أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رويدة سالم - الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الاول)















المزيد.....


الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الاول)


رويدة سالم

الحوار المتمدن-العدد: 3459 - 2011 / 8 / 17 - 07:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كتبت المصادر الإسلامية التي بلغتنا بعد حوالي ال250 سنة من الوجود المفترض لمحمد النبي المؤسس. كتب السير كما القران يقدمانه لنا على انه المصطفى المعصوم الذي بعثه الله رحمة للعالمين في مكة الحجاز "ألواد الغير ذي زرع" (في حين ان مكة الحجاز ليست بواد غير ذي زرع فهل اخطأ الله في الوصف أم أن مكة وُجدت في مكان جغرافي آخر كما سنبينه لا حقا؟) وهذا الواد هو المكان الذي ترك فيه إبراهيم الخليل (الذي اصطفاه الله وعشيرته من دون كل العوائل البشرية) ابنه إسماعيل ليؤسس للعائلة المقدسة التي ستقدم بعد طول مخاض خاتم النبيين. خص الله أبراهام أو إبراهيم بالخلة وجعل ذريته أنبياء قدموا على مدى حوالي ألف سنة ونصف للإنسانية الديانات التوحيدية الثلاث الوحيدة صاحبة الحقائق القطعية والتي من الغريب أنها تميز شعبا مكونا من قبائل مشتتة دون اصل تاريخي أو ثقافي أو انتماء إلى مكان جغرافي معلوم.. انطلقت من الشتات لتصنع مجدا وتبني دولا. كل أنبياءها وشخصياتها الكبرى وهمية إذ لم تترك أي أثر اركيولوجي يدل عليها بعكس قادة وملوك اثبت التاريخ وجودهم الفعلي رغم أنهم لم يتمتعوا بالقداسة الربانية ولم يكونوا مدعومين من القوة المطلقة المسيرة للكون. رغم أنهم في عقل المؤمنين اقل شأنا وقيمة من أصفياء الله ذرية إبراهيم عند الله المفترض ورغم رحيلهم منذ ألاف السنين لا تزال العديد من الشواهد تدل عليهم وتأكد فعلهم الحضاري في التاريخ البشري. كل محاولات الآثاريين اليهود إثبات أساطير التوراة وتأكيد حقهم في بلاد كنعان منيت بالفشل. فمثلا مملكة سليمان الذي حكم الإنس والجان بكل ما بلغته من عظمة تفوق حدود الخيال تبخرت في الهواء كفقاعات غاز. لم يجد أي باحث مهما دقق في بحوثه أي أثر يدل عليها ولا على المكان الذي بنيت عليه. هذا التخبط التاريخي في تحديد صدق الأساطير وجغرافيتها يطال نبي الإسلام أيضا رغم ما يسند له من دور تاريخي في توحيد القبائل العربية ونشر الدين الحق وبناء الدولة. تُخبر السير انه ولد بمكة لعبد الله ابن عبد المطلب ولكن نجد شذرات متفرقة أخرى تنفي هذا النسب. تاريخ ولادته الغير معلوم مثير لعدة تساؤلات فنحن نتخبط في تواريخ متناقضة تقول انه ولد عام الفيل وأخرى تنفي هذا الأمر أصلا ثم هل كان ابنا لعبد الله وهل لهذا العبد الله وجود فعلي أم أن وجوده مسرحي اقتضته ضرورة الخرافة التي يسردها الراوي على مستمعين مأخوذين بالسجع أكثر من المعنى وهل كان الابن الوحيد لآمنة وهو الأمر الذي دعى الأزهر إلى إصدار فتوى مضحكة في قدرة المرأة على الإنجاب بعد وفات زوجها بأربع سنوات أم انه الابن الثاني ليصدق قولها في انه الأخف حملا من بين كل من حملت بهم.. ثم ما السر في عدم ذكر كل خطب الجمعة التي كان يؤديها طيلة عشر سنوات في المدينة قبل حجة الوداع بكل ما من المفترض أنها تحويه من توجيهات قيمة لتابعيه لا تقل قيمة عن الأحاديث التي تزخر بها الكتب الحديثية والتي تصل حد الابتذال في الكثير من الأبواب؟
