أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مديح الصادق - خوازيقُ لأستاهِكُمْ أُحْضِرَتْ، أيُّها المُفسِدُون















المزيد.....

خوازيقُ لأستاهِكُمْ أُحْضِرَتْ، أيُّها المُفسِدُون


مديح الصادق

الحوار المتمدن-العدد: 3444 - 2011 / 8 / 1 - 10:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثانية عاد مشحوت على اللوح، ذلك الذي ما فتئ يلاحقني أنَّى ولَّيتُ وجهي؛ لأن ذِكره لم يرد في كتاباتي مذ زمن ليس بالقصير، وكأنه ذلك التابع الذي اعتاد من سيده على الضرب كل حين، حتى باتت له إهانة حين ينشغل عنه السيد فلا يحظى بما اعتاد عليه من متاع يومي، وأمثال مشحوت موجودون دوما، في كل زمان ومكان، كالحرباء يغيِّرون جلودهم، وحسب ما تمليه عليهم تغيرات الطبيعة والمناخ والحاجات، على أكتاف المساكين تراهم متسلقين، يصفقون للظالم حتى تُدمى أكفهم، فيسترون عوراتهم بما يلقيها عليهم من خرق باليات، يلعقون حذى المتسلطين طامعين بما يُلقى عليهم من فتات، قد يجود به الظالم، أو لا يجود
مشحوت - كعادته في تغيير مهنته والشكل - اشتغل المرة هذه سائسا للخيل عند شيخ معروف من شيوخ قبيلة { بني لام } الطائية القحطانية، المنحدرة من جبل العامل في لبنان، التي فرضت سيطرتها بقوة على قاطع جنوب شرق العراق، من ديالى حتى البصرة، أيام احتلال البريطانيين للعراق، فأغلقت عليهم منافذ المرور بين بغداد والبصرة برا أو عبر النهر، وأقضت مضاجعهم، يقودها الشيخ الفارس المُهاب { غضبان البنيَّة } الذي تحالفت معه قبائل كبرى في العمارة والبصرة والكوت، وكان شيوخ منها مستشارين له، ومن الجهة الأخرى فقد وقفت مع حلفائها سدا منيعا بوجه غزوات وأطماع الفرس - التي لم ولن تتوقف - من جهة إيران، وسببت لهم أوجاع الرؤوس

ظل مشحوت وعائلته مخلصا في خدمة الشيخ، يتجسس على أتباعه، ومقربيه ممن يسمون { الحوشية والسراكيل } ويعد عليهم الخطوات، ينقل عنهم بدقة، وأحيانا يزيد إنْ ينافسْهُ غريم، ومثله تفعل زوجته { طهمازة } الحافوفة إذ تتنقل بين نساء الشيخ، تحمل الخيط والإبرة من هذا المخدع إلى ذاك، وأحيانا تكشف لهن الحظ، هداياه للمدللات، بمَ يناديهن من أسماء حين يلقي الرجال جبروتهم تحت أقدام النساء، وساعة تتدحرج التيجان في أعنف الرعشات، ولها مع الصائغ موعد كل شهر لتستبدل الليرات الرشيدية بكيس النقود
لقد مكَّنت هذه المهمة مشحوتا من أن يحظى بمثل ما حظي الشاعر علي بن الجهم عند الخليفة العباسي؛ إذ صار له مفتاح الأمان ومستودع الأسرار، يكشف له ما يفعله الموسورون خلافا لما يُظهرون، أو ما عنه ينهون، وأعظم تلك الأسرار خزينة الشيخ التي غصت بالجواهر والأحجار الثمينة، والنقود، يُخفيها بعيدا عن الأنظار، في مربط الخيل، في زمن صعب لا يملك الفلاح سوى عرق الجبين، وعند الحاصل يحصد حجرا وصوان
هاهي الفلوس، يا مشحوت، التي أغرت الملوك حتى بها ذبحوا الخصوم، ولم يسلم الأتباع والمقربون، كم أفسدت من الحكماء، وأغرت من العقلاء، صديق تنكَّر لصديق، وأخ أدار ظهره لأخيه، حروبا أشعلت كان وقودها الفقراء، هي الفلوس - ألا لعنة الله عليها - ترفع الخسيس إلى مواضع الشرفاء، وقد تنال من حصن الشريف، فهاهي الفلوس، كلُّها بين قبضتيك، يا مشحوت

