أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت - نقولا الزهر - المجتمع المدني من جون لوك إلى الأمير سعود الفيصل















المزيد.....


المجتمع المدني من جون لوك إلى الأمير سعود الفيصل


نقولا الزهر
الحوار المتمدن-العدد: 957 - 2004 / 9 / 15 - 09:51
المحور: اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت
    


المجتمع المدني من (جون لوك)...إلى (سعود الفيصل)...
لم تعد مفاهيم "المجتمع المدني" و"الديموقراطية" و"المشاركة السياسية" في عالمنا العربي مقصورٌ استخدامُها على خطاب بعض المثقفين والباحثين والدارسين في الغرب، أو معارضين ليبراليين ويساريين، إنما شرعت في الدخول إلى خطاب الفصائل السياسية الإسلامية المعارضة التي راحت بتأثير تجاربها التاريخية تفرز تيارات وسطية مفارقة لفكر ابن تيمية وأبو أعلى المودودي وسيد قطب. وهذا ما بدأنا نراه بنسبٍ وسوياتٍ مختلفة في جماعات الإخوان المسلمين بمختلف تجلياتهم ومسمياتهم، وبعض الفصائل الإسلامية الشيعية(الحزب الإسلامي الإصلاحي في إيران، وحزب الدعوة العراقي ....) وكذلك في خطاب بعض المثقفين الإسلاميين المستقلين( الشيخ حسين فضل الله في لبنان، الباحث السوري الإسلامي محمد شحرور وآخرون كثيرون..).
ونلحظ في الفترة الأخيرة أيضاً، دخولها إلى خطاب بعض الأوساط السلطوية في العالم العربي؛ و تجلى ذلك في الوثيقة التي أصدرها (اجتماع الاسكندرية) الذي عقد برعاية مباشرة من الرئيس حسني مبارك؛ و في ورقة أخرى، اشتملت على تحديداتٍ ومواقف واضحة لم تكن مألوفة في الخطاب الرسمي السعودي، قدَّمها وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل في مهرجان الجنادرية حول موضوع "إصلاح البيت العربي".
فيبدو أن مفهوم "المجتمع المدني" راح يخرج من اغترابه، ومن تهمته الغَرْبوية في العالمين العربي والإسلامي. أو ربما يمكننا القول: أنه أخذ يوطد أقدامَه يوماً عن يوم في منطقتنا؛ ويقيم كمفهوم (عام) علاقاته مع (خاصِه) العربي والإسلامي.
فهل يا ترى الأزمة التاريخية الشاملة الراهنة التي تغرق هذين العالمين في مستنقعاتِها، تستدعي حلولَها(بحسب ماركس)؟..
-1-
يحمل مفهوم "المجتمع المدني" مضامينَ سياسية واجتماعية مختلفة بتغاير المجتمعات وأنظمتها السياسية وبنياتها الاقتصادية وثقافاتها وأديانها وتقاليدها. ولكن رغم تغايراته هذه، بقي يحيل إلى المدينة والتمدن والمدنية. وقد دخل في قاموس الفكر السياسي مع النهضة الأوربية ونشأة النظام الرأسمالي عموماً.
فقد رأى(جون لوك) أن الأفراد في مجتمعهم لكي يحافظوا على حقوقهم في ظل القانون الطبيعي، لا بدَّ من أن يتفقوا على تكوين مؤسساتٍ مدنية تضمن تمتعهم بهذه الحقوق؛ لكنهم تخلوا عن حقهم في إدارة شؤونهم العامة لسلطة جديدة قامت برضائهم وقبولهم(سلطة الدولة)، وقد التزمت هذه السلطة بصيانة حقوقهم في الحياة والحرية والتملك؛ في المقابل التزم أفراد ذلك المجتمع المدني بطاعة تلك السلطة طالما التزمت بعناصر عقدها الاجتماعي معهم. وفي حال خروج هذه السلطة على الاتفاق تفقد كلَ أسسِِِِِ طاعتهم، ويصبح من حقهم البحث بكل الوسائل المتاحة عن سلطةٍ أكثر احتراماً لحقوقهم. ينسجم موقف (لوك) إلى حدٍ كبير مع موقفه المؤيد للثورة الإنكليزية عام 1688 ومع دفاعه عن مشروعيتها.