إلى جانب هذا الغموض في التاريخ الشخصي لمحمد النبي توجد إشكالية الوجود التاريخي لمكة المكان الجغرافي المقدس لدى المسلمين والتي لا وجود لدليل تاريخي يثبت أنها مكة الحالية إذ تفيد المصادر الإسلامية ذاتها وجود العديد من الأماكن التي يطلق عليها اسم مكة فأيها مكة هي الحقيقية التي تنسب إلى محمد النبي؟ هل هي مكة آل سعود الحالية أم مكة اليمانية أم الشامية أم هي مدينة أخرى مفقودة شطبت في غفلة من الزمن في كل الخرائط؟
يقول كلود كوهين "بيد أن المدن المقدسة مثل مكة والمدينة ظلت محافظة على أهميتها السابقة فقد استقر فيها ولو لفترة من الزمن تلك الأسر الكبرى التي أثرت من الفتوح وانتظم الحج إليها وصار على صعيد عالمي. لكن مركز العالم الإسلامي قد تحول فعلا إلى خارج الجزيرة العربية"
لكن كلامه هذا لا يستند إلى أي مصدر أثري وتاريخي معلوم إذ لا وجود لأي دلائل تاريخية أجنبية تثبت تاريخية مكة الحجازية بل تذكر المصادر يثرب فقط ففيها ولد جد محمد ومنها أتت أمه وإليها هاجر محمد هروبا من قريش التي رفضت دعوته ثم إليها عاد محمد بعد أن تزوج من زوجته الاولى والتي يذكرها ميشال السوري في تاريخه بالسريانيّة على أنها يهودية شامية: كان محمّد يذهب إلى مصر وفلسطين للتجارة، فقابل هناك اليهود وتدارس معهم التوراة والله الحيّ، ثمّ تزوّج إحدى بناتهم ، وحين عاد إلى مدينته يثرب بدأ دعوته، هناك من آمن به وهناك من نعته بالجنون، فخرج إلى الصحراء مع المؤمنين معه واتّبعه عديد اليهود… هذا التاريخ السريانيّ دُون قبل التاريخ الإسلامي فهل سارع السريان عن سوء نية استباقية إلي تشويه الحقائق الفعلية أم أن المؤلفين لنص السير هم من تلاعب بالنص لغايات سياسية خاصة؟ هل علينا التسليم بان محمد تزوج من خديجة في مكة الحجاز على شريعة النصارى التي أجبرته على الالتزام بها كزوجة ومعلوم أن القس ورقة ابن نوفل الأبيوني هو من كان دائم الحضور في حياتها الروحية وفي عقد زواجها من محمد وفي بتثبيت إيمانه برسالته العقائدية أم قبول الحقيقة التي أُخفيت طويلا وهي أنّ النبيّ تزوّج في فلسطين لا في مكة الحجاز كما تذكر ذلك كتب السير؟
حسب اغلب الأخبار في المصادر الإسلامية لم يتجاوز الإطار الجغرافي لتواجد محمد الجزيرة العربية ليبني بعد طول دعوة وجهاد ضد الكفار دولة الإسلام وليطرد نهائيا اليهود في عمليات إجلاء قسري من كل ربوع الجزيرة التي بلغتها قواته متحديا التشتت والنعرات القبلية الصفة العامة لسكان الصحارى مما أدى في آخر أيامه إلى توحيد كلمة القبائل المتناحرة قبل بداية دعوته وجعل سلطة مكة والمدينة السيادية سياسيا مرهوبة الجانب من طرف القاصي والداني. نجد في السير روى ابن سعد في طبقاته على لسان آمنة بنت وهب أنها قالت (لما ولدت محمد خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام)،فكيف رأت آمنة قصور الشام أم أنها في الحقيقة عاشت وماتت في تلك الربوع ولم تعرف الحجاز أصلا قبل أن يتلاعب الرواة بالإطار الجغرافي ويصنعوا مكانا آخر أكثر ملائمة لرواياتهم؟
