أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مديح الصادق - أيُّها المؤمنون، كي يستقرَّ العالم، اجتثُّوا الشيوعيين ...















المزيد.....

أيُّها المؤمنون، كي يستقرَّ العالم، اجتثُّوا الشيوعيين ...


مديح الصادق

الحوار المتمدن-العدد: 3207 - 2010 / 12 / 6 - 08:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نفض العمامة من على رأسه، تنفس الصعداء كالذي تخلص من قيد ثقيل أرهق كاهله، خلع النعلين عند عتبة الدار، وجلبابَه الذي عطرته أصناف أربع من فاخر العطور - على عدد زوجاته المُعلنات، ناهيك عن المستورات - على الشمَّاعة علقه، عند مدخل الضيوف؛ وإن لم يكن هو ضيفا؛ فقد تعود الزيارة كل أسبوع قبل الجمعة يوما أو يومين، والخطبة كي تمسي جاهزة للإلقاء؛ لابد من مراجعة لها لتشذيبها من أخطاء النحو والصرف، المعاني والبيان، بعض المفردات تستبدل بأخرى؛ حتى يطابق الحال مقتضى الحال، والمعاني تلائمها الألفاظ؛ فيبلغ الخطيب مراده لدى السامعين؛ إنْ هو أحسن الإلقاء، والشيخ مطمئن لهذا، مرتاح البال، إذ الأستاذ جاهز للصياغة، والتصويب؛ بل أنه يجدها متعة حين اطلاعه على ما يفكر به، أو يُسوِّقه للعامة، وعَّاظ يجيدون التفنن في التلاعب بما بأيديهم من نصوص؛ فتخرج براقة، قدسية، يتلقفها المتلقون؛ وتأخذ لها مواضع في عقولهم، كما تفعل الكأس فعلها في شارب لم يعتد عليها من قبل؛ وإنه بلا جدوى البحث عما إذا كانت لها صحة، أم عارية عنها تلك البضاعة، بضاعة فاسدة، رأس مالها الوحيد علم الكلام

الشيخ البليغ، أو الفصيح، هذا ما صار يُنعت به في محيط الحي، وما جاوره من الأحياء، وأطبقت على الآفاق سمعته؛ فانهالت عليه الرسائل من كل الاتجاهات، أسئلة واستفسارات، من طلاب وغير طلاب، ممن تعنيهم شؤون علوم الدين؛ بل حتى اللغة، والتفسير، فضاق بها ذرعا، تحجج بانشغاله بالبحث، والاستقصاء، وهي تحتاج إلى دقة وتمحيص، والأمانة العلمية واحدة من خصال الإمام، وليس له من منقذ من كل هذا سوى صديقه الأستاذ، فهو أكاديمي متخصص، وإن كان لا يتردد على المسجد، لا يهم ما دام عاكفا على تصحيح وتشذيب ما يكتبه الشيخ؛ بل أن له القدرة على الرد على مسائل ليست سهلة، في الشريعة والفقه، يالها من تناقضات ! هي فرصة سنحت، طالما هو وحيدا يعيش بعد أن غادره في سفر، العيال، والأستاذ حكيم حليم، هي فسحة للتصرف في محتوى الكلام فيوحي بأكثر من معنى للسامعين، غير المعنى الذي أراد له الشيخ البليد، ذلك الذي ألفاها متعة للاستئناس بقربه منه، وسط حشد يرتدون أرقى اللباس، ويركبون ما كانوا به يحلمون، وفي سراديبهم يكنزون كل الذي قالوا أن قد حرَّمه الله، وبالمقابل فهم لا يجيدون غير الإنصات لكل غبي بليد، وبما يحشو بطونهم، وينفخ جيوبهم، ويطفئ حرائق شهواتهم، يفكرون

