أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - السماح عبد الله ومحاورة المألوف ، د. علي عشري زايد















المزيد.....



السماح عبد الله ومحاورة المألوف ، د. علي عشري زايد


السمّاح عبد الله

الحوار المتمدن-العدد: 3158 - 2010 / 10 / 18 - 02:43
المحور: الادب والفن
    


السماح عبد الله ومحاورة المألوف
بقلم الدكتور علي عشري زايد


السماح عبد الله صاحب هذه المجموعة، غصن من دوحة شعرية باسق؛ أصلها الأب عبد الله الأنور، شاعر كلاسيكي أصيل عازف عن الشهرة، ضنين بنشر شعره الرصين رغم توافر الفرص التي تضمن له مكانا بارزا على خريطة شعرنا المحافظ الأصيل، أما غصون هذه الدوحة فهم أبناؤه فولاذ ومشهور والسماح وأوفى، الذين احتلوا مواقعهم بجدارة على خريطة شعرنا الحديث، على تنوع اجتهاداتهم ومشاريعهم الشعرية .

ويمتلك السماح من الوسائل الفنية الحقيقة ما لا يمتلكه الكثير من أبناء جيله، وما يؤهله لأن يحتل بجادرة موقعا بارزا على خريطتنا الشعرية، لا يتيسر للكثير من أقرانه الذين يملئون الدنيا طنينا ويحاولون – بطرق غير مشروعة فنيا – أن يفرضوا أنفسهم على واقعنا الأدبي .

السماح يمتلك اللغة الشعرية الناصعة الطيعة، ويمتلك الخيال الشعري النشيط القادر على ابتكار الصور والرموز البارعة وتوظيف كل آليات التشكيل الشعري المبدعة، ويمتلك الإحساس الموسيقي المرهف، ويمتلك القدرة على احتضان الهموم العامة وتحويلها إلى هموم شديدة الخصوصية وتأملها بعمق وإخلاص حتى تتحول إلى رؤية شعرية متفردة، ويمتلك الحس التراثي اليقظ الذي يستوعب التراث ويحاول أن يتجاوزه ويكمله إدراكاً منه أن التراث الحي حوار دائم بين الحاضر والماضي، وأن الحاضر الذي لا جذور له حاضر هش لا يستطيع أن يتماسك أمام أي رياح تعصف به وتذروه هشيما .

يمتلك السماح عبد الله كل هذه الأدوات والوسائل التي هي عدة كل شاعر حقيقي أصيل .

والمجموعة التي بين أيدينا هي المجموعة الرابعة للسماح، حيث سبقتها ثلاث مجموعات هي على الترتيب: خديجة بنت الضحى الوسيع 1988، مكابدات سيد المتعبين 1992 ، الواحدون 1998 بالإضافة إلى مجموعة شعرية للأطفال بعنوان "شجرة الأسبوع" .

وعلى الرغم من التطور الدائم في شعر السماح رؤية ولغة وتصويرا، فإن ثمة مجموعة من الثوابت – بعضها إيجابي وبعضها سلبي – ظلت تلازم شعر الشاعر من بدايته الأولى إلى هذه المجموعة .

وأول هذه الثوابت الإيجابية هو ولاء الشاعر لتراثه الشعري وحواره الحميم معه منذ أقدم عصوره إلى آخر تياراته الأصيلة، ويلفت نظرنا في هذه المجموعة تلك الطريقة البارعة التي عبر بها منذ البداية عن علاقته الحميمة بهذا التراث، حيث وضع رؤيته في المجموعة كلها في حضن قوسين حانيين من التراث، تعبيرا عن أن مغامرته الشعرية تتخلق في رحم هذا التراث الممتد عبر القرون، وتنمو وتكتمل في حضنه؛ حيث يبدأ المجموعة ببيت لأبي العلاء المعري:

مهجتي ضدُ يحاربني أنا مني كيف أحترسُ

وهو لا يبدأ بهذا البيت باعتباره اقتباسا خارجيا ومولجاً من الموالج التي يمكن أن تهدي القارئ إلى رؤية الشاعر في الديوان، بل إنه يبدأ به باعتباره جزءا أساسيا من أجزاء هذه الرؤية، حيث يعطيه عنوانا خاصا ينتمي إلى عناوين المجموعة "بدء القول" فهو يعتبره من مكونات الرؤية في المجموعة بنص آخر من تراثنا الشعري الحديث للشاعر محمد عفيفي مطر، وهو يفعل بهذا النص ما فعله بالنص الأول؛ حيث لا يتعامل معه باعتباره كيانا واقعا خارج إطار رؤيته الخاصة، بل يورده مكوناً أصيلا من مكونات هذه الرؤية يحمل عنوانا ينتمي إلى بنائها الخاص "خاتمة القول" .

ونحن ندرك قيمة هذا السلوك من السماح حيال التراث حين نقرر أن الشاعر فعل هذا في الوقت الذي يدير فيه الكثير من أقرانه من مدعي الحداثة ظهورهم إلى التراث معلنين رفضهم له ابتداء بأقدم جيل من أجياله وانتهاء بآخر جيل يسبقهم من الحداثيين الحقيقيين، مدعين أن الشعر العربي يبدأ وينتهي بهم . وفي إطار هذين القوسين الحانيين اللذين يؤطران رؤية السماح في هذه المجموعة يصول الشاعر ويجول محاورا لهذا التراث، منطلقا منه متجاوزا له، متفاهما معه، مؤكداً ما سبق أن أكده إليوت من قبل من "أن خير ما فعله الشاعر، وأكثر أجزاء هذا العمل فردية هي تلك التي يثبت فيها أجداده الموتى خلودهم" .