ذكر الشام يتكرر في العديد من النصوص الأخرى. حيث نجد في الكامل في التاريخ لأبن كثير "أحداث سنة64هجري " وأول ما رمي بالمنجنيق إلى الكعبة رعدت السماء وبرقت وعلا صوت الرعد على الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق بيده فوضعه في ورمى به معهم"
وأيضا في تاريخ اليعقوبي أيام عبد الملك بن مروان "قدم الحجاج بن يوسف، فقاتلهم قتالاً شديداً، وتحصن بالبيت، فوضع عليه المجانيق، فجعلت الصواعق تأخذهم، ويقول: يا أهل الشام! لا تهولنكم هذه، فإنما هي صواعق تهامة، فلم يزل يرميه بالمنجنيق، حتى هدم البيت" فهل كانت المكان الأكثر قربا من مكة الحجاز ليتأثر أهلها بما يحصل هناك وليُتوجه إليهم بالخطاب حصرا دون كل الحجاج من باقي البلدان التي كانت تحج لمكة أم أن مكة الحقيقية كانت تقع غير بعيد عن ربوعها؟ قصيّ - جدّ النبيّ - كان يعيش في الشام (يروى أن اسمه زيد وسمي قصياً لأن أمه تزوجت بعد وفاة أبيه كلاب بن مرة القرشي بربيعة بن حرام بن سعد بن زيد القضاعي وانتقلت به إلى الشام مع زوجها فسمي قصياً لقصوه عن أهله) ثم هاشم جد النبي مات بغزة في الشام ومحمد كانت له أملاك في حبرى وبيت عينون في الشام –محمد النجار قراءة في بعض السيرة النبوية – كما كانت له أملاك في واد القرى (أتى رسول الله من خيبر في جمادى الآخرة سنة سبع وادي القرى ، فدعي أهلها إلى الإسلام فامتنعوا وقاتلوا ، ففتحها عنوة ، وغنمه الله أموال أهلها ، وأصاب المسلمون منها أثاثا ومتاعا ، فخمس رسول الله ذلك وترك النخل والأرض في أيدي اليهود ، عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر وكان له منها - أيضا - الخمس وأقطع حمزة بن النعمان العذري رمية سوط من وادي القرى" فتوح البلدان ومغازي الواقدي وإمتاع الأسماع.
شعر حسّان بن ثابت شاعر النبي يقدم توضيحا لا يمكن أن ينفيه إلا مكابر فمحمد حسب شاعره من الشام لا من مكة الحجاز ولا اعتقد انه كان ليخطئ أو ليسمح له رسوله أن يخطئ في تحديد المكان الذي أتى منه محمد:
نصرنــــا وآوينا النبيّ محمّدا***على أنف راضٍ من معدٍّ وراغمِ
بحي حريـــــدٍ أصله، وذماره***بجابية الجولان، وسْط الأعــاجم
نصرناهُ لمّا حلّ وسْط رحالنا***بأسيافنـــــــــا من كلّ باغ وظالم
هذه الشذرات التي تعصف بالرواية الرسمية التي نعرفها نجد لها صدى في المصادر الخارجية التي للتأكيد كُتبت قبل السير حيث نقرأ في نصّ لكاتب سريانيّ آخر: غزوات أبناء هاجر [أي العرب] هي أشدّ عنفا حتّى من المجاعة ونأسف لما يفعله أبناء هاجر وخاصّة قبيلة قريش الذين هم كالحيوانات والمكان الذي يتحدّث عنه هو "بيت عرامايا" في غرب الشام (محمد النجار قراءة في بعض السيرة النبوية) مما يعني أن قريش تسكن قريبا من تلك المنطقة أو على أقصى تقدير في واد القرى الذي يذكرنا بالآية القرآنية (لتنذر أم القرى ومن حولها ) [ الشورى : 7 ]، إذ من غير المعقول أن تنطلق الجيوش العربية من مكة الحجاز للإغارة فتقطع كل تلك المسافة ثم تعود لمستقرها بدون وسائل نقل متطورة تمكنها من الذهاب والعودة وفي نصّ سبيوس بالأرمينيّة سنة 660 ميلادي: في ذلك الوقت اجتمع يهود ألاثنتي عشرة قبيلة في مدينة الرها (وهي مدينة تركية تاريخية تقع في