بينما كان{ هيجل } يرى أن المجتمع المدني في غياب الدولة هو مجتمع تسوده الفرقة والصراع والتمزق ويفتقد للوحدة. ورأى أيضاً أن المجتمع لا يتحقق له استقراره ووحدته إلا في وجود الدولة التي تخلع عليه طابَعاً أخلاقياً. وفي نظره أن الدولة هي العنصر الروحي الحقيقي في الحضارة، وأن المجتمع المدني يعتمد عليها حتى في قيامه بوظائفه الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. تنسجم رؤية هيجل للمجتمع المدني مع نظرته التقديسية للدولة البروسية في ذلك الحين، ومع تقييمه لأحوال المجتمع الألماني في بداية القرن الثامن عشر، الذي كان يفتقر للوحدة السياسية، ويعاني من التمزق والتشرذم والتخلف الاقتصادي إذا ما قورن بمجتمعات إنكلترا وفرنسا وهولندا آنذاك. فهنا يربط هيجل ويوازن بين وجود المجتمع المدني ووجود الدولة في آن.
أما{ ماركس } كانت نظرته مغايرة، فالمجتمع المدني بالنسبة إليه محايث للنظام الرأسمالي والطبقات القائمة فيه. وربط بين تشكل المجتمع المدني ونهوض البرجوازية؛ وأعطى للنظام البرجوازي دوراً تمدينياً تاريخياً وعالمياً وبرزت وجهة نظره هذه في البيان الشيوعي " لقد لعبت البرجوازية في التاريخ دوراً ثورياً للغاية ...ولقد جرَّت العالمَ كله إلى المدنية، وحتى أشدَّ الأمم همجية ".
ثم يأتي الماركسي المجدد { أنطونيو غرامشي } فيجعل من المجتمع المدني مجالَ تنافس الطبقات الاجتماعية على الهيمنة في المجتمع الرأسمالي، ويعطي لمؤسسات هذا المجتمع دوراً كبيراً في إكساب هذه الطبقات وعياً بالتضامن والوحدة. وفي رأيه أن المجتمع المدني يمكِّن الطبقة المسيطرة اقتصادياً من بسطِ هيمنةٍ اجتماعية مقبولةٍ من كافةِ أفراده سلمياً عن غير طريق العنف، وذلك عبر سعيها الدائم لجعل الاتحادات المهنية والنقابات العمالية والجمعيات الثقافية وحتى المؤسسات الدينية والاجتماعية في صفها. ولكن هذه الهيمنة تشرع في عملية انهيارها عندما تنجح الطبقات الخاضعة اقتصادياً في تطوير مؤسساتها المدنية الخاصة بواسطة مثقفيها العضويين، وحينما تقوم ببلورة هيمنتها المضادة التي يشي ظهورها بتحولٍ ثوري قادم في هذا المجتمع. وحينئذ لا يقتصر الأمر على انتقال أجهزة الدولة إلى ممثلي وحلفاء الطبقة الصاعدة، وإنما التغير الذي يطرأ على تركيب مؤسسات المجتمع المدني يؤثر إلى حدٍ كبير في تغيير القاعدة الاقتصادية في المجتمع(يركز هنا غرامشي على أهمية تأثير التغير السياسي على القاعدة الاقتصادية، ويتكلم أيضاً عن مجتمع مدني في الأنظمة التي تعقب الرأسمالية).
فكل وجهات النظر المختلفة هذه حايثت بين نشوء المجتمع المدني والتحول البرجوازي وقيام النظام الرأسمالي وتجاوز المرحلة الاقطاعية، والتحديث في أوربا والغرب عموماً.
