أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطيب طهوري - المغزل*















المزيد.....

المغزل*


الطيب طهوري

الحوار المتمدن-العدد: 3375 - 2011 / 5 / 24 - 15:39
المحور: الادب والفن
    


يا أحباب ربي.. يا أحباب ربي..
رفرف الجناحان في الداخل.. هذا الصوت ليس غريبا.. قالت.. وأسرعت إلى النافذة..
طويلا كان الرجل..البرنوس الممزق على الكتفين وفوق الرأس تلتف العمامة التي صارت رمادية اللون..
تحرك الداخل أكثر..هو.. هو..
كانت وطفلها وحيدين ..
ترددت كثيرا.. هل تناديه؟ .. هل تفتح الباب وتخرج إليه؟.. كانت وطفلها وحيدين..
أشارت إليه: مصطفى , لا تدع الرجل يذهب.. قل له انتظر حتى تنضج الكسرة..و..
جذبت جسدها الذي كان ما يزال مسمرا بشدة إلى النافذة .. تحركت رجلاها ببطء, فيما واصلت العينان النظر إليه بعيدا..بعيدا..
وكان ينظر حين صاحت الزوجة: إياكما أن تعودا إلى هنا .. تعرفان ما ينتظركما..
ورأته.. استدار إلى الخلف, ومشى وراء العنزتين الوحيدتين اللتين تملكهما..
وبسرعة لاتدري سرها وضعت الدقيق في القصعة وصبت الماء ..وحين صار المزيج عجينا عانقتها الفكرة..جاءت بقطع الدنانير وملأت قرص الكسرة بها..و..
نادت: مصطفى, مصطفى..وأسرع الولد..
خذ.. قالت.. قل له : لا تأكل من هذه الخبزة إلا وأنت في وسط أسرتك .. أما هذه فهي لك وحدك؟؟
دعا السائل له ولأمه..ثم سار: يا أحباب ربي.. يا أحباب ربي..
وامتلأت الرأس بالأشواك الحادة التي كانت غائرة في العمق..
رأت أمها المطلقة..ورأت زوجة أبيها..
وضعت العقرب في فم كيس التمر, وربطت.. كانت ترى..وصغيرة كانت .. وخرجت..
وكانت تلعب مع أخيها حين رأت أمها تدخل الخيمة..وأسرعت..
قبلتها كالعادة.. وناسية ـ كالعادة ـ قالت: أمي , أمي ..أريد تمرا وحليبا .. و..
ملأت الأم طست الحليب..فتحت الكيس ومدت بأصابعها إلى الداخل..
قليلا أم كثيرا بنيتي؟..سألت.. ولم تر..
كانت العينان معلقتين فرحا بابنتها..والأصابع في الداخل..
وكانت الأصابع تحضن حبات التمر حين انغرزت شوكة العقرب المليئة بالسم في عمق باطن الكف التي كانت ممدودة..
وامتلأت عيناها بالدموع..
وللمرة الثانية نادت: مصطفى.. مصطفى..
وكانت الغرفة تيها حين كان مصطفى بين أحضانها..فيما كانت حرارة أمها تعانق الصمت فيها..
كانت تدلك الطين .. تكوره ثم تمدده ثم تكوره مرة ثانية وثالثة و..
وتحرك الولد فزعا حين سقطت قطرات الدموع حارة على عنقه..
ـ لا تبتعدي كثيرا بنيتي عن الخيمة.. لا تبتعدي..
فتحت ذراعيها.. أطلقته..
ـ لا تبتعد.. لاتبتعد.. والتفتت إليها..
كانت الطواجبن ومواعين الطين الأخرى مرتبة بشكل لافت..
وكانت الأم ماتزال تكور الطين وتمدده حين دخل..
أنزل من على ظهره الكيس.. أخرج الكسرة..
ـ خذي .. قال.. امرأة آلمها حالي فتصدقت علي بخبزتين.. أكلت واحدة , أما هذه فقد أوصتني بأن آكلها معكما.. والله ماذقت طوال حياتي أشهى من هذه الكسرة..
أخذت الزوجة الكسرة.. ثقيلة كانت .. قسمتها إلى نصفين..
وفوجئوا جميعا حين رأوا قطع الدنانير تتساقط منها..
ـ من تكون هذه المرأة التي أعطتك كل هذه الدنانير؟!..سألت ..
وتساءل الزوج أيضا: من تكون؟!
