أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - صباح كنجي - مَلامِحُ عصر جديد..






















المزيد.....

مَلامِحُ عصر جديد..



صباح كنجي
الحوار المتمدن-العدد: 3299 - 2011 / 3 / 8 - 05:07
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


الأحداث العاصفة المتلاحقة التي انطلقت شرارتها الأولى من جسد المواطن البوعزيزي لتتحول إلى شعلة تنير الطريق المؤدية لإزاحة وإزالة نظام الاستبداد في تونس.. ولهيب ينهي ديكتاتورية حسني مبارك في مصر، وحريق يجتاح ليبيا واليمن وبقية بلدان الاستبداد من أقصى شمال غرب أفريقيا حتى أقصى بلدان الشرق الأوسط وما يجاورها الآن.
ما زال ينتجُ في كل لحظة المزيد من العوامل والقوى المحركة للحدث تزيد سعيره ليصبح إعصاراً يُوجهُ ويحددُ مسار التطورات اللاحقة المحتملة في رقعة جغرافية اكبر وأوسع، بالرغم من كونه في بداية الصيرورة.
ومن المؤكد أنه لن يقتصر في مداهُ عند مشارف هذه البلدان ومعاناة شعوبها، ولا يمكن أن تتوقف تأثيراته أو تختزل تفاعلاته عند مطلب تغيير معادلة الصراع الاجتماعي المحتدمة اليوم والرغبة في التخلص من سطوة الاستبداد والقهر.
ولن تتوقف مطالبه وأهدافه بتحقيق شعارات ديمقراطية تدعو للقضاء على الفقر والجوع وتطبيق الممكن من مفهوم العدالة الاجتماعية وضمان الحريات وحق التعبير عن الرأي والتظاهر ومكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين بتفعيل القضاء وغيرها من المطالب في الميادين الأخرى..
إنه الآن مجرد المقدمة.. لا بلْ بداية المقدمة لحالة اشمل وأعمق من المتغيرات القادمة التي فتحت هذه الأحداث الأبواب لها لإعلان انطلاقة عصر جديد، وبداية مشوار لمسيرة جديدة في تاريخ الشعوب، لا يمكن مقارنة تجلياتها بأحداث تاريخية سابقة مهما بلغت تأثيراتها ونتائجها، ابتداء من كومونة باريس ومروراً بثورة أكتوبر الروسية.
وهي في سياق ما تحمله من قيم وأهداف وغايات مشروعة ونبيلة تستند في تمثيلها لقوى شعبية متحركة ومتعاظمة تدفع بالملايين المنخرطة فيها للتحرك نحو مراكز الاستبداد وبؤر الفساد لتزيحها دون توقف واحدة تلوى الأخرى كاسرة حاجز الصمت، متجاوزة حالة الخوف والرعب والتردد ومتخطية كافة المعوقات، غير آبهة بأجهزة القمع وتشكيلات فرق الموت، واثقة من هزيمتها، وهي تردد بحناجرها شعارات مطلبيه مشروعة تؤكد على سلمية التحرك وتسخر بالمستبدين وتستهزئ بجبروتهم وتتوعد الحرامية والسارقين لقوت الملايين بمحاكمات علنية.
لن تتوقف تجلياتها وستشهد بقية رقع الجغرافية بما فيها البلدان الأوربية فصولا للحدث الكبير المزلزل الذي ينتقل إعصاره المتعاظم من القلب إلى بقية أجزاء الجسد، وسيتحول أبو عزيزي إلى ظاهرة عالمية ذات قيمة معرفية ثورية تعيد بناء الكون على أسس جديدة، تبدأ بالدولة وانتزاع شكل من أشكال المشاركة في السلطة لضمان تقاسم الثروة بالشكل الذي يحقق حالة الاقتراب من تحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال تنمية وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، وتحسين وتوفير الخدمات، ومكافحة التخلف والفقر، وتأمين حقوق العاطلين عن العمل بتشريع قوانين الضمان الاجتماعي ..