-2-
طبعاً يمكننا الكلام على تغايرات وخصوصيات بالنسبة إلى شكل المجتمع المدني بين بلدٍ رأسمالي وآخر. إذ يرى بعضهم عوامل أخرى،غير القاعدة الاقتصادية، يمكن أن تلعب دورها في تحديد شكله مثل الدين والمذهب والثقافة والتقاليد؛ فيعتبرون على سبيل المثال أن المجتمعات الرأسمالية الكاثوليكية المتأثرة بالتراث الكهنوتي الهرمي البيروقراطي، قد أنتجت أنظمة سياسية أكثر مركزية، أثَّرت بشكلٍ أو بآخر على مدى استقلالية المؤسسات المدنية؛ في الوقت الذي كانت المجتمعات الرأسمالية البروتستانتية أكثر تحرراً ، وأجهزتها الحكومية أقل تدخلاً في نشاط المؤسسات غير الحكومية؛ ويشير بعض الكتاب إلى فروق واضحة في استقلاليتها وحريتها بين الولايات المتحدة وإنكلترا وكندا واستراليا وهولندا والدول الاسكندنافية من جهة، وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا ودول أوربا الشرقية وروسيا من جهة أخرى، ويؤكد (ادوار سعيد)على هذه الفروق الواضحة على مستوى البحث العلمي والجامعات والمدارس العليا.
وهذا التفريق لا يقلل من الدور الكبير للعلمنة التي انطلقت بكل زخمها مع الثورة الفرنسية ، والتي حدَّت كثيراً من البيروقراطية الهرمية الموروثة في المجتمعات اللاتينية. وأيضاً يعزو بعض الكتاب الآن للديانات والثقافات الآسيوية الشرقية(البوذية والطاوية والهندوسية) تأثيراً على شكل المجتمع المدني في البلدان الرأسمالية في شرق آسيا وجنوبها الشرقي (اليابان، تايوان، كوريا الجنوبية، الصين، فييتنام وتايلاند..)، ويشيرون في هذا السياق أيضاً إلى دور بارز للجاليات الصينية في التحولات الاقتصادية والمدنية في كلٍ من سنغافورة وماليزيا وأندونيسيا.
-3-
ومع انتقال الرأسمالية إلى مرحلة العولمة، راح شعار المجتمع المدني يطفو على السطح في كل المجتمعات غير الديموقراطية. وهذا ما رأيناه أولاً في بلدان أميركا اللاتينية، ومن ثم في أوربا الشرقية حين وصلت إلى اختناقها السياسي والاجتماعي الشاملين، ومنذ أكثر من عقدين، في بلدان الأطراف التي مازالت تعاني من تسلط الاستبداد الشرقي التاريخي(باستثناء الهند التي تمكنت مبكراً من بناء ديموقراطيتها ومجتمعها المدني).
في هذه البلدان غير الديموقراطية بما فيها بلداننا العربية، راح يأخذ مفهوم المجتمع المدني مضموناً سياسياً محوره الرئيس معارضة الاستبداد والانتقال من العلاقات الاجتماعية( شبه السلطانية) إلى العلاقات الاجتماعية المدنية، والتصدي لمسألة تغيير الدولة العربية الراهنة القائمة على محورين رئيسين هما :الاستبداد والنهب(سواء دولة العسكر "التقدمية"، أوالدولة الملكية "الرجعية").
فهذه الدولة العربية السائدة بنوعيها، لم تأخذ في اعتبارها إقامة أية حدود أو فصولٍ أو مسافات بينها وبين المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، إنما جعلت منها أجهزةً تابعةً لها، أو بالأحرى إقطاعاتٍ حقيقية.
فبوجود المؤسسات المدنية غير الحكومية الوسيطة بين الدولة والأفراد، يشعر المواطن بأنه لا يتعامل مع الدولة كفردٍ أعزل لا حول له ولا قوة، بل كمواطنٍ ينتمي إلى جماعة أو مؤسسة توفر له قدراً من الحماية وتكافؤ الفرص والشعورِ بالأمان. وفي الواقع كان لافتقاد الفرد هذا الشعور الدور الأساس في تفاقم الهجرة الداخلية للمواطنين: إلى أقوامهم وطوائفِهم ومذاهبهم وعشائرهم، وهجرتهم الخارجية: إلى بلاد الله الواسعة في أميركا وكندا وأستراليا ودول اسكاندينافيا وغيرها من البلدان الأوربية......
ورغم احتكار الدولة العربية لسلطة التشريع والتنفيذ والقضاء، و سيطرتها بالقوة على كل المؤسسات الاقتصادية والمدنية والأهلية، وامتلاكها للأجهزة الأمنية الضخمة الحديثة والمتطورة، فكل مظاهر هذه القوة لم تجعل منها دولة قوية وفاعلة، إنما بقيت قدرتها على تنفيذ القرارات والخطط في المجالين الاقتصادي والسياسي والدفاعي محدودة. وكانت تجليات فاعليتها على الدوام قمعية.