ويبرهن السماح على تفوقه وسيطرته على كنوز التراث وثراء ما يمنحه من عطاء وفير موظفا هذا التراث ذاته، وذلك حين يقول في أول قصيدة في المجموعة بعد "بدء القول" وهي القصيدة التي تحمل عنوان "تهيئة":

العطايا الكثيرة ملء الكفوف
والزرابيْ مبسوطة للضيوف
والعناقيد ناضجة تتدلى
، مواتية من شقوق السقوف
فتصدر مكانك
، أنت الجميليْ ذو الألق الحلو
، بين الصفوف .

فالأبيات تصور في براعة فيض عطاء الشاعر الذي يمنحه في سماحة للطالبين وتعتمد – من بين ما تعتمد عليه – على تلك العبارة "الزرابي المبسوطة" التي تحمل أصداء تراثية مباركة من الزرابي المبثوثة في سورة الغاشية .

وهذا الاعتزاز بالموروث والاستدعاء له ليس حلية شكلية خارجية يزين بها السماح بناء قصيدته، وإنما هو إرادة جوهرية أصلية من الأدوات التي يشكل بها رؤيته الشعرية ويخضعها لمنطلق هذه الرؤية بحيث تصبح لبنة أساسية في بناء قصيدته، وهو لا يستخدم العناصر التي يسترفدها التراث على الصورة التي وردت بها في التراث ضرورة، بل إنه كثيرا ما يتحاور معها ويتمرد عليها ويستولدها دلالات مناقضة لدلالاتها التراثية؛ ففي ثانية قصائد المجموعة "ملاحقة" يوظف الشاعر ثلاثة عناصر تراثية هي: شخصية صلاح الدين الأيوبي، وشخصية السهروردي المقتول، الفيلسوف الإشراقي الذي اتهم بالزندقة وقتل بقلعة حلب، ثم تلك العبارة الشهيرة التي قالها هارون الرشيد عندما رأى سحابة محملة بالمطر تتجاوز عاصمة ملكه دون بأن تمطر، فقال لها: أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك .

والشاعر يوظف كل هذه العناصر لا ليعبر عن الدلالات القريبة التي ارتبط بها في التراث من سعة رقعة الدولة الإسلامية حتى إن أيه سحابة تمطر في أية بقعة من الأرض فسوف يرد خراجها إلى بيت مال المسلمين، ومن مثل ارتباط اسم صلاح الدين بالعزة الإسلامية والنصر والفتوح – لم يوظف الشاعر هذه العناصر التي استدعاها بتلك الدلالات التي ارتبطت بها في التراث، وإنما وظف كل هذه المعطيات ليعبر من خلالها عن ملاحقة الحكام للمخالفين، وتنكيلهم بهم، وهذه الدلالة تطالعنا من عنوان القصيدة "ملاحقة" الذي يمثل إشارة إلى الاتجاه الدلالي للقصيدة . وعلى الرغم من أننا نرى أن الشاعر لم يحالفه التوفيق في اختيار العناصر التراثية التي وظفها، لأن الشاعر في عملية التوظيف ينطلق من الدلالة التراثية للعنصر الموظف سواء تبنى هذه الدلالة أم رفضها، ولكنه في حالتي الرفض والقبول مطالب بتشكيل العناصر المستدعاة في بناء فني مقنع للمتلقي، وهذا ما لم يفعله الشاعر فليس صلاح الدين الأيوبي بأنسب الشخصيات التراثية للتعبير عن الحاكم الطاغية، ولا السهروردي بأنسبها للتعبير عن صاحب الرأي المخالف المضطهد، كما لم يلجأ الشاعر إلى تبرير توظيفه لهذين المعطيين على النمو الذي وظفها عليه بلجوئه إلى أسلوب مثل أسلوب المفارقة مثلا الذي يتيح للشاعر استخدام العنصر الموظف في دلالته العكسية .

أقول: على الرغم من هذا كله فإن صنيع الشاعر يدل على أن علاقته بموروثه ليست علاقة الخضوع والتلاشي، وإنما هي علاقة الحوار والتجاوز والمشاكسة، وكل هذه علاقات مطلوبة تدل على حيوية هذا التراس وعلى إيجابية الشاعر معاً، شريطة أن تتم ممارسة هذه العلاقات في إطار اعتزاز الشاعر بالتراث، وحرصه عليه، وهذا ما يتوافر في مغامرة السماح عبد الله .

والحوار مع الموروث مدخل أساسي من مداخل الولوج إلى صميم مغامرة السماح في هذا الديوان، وهو لا يدع مصدراً من مصادر التراث دون أن يمتاح منه، ولا يدع تكنيكا من تكنيكات التعامل مع هذا الموروث دون أن يستخدمه .

في قصيدة "صورة لحامل القصيد" يمتاح الشاعر من موروثه الفولكلوري ممثلا في أبطال السير الشعبية: أبي زيد الهلالي، وعنترة، بن شداد، وحمزة البهلوان، وسيف بن ذي يزن وغيرهم، إنهم يملكون أسلحتهم: سيوفهم، سوى استدعاء هؤلاء الأبطال من أعماق التراث . ولكن حنجرته مشرخة والعين داهمها النعاس، ومع ذلك فهو يقاوم الظروف التي تحاصره بمواتها وخمودها ويشاكسها ويرفض أن ينكسر أمامها أو يخضع، ولكننا لا نعدم أن نلمح بين الفينة والفينة لحظات انكسار عابرة، وظلال إحباط كابية تظلل آفاق رؤيته .