هي ليست مشكلة فريدة أن تصب عصارة فكرك، وجهدك؛ في إخراج نص مكتمل ليجني الثمار والسمعة غيرك مِمَّن ينسبه إليه، فتلك مصيبة قد عانى منها، واكتوى بنارها كُثر من من ذوي الرأي السديد، والفكر السليم، فكم من رئيس دولة، أو وزير، أو مسؤول، ينتصب خاطبا تصفق له الجماهير، وتنطلق الزغاريد؛ لكن الفضل يكمن خلفه كاتب زاهد، أو مفكر مغمور, في شقة مهملة ينزوي، أو بيت عتيق، وقد لايحظى حتى بعلبة الدخان

هاتِها، ككل مرة مصحوبة بنكتة خفيفة، تناول الخطبة الأستاذُ من يد الشيخ، الذي غالبا ما يكون قد هيَّأ نفسه لانطلاق ضحكة مصطنعة مجاملة للدور الذي يقوم به هذا الصديق الوفي، وهذا الصنف من الناس يجيد التملق، مثل إجادته للنفاق، والتدجيل، ولا يهم إن كانت النكتة قد أصابت منه موضعا في الصميم، المهم عنده أن { الرجال تصير لغريضها نسا } كما يروج لهذا المبدأ صنف رخيص من الناس

إنَّ موضوعها مختلف هذه المرة؛ بل غريب، وليس كما اعتاد عليه الشيخ من مواضيع بعيدة عن السياسة، وإن كانت أحيانا تبتعد عن جوهر الدين، وفيها الكثير من الاجتهاد؛ المرة هذه تحول من مرشد ديني إلى سياسي، في السياسة لا يجاريه ضليع، مشاكل العالم استعرضها، والعرب، والمسلمين، واستخلص أن العلة في كل تلك المصائب هم رأس الداء { الشيوعيون } وألاَّ صفاء للعالم إلاَّ باجتثاث فكرهم الهدام للموروث من العادات والتقاليد، يحرضون النساء للتمرد على الرجال، خروج العامة عن طاعة أولياء النعمة والأمر، يريدون أن ينزوي علماء الدين في صومعاتهم؛ فليس لهم مهام سوى الصلاة، والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف، لا غير، يؤلبون الشارع كي ينتفضوا على أصفياء اختارتهم - بوعيها - الأمة، كي يرفعوا عنها حيف الظلم والاستعباد، أفكار الشباب يداعبون حتى ينحرفوا عن ذكر الله، فهل يقف حيال ذلك مكتوفي الأيدي، مُعطَّلين، العلماء ؟
كلا، وألف كلا، أيها المؤمنون، مسألة حاسمة هي، فإما بقاء لنا ننعم بخيرات البلاد، أو نستسلم بيُسر لمن يسعون لتجريدنا مما أوصى به الله لنا من النعيم، فلنضيِّق عليهم الخناق، ولنغلق في وجوههم المنافذ حتى لا تقوم لهم نبتة في أرضنا فيما بعد ... وقوف لفسح المجال لتكبير المصلِّين، والتأييد

