يستأصلون منطقة جهنم من رأسي ليزرعوها في رأسك، فتستردين قواك.
- حتى ولو كانت في رأسي كل مناطق الجحيم لن أداوم على العيش.
- ماذا؟! ماذا تقولين؟!
وانفجرتُ أبكي.
جاءت باريس تكفكف لي دموعي، وجلست في حضني. أطلت الدينورنيسات برؤوسها حزينة، وانتظرت ما ستقوله باريس.
- للسوبر-برغوث الحيوي ترانزستور ذاتي التدمير، أتذكر؟
جمدني كلامها، فتركتها تتابع:
- لقد بدأ العد العكسي.
انفجرن أبكي، وأشهق، والدينورنيسات تبكي معي، وتشهق. أخذت أسراب الذباب غير البربريّ ذات الحياة الاصطناعية تصفر، وانطفأت الفراشات الضوئية، وراحت الكلاب ذات الوجوه المتكافلة تعوي عواء مسعورًا يقف له شعر الرأس، بينا شاخت وجوه الأطفال أضعاف ما كانت عليه، وترهلت كوجوه من هم في الثمانين منا.
- لست أدري متى ينتهي هذا العد العكسي، ولكنني أدري أنه بدأ.
رجوتها، وأنا ألهث:
- سلمي نفسك لأكسون، فهو يعرف كيف يوقفه.
- لن يعرف أحد كيف يوقفه طالما أنا لا أعرف كيف. سينفجر الترانزستور في رأسي على مرأى الجميع تمامًا كما كان يريد صديقك، وسيهز العالم. سيضع الناس حينذاك حدًا لمطامع جنونية واحد مثل أكسون أو آخر في السيطرة على العالم عن طريق أعظم اختراع وصل إليه العلم. ربما عاد العالم إلى الوراء، واكتفى بحاجاته الضرورية فقط، من أجل أن يعيش بأمان، ويتعايش الناس فيما بينهم، وحينذاك، ربما تحقق مشروعك المجتمعي، عن طريق أقل الأشياء خدمة للناس لا أكثرها تطورًا.
صحت:
- أنا لا يهمني الناس، أنت فقط من يهمني، أنت كل من بقي لي من بين الناس. كيف يمكنني أن أمنع موتك؟ كيف يمكنني أن أذود عنك الموت؟
عدت إلى النشيج والبكاء، وكل الحيوانات ذات الحياة الاصطناعية تبكي معي، وتنشج. بدأتُ على نحو مفاجئ أرتعد من البرد، فالتففت على نفسي كجنين، وألقيت نفسي في أحضان باريس. أخذت تملس بكفها الناعمة جبهتي، وتحاول بث الدفء فيّ. بقينا على حالنا حائرين حزينين، إلى أن رمانا المارينز بقذيفة، فهربت الدينورنيسات والفراشات لتختبئ من الخوف، بينا اصطف الأطفال ذوو الوجوه العجوزة والكلاب ذات الوجوه الغريبة من حول باريس ومن حولي، وهذه تكشر عن أنياب الفهود التي لها، وفوق رؤوسنا راحت تحلق أسراب الذباب غير البربريّ كطائرات القتال مستعدة للانقضاض على فريستها والفناء من أجلنا.