تربع عند موقع الخزينة، يمينا، يسارا، تلفت بكل الجهات، القوم جميعا نيام، والشيخ متأخرا عاد من حفلة عرس لأحد أبناء الشيوخ، لابد أنه الليلة في أحضان الصغرى، وحتما بملاعبها ودلالها سوف تُلهيه، الكلاب تعرفه وتعودت عليه، وهو لم يبخل عليها بما يشغلها عنه، الريح تصفر في أواخر تشرين وبرده اللذيذ، والنجوم تطارد بعضها في كرنفال بهيج
لا تبالِ، افرش عباءتك، يا مشحوت، ماذا سيفعل بك الشيخ لو أنك متلبسا بالجرم ألقى عليك القبض ؟ أيه يا روحي، قد يلقي بي في النهر مربوطا بحبل ليلا بكامله، أو يصب على رأسي اللبن ثم يحيل علي الكلاب بعد الجوع فتنهش وجهي والرأس، وقد يأمر بجلدي العبيد الحاقدين؛ لأني حرضته عليهم، وأشد العقوبات أن يطمرني في حفرة حتى حنكي، وعني يمنع الماء والزاد
وعند نهاية كل سؤال يرد على نفسه بعبارة : راضية يا روح، ولمَّا كنتِ راضية يا روح بكل ما توقعتُ فعلام الانتظار ؟ لأفرشنَّ عباءتي فأغرف كل ما من حمله تمكنت. فرشَ العباءة، أمسك الفأس، خرزة ظهره حزَّها نصل سيف لم يكن عنه بالغريب، واقتيد مربوطا بغترته إلى مجلس القضاء، واستأنس الشيخ بآراء المستشارين الحكماء كي يقرروا نوع العقاب، تهللت أساريره، وكشر أنيابه عن ابتسامة المنتصر الصفراء، فقد رأى كل منهم عقوبة من تلك التي شاور نفسه فيها فطاوعته، أما أية واحدة منها فذلك ما سوف يقوله الشيخ، وله القرار الأخير، ومنه تصدر الكلمة الفصل
صمت مخيف يطبق على المكان، تكاد تسمع رفيف القلوب؛ بل تعدَّ النبضات، الواقفون خارج المضيف أكثر ممن هم داخله، وجوه واجمة، وأنظار شاحبة تترقب ما سينطق به الشيخ، يا مسعود، نعم { امْحَفوظ } أحضر الخازوق، يا مسعود، صرخة مدوية من مشحوت هزت القرية، ورددتها حواف الصحراء، لا، لا ياشيخ { كلهن خايرت روحي بيهن ورضت؛ إلا سالفة الخازوق ما جت على بالي، ولا خايرت روحي بيها قط } وهنا انفجر الشيخ ضاحكا من غباء مشحوت الذي لم يدر بخلده أبدا أن يُدَق في استه خازوق يدميه