الجزيرة الفراتية شمال شرق سوريا ضمن الأقاليم السورية الشمالية وهي حاليا ضمن حدود جمهورية تركية) وأخذوا طريق الصحراء ووصلوا إلى بلاد العرب عند أبناء إسماعيل وطلبوا نجدتهم وأخبروهم أنّهم أقارب حسب التوراة، فآمن هؤلاء العرب بهذه القرابة بيد أنّ اليهود لم يستطيعوا إقناع كلّ الشعب لأنّ ديانتهم كانت مختلفة"إلى جانب هذا تذكر المصادر غير العربيّة أنّ النبيّ خرج من يثرب، ولا تتعرّض إلى مكّة إطلاقا فلا ذكر لمكة الحجاز إلا في كتب السير الإسلامية وهذا مثير للتساؤل إذا صدقنا أنها مدينة مقدسة بنيت منذ عهد إبراهيم أب الأنبياء وتجدد بناءها دوما. لماذا لم يهتم بها الإخباريون ولماذا لا وجود لاسم مكة في خرائط مدن الجزيرة القديمة
http://en.wikipedia.org/wiki/Ancient_Towns_in_Saudi_Arabia
في حين يحضى أي مكان مقدس في العالم مهما كانت الديانة بسيطة بكل رعاية وقداسة ويكون مركزا للجماعة العقائدية تدونه في كتبها وتصفه وتحافظ على قدسية المكان الجغرافي الذي يرمز إليه دوما؟
ثم لماذا تتجه قبلة جامع صنعاء الكبير إلى الشمال لا إلى مكة وأيضا ألم يكن هناك وجود في مكة الحالية لجامع في عهد الإسلام المبكر أم أن آثار كل الجوامع التي بُنيت هناك اختفت بفعل اليهود والنصارى الأعداء اللدودين للإسلام فسعوا بمكرهم الذي يبرع المسلمون في وصفه إلى محو أي اثر لها لكن كيف قبل المسلمون الأوائل تلاعب أعداء الدين بجوامع مكة الحجازية وتدميرها الكلي أم أنهم كانوا مخدرين في حالة لا وعي مطلق؟
سؤال آخر مهم جدا وهو لماذا في خريطة السكة الحديدة العثمانية لا وجود لمكة بل ينتهي الخط في حدود يثرب المدينة ؟
http://www.balasmr.net/traidnt//uploads/images/balasmer-20d7555d52.png
وجود محمد كشخصية مؤثرة روحيا وسياسيا في التاريخ العربي في القرن السابع لا سبيل إلى إنكاره استنادا إلى شهادات أجنبية كتبت قبل السير وأكدت وجوده. حسب التاريخ البيزنطيّ العربيّ المكتوب باللاتينيّة في إسبانيا سنة 741م/120هـ : (اجتمعت طوائف عديدة من العرب وأخذوا يغزون مقاطعات سوريا والعربيّة والعراق، وكان اسم قائدهم والحاكم فيهم محمّد [Mahmet]الذي ولد في أنبل عائلة عندهم، وكان رجلا حذرا ومستشرفا عددا لا بأس به من الأحداث المستقبليّة كما جاء في نصّ لـ "سوفرونيس" Sophronioباليونانيّة حوالي سنة 635م/13هـ، يتحدّث عن محاصرة العرب للقدس: (وكانوا يفخرون بأنّهم سيحكمون العالم كلّه، مقلّدين في ذلك زعيمهم بلا أيّ تحفّظ أو تردّد) كما نجد في تعليمات يعقوب المعمد حديثا Doctrina Jacobi nuper baptizati"أن نبيا مخادعا ظهر وسط الشرقيين (لا عرب الحجاز الجنوبيين) وهو مخادع فهل أتى الأنبياء بسيف وعربة حرب؟... لن تكتشفوا أي شيء حقيقي عن هذا النبي المذكور إلا سفك الدم البشري وهي صفات للأمانة يؤكدها كتاب السير بسرد تفاصيل مغازي وغارات محمد النبي على القبائل الآمنة التي اجبرها على الإيمان بدعوته أو دفع الجزية أو القتال إضافة للقوافل التجارية التي تعرضت لها سراياه أو شارك هو في قطع طريقها لغرض السلب والنهب واغتيالاته للكثيرين من المعارضة ومن المنتقدين ومن الرافضين لمنظومته الروحية أكثر من الدعوة بالحسنى والكلمة الطيبة.