في قصيدة "وهم" تطالعنا لحظة من هذه اللحظات يعبر فيها عن عبثية جهوده ولا جدواها، حيث يحاول أن ينقل البحر بكوب بقدر حجم الكف، وأن يزوق الأفق بأسراب الحمام، ولكن الصدى اليائس يأتيه من خلال صوت الآخر:

ألم يقل لك قائل في هذه الطريق
، إنها خرابة
وليس في امتدادها سوى الرمال والهجير
، والرمال والهجير
، الوقت خالب
، وثمة الرمال والهجير .

والسماح يعبر عن لحظة الانكسار هذه من خلال تناص لا واع مع أبيات أمل دنقل في "كلمات سبارتاكوس الأخيرة":

وربما يمر في بلادنا الصيف الخطر
فتقطع الصحراء باحثا عن الظلال
فلا ترى سوى الهجير والرمال والهجير والرمال .

وعلى أية حال فإن أمل دنقل أحد المصادر الروحية والفنية التي يستلهمها الشاعر كثيرا بوعي وبلا وعي .

ولكن هذا الانكسار كثيرا ما يجد في أعماقه بذور التمرد عليه، بحيث يأخذ التعبير عنه صورة رفضه وإدانته، كما في قصيدة "سلام" التي يأخذ فيها الاستسلام صورة السلام، ويأخذ التعبير عنه صورة إدانته والخجل منه:

اليوم صالحت عدوي
أكلت من طعامه
، وشربت ماءه
، وأسندت إلى الجدار بندقيتي
وكنت كلما مررت في الطريق
، في رواحي أو غدوي
ورأيت رايتي كمزقة من القماش
، فيها نقط من دم أجدادي
، وسمعت صوتي في المدى
، أقوله ولا يدوي
ينكسر الهواء في أصابعي
، وينهض الملح الثقيل في فمي
، وينكرونني
، أبي
، وإخواتي .

فعلى الرغم من أن القصيدة – وقد أوردناها كاملة – تصور لحظة انكسار فادحة وهي لحظة الاستسلام والخضوع للعدو، وقد أخذ هذا الاستسلام صورا عدة:

الأكل من طعام العدو، الشرب من مائه، إلقاء السلاح (إسناد البندقية للحائط)، سقوط الراية التي أصبحت كمزقة من القماش لا تزدان بنقط من دماء الشهداء من الأجداد، ضياع الصوت في المدى دون أن يكون له دويْه المألوف، كل هذه صور بائسة للاستسلام الذي يأخذ عنوان السلام، وهذه الصور في ذاتها تحمل دلالة رفضها، هذه الدلالة التي يؤكدها الشاعر في البيت الأخير، حيث ينكسر الهواء بين أصابعه، ويمتلئ فمه بطعم الملح الثقيل، وينكره أقرب الناس إليه: أبوه وإخوته ... وهو يستعمل في هذا، التأكيد، لإدانة الخضوع للعدو صيغة المضارع بما تفيده من تجدد وحيوية، فهذا الرفض متجدد أبدا، وهذه الإدانة للأستسلام مستمرة، في حين استخدم في تصويره لمظاهر الخضوع الفعل الماضي بكل ما يوحي به من ركود وجمود .

رؤية السماح في الديوان لا تمنح ذاتها ولا تفضح عن مكنونها بسهولة، وتظل تراوغ القارئ وتتفلق منه حتى تطمئن إلى صدق إخلاصه في اسكتناه هذا المكنون، وهي في كل الأحوال تمنحه من أسرارها بمقدار ما يبذل في الغوص عن هذه الأسرار من جهد، فقد يخرج قارئ وليس في يديه من هذه الرؤية سوى قشرتها الخارجية، أو في أفضل الأحوال الطبقات السطحية من هذه الرؤية، وأحيانا لا تكون أسرار الرؤية قد تبلورت للشاعر ذاته وأحيانا، وكثيرا ما تصادفها مثل هذه الؤى من شعر السماح، ولكنها في كل تفتح أمام القارئ آفاقا متعددة للكشف والمغامرة، وتمنح المتلقين مستويات دلالية متفاوته .

في قصيدة " عن الأشياء نفسها" قد لا يخرج قارئ بأكثر من القشرة الخارجية المتمثلة في الدلالات المباشرة لمكونات الرؤية؛ موقد الصلصال، والرجال الذين يتجمعون حوله كل ليلة يتجادلون ويتشاجرون ويتصالحون حول الأشياء ذاتها، والموضوعات التافهة التي يتجادلون حولها ويختلفون ثم يتفقون؛ التبغ والنساء والمغامرات، والكائن الصلصالي الذي يصنعه أولئك الرجال الفارغون .. إلى آخر هذه المكونات ودلالاتها العمة التي قد لا يدرك مثل هذا القارئ الذي أشرنا إليه علاقات بينها .