فدمج الدولة العربية للمؤسسات الأهلية القديمة التي كانت قائمة بأجهزتها قسرياً، و منعها تشكيل مؤسسات مدنيةٍ جديدة، كانا من أكثر العوامل التي أدت إلى إضعافها وهلهلتها(هي ذاتها). فإضعاف السياسة والمجتمع المدني والمعارضة السياسية أدى إلى انتفاء ديناميكية الإصلاح والتغيير الاجتماعي في البلدان العربية. وخطورة هذه الحالة من الاستنقاع والضعف والاستعصاء أنها تعرض الداخل موضوعياً للتدخل الخارجي. وهذا ما أدى إلى أن يكون على المسرح السياسي العربي الآن " مسألة شرقية جديدة " و" رجل مريض جديد "، وقد منحته الولايات المتحدة اسماً جديداً دعته (الشرق الأوسط الكبير).


-4-
تعرَّض ولا يزال مفهوم المجتمع المدني للكثيرِ من الهجومِ وشحذِ السكاكين من مثقفي دولة "الاستبداد والإقطاع شبه السلطاني" في العالم العربي خلال العقدين الماضيين فاعتبروه كالعادة ثقافة غربية مستوردة غريبة عن مجتمعاتنا وتقاليدنا وخصوصيتنا ؛ وفي الواقع فقد وجد هؤلاء في تأسيس المجتمع المدني تهديداً لمصالحهم ومنافعهم. وفي كثير من الأحيان لم يقتصر الهجوم على الموالين للسلطات الحاكمة، بل شمل حتى بعض التيارات المعارضة؛ منها إسلامية وقومية اعتبرته غزواً ثقافياً وبضاعة مستوردة، ومنها ماركسية اعتبرته سبةً رأسمالية.
ولكن السقوط النهائي للمقولات النظرية التي سادت لفترة طويلة الأمد مثل " تخطي المرحلة الوطنية الديموقراطية " و" بناء الاشتراكية في بلد واحد "، و" التطور اللارأسمالي"، و" الديموقراطية الشعبية "، جعل مفهوم المجتمع المدني يطفو على سطح الخطابين الفكري والسياسي في العالم العربي. وقد لعب أيضاً انسداد أفق التجارب الإسلامية في كل من إيران والسودان وأفغانستان دوراً لا يقل أهمية في هذا المجال.
ثم دخلت شعارات المجتمع المدني والديموقراطية والمشاركة السياسية في حالة انعطاف ؛ بعد 11 أيلول، واحتلال العراق، وإعلان المشروع الأمريكي لإصلاح (الشرق الأوسط الكبير)، وقد تجلى هذا الانعطاف في إعلان (وثيقة الاسكندرية) التي طرحت مشروعاً عربيا مفصلاً للإصلاح، و مواقف محددة حول أهمية المشاركة السياسية وتنشيط مؤسسات المجتمع المدني، ومن ثم في وثيقة(التحديث والتطوير والإصلاح) الصادرة عن القمة العربية الأخيرة في تونس، و في ورقة ثالثة جاءت من جانبٍ لم نكن في انتظاره، من وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في محاضرةٍ له حول (إصلاح البيت العربي)، ألقاها خلال مهرجان الجنادرية.
يركِّز سعود الفيصل في ورقته على أولوية السياسي في المجتمع فيقول:" كل إصلاح هو إصلاح سياسي تحديداً ". ولقد استغرقت محاضرته تقريباً مسألة غياب المشاركة السياسية في المجتمعات العربية؛ فأعطى لهذا الغياب الدور الأكبر في الانهيارات العربية المتواصلة. فيقول: "إن غياب المشاركة السياسية الفاعلة هو المفضي إلى توالي الأزمات، وهو المؤدي إلى تعميق التشوهات، وهو المسبب في فقدان القدرة على مواجهة التحديات؛ وبدون تطوير فعلي للمشاركة السياسية سيبقى العالم العربي يعيش في الماضي والتاريخ، وستخسر الأجيال القادمة رهان المشاركة في صنع المستقبل".