وأخذت المرأة تذرع الخيمة ذهابا وإيابا..تقف.. تفكر.. ثم تواصل حركتها المتشنجة الحائرة..
ـ هل يمكن أن تكون هي؟ .. تساءلت في السر..
وأجابت بصوت غاضب مرتفع: لا أحد يفعل ذلك غيرها..
وفوجئ الرجل مرة أخرى: من هي يا امرأة؟!
ـ ابنتك فاطمة.. هل يوجد غيرها؟..
قال الرجل متحسرا: وهل تركت لي بنت اسمها فاطمة؟!..
تنهدت الزوجة..أسندت قامتها إلى عمود الخيمة..وضعت كفها على الخد الضامر وراحت تجوب لهيب صمتها..
ـ انزعي الثوب.. قالت..
بكت الطفلة فاطمة.. وقبل أن تنزعه كانت الكف صفعة مدوية غاضبة..
نعيمة تعالي.. انزعي ثوبك الممزق والبسي هذا..
لبست فاطمة الثوب الممزق, خرجت من الخيمة باكية تمسك بيدها كف أخيها الذي كان يصغرها بسنتين.. ومشت بخطى متثاقلة..
كان الطفل يسأل: أين أمي؟!
وكانت الطفلة تجيب: ستعود.. ستعود..
وكانت المقابر حجارة تتراكم في الأفق بعيدا حين جلسا..
ـ اهتمي بالبقرة بنيتي..ارعيها جيدا..اشربي وأخاك الحليب من ضرعها مباشرة..
مدت الطفلة يدها ومررتها على القبر.. وتساقطت الدموع وردا أحمر يتلألأ تحت أشعة الشمس التي كانت في أوج ضيائها..و..
قالت الزوجة وهي ترى احمرار خدود فاطمة وأخيها تتورد باستمرار بعد أن عرفت سر ذلك من ابنتها نعيمة:
لا بد أن تبيع البقرة..
ـ قال الزوج: كيف نبيعها وهي ليست لنا..؟!
وردت الزوجة بصوتها الصاخب آمرة: يجب أن نبيعها ونشتري بقرة أخرى أفضل منها..هذه البقرة لم تعد تجدي نفعا..جف ضرعها وقل حليبها..
ونادى الرجل في السوق: ياشاري بقرة اليتامى.. ياشاري بقرة اليتامى .. اشتر تربح..
كرر النداء كثيرا.. وكان في كل مرة يسمع نفس الرد:
الله لا يربحك.. الله لا يربحك..
وتتالت الأسواق والرجل يسمع نفس الرد..
وكادت الزوجة تجن وهي ترى فاطمة وأخاها تتورد خدودهما أكثر.. لكنها امتلأت زهوا حين أشرقت الفكرة في الرأس شموسا وترية..
ـ قالت: غدا ستبيعها..
ـ أبيعها؟!.. تساءل الرجل متعجبا..
ـ لا تتعجب ..قالت الزوجة..
ـ أضافت: يأتيك رجل يلبس برنوسا ويغطي رأسه بعمامة بيضاء.. إذا قال: اذبح تربح ..اذبح البقرة.. لاتتردد..
ـ من يكون هذا الرجل؟ تساءل الزوج في سره.. ونام..
وكان في السوق ينادي: ياشاري بقرة اليتامى.. ياشاري بقرة اليتامى..
وكان يسمع نفس الرد: الله لايربحك.. الله لا يربحك.. حين انطلق الصوت من بعيد: اذبح تربح.. اذبح تربح..
وذبح الزوج البقرة..
تقدم الرجل ونزع الغطاء عن وجهه..
ودُهش الزوج البائع .. صاح: اللعنةعليك.. كيف فعلت هذا؟!
ـ لا تفضحنا.. قالت الزوجة.. هيا احملها معي..
وحملاها..
انتبه الزوج: مابك أيتها المرأة اللعينة تقفين منتصبة كعمود هذه الخيمة.. ؟
ولم تجب الزوجة..
تقدم.. مد يده..حرك بعنف جسدها المنتصب..
كانت العينان كرتي ثلج.. وكان الجسد صخرة تتهاوى إلى الأسفل بسرعة عجيبة..
قرأ الفاتحة على روحها كما قرأ الآخرون..
جر خطاه كما جرها الآخرون..
وقال: غفر الله لك.. غفر الله لك..
يا أحباب ربي.. ياأحباب ربي..
أسرعت فاطمة إلى النافذة..: هو.. هو.. صاحت..
ـ من ؟ .. سأل الزوج..
ـ أبي.. أجابت..
وكانت البراري أرجلا تنزف دما, وشفاها تتشقق عطشا, وبطنين يتضوران جوعا، وجسدين يرتعشان خوفا وبرد ليال..
كانت الخطى تتقدم في اللامرئي..