يتجلى هذا الاندفاع الثوري في حركة المنتفضين في إجماعهم على تخطى الأفكار والأطر السياسية التقليدية المتكلسة، التي ما زالت لا ترى في الكون إلا ذلك الجانب الوحيد من حالة الصراع، وتجعله الزاوية الوحيدة، لتحديد رؤيتها القاصرة لحركة المجتمع من خلال تلك الزاوية فقط.
إن تحديد متطلبات واحتياجات الجماهير والمكونات الاجتماعية وحقوقها المشروعة في هذا العصر المتغير والمندفع للثورة الاجتماعية العالمية، التي نشهد الإرهاصات الأولى لمقدماتها التاريخية الآن.. واللاحق القادم سيكون الأعظم لا محالة، في البرهة التاريخية التي تؤكد وتفرض حتمية التغيير سيكون لها نتائج و منجزات معرفية تعيد الدور للمهمشين الذين أصبحوا في المجتمعات المشوهة الراهنة أدنى مما كان يوصف ويدرج في خانة حثالة البروليتاريا، مع اعتراضي الأخلاقي على التسمية، التي توسع جمهورها ليشمل حثالة من المثقفين والمتعلمين والفئات المنحدرة من أصول وطبقات اجتماعية وسطى وبالذات الفلاحين والبرجوازيين الذين سحقوا في مجرى التحول المشوه وأزيحوا من مواقع الإنتاج في ضل الأنظمة الاستبدادية والدكتاتوريات المتحكمة التي دمجت الاقتصاد والدولة والسلطة والمال في مؤسسة العشيرة والقبيلة المتحولة إلى طبقة طفيلية جديدة فاسدة ومفسدة لا حدود لجشعها وسطوتها تكتنز رأس المال وتحصره في الأقل الممكن من أبناء وأعوان حاشية السلطة والقبيلة والحزب والدولة على حساب جوع الملايين وتخلف الخدمات وانعدام الحريات..
إن الثورات الشعبية في المرحلة الراهنة ستعيد ترتيب الأوضاع، وسيفرز التغيير معطيات جديدة تطال مفاهيم جوهرية، يشمل الدولة ووظيفتها في العصر الجديد الثائر والمتفجر الذي ينمو ويزحف في كل الاتجاهات، وستعيد النظر في المزيد من المفاهيم التي تطال الفكر والفلسفة والسياسة، أو تنتج الجديد منها، وستخلق بناء وأشكالا لتناسب وتتفق وتنسجم مع المستجد الناشئ من تطور الأوضاع لاحقاً.
في مقدمتها إعادة النظر بجوهر ومحتوى السلطة وطبيعة ومهام الجهاز التنفيذي في أنظمة الحكم السائدة.. وفي إعادة النظر في دور ومفهوم الدولة كونها آلة بيد طبقة ضد طبقة أخرى (أو إن شئت مجرد عصابات من اللصوص و الحرامية والمفسدين والمستبدين و المافيات يشكلون طبقة طفيلية جديدة فاسدة ومفسدة ضد كافة الطبقات في المجتمع)...
لقد أدت الدولة/ الدكتاتورية دورها التاريخي وحان لها أن تغيب وتنتهي عبر مرحلة انتقالية تتحول فيها إلى دولة الشعب في خطوة ارتقاء قبل الاضمحلال النهائي عندما ينتفي الغرض من وجودها في سياق تطور الاقتصاد العالمي في العصر الجديد، وفي هذا المنحى سيتم التخلص من كافة أشكال دولة الحزب الواحد، بما فيها التي تزور إرادة الجماهير وتطرح نفسها كدولة ثورية تحوز على أصوات الناخبين بنسبة99% من الأصوات في الانتخابات المزورة..