ثم يذهب سعود الفيصل في العمق ليبحث عن جذور وأسباب عدم المشاركة السياسية فيقول: " إن بعضاً من جذور غياب المشاركة السياسية الفعلية، إنما يقوم في نسيجنا الاجتماعي التاريخي، حيث يقوم صراع تاريخي بين قيم البداوة غير المستقرة وغير الخاضعة لسلطة سياسية، وبين قيم الحواضر المتباعدة المتناثرة في الصحاري الشاسعة والمعرضة للغزو". ثم يقول: "أما المجموعة الثانية من العوامل المؤثرة في ضعف المكون السياسي العربي فتتعلق بوجود روابط قوية تتجاوز الانتماء السياسي المباشر وتفوقه أهمية من الناحيتين النظرية والتطبيقية. فرابط الأمة الإسلامية يعلو نظرياً على مستوى الدولة السياسي، في حين نجد روابط العصبيات المحلية المجزأة أهم عملياً من روابط الممارسة السياسية على مستوى الدولة".
ثم يخلص المحاضر من هذه المقدمات ليقول: "وعلى هذا الأساس لم تكن الدولة في المجتمع العربي محور تكوين العلاقات الاجتماعية". ففي رأيه أن العلاقات الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية تجري (فوق) الدولة القائمة و(تحتها) وليس (عبرها)، وهو بذلك ينفي وجود الدولة عملياً؛ لأن الدولة التي لا تؤثر في العلاقات الاجتماعية السائدة لا يمكن تصور وجودها إلا صورياً وغيرَ فاعل. ثم يؤكد: " أن الدولة هي مسرح السياسة وغيابها يعني غياب العقل". يوحي هنا بهيجل الذي كان يعتبر الدولة عقل المجتمع وهو بالتالي يعتبر غياب هذا العقل أدى إلى غياب المجتمع المدني. وكثيراً ما أشار المرحوم ياسين الحافظ، في سياقات مختلفة، إلى عدم تكون الدولة في المجتمعات العربية، والكيانات القائمة كان يدعوها(تحت الدولة).
ثم يتابع سعود الفيصل فيقول: " نخلص من ذلك إلى الأهمية الحاسمة التي ينبغي أن نوليها لموضوع تطوير المشاركة السياسية في العالم العربي، فهذا السبيل الأمثل نحو البدء بتصحيح جذور الخلل العميق في حياتنا السياسية. فالوحدات السياسية العربية التي نعبر عنها بالدولة الوطنية، أو القطرية(لا ماقبلها ولا ما فوقها) هي واسطة العقد في أي محاولة لإصلاح البيت العربي باعتبارها المكان الفعلي للسياسة والمشاركة السياسية". فهو يدعو هنا كل قطر عربي عليه بذاته أولاً ويصلح نفسه لكي يصلح البيت العربي.
ثم يتكلم على شكل ومضمون المشاركة السياسية فيقول: " يجب أن تكون المشاركة السياسية في إطارٍ إصلاحي شامل وحقيقي لا مجرد تغيير شكلي لا يعتد به، ويجب أن تقترن "بالتنوير السياسي والتثقيف السياسي والتنشئة السياسية والمأسسة السياسية بحيث تتعمق الوطنية وتترسخ معانيها، وأن نملك الجرأة اللازمة لممارسة النقد الذاتي وإعادة النظر في ثقافتنا السياسية السائدة". وهذه دعوة صريحة إلى ضرورة إصلاح سياسي وإصلاح فكري معاً.
يتقدم المحاضر خطوة أخرى نحو مزيد من التحديد والتشخيص لمكامن الأزمة العربية الشاملة فيقول: "لابد أن يدرك الجميع أن الاستناد القديم إلى مجموعات صغرى تراوح بين القبيلة والعائلة والطائفة لتدبير شؤون الحياة لم يعد يصلح لمتطلبات العصر الحديث ومستجداته وظروفه".