تحت هذه القشرة الخارجية يمكن للقارئ الأكثر إخلاصا أن يكتشف مستوى دلاليا آخر – وهو واحد من عدة مستويات ينم عنها بناء القصيدة، ولعله أوضح مستوياتها غير المباشرة – وهو إدانة سلبية هذه النوعية من الرجال ومواتها فكل الصور التي قدمهم من خلالها تنضج مواتا وسلبية وخواء، وقد يلتقط قارئ آخر ومضة دلالية أخرى تعمق هذا المستوى الدلالي، وهي تصويره للإيجابية الهادرة في الجماد حيث "يشتد جمر النار ويطقطق الهواء في حواف موقد المسامرات" في مقابل موات هؤلاء الأحياء وسلبيتهم المتجسدة في الثرثرة العابثة اللامجدية، وقد يلتقط قارئ ثالث لمحة دلالية أخرى تصل بالدلالة السلبية إلى مداها، وهي حرص هؤلاء الرجال التافهين على وأد العمل الإيجابي الوحيد الذي قاموا به على امتداد القصيدة وهو إبداعهم لرجل الصلصال وتعليمهم له الأشياء والسير:

وعندما يبعد عن جلستهم مسافة الطريق كلها
ويكون واحدا مستويا في الطرف الآخر
ويكون لا يزال فرحا
، بالرعشة الأولى
يبتدئ الرجال يسحبون باسمين شركا
، يمتد بين أول الطريق
، والنهاية المؤجلة
ويطبقون رجلا بكامله
ليعود صلصالا بدائيا في موقد المسامرات
، كي يلتف حوله الرجال
يثرثرون كل ليلة
، عن الأشياء نفسها .

وقد يفطن قارئ رابع أوسع ثقافة إلى استلهام الشاعر للتراث الديني المتصل بقصة الخلق الأول لآدم عليه السلام ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون ) سورة الحجر الآية 26، والآيات الكريمة الأخرى التي تحكي قصة خلق آدم عليه السلام .

ويمكن بعد هذا كله لقراء آخرين أن يستشفوا دلالات أخرى من القصيدة، وهذا شأن الرؤية الشعرية الثرية التي تعطي كل قارئ من آفاقها الدلالية بمقدار ما يعطيها من إخلاص، وتمنحه من أسرارها الفنية بمقدار ما يبذل في اكتشاف هذه الأسرار من جهد .

وكما تنوعت مستويات الرؤية الشعرية في مجموعة السماح تنوعت وسائل تجسيدها وضوحا وغموضا، ولعله من فضول الكلام تكرار تلك المقولة الساذجة من استحالة الفصل بين الرؤية الشعرية، التي ينبغي أن نؤكد هنا أننا لا نقصد المعاني الأولية الغفل التي كان يعنيها الجاحظ حين تحدث عن المعاني المطروحة في الطريق، وإنما نقصد بها المعاني الشعرية – أو الأدبية عموما – التي تعني تلك المعاني الغفل بعد أن يتأملها الشاعر ويتمثلها من وجهة نظره الخاصة بحيث تغدو معاني خاصة بها، وإذا ما نظرنا إلى العمل الأدبي من الزاوية الفنية فإننا ننظر إليه من ناحية الرسائل والآليات الفنية التي يوظفها الأديب في تجسيد رؤيته الشعرية، أو بعبارة أخرى في تحويل المعنى العام الغفل إلى معنى أدبي فني، وهذا مرة أخرى ما عاناه الجاحظ حين قال: "إن الشعر صياغة" .

ونود أن نضيف إلى المدخل السابق إلى عالم التشكيل الفني للرؤية الشعرية في المجموعة مدخلا آخر ينطلق مما سبق أن قررناه من أن السماح يمتلك كل الوسائل الحقيقية التي تصنع منه شاعرا مرموقا لا يحتاج إلى اللجوء إلى ما يلجأ إليه معظم أبناء جيله من شعوذات تعبيرية يحالون أن يستروا فقد موهبتهم الشعرية، ومع ذلك نجده يلجأ أحيانا إلى بعض هذه الشعوذات التي ليس لها أي عائد فني أو دلالي يبرر اللجوء إليها فما عذر السماح وهو يمتلك الأدوات الشعرية الحقيقية التي تمكنه – لو أنه أخلص لها – أن يحتل مكانة لا يستطيع أن يطمح إليها – مجرد طموح – معظم أبناء جيله .

وهذه الشعوذات لا تمثل أكثر من جرى مجاني وراء مخالفة المألوف لمجرد مخالفته، بل إننا نستطيع أن نضع القضية وضعا معاكسا، فنقول إنه جري وراء ما أصبح مألوفا ومبتذلا من متشاعرين لا يمتلكون ما يمتلكه السماح من أدوات السيطرة على آليات عملية الإبداع الشعري وأسرارها . ولا شك أن التفرد الحق – وهو هدف كل شاعر – يتمثل في قدرة الشاعر على إبداع غير المألوف من خلال توظيفه للآليات الفنية المألوفة للجنس الذي يبدع في إطاره .

وسنشير من خلال تعرضنا لبعض جوانب التشكيل الفني في قصائد هذه المجموعة لبعض ما انساق وراءه السماح من لجوء إلى بعض هذه الشعوذات .

وأول ما يلفت نظر القارئ في هذه المجموعة أن الشاعر جعل عنوانها أقدم قصائدها تاريخا – الرجل بالغليون في مشهده الأخير – وهي قصيدة مؤرخة في أكتوبر 1981، وأقدم قصيدة بعدها – عزف – مؤرخة في نوفمبر 81، أي بعدها بشهر، ولا شك أن احتيار الشاعر لعنوان إحدى قصائد المجموعة ليكون عنوانا على المجموعة كلها يحمل دلالة ما، فهل معنى اختيار السماح لعنوان أقدم قصائد المجموعة ليكون عنوانا على المجموعة كلها أنه يرى – ربما بدون وعي – أن نتاجه القديم أدق تعبيرا عن رؤيته – على الأقل في هذه المجموعة – من نتاجه الحديث؟

إنه سؤال نطرحه ولا نتطوع بالإجابة عليه .