إن المرحلة التاريخية الجديدة تفرز مقدمات انتهاء دور الدولة وانتفاء بنية الاقتصاد العالمي لوظيفة الدولة بما فيها دولة الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي الذي تحول هو الآخر إلى نظام اجتماعي تجاوز حدود الدولة الرأسمالية في العديد من بلدان أوربا التي تسير نحو الاندماج والانفتاح لتدخل مرحلة جديدة يتطلبها تطور العصر الجديد، الذي سيكون المحرك الديناميكي الفاعل لتفكك وزوال الإمبراطورية الأمريكية الموحدة حالياً إلى عدد من الدول المستقلة كخطوة لا بد منها للاندماج في النسيج الاقتصادي العالمي الذي يرفض القطب الواحد، وسيكون الخيار الأخير لمصلحة ومتطلبات الاقتصاد وليس للعسكر والنزعات الحربية التي ما زالت تجد لها مكانة لدى دعاة زعامة الإمبراطورية الأمريكية للعالم والتفرد بتقرير مصيره..
إن ما تفرزه الثورات الشعبية من معطيات جديدة، تتجسد في انتزاع السلطة من يد العصابات و المافيات، التي نمت في عهود الاستبداد، المحتكرة لكافة جوانب النشاط الاقتصادي والاجتماعي من خلال شبكة الطفيليين المتطفلين على مؤسسات ومواقع الإنتاج في زمن الفساد، ستكون الخطوة الأولى ونقطة البداية لفك ارتباط رأس المال بالسلطة وإعادة الاعتبار في ذات الوقت لدور البرجوازية الطبيعي في الأعمار والتنمية، وإعادة تكوين البنية التحتية للاقتصاد التي ينبثق منها البناء الفوقي، ومن دون هذا لا يمكن الحديث عن أية ضمانة لحالة الاستقرار في المجتمع ناهيك عن الحديث عن التقدم والتطور والتقدم للأمام...
وما تحقق في هذه الثورات من منجزات، وما زلنا في البداية، من الناحية الفكرية والسياسية يمكن إجماله بالنقاط التالية:..
1ـ إنها أسست لحالة قطيعة بين الواقع السيئ والتعس من جهة والمستقبل الواعد والأفضل من جهة ثانية.. يتجسد برفض الماضي السيئ وعدم الاعتراف بالحاضر البائس من اجل مستقبل يفترض أن يكون الأرقى..
وتبعاً لهذا فان القطيعة شملت إنهاء أي دور ممكن للاستبداد وأنظمة القمع واعتباره من الماضي وجعلت من هذه البرهة التاريخية نقطة انطلاق ووثوب للأمام نحو المستقبل..
في هذا المنعطف التاريخي لا توجد أية إمكانية للمساومة فشعارات.. كفاية.. ارحل.. الشعب يريد إسقاط النظام.. لا تقبل التأويل وهي غير خاضعة للحوار والمناقشة أو المساومة ... ارحل يعني ارحل.. هكذا رددت ملايين الحناجر في ساحات التحرير.. ولم تخطأ في التشخيص حينما أصرت على انتقاء الدكتاتور الفرد كرمز للنظام تطالبه بالرحيل في لحظة التغيير ..
إن رحيل الدكتاتور سيترافق مع نهاية مهزلة التوريث.. توريث الابن، وهو في ذات الوقت وضع حد فاصل لتوريث ووراثة البلدان والأوطان والشعوب.. والاهم في هذا هو عدم توريث القمع والاستبداد... الدكتاتور أولا وما بعده مجرد أقزام... الدكتاتور أولا وما بعده تفكيك نظام القمع واستبداله خطوة .. خطوة... يبدأ بتفكيك حزبه ونهجه ومن ثم أجهزة القمع في بنى وزارات الداخلية.