ثم يتكلم حول "أوهامٍ ثلاث لا تزال رائجة عن بعض العرب" يمكن أن تشكل تهديداً وإجهاضاً لمطلب المشاركة السياسية الذي يأخذ الأولوية الآن في مسألة الإصلاح العربي :
1- " الوهم الأول يتعلق بالخطابات المتكررة التي دأبنا على الاستماع إليها في عالمنا العربي والتي تدعو إلى تأجيل المشاركة السياسية بحجة العدوان الخارجي وأولوية متطلبات تحرير الأرض من محتليها واستعادة الحدود من غاصبيها؛ في حين تؤكد جميع التجارب التاريخية والمعاصرة أن المشاركة الشعبية هي التي تعزز القدرة على مواجهات التحديات الخارجية والمطامع الأجنبية. ولقد كان الثمن الذي دفعناه من جراء خطأ هذا الوهم ثمناً باهظاً، فلا الشعوب شاركتْ، ولا الحقوق استعيدتْ ولا التنمية تحققتْ ".
2- أما الوهم الثاني فهو الزعم بان المشاركة السياسية تتعارض مع مفاهيم الإسلام وقيمه؛ يرى الفيصل هنا غير ذلك فيقول: " أن قيم الإسلام الخالدة تدعو إلى الشورى والعدل والمساواة دون تحديدٍ مسبق للآليات التفصيلية التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، لكنها جميعاً قيم يرتبط تحقيقها الفعلي في المجتمعات الحديثة بتطور المشاركة السياسية الفاعلة".
3- أما الوهم الثالث فيتعلق بالمشاركة السياسية (الصورية والمظهرية) فيتكلم الفيصل في هذا الإطار على عدم الجدوى من " انتخابات شكلية لمجالس لا تتمتع بصلاحيات فعلية" ويؤكد "أن المشاركة السياسية الحقيقية تتطلب تعميقاً للحريات الفكرية والإعلامية، وحفظاً للحقوق الفردية وحقوق الأقليات، وتأسيساً للمجتمع المدني الوطني المتجاوز للعصبيات المحلية والقبلية والطائفية".
وفي نهاية ورقته يربط الفيصل بين المشاركة السياسية والتطورات المتسارعة في العالم، في مجالات الاتصالات والمعلوماتية والعولمة الاقتصادية والفكرية، فيؤكد على ضرورة الاعتراف بتأثير الثقافة العالمية السائدة وبمشروعية التثاقف بين الشعوب وتطور مجالات عمل المجتمع المدني.
في الواقع تشكل ورقة سعود الفيصل مؤشراً سياسياً تغييرياً لا يمكن عدم أخذه بالاعتبار. فهي تحوي تحديداتٍ واضحة وصريحة، وتحمل في طياتها روحاً نقدية عالية وقيماً معرفية مرموقة ، وتكتسب أهمية إضافية لكونها صادرة من رمز مشارك في السلطة السعودية، في الوقت الذي كان المرء يتوقع أن يصدر مثل هذا النقد من وزيرٍ في دولة من الدول التي كانت تصنف قبل حقبة قصيرة من الزمن بالدول(التقدمية).
-5-
وإذا كان مفهوم المجتمع المدني قد بدأ يوطد أقدامه في عالمنا العربي، فهذا يعود لعوامل داخلية ولعوامل دولية أيضاً، فلم يعد مفهوماً غربياً مستوردا حتى في نظر بعض الأوساط السلطوية العربية.... وفيما توطد الرأسمالية كوكبتها على قدم وساق ، بات من الغريب أن يبقى المجتمع المدني بعيداً عن العولمية.
فهذا ما جرى في ماليزيا وكوريا الجنوبية والفيليبين وتايوان وتايلاند وسنغافورة، وما يجري الآن في تركيا واندونيسيا والصين وفييتنام وروسيا وكازاخستان وغيرها من البلدان التي ودعت شموليتها وأوهامها الإيديولوجية حول إمكانية تخطي الحقبة البرجوازية الديموقراطية...
في اعتقادي أن النظم العربية الحاكمة بنوعيها، تعيش في الحقبة الراهنة تناقضاً تاريخيا، حينما تحاول من خلفية تقاليد حكم سلطانية موروثة ومن أفكار ماضوية، بناءَ نظام رأسماليٍ دون مجتمع مدني.