كان الظلام وحشا يعتصر العمق بعيدا.. بعيدا..وكانت الشمس شوكا مدببا يغوص إلى الداخل..
فتح الزوج الباب..
ـ صاحت: أبي.. أبي..
وجاء الصوت من خلف الأب: أختي فاطمة.. أختي فاطمة..
ونظرا.. خجِلا كان الأب.. ارتعشت الشفتان فيه..
ولوما حارقا كانت فاطمة..
ـ أين أخوك؟ .. قال..
نادت بصوت يمتزج الفرح فيه بالألم: مصطفى.. أخبر خالك..
ـ وقال الزوج مخففا عن الأب ارتباكه: لابأس.. لابأس..
ـ قال الأب: هي الدنيا.. بحثت كثيرا كثيرا عنكما..لقمة العيش اللعينة من جهة .. وغيابكما الطويل من جهة أخرى ..
وحين رمى بعينيه إلى الأمام رأى ابنه يتقدم بخطاه السريعة..
وكانت الخطى عظام بقرة رمت بها الزوجة بعيدا..
كانت العظام كلبا يكشر عن أنيابه الحادة القاطعة..
وكانت الأنياب نباحا يتعالى صهدا هناك..
ـ أسرع أخي.. أسرع..
رأيا قبر أمهما المحترق..
غرسا في الأرض مغزلها..
كان الذئب في الأسفل عواء يتسلق جذع الشجرة.. وكانا ورقا يتماوج في الأعلى ..
ورأيا الذئب يحمل يأسه ويغادر المكان..
وحين كانا ينزلان رأيا كثيرا كثيرا من حنين يتدفق من وجه الرجل الذي فتح ذراعيه واحتضن الجرح الغائر في وحشتهما..
مد الأب ذراعيه: ابني.. ابني..
وتعالى شهيق الإبن: أبي.. أبي..أ..بـ..ي..
وكان الوقت حصانا شجريا يزرع في الأرض اخضرار الفرح الآخر..
والأعشاب مدى..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,467,570,760
- عن الدين والعلمانية والأحزاب الإسلامية
- ممرات ضيقة للكلام لكنزة مباركي.. إرادة التحدي التي لا تلين..
- لماذا عجز عن القيام بالثورة شباب عشرات الالاف من المساجد في ...
- عندما تحتقر السلطة شعبها
- الخطاب الإسلامي الراهن يرسخ التخلف والاستبداد اكثر؟
- بدمي .وقعت
- في الشكل الشعري.. في الأنوثة والذكورة ...مناقشة لبعض آراء سه ...
- ليس في القبو سواه
- كيف نسي الكرز؟
- ردا على مختار ملساوي.. نعم، السلطة تتحمل المسؤولية أكثر..
- إضعاف مستوى التعليم في الجزائر..كيف تم؟ ولصالح من؟
- ما صار.. ما سيصير
- إسلام الواقع تحدده المصالح
- شبر الخفارين
- الشجاع الأقرع في انتظاركم يا تاركي الصلاة
- شهوات
- رسالة مفتوحة إلى مسؤولي التربيةب (أُذُن مكاننا)
- ناقة قديشة
- المنتظمات الديكتاتورية أفقدتنا تذوق طعم الحياة
- أكواخ وولائم


المزيد.....




- بوراك أوزجفيت يتصدى للحملة على زوجته فهرية: عشقي لها يتضاعف ...
- إنطلاق الدورة 12 من مهرجان المسرح القومى..عبد الدايم : الحرا ...
- مهرجان -إلرو-: الحفل الموسيقي المفعم بالألوان
- يصدر قريباً كتاب -يوما أو بعض يوم- للكاتب محمد سلماوى
- صحيفة إيطالية: الإدارة الأمريكية ستعارض استقلال الصحراء
- نادي الشباب الريفي بقرية بئر عمامة.. من مكان مهجور إلى مقر ل ...
- في سباق إيرادات أفلام عيد الأضحى... عز يتصدر وحلمي يفاجئ الج ...
- السجن لفنان مصري شهير لامتناعه عن سداد نفقة نجلته
- تنصيب رجال السلطة الجدد بمقر ولاية جهة الشرق
- وفاة الممثل الأمريكي بيتر فوندا.. أحد رموز -الثقافة المضادة- ...


المزيد.....

- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الطيب طهوري - المغزل*