2ـ في ذات الوقت وضعت حدا لمعادلة بائسة كان قطبيها سلبيين ومرفوضين تماماً.. القطب الأول مكون من الشعوب الخاملة والقطب الثاني من الحكومات الفاسدة.. وهو ما تجسد في حالة الردة الاجتماعية التي عانت منها هذه المجتمعات، ردة اجتماعية أفرزت لأكثر من أربعة عقود مضت الكثير من حالات العودة إلى الوراء والعودة للدين واللاابالية وانتشار الفساد وضياع وهدر الأموال والتراجع في وضع ومكانة المرأة والتفسخ الاجتماعي وانتشار ظاهرة أطفال الشوارع وتراجع في التعليم وانحطاط ثقافي وتهميش للمثقفين واستخفاف بالفن وتدهور بيئي وصحي وانتشار اليأس وتراجع في دور ومكانة العلمانيين و قوى اليسار والتقدم..
مترافقة مع استفحال نهج الاستبداد وتنامي القمع وتعدد أجهزته ومنع الحريات وانتشار السجون وتضخم أعداد العاملين في وزارات الداخلية وتفشي الفساد والاستحواذ على ممتلكات الدولة والمجتمع ودمج رأس المال بالسلطة ومؤسسة العشيرة والقبيلة والحزب وانتشار البطانات وتحجيم دور الدولة واستصغار المسئولين والاستهانة بحقوق المواطنين والاستهزاء بهم وإذلالهم وتجويعهم وعدم الاكتراث بمجاميع العاطلين عن العمل وما حل من خراب في المجال الصناعي والزراعي ودمار الطبقة البرجوازية ومحاربة التجار واستيراد الأدوية الفاسدة والمواد التالفة ودفن النفايات النووية والقبور الجماعية والحروب ونهب الثروات وتسخير طاقات وقدرات هذه البلدان لوزارات الدفاع وبقية المؤسسات العسكرية بحجة الدفاع عن فلسطين وتحريرها أو مواجهة الأخطار الخارجية..
معادلة لا تستقيم يكون الخاسر الأول فيها المواطن المسحوق الذي جرى التعامل معه كبقرة حلوب وطاقة للاستغلال أو مجرد وقود للحروب المَسْخرة...
أن هذه الثورات قد وضعت حدا لكل هذه التداعيات الناشئة من حالة الردة الاجتماعية وبدأت تدفعُ بالمجتمع نحو منعطف جديد يشرعُ الأبواب لعصر الجماهير المحركة والصانعة للأحداث والتاريخ المعاصر، منعطف ينفض الغبار عن هذا الدور ويعيد الأمور لنصابها.. الجماهير حينما تتحرك تصنع المعجزات وتحطم الأغلال وتتجاوز الأطر والمفاهيم التقليدية المعرقلة للتقدم وتكتسح كل ما يعيق تقدمها..
3ـ وفي ذات السياق يمكن التأكيد أن من أولى المنجزات وأهمها يمكن إدراج ما حققته هذه الثورات من متغيرات تعزز الثقة بالنفس لدى الجماهير الشعبية المقهورة وأحزابها المتهاوية والمتكلسة التي كانت تعاني من التشتت والضياع وعدم المقدرة على الرؤية وتحديد المسار وانعدمت عندها المبادرة ناهيك عن تشبثها بالماضي واجترارها مآثره في حالة مؤاساة تترافق مع حالة الانكسار النفسية وشيوع اليأس الذي مهد الأرض لنمو التيارات والاتجاهات العدمية والسلفية و الظلامية، التي اقتنعت أن الفرصة ملائمة لطرح البديل الاسوء من خلال شعار الإسلام هو الحل كأننا في بداية الدعوى الإسلامية..