مهما يكن من أمر مكة ومدى تاريخيتها.. كل الأفكار الروحية انطلقت من مكان معلوم وبنت حوله أساطيرها واستقت منه قيمها وشرائعها. مؤلف التاريخ الإسلامي الأول والوحيد (إذ لم يوجد غيره في عصره كما لو أن الأمر سر سياسي خطير أو صناعة ديوان حاكم يبحث عن الشرعية الروحية لحكم رعيته) ابن إسحاق ولد في يثرب المدينة سنة 703 و في سنة 733 انتقل من المدينة إلى الإسكندرية ثم الكوفة والحيرة ليستقر ببغداد حيث وفر له الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور الدعم ليكتب تاريخ الرسول محمد والمناطق المقدسة وكل ما يتعلق بأبطال الإسلام. كتب ابن إسحاق الذي استقى منه باقي الكتاب اللاحقين "الله وحده عليم أي الروايات صحيحة" فالي أي مدى يمكن الجزم بصحة سيرته وبالتالي كل السير اللاحقة بكل ما حوته من روايات شفهية وقد ألفها في بغداد تحت رقابة الديوان السياسي العباسي بعد 120 سنة من الوجود المفترض لمحمد و بعد انتهاء الحكم الأموي المثير للجدل خاصة مع ما تركه معاوية من أثار أركيولوجية تثبت بصفة قطعية انعدام أي علاقة له مع الإسلام الموجود في المصادر الإسلامية، وهل كان لمكة والمدينة بالفعل كل ذالك الدور السياسي الذي تذكره الكتب ثم لماذا خبى ذكرهما وانقطعت بهما السبل فلم يشاركا كمدينتين مقدستين في الأحداث الكبرى في العصور الإسلامية اللاحقة بل بلغ الأمر بمكة أن تحولت إلى سوق نخاسة لمئات من السنوات أم انه مجرد حنين من المؤلف والسياسي الذي طالب بالتأليف لربوع سكنها سلفهم في حقبة قديمة من الزمن وكان لها وقعها القدسي العميق والذي لم تمحه سنين البعد في نفوس من تركتها من العرب عند انتقالهم من مجال جغرافي إلى آخر ارقي حضاريا هربا إلى الأراضي الخصبة المتاخمة للعراق والشام ومصر بعد أن ملوا من الحياة البدوية في صحراء قاسية جرداء فمعلوم أن التاريخ قد أثبت أن قبائل الجزيرة انتقلت من صحرائها القاحلة مرارا منذ زمن ضارب في القدم للمناطق الأكثر خصبا في الهلال الخصيب فتأثرت بالحضارات التي احتكت بها واندثرت في نسيجها الاجتماعي وتماهت معها أو صنعت لنفسها كيانات مستقلة حسب قوة وضعف الإمبراطوريات التي انضوت تحتها أو أن مكة الحجازة هي في الحقيقة صناعة آل سعود ووالوهابية؟
الأسلوب السردي في كتب السير يذكرنا بقصص ألف ليلة وليلة كما أن الغموض واختلاف الروايات الذي يصل حد التناقض على مستوى الخبر يلف المكان الفعلي لتواجد محمد النبي كما يلف تاريخه الشخصي عامة فبناء على هذا أليس من الممكن أن محمد هذا كان مجرد قائد عسكري ذي كاريزما حقق انتصارات لم يكن العرب المسيحيون أو الساسانيون ليحلموا بها في الفترة التالية لتدهور سلطة الإمبراطوريتين المتحكمتين بالساحة السياسية حينها ثم بعد رحيله نسجت حوله الأساطير ومنح كرامات ومعجزات ينفيها القرآن وأسندت له نصوص حدية (قضائية) وحكم مأثورة كانت منتشرة في عصره أو قدمها مصلحون سابقون أو معاصرون له؟.