الأستاذ أخفى ابتسامة تهكم بما سطره الشيخ في خطبته من تخاريف، واستذكر كيف في شباط الأسود سالت دماء الأبرياء، وما انتهكت من الحرمات، وخيرة النساء والرجال الذين اقتادهم بالأصفاد مَنْ لا يجيدون غير سفك الدماء، والإنسانية غادرتهم، ومن يومها تغيرت، وما عادت كما كانت، خارطة العراق، كل ذلك مرَّ من بوابة { هي الشيوعية كفر وإلحاد } وهاهو اليوم شيخنا يعيد الكرة؛ علَّه يظفر بما ظفرت به الكواسر من قبله، والضباع، ألا تستحي، أيها الواعظ، من أجيال سوف تُزاح الغمة عنها، ويكشفون أنك قد غضضت الطرف، في خطاباتك، عن الفاسدين الذين يسرقون - في وضح النهار - ثروات البلاد، الكثير من أصحاب السوابق من قطاع الطرقات، والسارقين، الذين ارتدوا بزات المناضلين، ونصبوا أنفسهم سياسيين؛ ليعتلوا أرقى المناصب، ويجنوا نصيبهم من الغنائم، والمال العام المشاع للمتحاصصين، أين أنت من تلك الشلة التي أغلقت بالأمس - بالقوة خلافا للقانون - المركز الثقافي والاجتماعي لاتحاد الأدباء في عاصمة الفكر والثقافة والفنون، بغداد ؟ وقبلها في بابل إذ منعوا في مهرجانها الغناء، وهي التي ما عاشت إلا بالغناء، وفي البصرة الفيحاء، أم المجالس، والمواويل، أيعقل أن تختفي في بيوتات العراق، أبوذيات حضيري أبو عزيز، وداخل حسن، وزهور حسين ؟ فلا تُسمع إلا خفية كأنها منشورات سرية أيام الدكتاتوريات، والمرأة عنوة بالسواد تلتحف، من رأسها حتى أخمص القدمين، ومَن تخالف مصيرها الرجم، والاقتصاد معطل، فلا مشاريع تناسب ما وصلت إليه ثروات البلاد، من عائدات نفط، وغير نفط، والبطالة قد تفشت ، وهُجِّرت الكفاءات، بدم بارد ذُبحوا، أول الساكنين، والبانين لتلك البلاد، وما عادت نقية مياه الرافدين، من كل هذا أين أنت ؟ يا شيخ
مَن عطل البلاد ؟ مَن أشاع الفوضى ؟ وخرب الاقتصاد ؟ هل هم الشيوعيون ؟ لكنه ليس في وعاظ سلاطين السوء يكمن العيب؛ العيب فيمن يسمعون, ولا ساكن هم يحركون، لما تسطرون من تلفيقات، وعلى محمل الجد يستقبلون ما تمطرونهم به من شعوذات

كادت عيناه تخرجان من محجريهما، وانتفخت أوداجه من هول ما جاء بخطبة الشيخ، أخفى انفعاله كأنه قد اهتدى لما سوف يعينه في كشف جوهر المتاجرين بالدين؛ وهو يقرأ، بطرف خفي كان يرقب الشيخ؛ فلاحظ انفعاله لمشهد مطربة تغني على شاشة التلفاز، ثم بلهفة ينقل ناظريه حيث انتصبت على الرف زجاجات الويسكي, والشراب المعتق، بعدها ينتبه على شهواته، فيبحث عن مسبحته الطويلة مرددا بصوت خفي : أستغفر الله، أستغفر الله. وضع الأستاذ الخطبة جانبا إشارة منه إلى أنه سوف يواصل التصويب فيما بعد، التفت نحو صاحبه، وضع عمامته على رأسه مداعبا، الله أكبر، الله أكبر، إنها تليق بك، عليك ما أجملها ! وبها ما أبهاك ! لو أنك طاوعتني واعتليت المنبر لي مساعدا ! لِمَ لا تحضر أوقات الصلوات ؟
لا أصلي أنا, في المسجد، أم غير المسجد، فلم أرتكب من الذنوب ما يدعو للخلاص منه بالصلاة، ولم أصِب بشرا بسوء، لا أمد يدي إلى ما ليس لي، سواء أكان من العام أم من الخاص، وواجبي بأقصى ما أوتيت من عزم وتصميم أقضيه، أحب الناس جميعا، بلا تفريق على لون أو جنس أو دين، أراعي حرمة الجار، وأنصر الضعيف والمغلوب، والظلمَ أقارع، بأي شكل كان، بأي زمان ومكان، الأشواك أقلعها عن الطرقات؛ فأزرع مكانها الورود والرياحين، وحين يُغرِق الكون غيري بالظلام؛ فإن أصابعي أشعلها؛ كي يُنار العالم، وتهرب جيوش الجراد