لقد أزاحت هذه الثورات تلك المفاهيم وتلك الحلول البائسة إلى الوراء وأعادت إلى الجموع الثائرة روحها المستلبة وإرادتها المغيبة وهي تستقدم في ذات الوقت إطارها السياسي الجماهيري الجديد المتجاوز للأطر التقليدية ولمفاهيم الطبقات والإيديولوجيات ودور الطليعة والزعامة، لتؤكد من خلال ساحات العمل عبر ميادين التحرير أنها تمتلك القدرة على خلق آلية عمل جديدة تمتلك المرونة والقدرة على تحشيد الملايين دون الحاجة للمرور في دهاليز الأحزاب السرية وفترة اختبارها للمنتمين إليها عبر فترة ترشيح وإعداد وتهيئة أو تبني أفكار ومفاهيم قائد ومفكر فذ ومعصوم يجري تقديسه وتهويل دوره على حساب إلغاء دور الجماهير والأتباع وتحويلها إلى قطعان تقاد بلا وعي أو إدراك للدفاع عن فكر ذلك المعصوم والموت من اجله.. إن صرخات بالروح بالدم نفديك يا زعيم أصبحت لا تقال وتردد إلا من باب السخرية في لحظات استدراك يتطلبها المرح ليس إلا...
4ـ أنها أنجزت الكثير على صعيد إعادة الوعي وتنمية الإدراك لجوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع بإعادة صياغة مفهوم ودور السلطة ومحتوى أجهزتها التنفيذية وهكذا بالنسبة للموقف من الدين والوطن والانتماء للعشيرة والقبيلة وشتى التصنيفات الاجتماعية القومية والأثينية... أنها جعلت الإنسان/ المواطن في قلب المعادلة باعتباره محور الكون يجب أن تسخر الطاقات لخدمته وسعادته وليس ضده لسحقه وإذلاله...
ابتداء من دولة المواطن/ الشعب، كبديل لدولة الطاغية المستبد والحزب الأوحد والقبيلة والعائلة المتنفذة... أنها في الجوهر سيادة دولة القانون.. الدولة الديمقراطية. وحكومة شراكة تتقاسم السلطة، بدلا من حكومة اللصوص و الحرامية والفساد.. في ذات المنحى يتطلب التغيير ويفترض من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني الحقيقي فصل الدين عن الدولة وكفالة وضمان أقصى ما يمكن من أجواء الحرية وحق التعبير عن الرأي والتكافؤ في فرص العمل، وتأمين حقوق العاطلين والمتقاعدين بالشكل الذي يتناسب مع متطلبات الحياة المعاصرة، بخلق الموازنة بين الحقوق والواجبات في المجتمع وعدم الفصل بين حرية الفرد وحرية الوطن...
5ـ أثبتت الأحداث أن التغيير ليس حلماً بعيد المنال بل أصبح واقعاً يومياً بفعل العوامل الداخلية أولا وقبل كل شيء بفعل تراكم مؤثرات الجوع والظلم والحرمان والفقر وان محتوى الصراع ما زال في جوهره طبقياً ينتجُ عوامل التفجير والتحريك للانطلاق و الإنعتاق والتقدم باليات وصيغ، لا بل حتى اصطفافات طبقية، جديدة.
تؤكدها حجم المشاركة الكبيرة في الاحتجاجات التي تنخرط فيها كافة الطبقات والفئات الاجتماعية والمهنية بمؤازرة وتعاطف الجيش والقوات المسلحة، في مواجهة ليس الفئات الحاكمة المعزولة فقط، بل للتعبير عن الغضب ورفض الفشل..
فشل البرامج الاقتصادية التنموية الذي أحاق الخراب بالريف والزراعة وأسفر عن تهمش الطبقة البرجوازية من جراء الاستحواذ على النشاطات الاقتصادية والتجارية والمالية وتأتي العوامل الأخرى- الخارجية كمؤثرات لتطوير ودعم تفاعلات الداخل كما حدث عند نشر وثائق ويكيليس ورفع الحصانة والدعم الدولي للحكام المستبدين من الذين نسجوا خيوط الألفة والتنسيق مع الحكام والمؤسسات الدولية في أمريكا وأوربا الداعمة للدكتاتوريات وأنظمة القمع المستبدة في العالم..