29
دارت المعركة أيامًا طويلة بين المارينز مع الذباب البربريّ وبين الأطفال ذوي الوجوه الشيخة مع الكلاب ذات الوجوه المتكافلة، تساقط العشرات من الطرفين، واحترقت في السماء مئات الذبابات غير البربرية، ولم يتردد المهاجمون عن قتل عشرات الدينورنيسات البريئة والفراشات المسالمة. أخذت الجرائد والمجلات وباقي وسائل الإعلام تتحدث عن موت باريس الذي لا يعرف أحد متى سيكون، وعن حصار المارينز لها دون أي اعتبار لوضعها. صاح بعض المتظاهرين مطالبين بوقف إطلاق النار، لكن الرأي العام لم يفعل سوى الإشفاق على باريس دون أن يتعبأ كما يجب لإرغام الأقوياء على إيقاف هجومهم.
تحركت أنا وفراشات الضوء لدى شبان البلاط الجديد، وتحركت شنغهاي والدينورنيسات لدى شبان بلفيل، وجدنا الواحدين والآخرين غارقين في تعاطي إكستازي أغدقه عليهم أكسون دون حساب والرقص حتى الجنون. جعلناهم يتحررون من تأثير هذه الحبوب، وسرنا في فئتين صغيرتين، إحداهما من الضواحي، والثانية من باريس، بدأتا تكبران بالتدريج، وهما تقطعان شوارع باريس واحدًا واحدًا، جامعتين معظم شبان المدينة، وأرادتا الإطباق على المارينز الواحدة القادمة من شارع الأمة والأخرى من ساحة الجمهورية، فاستسلم المارينز لنا، وصاح الكل من الفرح. رقصت الدينورنيسات بالأطفال، وأضاءت الفراشات سماء مقبرة بير-لاشيز بكافة الأضواء الملونة.
ومع الأسف، لم يدم فرحنا طويلاً، أعلنت باريس على الملأ أن موتها لن يطول، وأن الترانزستور الذاتي التدمير بدأ يرسل إشارات متلاحقة تعني أن النهاية قد باتت وشيكة. عزم من تبقى من الأطفال الشائخين والكلاب المشوهين على الموت معها، وكذلك الناجون من الذباب غير البربريّ. أخذنا أنا وشنغهاي نبكي، وقلنا نموت نحن أيضًا معك، فمنعتنا. قالت لشنغهاي أنت حبلى، وعليك أن تبقي على الحياة من أجل طفلك. قالت شنغهاي لا حياة من بعدك، فأكدت باريس بلى، وطلبت من أمها أن تسمي الوليد إن كان بنتًا على اسمها. عادت شنغهاي تبكي، وأنا كذلك، والناس الذين معنا، واستعد بعضهم للموت مع باريس، فرفضت باريس، ورفضت رفضًا قاطعًا أن تموت معها فراشة واحدة أو دينورنيسة. داعبت الواحدة والأخرى، وسمع الكل ضحكات باريس الطفلة، فمسحنا الدمع، وضحكنا نحن أيضًا، إلى أن رأينا باريس وأطفالها وذبابها وكلابها يخفون الذهاب إلى أعلى المقبرة. جمعت هذه الكائنات الغريبة، كائنات بلا أب ولا أم، نفسها بين ذراعي باريس، وحصل انفجار هائل أودى بالجميع.




30
عاد أكسون إلى بلاده، وما حدث لباريس أرغم الرئيس على إقفال كل مختبرات فرنسا ذات الأبحاث البعيدة المدى، والإبقاء فقط على مختبر واحد جعل مكانه جزيرة المارتينيك، هناك حيث أجرى الأطباء الجراحون عملية إعادة منطقة الجنة إلى دماغي دون أن ينجحوا. كان الموت، أنا أيضًا، بانتظاري، فعزمت على الذهاب إلى أريحا، والموت هناك حيث ماتت ابنتي.
تجولت في جزيرة الحرية في آخر يوم قبل مغادرتي لها، فسحرتني زرقة بحرها، وخضرة أرضها، وحمرة جبالها. لكن أكثر ما شدني فيها عشرات بل مئات الدينورنيسات الوليدة، وأسراب فراشات الضوء بشتى الألوان. وتفاجأت بكلاب وليدة لم تكن لها وجوه متكافلة، كلاب تبتسم مثلنا، وفهود وليدة أيضًا من غير أسنان ماضية، وقرود، وبومات، ووحيدي قرن، وغيرها، كانت كلها تبتسم مثلنا... ثم خرج لي من وراء جذوع الأشجار أطفال لهم أجساد الأطفال ووجوه الحيوانات أو أجساد الحيوانات ووجوه الأطفال، وكلها كانت تبتسم مثلنا، حتى تلك التي كانت لها وجوه تنتمي إلى الحيوانات الأكثر شراسة. فجأة، وأنا أستمتع بالنظر إليها، فرت كلها أمام حركة لا متوقعة في الجو. سارعت العودة إلى المختبر، وفي الليل، صحوت على صراخ دفعني إلى الخروج من غرفتي. تكرر الصراخ، فركضت باتجاهه. دفعت الباب، فإذا بي وجهًا لوجه مع ذبابة بربرية هائلة، كالجبل ضخمة، وقد أنجزت قضم الإنسان الذي خلقها.




31
كان الرئيس يستعرض الفرق العسكرية بمناسبة العيد الوطني، بينما كانت الطائرة التي أقلها إلى أريحا تشق سماء الشانزلزيه، حلقت من حولي طائرات الميراج، وهي تطلق دخانها الثلاثي الألوان، وبدت كأنها ترافقني في العلياء مودعة أحد مشاهير الرجال.
ارتفع من بين رؤوس الناس المتجمعين على الرصيف رأس شنغهاي إليّ، ومن عينيها سقطت دمعتين. كانت شنغهاي الجميلة الناعمة الرائعة ذات الشعر الليلي الطويل، وبنطالها الأسود اللصوق الذي يضغط على مفاتنها، والذي من فوقه ترتدي شورتها الجينز الممزق الحواف، وكانت تمسك بيدها ابنتها باريس، تلك التي ظننتها في البداية صبيًا.
ركزت باريس نظرها على الطائرة، فعملت الطائرة نصف دورة، وعادت من حيث أقلعت. فجأة، صمتت الموسيقى العسكرية، وصدحت موسيقى الراب.