كالعادة بعض الشذرات المتفرقة إلى جانب الشواهد من التأريخ الخارجي تناقض عموم الرواية. قبل العودة للتاريخ البيزنطي في المنطقة لنقدم بعض التواريخ المتعلقة بنبي الإسلام. فسنة 610 ميلادي نزل الوحي لأول مرة على محمد وهو في غار حراء وفي سنة 622 هاجر إلى يثرب المدينة حيث أسس نوات الحضارة الإسلامية التي شملت لاحقا مكة الحجاز وكل المدن والقبائل العربية المحيطة في سنتي 626 و 629 قام بغزوتي بني النضير وخيبر وأنهى بذلك الوجود اليهودي في الحجاز ثم سنة 630 ( في هذا التاريخ كان هرقل الأصغر قد عاد بجيوشه إلى القسطنطينية) أرسل جيشا بقيادة زيد بن الحارثة قوامه 3000 مقاتل والذي تذكر المصادر الإسلامية انه التقى بجيش هرقل الذي قوامه 100000 مقاتل لينسحب بعد القتال الجيش الإسلامي بفضل دهاء خالد ابن الوليد دون خسائر كبيرة في مسرحية هزلية مثيرة للضحك.. بقي محمد طيلة العشر سنوات التي قضاها بالمدينة حسب ذات المصادر القائد المطلق السيادة حتى موته سنة 632 ميلادية ، في المقابل نجد تواريخ مقاربة للسابقة لكنها تروي وقائع مخالفة جغرافيا وتاريخيا حيث نقرأ في التاريخ البيزنطي لما استغاث أشراف القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية من سنة 395 إلى 1453 بهرقل إمبراطور افريقية اليوناني ودعوه لينقذ الإمبراطورية وينجي أملاكها من هجمات كسري أرسل ابنه هرقل الأصغر الذي جاء إلى البسفور وخلع قوقاس وجعل نفسه إمبراطورا سنة 610 ميلادي وجعل يعيد تنظيم الدولة المحطمة ويعيد قوة الجيش في تلك الإثناء استولى الفرس على اورشاليم 614 وتقدموا إلى خلدقون مدينة إغريقية قديمة في آسيا الصغرى على مضيق البوسفور في مواجهة بيزنطة سنة 615. أمام هذا المد الفارسي اقرض البطريق سرجيوس ثروة الكنيسة اليونانية لهرقل ليمول حربه المقدسة ثم زحف لقتال الفرس. استمرت الحرب عدة سنوات وفي سنة 626 سير هرقل جيشاً هزم الفرس في خلقدون ودق أبواب طيسفون وسقط كسرى الثاني، وطلبت فارس الصلح، وردت كل ما كان كسرى قد استولى عليه من الإمبراطورية اليونانية ثم عاد إلى القسطنطينية تاركا حكم فارس وباقي مستعمرات بيزنطة الشرقية لدى حلفائه من العرب المسيحيين. لما ضعف هرقل في آخر حياته استولى العرب على بلاد الشام سنة 634 وعلى بيت المقدس سنة 638 وعلى مصر سنة 641 .. لكن هل القبائل العربية التي احتلت المنطقة أتت من الجزيرة العربية أم أنها الحلفاء القدماء الذين امتلكوا القوة وسعوا إلى تأسيس دولة أمام ضعف وتلاشي قوة الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية؟
تقول المصادر الإسلامية في روايات مضحكة مبكية أن جيوشا جرارة خرجت من صحاري الجزيرة العربية وقراها لمواجهة الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية في ذات الوقت وبعد عدد قليل من السنين من بداية الدعوة المحمدية ثم تتغلب عليهما وتدحرهما مسببة قتلى واسري وأسيرات بالآلاف في معارك وهمية تساندها في التكتم عن ذكرها مصادر التاريخ الفارسي والبيزنطي والأرمني والقبطي :مؤتة، أجنادين-فلسطين، دمشق، اليرموك، القادسية، مصر، نهاوند
كل المصادر الاركيولوجية بعيدا عن هذا التاريخ الذي برع الرواة الحواة في تخيل تفاصيله مهما كانت غير منطقية وغير معقولة لم تقدم ما يدعم كلام كتب السير كما لم تؤكد كلام غيرهم بل تقدم لنا أقدم تاريخ "إسلامي" دون تحديد مدى إسلاميته مع ظهور معاوية ابن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية في دمشق بعيدا كل البعد عن مهد الإسلام المفترض : "مكة والمدينة".
فلئن حاولت أسرة آل سعود منع البحث الاركيولوجي في منطقة نجد والحجاز خوفا على مصالحها السيادية (اقتصادية وسياسية) وما تمنحها إياه قداسة المكان في قلوب الملايين من المسلمين من سلطة روحية فالنقوش والعملة والأختام المكتشفة حديثا تدحض كل الروايات وتضعها موضع شك وتساؤل.