6ـ أن عملية التحول والتغيير قد ألغت ودحضت المفاهيم الخاطئة التي كان يروج لها المستبدون من أن البديل عن الاستبداد هو العودة للأصولية الدينية وما قد تسببه من مخاطر وفوضى في عهد تفشي ظاهرة الإرهاب الإسلامي وان البديل الممكن بعد السقوط والتغيير سيكون إسلامياً دينياً لا محالة... وبالرد الواقعي والعملي على هذه الطروحات من قبل الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن يكون من المضحك القول أن القوى المحركة للثورة والتغيير هي من هذا النمط المخيف والمفزع..
فجيل الشباب المتعلم وجمهرة العاطلين عن العمل ومنظمات واتحادات الشغل والعمال والمحامين والأطباء وبمشاركة فاعلة ومؤثرة للمرأة والمثقفين يبدو المشهد واضحاً لمن لم يفقد بوصلة الرؤيا ناهيك عن الأهداف الاجتماعية والمهنية والخدمية الواضحة التي يطالب بتحقيقها المنتفضون في كل يوم ويطورونها ويرفعون من سقفها.
في المقدمة التمسك بمنجز الديمقراطية الشعبية الذي فرضته وأنتجته ساحات التحرير كوسيلة جماهيرية وأداة للتغيير ومواصلة الكفاح والعمل ليتحول إلى بديل حقيقي حي يلبي حاجة المرحلة ومتطلبات ترسيخ نظام اجتماعي جديد يستند للديمقراطية كمبدأ وخيار تاريخي راهن بديلا عن أنظمة الاستبداد المرفوضة.. وستشهد الأيام المقبلة اللاحقة المزيد من إرهاصات الصراع المحتدم حول المفاهيم والمستقبل والمحتوى الديمقراطي لهذه الثورة وتطويرها بين قوى التقدم المحركة لها ومرتكزات النظام القديم ومخلفاته، وهو أمر ينبغي التهيؤ والاستعداد لمواجهة تداعياته و احتمالات تواطؤ القوى الدينية مع رموز الاستبداد لعرقلة مسيرة التقدم والتطور أو حرفها عن أهدافها وغاياتها، وهو ما لا نستبعده في سياق تقيمنا لجوهر الدور الذي يؤديه الدين في تزييف الوعي الجماهيري بعد توظيفه من لدن الأنظمة الاستبدادية والأحزاب والحركات الإسلامية في العمل السياسي منذ عقود من الزمن ..
7ـ أنها أعادت وستعيد ترتيب الأوضاع من جديد في الميادين الثقافية والفكرية وستكون الخطوة الأولى لإعادة الدور للثقافة والمثقفين والعاملين في حقل الإعلام والمعرفة وهكذا الحال بالنسبة للفن والفنانين والمسرح والسينما وكل ما يتعلق بالنشاطات الاجتماعية المعرفية وستعود أجواء الرومانسية الثورية بصيغ جديدة لكنها ستكون اشمل وأوسع من حقبة الستينات في القرن الماضي بحكم التقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات العملاقة ومستوى التعليم المتقدم والراقي..
وتبعاً للاستعادة هذا الدور سنشهد تغيراً عميقاً في السلوك الاجتماعي للناس يرفع من مستوى مساهمتهم في تحقيق المنجزات وتطويرها من خلال مؤسسات المجتمع المدني التي ستكون البديل الحقيقي الفاعل لتفسخ وترهل السلطة ومؤسسة القبيلة المتخلفة والأحزاب التقليدية المتكلسة التي أصبحت معيقة للتقدم لا تليق بالعصر..