ظل الشيخ محدقا، غير مصدق، بوجه الأستاذ وهو منفعل، كأنه اعتلى منبرا يواجه من خلاله الجمهور الذي ابتلي بمن لا مصير له من ورائهم سوى الهلاك، إنها المرة الأولى التي يجهر بها بما يخفي عن صديقه من أفكار، اهتزت لها أوصال الشيخ، فاستقام من جلسته، تناول العمامة، والعصا، والجلباب، واختطف الورقة التي جاء بها للتصويب. من يده أمسك سائلا : ما الأمر ؟ ما الذي جرى ياشيخ ؟ والخطبة ؟ ألا تحتاج إلى تصويب ؟

لا أريد تصويبا، أبدا منك بعد اليوم، لقد بانت حقيقتكم شاخصة للعيان، بالله أقسم، ربِّ السموات، لإنك واحد منهم، كلكم لبعضكم مشابهون - معاشر الشيوعيين -. رَبَتَ على كتفه بلطف، سحب المسبحة من قبضته، وقبَّل رأسه، وفي أذنه كان هامسا، ألقى على الأرض كل حاجياته، الشيخ، لِمَ لَمْ تُخبرني عن ذلك من قبل؟ أيها الملعون، كوكب الشرق ؟ وفي الثلاجة شيء من المخللات ؟ لبن خاثر وبعض الخيار، والثوم، الثلج ضروري، وإن كانت الدنيا شتاء، وغدا هو الجمعة، لا ضير أن تصلي فرادى العباد؛ فالشيخ في إجازة، بالجنة يحلم، سابحا في بحور من الخمر الحلال، تحيطه من كل صوب حور العِين، ويسقيه كؤوسها غلمان مخلدون





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,522,277,545
- الأزهارُ لنْ تموتَ, أبدَ الدهرِ
- متمدن حوارنا, منارة للشرفاء
- زبَدٌ على السواحل والشطآن ... قصة قصيرة
- اعترافاتُ سفَّاحٍ يحتضرُ, بمناسبة يوم الشهيد الآشوري الكلدان ...
- زائرة آخر الليل , قصة قصيرة
- عتاب إلى الشهيد ستار خضير, الذكرى 41 لاستشهاده
- قاب قوسين او أدنى من جهنم ... قصة قصيرة
- العنقاء تشتهي العصافير المسيحية ... قصة قصيرة
- وعاد منتصرا , مِحكّان المهوال
- عمال العراق, تأريخ وتحديات
- اخلع جلبابك, يا مشحوت
- احذرا الكفر, سيادة الرئيسَين
- وفاء بالدَين؛ احتفلنا لقائمة الرافدين
- عرسا وطنيا كان في تورونتو
- انتخبوا مرشحكم ... مشحوت
- كل يوم يمر شباط
- شهداؤنا مصابيح نور, وأغراس طيب
- خذ ما شئت من الخرائب مادام كسرى سالما
- ما حرفا, وما اسما
- مراهنات { مشحوت } أبي حصان


المزيد.....




- الداخلية المصرية تعلن مقتل عنصر بالإخوان بتبادل لإطلاق النار ...
- النقابة العامة للغزل والنسيج: نرفض محاولات القوى السياسية ال ...
- الأمن يقتحم وكر لعناصر إرهابية تابعة لحركة حسم الإخوانية بمن ...
- الشؤون الإسلامية بالسعودية تقيم معرضاً ثقافياً تزامناً مع ذك ...
- مصر.. حكم قضائي ببراءة 7 عناصر في جماعة الإخوان المسلمين
- العراق يستعد لاسترجاع الأرشيف اليهودي من الولايات المتحدة
- قرقاش: حملة الإخوان ضد مصر فشلت
- -أوقفوا العمل بالشريعة-... ضجة في السودان بعد تصريحات عضو مج ...
- قرقاش: حملة الإخوان ضد مصر فشلت
- رجل دين إيراني: مساحتنا أكبر من حدودنا الجغرافية


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مديح الصادق - أيُّها المؤمنون، كي يستقرَّ العالم، اجتثُّوا الشيوعيين ...