والقصيدة التي حملت المجموعة عنوانها نوع من القصائد الموجزة الشديدة التركيز التي تماثل – في إيجازها وتكثيف اللغة فيها وثرائها بالدلالات – ما عرف في أدبنا القديم باسم جنس التوقيع، أو لعلها أكثر شبها بما عرف في الآداب الغربية باسم الإبيجراما، وهو جنس أدبي – شعري في الغالب – يتميز بالإيجاز الشديد والثراء الدلالي – وقصيدة "الرجل بالغليون في مشهده الأخير" تتألف من أربعة أبيات:

واقف مثل تمثال ثلج
والرعايا يظنونه حجرا
، كلما مر قدامه واحد ظنه يتيبس
، أو يتلبس – زيفا – رداء الحريق الذي يتوهج
غير أن الذين أتوا في المواعيد
، والناس قاعدة تتفرج
صوبوا في اتجاه تجمده شمسة فتداعى
، كما يتداعى ابن آدم حين يغافله وقته
، وهو في زيه المبتهج .

وهذه القصيدة الإيبجراما تثير بعض ما أشرنا إليه فيما سبق من لجوء السماح أحيانا إلى بعض ما يلجأ إليه غير الموهوبين من أبناء جيله من إغراب وشعوذات بقصد لفت الأنظار إلى ما يكتبونه على الرغم من أنه في غنى عن اللجوء إلى مثل هذه الأساليب لأنه يمتلك من وسائل الوصول الحقيقية إلى المتلقي ما يجذب إليه كل محب للشعر وباحث عنه .

وأول ما نود الإشارة إليه هنا من هذه الأساليب هو وقوف رؤيته الشعرية في القصيدة على حافة الانغلاق مما يحد من العطاء الروحي والوجداني للقصيدة، صحيح أن الرؤية الشعرية لا ينبغي أن تكون مبتذلة أو تكرارا لما سبق قوله مئات المرات، ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب قدرة العمل على الإفصاح عن مضمونه الروحي مع احتفاظ هذا المضمون . بخصوصيته وتفرده، وهذا هو التحدي الحقيقي للشاعر الأصيل، والسماح قادر على اجتياز هذا التحدي ولكنه يؤثر أحيانا اللجوء إلى الطريق السهل المتمثل في الإغراب والانغلاق على الذات، وإذا كانت هذه القصيدة مثالا غير دقيق لهذه الظاهرة فإن في المجموعة قصائد أخرى أكثر منها إيغالا في الإغراب وضبابية الرؤية ودلالة من ثم على هذه الظاهرة .

كما تثير هذه القصيدة ظاهرة أخرى من الظواهر التي يمكن أن تكون مجاراة لما شاع بين أقرانه من الرغبة في لفت الأنظار إلى ما يكتبون ولو اضطرهم هذا إلى التوسل إلى هذا الهدف بوسائل غير مشروعة فنيا من مثل تحطيم الأعراف اللغوية المستقرة، دون مقتضى فني، واستخدام عناصر لغوية غريبة – لمجرد اإغراب – سواء على مستوى المفردة أم الصيغة أم التركيب، واإغراب هنا يطالعنا من التركيب الذي يتأف منه العنوان "الرجل بالغليون في مشهده الأخير" فبالإضافة إلى غرابة التركيب جملة فإن عبارة "الرجل بالغليون" ذات صياغة عامية، والسماح لا يخفي جرأته على الخروج على ما استقر من أعراف اللغة وأصولها فهو يقول في موضع آخر – مجلة "الشعر" العدد 68 أكتوبر 1992 – وأزعم – وليس كل الزعم افتراء – أن الإنجاز الأكبر بالنسبة لي هو ذلك الاقتراب الحميم من مفردات الحياة اليومية ومحاولة اصطياد اللحظة الصغيرة في الزمن الممتد والالتصاق بالشارع .. الخ" ويقول عن عنوان ديوانه الثالث "الواحدون" – الذي كان في سبيله إلى الصدور عندما كتب هذا الكلام – "ربما لم تكن كلمة "الواحدون" مستخدمة، ولا أعرف مدى صحتها لغويا، غير أن عشقي للغة سهَْل لي كثيرا من متاعب عدة يتوقف عندها كثير ممن يعنيهم أمر اللغة الإسمنتية في القاموس ..الخ" والحقيقة أن مثل هذه الكلمات غريبة من شاعر يمتلك حساً لغويا في رهافة حس السماح، والحقيقة أن جمع كلمة"واحد" على واحدين صحيح لغويا وإن لم يكن شائع الاستعمال، والحقيقة الأخيرة أن دعوى الاقتراب من لغة الحياة اليومية ومفرداتها سلاح ذو حدين؛ فهي في الوقت الذي تقرب من حياة الناس الذين ينبغي على كل شاعر حقيقي أن يحتضن همومهم، وأن يكون المعبر – بلغة فنية متفردة – عن آمالهم وآلامهم – هي في الوقت ذاته تمثل منزلقا خطيرا إلى هوة الابتذال والثرثرة .

ومن المفارقات اللافتة للنظر أن يبحث عن لغة العامة شاعر يعزفهم لغته أحيانا على بعض الخاصة .