فما معنى أن تحمل أولى العملات العربية الصليب وعلامة هيركلوس (مضروبة سنة 639) أو راس يوحنا المعمدان في سلة وعبارة بسم الله أو عبارة معاوية امير وريشيكان (مضروبة سنة 651) او جناحا اهورامازدا اله الفرس ومعبد النار الزردشتي أو عبارة بسم الله والحمد لله أو نجمة داوود مع كلمة "صهيون" باللغة اللاتينية (سنة 660) دون أية إشارة لمكة والمدينة ولا لمحمد النبي ولا للإسلام؟
وما معنى أن ينقش لمعاوية باللغة اليونانية "ماويا امير المؤمنين" في مدينة كادار الفلسطينية ويوضع امام اسمه الصليب سنة 664 وعلى سد الطائف "معوية امير المؤمنين" سنة 680 دون ذكر للشهادتين او لمركز مكة والمدينة او الاسلام او التاريخ الهجري؟
هل كان معاوية ابن أبي سفيان المصادر الإسلامية من العرب الساسنين أم العرب المسيحيين أم انه من القبائل العربية من عبدة الأصنام بمكة الحجاز –المكان المقدس المثير للجدل- التي ظلت في الجزيرة العربية والتي تركت الأصنام بالتدريج للأيمان بالدين الجديد الوليد وفي هذه الحالة لماذا لم يذكر في أي اثر تركه اسم محمد ولا الإسلام ولا رسم النجمة والهلال رمز هذا الدين على النقود التي ضربها ثم ما الدور التاريخي الذي لعبته الجزيرة العربية موضوع بحثنا ولا زالت تلعبه في عصرنا الراهن في كل الأحداث التي تلت تأسيس الدولة الأموية أيا كان دين معاوية أو انتماءاته وولاءاته؟
تجمع المصادر الإسلامية أن الإسلام كدين ودولة انطلق سريعا وفي ظرف بعض سنين من الجزيرة العربية ليستقر بالشام مع الأمويين ثم ببغداد مع العباسيين فكيف كان حال القبائل المشتتة في مدن الحجاز على مشارف صحراء نجد حيث مكة منطلق الرسالة الإسلامية والمدينة مستقر الخلافة الراشدة والتي يقدمها المتعصبون للنسب العربي والتاريخ الإسلامي على أنها كانت حافلة بالإحداث الدالة على القدرة العربية الفائقة على التأقلم مع الأوضاع المستجدة وكفاءتهم الكبيرة في الرقي بالنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون أي تأثر جدلي بالحضارات المتقدمة في البلاد المفتوحة ثم ما الدور الذي لعبته الجزيرة العربية في أحداث العصور التالية لانتقال الخلافة إلى الشام وما هي مظاهرها الحضارية العامة التي خلفها لها عصر نهضة فائقة النظير كما تقدمه المصادر الإسلامية؟


دمتم بخير





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,912,268
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: الحديث النبوى 2
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: الحديث النبوى
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: القرآن
- الاقليات بين المؤامرة وثقافة الاقصاء في الساحة العربية
- صناعة نبي : نبي رحمة أم مجرم حرب .
- خلعتُكَ يا وطني
- عالق على الحدود يا وطني
- بعيدا عن أوهام القداسة: الإسلام. المبحث 5 الجزء 3
- ما المصير ؟
- سري من بلاد قمعستان
- دكتاتورية الحكام وارادة الشعوب
- تونس تُسقط حائط برلين العرب ... شعب يصنع الامل .
- بعيدا عن أوهام القداسة: الإسلام. المبحث 5 الجزء 2
- ثقافتنا العربية بين عدائية التراث ومتطلبات العصر
- بعيدا عن أوهام القداسة : المسيحية. المبحث 5 الجزء 1
- أباء مقدسون أم بحث عن أصالة (المبحث4 )
- العشيرة المُصطفاة و وهم القداسة : المبحث 3
- المبحث 2 : الله: خالق قدسي او مخلوق ميكافيلي
- حضارات الديانات الابراهيمية بين العقيدة و السياسة (جزء1)
- دين الإنسان البدائي و سيوف التوحيد الإبراهيمي


المزيد.....




- عشرات القتلى من القوات النظامية والموالين لها في هجمات لتنظي ...
- بعد 50 عاما.. الملك محمد السادس يوعز بإجراء انتخابات للهيئا ...
- كنيسة? ?في? ?سوريا? ?شكّلت? ?مصدر? ?إلهام? ?لكاتدرائية? ?نوت ...
- بعد 50 عاما.. الملك محمد السادس يوعز بإجراء انتخابات للهيئا ...
- الصدر يصف السيسي بـ-المتسلط-.. ويهاجم الوهابيين والسلفيين ال ...
- بالصور... قداس -الجمعة العظيمة- في الفاتيكان يسلط الضوء على ...
- باحثون: كنيسة في سوريا شكلت مصدر إلهام لكاتدرائية نوتردام
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...
- در الإفتاء غاضبة لإهانة “راسموس بالودان” للمصحف الشريف
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رويدة سالم - الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الاول)