ومن هذه الفكرة بالذات يمكن اعتبار بناء الديموقراطية وتأسيس المجتمع المدني محور حل الأزمة العربية الراهنة. من هذا المنطلق فالمسألة العربية الآن، هي أعمق من الغوص في تيه ثنائية جديدة تجتاح الفكر العربي: إصلاح من الداخل أم إصلاح من الخارج؟..وهنا من المشروع التساؤل؟.. فأي حدثٍ تاريخي له سمة تغييرية استراتيجية لم يتأثر بمحصلة عواملَ داخلية وخارجية؟
والمفارقة التاريخية الآن تكمن في أن الشعوب العربية تناضل من أجل الديموقراطية والمجتمع المدني وتتوق لنظامٍٍ أكثرَ عدلاً وأقلَ نهباً؛ وفي آن تعمل دول المركز الرأسمالي لقيام المجتمع المدني في هذه المنطقة من منطلق أنه يمنحها حرية الاستثمار واستكمال العولمة، ومن خلفية أنه يلعب دورا رئيساً في القضاء على ظاهرة الإرهاب، ويخفف إلى حدٍ كبير من هجرات شعوب هذه المنطقة التي صارت تشكل أعباءً ومصاعب ومخاطر هائلة على استقرار هذه الدول.
ويدخل على خط هذه المفارقة وصيرورتها عاملان خارجيان مختلفان في استراتيجيتهما لكنهما غير متناحرين:
1- المحور الأمريكي الذي يريد بناء المجتمع المدني في هذه المنطقة بالقوة العسكرية والاحتلال والسيطرة والروح الامبراطورية (بذريعة القضاء على أسلحة التدمير الشامل والإرهاب).
2- المحور الأوربي الذي يدعو إلى إقامة مجتمع مدني في هذه المنطقة، ولكن عبر الحوار والوسائل السلمية والتعاون(انطلاقاً من إعلان برشلونة واتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوربي وموقف متوازن إزاء الصراع العربي الإسرائيلي).
طبعاً لصالح العرب التعامل مع استراتيجية المحور الثاني، ولكن ما يجب أخذه بالاعتبار، هو عدم مراهنة العرب على أوهام حول خلافات استراتيجية تناحرية بين الطرفين الأمريكي والأوربي، ويجب أن يبقى معلوماً أن بناء المجتمع المدني في هذه المنطقة سيشكل لفترة طويلة الشريط الذي لا ينقطع بين أمريكا وأوربا وكلاهما لهما مصلحة في تحقيقه لمواصلة مسيرة العولمة وخدمة مصالحهما. وهذا ما تجلى بوضوح في مؤتمر الدول الثمانية الأخير في ولاية جيورجيا الأمريكية..
ربما يعيدنا الصراع الدولي الراهن على منطقتنا إلى ماركس، وإلى مسألة استكمال النظام الرأسمالي لعالميته، واستنباط الحلول لتناقضاته، وليس إلى هنتنغتون وصراع الحضارات كما يعتقد المسيحيون المتعصبون في أمريكا، والمسلمون المتعصبون في الساحتين العربية والإسلامية، و الصهاينة الذين يحلمون بدولة يهودية صافية.
ربما من أكثر الدول الإقليمية التي استوعبت هذه المعادلة هي تركيا التي يحكمها الآن ذوو نزعة إسلامية إصلاحية وقومية معتدلة، لذلك فهم ضمن هذا الفهم الاستراتيجي التاريخي يندفعون بخطى متسارعة لتكريس المجتمع المدني في بلادهم للالتحاق بأوربا، عبر تفاهم غير معهود بين حزب إسلامي وجنرالات الجيش. وضمن هذه الاستراتيجية فقد تم مؤخراً (الإفراج عن المناضلين المعتدلين من القوميين الأكراد، والسماح باستخدام اللغة الكردية في المجالات الثقافية والإعلامية والإقلاع عن استخدام مقولة أتراك الجبل، وبذل أقصى الجهود لحل القضية القبرصية، وكذلك إلغاء عقوبة الإعدام....إلخ ).
لذلك فالخيار في العالم العربي الآن ليس بين الرأسمالية والاشتراكية، إنما بين البقاء في ظل نظام شبه سلطاني يعيد إنتاجه على الاستبداد والنهب، ونظام وطني ديموقراطي أكثر مدنية وتقدماً وعدالة.