وهذه النغمة – لدى السماح تذكر بنغمة لويس عوض التي يدعو فيها في مقدمة ديوان "بلوتولاند" إلى كسر رقبة البلاغة العربية، ويتعجب كيف يكون من حق الشاعر الفرنسي دوبليه أن يقول "le flo – flotant de la mer" ولا يكون من حقه هو أن يقول "إذا احلولوك اللحد عليَْا" .

ولكن لويس عوض وإن كان ناقدا كبيرا فإنه لم يكن شاعرا بنفس القدر – هذا إن كان شاعرا على الإطلاق – وقد قرر لويس عوض ألا يعود إلى قول الشعر، وكان على قدر كبير من الوعي حين اتخذ مثل هذا القرار، وإن لم يستطع أن يفي بما وعد به تماما . ومن ثم فإن مثل هذه الدعوة وإن أمكن فهمها من لويس عوض فإنه لا يمكن فهمها من السماح، خاصة أن دعوة إليوت إلى الاقتراب من لغة الحياة اليومية قد أسي فهمها – أو أسئ تطبيقها – من البعض فقادتهم إلى بعض المحاذير الفنية التي أثارت جدلا نقديا طويلا كانت نتيجته التوقف عن مثل هذه المحاولات .

على أن دعوة السماح إلى الترخص في الاستعمال اللغوي لم تقف عند حدود هذه التراكيب الغريبة أو الوقوف على مشارف التعبير بل تجاوزت ذلك إلى ارتكاب أخطاء في الصياغة وفي القواعد الأساسية للغة، مثل تعدية اسم الفعل "طافئ" إلى المقعول في قصيدة (الزائر):

والزيت طقطق طافئا لهبه

وهو من فعل طفئ اللازم، وكان في وسعه أن يستبدل به اسم الفاعل "مطفئا" من الفعل المتعدي "أطفأ" وهو مساوٍ له في الوزن وأدق منه في الدلالة .

وكذلك خلطه بين الصيغ المختلفة الأصول واستخدامها في غير مواضيعها، مثل قوله في قصيدة "خدعة":

الطائر الحواف ظل طائرا يحفو على حدود البيد

فالصيغتان "حواف" – صيغة مبالغة – ويحفو – الفعل المضارع – من مادتين مختلفتين لأن الحواف من حاف يحوف بمعنى جعله على الحافة، وليس من حفا يحفو بمعنى : أعطى، ومنع .

والكلمتان كلتاهما لا توائمان السياق الذي وردتا فيه ولو على سبيل المجاز .

إذا ما انتقلنا إلى أهم وسيلة من الوسائل الشعرية وهي الصورة فإننا نجد الصورة لدى السماح تتراوح بين البساطة البالغة حد العفوية، والتركيب الذي يشارف التعقيد، ولكنها في الحالتين كلتيهما تكون مشحونة برصيد من الإيحاء الثري، والمتلائم، إذا أخذنا مثلا قصيدة "المقابر" وهي واحدة من القصائد المبنية على مجموعة من الصور التي تقع بين حدى البساطة والتركيب المعقد نجد السياق يسير على النحو التالي:


خطوة في اتجاهي أنا
خلل في المواقيت
، أو رعشة بين وقت قليل ووقت قليل
يتصيدها عارف بكلامي
، وملتصق بي
ومنتظر يترقب وقع خطاي
أراقبه يتجول كل صباح
ويلبس ثوب الحنونين
مبتسما
، ويخبئ لي شبه مصيدة
، في كلام رقيق
، وفي غزل واضح
ها هو ابتدأ الخطوات
، وصار على حدة خردلةٍ من ثيابي
وأنا
، صرت ما بين وقت قليل ووقت قليل.
لست مرتعشا
، غير أني بدأت الخطا
، في اتجاهي أنا .

نجد الصور تنساب متراوحة بين البناء المركب الموحي والسهولة المتأبية، وتمتزج الصور وتتشابك ليكتسب الغامض من وضوح السهل ويتوشح البسيط بجلال المركب ويندمج هذا وذاك في بنية إيحائية محكمة، ولنلاحظ البساطة في هذه الصور: "خطوة في اتجاهي أنا" "ملتصق بي ومنتظر يترقب خطاي" "أراقبه يتجول كل صباح، ويلبس ثوب الحنونين مبتسما، ويخبئ لي شبه مصيدة في كلام رقيق.." ثم لنلاحظ في المقابل ذلك الغموض الموحي في "خلل في المواقيت، أو رعشة بين وقت قليل ووقت قليل" "وصار على حد خردلة من ثيابي" "لست مرتعشا، غير أني بدأت الخطا في اتجاهي أنا" والغموض هنا ليس في الدلالات الأولى للتراكيب وإنما فيما يكمن وراء هذه الدلالات من إيحاءات غير مباشرة وغير واضحة المعالم.

أما الصور التي تنساب إيحاءاتها عذبة دون أي تعقيد فيمكن أن نتلمسها في نحو قول الشاعر في قصيدة "تهيئة" التي سبقت الإشارة إليها:

"العطايا الكثيرة ملء الكفوف"
"الزرابي مبسوطة للضيوف"
"العناقيد ناضجة تتدلى مواتية من شقوق السقوف"

وقوله في قصيدة "كلام عن عبد الرحمن الداخل"

وأشر باتجاه بعيد إلى طلل عربي
وادعُ أسلافك الشاعرين لكي يقفوا لحظة
، للبكاء على الأندلس
جُرّهم من خيام المديح
، ومن صولجان السلاطين
، واستأذن ابن زياد
، لتأخذهم نصف يوم
، وتدخلهم خيمة لرثاء الجميلة
، وهي تراقب هذا الجمال الذي يتسرب بين دقائقها
، ويمر بطيئا
على خلل الزمن المندرس.