هذا سيؤدي بدوره إلى متغيرات أخرى أعمق وأشمل تدفع إلى توسيع قاعدة القوى الاجتماعية المحركة لعجلة التغيير لتتجاوز الطبقات والأيديولوجيات وأطر الأحزاب التقليدية وهو أمر يستدعي من الأحزاب اليسارية (الشيوعية تحديداً) أن تنتبه إليه وتسارع في اتخاذ خطوات تحولها إلى أحزاب ديمقراطية شعبية كي لا تكون خارجة عن التاريخ عبر تمسكها بالقديم، وقد أثبتت وقائع الثورات أن الأحزاب ليس بمقدورها أن تكون بديلا للجماهير، والاستنتاج المنطقي الإقرار بعدم اماكنية خلق بديل ينوب عن دور الجماهير.
لقد أسقطت الميادين.. ميادين التحرير وساحات النضال اليومي مفاهيم الطلائع والقيادات الطبقية والقومية وغيرها من التسميات التي أصبحت من هذه اللحظات من آليات الماضي، لا يجوز التعويل عليها والتمسك بها، نفس الشيء بخصوص هرمية التنظيمات السياسية، التي لم تنتج ويترشح عنها إلا البيروقراطيين في العقود الأخيرة، وأثبتت فشلها وعدم قدرتها في تحريك اصغر الأحداث وأتفهها، فما بالك بالأكبر والأعقد من المهام..
أن الفرصة ملائمة لها كي تبدأ بمراجعة شاملة لتاريخها وأسس بنائها ومهامها وآفاق عملها ومستقبلها لتطوير وتفعيل دورها في المرحلة اللاحقة عبر اقترابها من نبض الشارع واتجاهات مساره في التعبير عن الأمل الاجتماعي بصيغ تواكب التطور وتتلاءم مع متطلبات العصر الجديد الذي ينحو للإمام عبر هذه الاندفاعات التاريخية الجبارة، وان أية قراءة خاطئة لمعطيات اللوحة السياسية الراهنة من قبيل إرجاع النتائج والاحتمالات لإمكانية استعادة الدور عبر أوهام أيديولوجية وطبقية متزمتة سيكون انتحاراً يلحق الضرر البليغ بالمتشبثين بمن يسعون لاجترار الماضي واستقدامه منتظرين الوهم... كمن أنتظر غودو ليأتي.. غير مدركاً ولا يريد أن يدرك أنه لن يأتي...
أن ديالكتيك قانون التراكم.. تراكم الخراب والتفسخ والآلام البشرية، قد ولد هذه الثورات الجماهيرية، لينبثق منها فجر جديد للشعوب، في ضل مؤثرات الاقتصاد العالمي الجديدة الذي تجاوز الأنظمة الرأسمالية التقليدية، وتشابك الوضع الدولي، وتداخل وتفاعل العوامل السياسية والثقافية في عصر الديمقراطية وثورة الاتصالات، وما ستفرزه من نتائج سياسية وفكرية وثقافية محتملة، يتطلب من الحاملين للواء التغيير في ميادين التحرير والملتفين حولهم مواصلة الجهود، لرفض المساومات، وتحديد الهدف بلا لبس، وتشخيص بؤر الفساد، والإصرار على تجاوز الأطر العائلية والقبلية والعشائرية المعيقة للتطور، والتمسك بشعارات تطوير الخدمات، والمطالبة بالتنمية والمساواة والتكافؤ في فرص العمل، والموازنة بين الحقوق والواجبات في العصر الجديد... عصر الديمقراطية وبروز قوة الجماهير التي لا تقهر في ميادين التحرير اللا هبة والملهمة لصنع غد أفضل...
ــــــــــــــ
صباح كنجي
بداية آذار2011






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,563,224,308
- برقيات زمن التغيير العاصف..1
- نخب مصر... لقد انتحر مبارك!
- أثيل النجيفي* في ألمانيا.. وهذا الخبر المَسْخرة!!
- آفاق التطور السياسي اللاحق في العراق..2
- مبادرة تستحق الدعم..