اخترت القصة الواقعية كي أمتع بها دواخلكم المتعبة - أحبتي القراء - وكي نستخلص منها درسا بليغا نقدمه لتلك المجاميع المُفسدة التي انتحلت لنفسها أسماء السياسة، وصفات السياسيين، وهم عليها بحرب، ومعها في خصام؛ لأن من أخلاق السياسة الحقة أن يكون السياسي خادما، متواضعا لشعبه، أو لفئات من شعبه التي أفرزت الحاجة أن يكون لها سياسيون عن حقوقها مدافعون، ولثرواتها حافظون، يصرخون مدوية بوجه الباطل، عن مطامعهم وملذاتهم يتنكرون، مصلحة الوطن العليا هاجسهم والقاسم المشترك الذي على صخرته تتكسر كل المصالح الفئوية والطائفية والشوفينية والمناطقية، أستحلفكم بكل ما تؤمنون، هل لمستم على الساحة هذا النموذج من تلك القوى التي تقاسمت الكراسي، والثروات، وعبثت بكرامة واستقلال العراق، وأدخلت المحتلين من كل الجهات، وضيعت الهوية، واستهترت بالثقافة والموروث الثقافي والأدبي والفني، وهجرت خيرة الوطنيين المخلصين، من كل التخصصات، والانتماءات ؟ لا همَّ لها سوى الابتلاع إلى حد الانفجار، ولا شك بأن الانفجار هذا قريب، وإلاَّ فإن شعبا قد أنهكه ضحك عليه ممن أسموا أنفسهم بالسياسيين قد جهَّزَّ { الخوازيق } كي يدقها في أستاههم، أولئك الذين يفعلون ما شاؤوا؛ لأنهم لا يستحون

بمناسبة العراك على ترشيق الوزارات





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,681,912,231
- ليْ معَ الليبيينَ مِلحٌ، وخبزُ شعيرٍ، وكُسكُسي
- الشباب وجمهورية { الفيسبوك } الديمقراطية الشعبية
- جمهورية العراق الإيرانية الإسلامية
- أقمارٌ لنْ تغيب ... قصة قصيرة
- واندلعتْ { حربُ الفلافلِ } في تورونتو
- صوتُكَ الأقوى، يا عراقُ
- ارحلوا مِنْ حيثُ جئتُمْ؛ فالشيوعيونَ لا يُهزمونَ
- واعراقاه، أيحكمُكَ اللصوصُ والمارقونَ ؟
- كيف العودةُ - يا عراقُ - وقعيدتُنا لَكاعِ
- فضائية تطلق سراح الكلمة الملتزمة؛ لكن ...
- أيُّها المؤمنون، كي يستقرَّ العالم، اجتثُّوا الشيوعيين ...
- الأزهارُ لنْ تموتَ, أبدَ الدهرِ
- متمدن حوارنا, منارة للشرفاء
- زبَدٌ على السواحل والشطآن ... قصة قصيرة
- اعترافاتُ سفَّاحٍ يحتضرُ, بمناسبة يوم الشهيد الآشوري الكلدان ...
- زائرة آخر الليل , قصة قصيرة
- عتاب إلى الشهيد ستار خضير, الذكرى 41 لاستشهاده
- قاب قوسين او أدنى من جهنم ... قصة قصيرة
- العنقاء تشتهي العصافير المسيحية ... قصة قصيرة
- وعاد منتصرا , مِحكّان المهوال


المزيد.....




- أول تعليق للرئيس اليمني بعد ارتفاع حصيلة ضحايا قصف معسكر للج ...
- البصرة.. مدينة بلا صحفيين
- أول سيدة مغربية تقود حافلة نقل سياحي.. قصة شغف وتحدٍ
- الجيش اليمني يتهم -أنصار الله- بقصف معسكر تدريبي شمالي مارب ...
- حصيلة ضحايا قصف معسكر للجيش اليمني في مآرب ترتفع إلى 70 قتيل ...
- الحرب في اليمن: تقارير عن مقتل 60 في هجوم صاروخي على مركز تد ...
- هل تعلم لماذا نستيقظ في نفس الوقت من كل ليلة؟
- المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية:ليبيا مسألة أمن قومي للر ...
- مؤتمر برلين حول ليبيا: تونس تعتذر عن المشاركة بسبب -تأخر- دع ...
- قائد شرطة أميركي مدافع عن حمل الأسلحة يتحدى سلطات ولاية فرجي ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مديح الصادق - خوازيقُ لأستاهِكُمْ أُحْضِرَتْ، أيُّها المُفسِدُون