ورغم بساطة هذه الصور فإنها تفيض بإيحاءات ليست أقل ثراء من تلك التي تحملها الصور الأكثر تركيبا، بل إن هذه الصور البسيطة تستدعي – عن طريق التناص – رصيدا من الإيحاءات التي تتفاعل مع الدلالة القريبة لهذه الصور عن طريق التقابل والمغارقة، ولنأخذ مثلا الصورة الثانية من النص السابق، ولنصرف النظر – مؤقتا – حتى عن الدلالة الرمزية للأندلس، وعن الدلالة الإيحائية لدعوة الأسلاف الشعراء لمجرد البكاء على الأندلس، واعتبار هذا أمرا عزيز المنال لندع كل هذا جانبا، ولنأخذ عبارة "وادع أسلافك الشاعرين" "فإنها تستدعى إلى وعي القارئ – عن طريق التناص – عبارة أمل دنقل في قصيدة "لا تصالح" : "واروا أسلافك الراقدين" وذلك عن طريق تماثل البنية التركيبية في العبارتين، واستخدام كلمة "أسلافك" فيهما، وبواسطة هذا التناص يتم استدعاء السياق الدلالي الذي ارتبط بعبارة أمل دنقل والمناقض تماما للسياق الدلالي للعبارة هنا حيث تدعو الأولى على لسان كليب موجها وصيته إلى أخيه المهلهل – الزير سالم – إلى اتخاذ موقف صارم من المعتدي: "لا تصالح، ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام . وارو قلبك بالدم وارو التراب المقدس . وارو أسلافك الراقدين إلى أن ترد عليك العظام" على حين تدعو عبارة السماح إلى مجرد دعوة الأسلاف الشعراء إلى الوقوف لحظة للبكاء على الأندلس، وتعتبر أن تحقيق هذا الهدف المتواضع في حاجة إلى بذل جهد، ومن خلال هذا التناقض الفادح بين السياقين والدلالتين تتولد مفارقة مؤلمة تزيد عطاء الصورة الإيحائي ثراء وعمقا .

فإذا ما تركنا الصورة الشعرية إلى الموسيقى وجدنا الشاعر يتمتع بحاسة موسيقية عالية، وسيطرة على وسائل تشكيل البنية الموسيقية حتى إنه يورد قصيدتين خاضعين لقواعد تشكيل البنية الموسيقية الموروثة، وهما قصيدتا "سهو" من المتقارب، "الزائر" من الكامل؛ فكلتا القصيدتين تلتزم وزنا واحدا، ولكننا نفاجأ أحيانا بأن الشاعر يعمد إلى تحطيم الإيقاع في بعض القصائد، لا عن عجز أو قصور؛ فالذي يستطيع أن يقيم الإيقاع في قصيدة ذات بنية موسيقية موروثة يمكنه أن يقيمه في قصيدة تفعيلية، ومن ثم فإن هذا التكسير للبنية الموسيقية لا تفسير له سوى الرغبة في مجاراة الاتجاه السائد لدى الشباب غير الموهوبين إلى تحطيم كل القواعد الموروثة دون أي مبرر فني.

ونماذج هذا التكسير متنوعة، فقد تم أحيانا عن طريق إدخال زحافات وعلل لا تدخل عادة على البحر المستخدم حتى في صورته الحرة – التفعيلية – وقد تتم عن طريق الخروج على الإيقاع المستخدم تماما، في قصيدته " عزف"
مثلا يقول الشاعر :

من أين يأتي ذلك الشيخ البعيد؟
من أين يأتي ذلك الشيخ النهاري ضاريا في الصمت
ويعرج في طريق الماء
، ليس يمسه
يركب الشجر القديم
، ويمتطي عشب المرافئ
يا أيها الشيخ البعيد لا يزال العزف يسري
والرجال يرتلون اللحن

واضطراب الإيقاع ليس في حاجة إلى شرح في هذه الأبيات فهو أظهر من أن يحتاج إلى شرح، وقد وُضعت خطوط تحت العبارات التي يضطرب فيها الوزن؛ فإيقاع الأبيات كما هو واضح إيقاع رجزي ولكن الأجزاء التي تحتها الخطوط لا تخضع لأية صورة من صور الإيقاع الرجزي، ولحسن الحظ فإن هذا الاضطراب ليس كثير الشيوع في المجموعة .

نود في النهاية أن نشير إلى ظاهرتين كتابيتين شديتي الشيوع لدى السماح، ليس في هذا الديوان الأخير فحسب وإنما في دواوينه كلها ابتداء من ديوانه الأول "خديجة بنت الضحى الوسيع" وتتعلق أولى هاتين الظاهرتين بالبياض، وتتعلق ثانيتهما بعلامات الترقيم خاصة الفاصلة (،) .

ففيما يتصل بالبياض يلاحظ القارئ حرص السماح على أن يترك البياض دائما في بدايات السطور وأن تكون نهايات السطور دائما متوازية، أما فيما يتصل بالفاصلة (،) فمن المعروف أنها توضع بعد نهاية وحدة لغوية مستقلة لا تعبر عن معنى مكتمل وإنما ترتبط بما بعدها على الرغم من استقلالها الجزئي، وأنها لا تكتب في بداية السطر وإنما في وسطه أو نهايته، ولكن السماح عبد الله يخالف القاعدتين معاً .