- آفاق التطور السياسي اللاحق في العراق
- محنة الولادة والخيار الصعب في رواية هوركي أرض آشور*
- هل هناك من ضرورة لبقاء حزب للشيوعيين في العراق ؟!..6
- في الذكرى الواحدة والعشرين لرحيل الاديب والقاص جمعة كنجي
- هل هناك من ضرورة لبقاء حزب للشيوعيين في العراق ؟!..5
- هل هناك من ضرورة لبقاء حزب للشيوعيين في العراق ؟!.. 4
- بنادق وقرى يوسف أبو الفوز *
- هل هناك من ضرورة لبقاء حزب للشيوعيين في العراق؟!..3
- هل هناك من ضرورة لبقاء حزب للشيوعيين في العراق؟!..2
- هل هناك من ضرورة لبقاء حزب للشيوعيين في العراق؟!
- لقاء مع هوشنك بروكا..
- من أجل تعميق وترسيخ مفهومنا لحقوق الإنسان
- وداعاً أبا جنان فوجئنا برحيلك..
- فيصل الفؤادي في كتابه الحزب الشيوعي العراقي والكفاح المسلح
- توفيق الحريري...


المزيد.....


- فنزويلا ليست إيران / محمد عادل زكى
- الحرب الباردة، في طبعة جديدة ... صينية / جورج حداد
- ثورات 2011 ومنوعاتها وطرائفها / عيسى ابراهيم
- فهم الظاهرة الشمولية / زهير الخويلدي
- معركة أم حرب أهلية؟ / محمد أبو هزاع هواش
- الحكومة الإلكترونية ودورها في الحد من ظاهرة الفساد الإداري / احمد سردار عارف
- كيف ساشعر بالراحة ولم تشفع لي شهادتين عاليتين عند مدير يفزع ... / عبد الرحمن تيشوري
- اسس الدولة المعاصرة ونصيب سورية منها / عبد الرحمن تيشوري
- 8 اذاريوم غضب واعتصام المرأة العراقية واحبائها في ساحة التحر ... / سعاد خيري
- تسويق الأداء الاقتصادي والاجتماعي الحكومي لايصل جيدا الى الن ... / عبد الرحمن تيشوري


المزيد.....

- واشنطن ترسل جنودا إضافيين إلى العراق
- عفو خاص وعام وحصص وزارية مجزية تصوغ اتفاقاً شبه مكتمل بين ا ...
- عندما يخاف الصحافيون
- بالفيديو .. أمين يدافع والبارودي تسأل: أين المشكلة؟.. في صور ...
- أثر التدخلات الخارجية على الأوضاع في ليبيا
- الرئيس اليمني يقيل الحكومة لتهدئة الاحتجاجات في البلاد
- أنهار البصرة تتحول إلى مكب للنفايات
- مسلحون يفجرون منزل مراسل الحرة في العراق ميثم الشباني
- بالفيديو .. طفلة تُرضع نفسها
- تسريب صور أجهزة ذكية جديدة لشركة -سوني-


المزيد.....

- قانون حركة الرأسمال / محمد عادل زكى
- كيف نفهم، كعرب، إيران؟ / محمد عادل زكى
- فهم حركة العصر الجديد / صبري المقدسي
- العولمة و الديمقراطية و الارهاب / اريك هوبزباوم
- الشرق الأوسط الكبير : خروج العرب من التاريخ / محمود الزهيري
- أزمة حوار الحضارات : مابين خرافتي التقريب بين المذاهب الديني ... / محمود الزهيري
- تحالف الأضداد. فنزويلا نموذجاً / محمد عادل زكى
- الرأسمالية ... بين التغيير أو الإنهيار.... (1) / علي الأسدي
- انحطاط الرأسمالية مصر نموذجا / سامح سعيد عبود
- نقد نظرية التخلف / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - صباح كنجي - مَلامِحُ عصر جديد..