باريس يوم الاثنين الموافق 7/2/1994




أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1974
3) الاغتراب 1976
4) حلمحقيقي 1981
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1995

الأعمال الروائية

7) الكناري 1967
8) القمر الهاتك 1969
9) اسكندر الجفناوي 1970
10) العجوز 1971
11) النقيض 1972
12) الباشا 1973
13) الشوارع 1974
14) المسار 1975
15) العصافير لا تموت من الجليد 1978
16) مدام حرب 1979
17) تراجيديات 1987
18) موسى وجولييت 1990
19) أربعون يوما بانتظار الرئيس 1991
20) لؤلؤة الاسكندرية 1993
21) شارع الغاردنز 1994
22) باريس 1994
23) مدام ميرابيل 1995
24) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
25) أبو بكر الآشي 1996
26) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
27) بيروت تل أبيب 2000
28) بستان الشلالات 2001
29) فندق شارون 2003
30) عساكر 2003
31) وصول غودو 2010
32) الشيخ والحاسوب 2011

الأعمال المسرحية النثرية

33) مأساة الثريا 1976
34) سقوط جوبتر 1977
35) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

36) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
37) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
38) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
39) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
40) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
41) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
42) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
43) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

44) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
45) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي
نموذجًا (جزءان) 1983
46) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
47) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
48) نصوص خاضعة للبنيوية 1985 – 1995
49) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
50) خطتي للسلام 2004

ramus105@yahoo.fr


"عصفور من الشرق" للحكيم، "الحي اللاتيني" لإدريس، "باريس" للقاسم، ثلاث روايات عن مدينة النور، وثلاث وجهات نظر عن العلاقة شرق-غرب، أضف إلى ذلك أن "باريس" أول رواية عربية تكتب على طريقة الخيال العلمي وتنشر بالفرنسية.
جنين يبتكر في بيئة مصطنعة مع برغوث حيوي في رأسه، وبعد ذلك يزرع في بطن شنغهاي. من هذا الإلقاح تولد بنت بعد أربعة أشهر ونصف الشهر: باريس. تُحبى باريس بدماغ عالي الذكاء والقوة، قادر على التأثير في الناس والأشياء. لهذا السبب يريد العلماء على كافة أشكالهم امتلاكها من أجل تجاربهم واستغلال قواها.
لكن باريس تقرر مواجهتهم.
هذه الرواية التي ليست كغيرها من الروايات تجعلنا نغوص في عالم متخيل يرتبط فيه الفانتاسكي بالفانتزمي بالفانتزماغوري ارتباطًا وثيقًا، وتنسج الحبكة على طريقة ألف ليلة وليلة والرواية البوليسية والخيال العلمي. "تهجين" روائي وخيال مجنح يصلان إلى أقصى حد في الرحلة المذهلة التي تقوم بها باريس والراوي في صميم العقل، موضوع كل الأطماع: إنهم هؤلاء العلماء أنفسهم الذين يحاولون التحكم به...

* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له خمسون عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,631,494,597
- بيكاسو
- قل لنا ماذا ترى في حالنا؟
- القدس
- الشعراء
- البرابرة
- الأخرق
- الباشا رواية النكبة الأولى
- تراجيديات
- تحليل قصيدة صفد لسالم جبران نحويًا ومنطقيًا ودلاليًا
- فلسطين الشر
- المواطئ المحرمة
- العاصيات
- غرب
- العودة
- وظائف الكلام في قصة الزكام لنبيل عودة
- الحجر
- نابلس
- شمس مراكش تحرق الأصابع
- بركات
- الأطفال يتكلمون لغة واحدة


المزيد.....




- دار الأوبرا المصرية تؤجل حفلاتها ثلاثة أيام حدادًا على الشهد ...
- لطيفة رأفت تخطف الأضواء في معرض الفرس بالجديدة
- -نوم الشتاء- يقصّ شريط مهرجان الرباط لسينما المؤلف
- فيلم إماراتي في افتتاح مهرجان أبوظبي السينمائي
- زمان جديد ـ سلوكيات التفاخر ..وتفعيل اللغة ـ عبد الكريم البل ...
- ?مهرجان للأفلام المصورة بكاميرات الهواتف المحمولة في حلب
- ?«وردة» فيلم رعب مستوحى من أحداث حقيقية يثير فضول الجمهور
- ?مسرحية «شاردة» التونسية تتوج بالجائزة الكبرى لـ«مهرجان فاس ...
- كيف يقرأ صُنّاع السينما أفكارك؟
- أحمد حرزني يتسلم جائزة طوماس فورد من جامعة كنتاكي


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - باريس