ولكي نتعرف على الظاهرتين كلتيهما لابد أن نورد نصا بالطريقة التي كتبه بها الشاعر – ونحن لم نلتزم هذه الطريقة في الكتابة في النماذج التي أوردناها في هذه الدراسة – يقول الشاعر في قصيدة "الشهداء" في بيت مدوُر، والتدوير سمة موسيقية تشيع شيوعا كبيرا في المجموعة، ولم نشأ الوقوف أمامها عند حديثنا عن البينة الموسيقية لدى السماح، لأن هذه السمة أصبحت لفرط شيوعها سمة عادية مألوفة:

أيها المتعبون الذين ارتقوا سدرة المنتهى
إن وردتكم تتكرر في كل
، يوم
، وتملؤنا بكلام حبيس
، ولكننا
، نتسمعكم عندما تتبدءون النشيد

والسطور كلها كما هو واضح بيت واحد مدور من المتدارك وهو البحر الذي كتبت عليه القصيدة والكثير من قصائد الديوان، والبيت مكون من اثنتين وعشرين تفعيلة من تفعيلات المتدارك "فاعلن" أي ما يقرب من ثلاثة أمثال الصيغة الطولى للبحر في شكله الموروث، ونلاحظ على كتابة البيت ما يلي:

أولا:
أن نهايات السطور – كلها أجزاء من بيت واحد – كلها متوازية، في أقصى يسار الصفحة، على حين تتفاوت مساحات البياض في بدايات السطور طولا وقصرا .

ثانيا:
أن الشعر بعثر العبارات على السطور دون منطق فني واضح .

ثالثا :
أنه يضع الفاصلة (،) في بدايات السطور (الثالث والخامس والسادس) مخالفا القاعدة الكتابية التي تمنع ورود هذه الفاصلة في أول السطر .

رابعا :
أن الشاعر يضع فاصلة أحيانا في غير المواضع التي تجئ فيها، حيث يفصل بها بين أجزاء وحدات لغوية لم تتم؛ فهي تفصل في السطر الثالث بين المضاف والمضاف إليه "كل يوم" وفي السطر الخامس بين لكن واسمها وخبرها، والموضعان لا تبيح قواعد علامات الترقيم استخدام الفاصلة فيهما .
***

وبعد :

فربما كانت هذه الجولة في مجموعة "الرجل بالغليون في مشهده الأخير" حريصة على إبراز ما لم يرقها فيها – وهو قليل – أكثر من حرصها على إبراز ماراقها وأمتعها – وهو الكثير والغالب – ذلك لأننا على يقين من أن ما أخذناه على المجموعة ليس – في مجمله – وليد قصور أو عجز، وإنما هو خروج مقصود على المألوف والشائع ومن حق الشاعر – والأديب عموما – بل من واجبه أن يخوص مغامرات التجريب والحوار المألوف والموروث، لكن شريطة ألا يكون الباعث على مخالفة المألوف هو الخروج، فهذا شأن الأدعياء وعديمي الموهبة الذين يخالفون المألوف بسبب العجز والقصور، ومن ثم فإننا نعتبر أن الحوار مع السماح عبد الله حول مخالفته القليلة للمألوف إنما هو تكريم له ولمجموعته ولشاعريته، قد يكون أعلى درجة من الإشادة بإنجازاته الكثيرة .
-------------------
د. على عشري زايد

مقدمة ديوان " الرجل بالغليون في مشهده الأخير " وهو أخر ما كتب الراحل الكبير من نقد .
-------------------





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,532,933
- أوراقٌ للنشرِ في هيئةِ الكِتابْ
- لويس عوض : صورة جانبية
- مديح العالية
- الطوافة
- سَرْدِيَّةٌ أُخْرَى لِلرَّائِيَةْ
- هواء طازج - 3
- انخطاف
- ورود يانعة لنا كلنا من رجل واحد
- سلفادور دالي
- انظر وراءك في فرح لتكتب شعرا حقيقيا
- من أين أقتطع خبزة القصيدة ؟
- خراب السقيفة
- فرلين
- عن مكاوي سعيد
- تصاوير ليلة الظمأ
- أقوال المرأة البليلة وتفاسير أقوالها
- أغنية البحار
- فتنة الذكرى
- معزوفة للحمائم البعيدة
- الشهداء


المزيد.....




- الحجوي: مجلس الحكومة صادق خلال سنتين على 429 نصا قانونيا وتن ...
- في الممنوع - حلقة الكاتب والشاعر العراقي المقيم في إسبانيا م ...
- بوريطة : المغرب تفاعل مؤخرا مع بعض المتدخلين الدوليين في ملف ...
- قبل طرحه في دور السينما... تحذير عالمي من -مارفل- بشأن الجزء ...
- مجلس النواب يعلن عن تشكيل الفرق والمجموعة النيابية وينتخب أع ...
- القناة الأمازيغية تراهن على الدراما والبرامج لاجتماعية والدي ...
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم يتعلق بتحديد شروط منح وتج ...
- دين وسياسة وثقافة.. نوتردام تلخص ثمانية قرون من تاريخ فرنسا ...
- إقبال جنوني على -أحدب نوتردام- بعد حريق الكاتدرائية!
- الانتخابات الأوكرانية بنكهة مسرحية


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - السماح عبد الله ومحاورة المألوف ، د. علي عشري زايد