-6-
أمست المرحلة التاريخية الراهنة تتطلب إعادةَ نظرٍ جوهرية في الخطاب السياسي العربي. فأرى أن الخطاب العربي القومي السابق حول الدولة القومية أو الدولة- الأمة، لم يعد يتلاءم مع واقع المرحلة التاريخية الراهنة، وهو ينحسر يوماً عن يوم لصالح "دولة المواطنة" بين متغايرين ومتنوعين.
وأرى أن الخطاب العربي الماركسي الذي بقي مأسوراً لحقبة طويلة من الزمن لفكر "بناء الاشتراكية في بلد واحد"، وحكم "الحزب القائد"، ومقولة " الديموقراطية الشعبية" قد أمسى في ذمة التاريخ لصالح نضال اشتراكي ديموقراطي على المستويين المحلي والعالمي.
وكذلك أرى أن الخطاب العربي الإسلامي القائم على مبادئ الحاكمية، وولاية الفقيه، والدولة الدينية، يصطدم بالواقع التاريخي الراهن وهذا ما أكدته التطورات السياسية في كل من إيران وباكستان والسودان وأفغانستان والسعودية.
ويجب أن يؤخذ بالاعتبار أن تأسيس المجتمع المدني في العالمين العربي والإسلامي سيعيد لهما دوراً عالمياً مرموقا وفاعلاً. وتدخل شعوب المنطقة في حقبة نضال أرحب وأوسع، وهو النضال الديموقراطي العالمي ضد الوجه الظالم والوحشي للعولمة.
في كل الأحوال، لا يتناقض نضال شعوبنا العربية من أجل الديموقراطية والمجتمع المدني مع النضال ضد العدوان والاحتلال، على الرغم من كون تأسيس المجتمع المدني في منطقتنا يحقق مصلحة محلية وعالمية في آن، فهذه من تعقيدات ومفارقات التاريخ. ولماذا نذهب بعيداً فبريطانيا احتلت الهند لنهبها واستعمارها؛ ولكن الشعوب الهندية استطاعت، رغم لغاتها ومذاهبها الدينية المختلفة وعبر مقاومة الاحتلال عشرات السنين، بناء وحدتها ومجتمعها المدني وديموقراطيتها.....

دمشق-10-8-2004





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- شذرات من - المقامةِ البربرية
- إلى أيلول
- يوم مشهود من أيام أبي نرجس
- حمدي الروماني
- التقيتهما مرة واحدة
- حول التداخل بيت المقاومة والإرهاب
- جودت الهاشمي
- الشعوب العربية من نير الإقطاع السلطاني إلى نير الإقطاع الشمو ...
- خيوط القمة العربية أوهى من الكلام على الإصلاح
- قصيدة :دموع ليست من ماء
- مقاربة حول الديموقراطية في العالم العربي
- الأعمدة الزانية
- قصائد صغيرة
- رسالة إلى المهندس المعماري الفنان رفعت الجادرجي
- همسة في واد
- دوافع أوربا والولايات المتحدة من الإصلاح في العالم العربي
- عرس المطر
- الطوفان الرمادي
- طبق القش
- شجرةٌ من جبالِ قَلْمونْ


المزيد.....




- أمين عام عصائب الحق: نرفض سياسة التكريد كما رفضنا التعريب بن ...
- بعد معركة الرقة.. أين اختفى البغدادي؟
- اشتباكات بين القوات العراقية والبيشمركة عند طريق كركوك-أربيل ...
- اكتشاف تمثال خشبي عمره آلاف السنين في مصر
- بوش ينتقد ترامب ضمنيا ويندد بـ -التنمر والاضطهاد- في عهده
- كلمة لافروف في مؤتمر حظر الانتشار النووي
- القوات التركية تنشئ أول نقطة مراقبة في إدلب
- واشنطن تتهم حرس الثورة الإيراني بالاتجار بالمخدرات من أفغانس ...
- "قضية واينستين": شرطة لوس أنجليس تحقق في مزاعم اعت ...
- بغداد تنتقد الاتفاق بين حكومة كردستان و"روسنفت" ال ...


المزيد.....

- القصور والعجز الذاتي في أحزاب وفصائل اليسار العربي ... دعوة ... / غازي الصوراني
- اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العا ... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت - نقولا الزهر - المجتمع المدني من جون لوك إلى الأمير سعود الفيصل