أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - طارق حجي - لا تقدم بدون -حقوق كاملة للمرأة- ...















المزيد.....


لا تقدم بدون -حقوق كاملة للمرأة- ...


طارق حجي
(Tarek Heggy )


الحوار المتمدن-العدد: 2938 - 2010 / 3 / 8 - 09:05
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


رغم إتساعِ المواضيعِ التي تغطيها كتاباتي منذ صدورِ أول كتبي (في سنة 1978) إِلاَّ أن محوري هذه الكتاباتِ الرئيسين هما "التقدمُ" و "الحداثة". فعندما أُفرد فصولاً عديدةً في كتبي ومقالاتي لمسائلٍ مثل تطويرِ التعليمِ أو إستعمالِ تقنياتِ الإدارةِ الحديثةِ في شتى المجالاتِ لتحسين الظروف الحياتية، وعندما أُصدرُ كتباً تتعلق بعيوبِ تفكيرِنا المعاصرِ ... فإن كلَ ذلك (عندي) يصب في نهرٍ واحدٍ هو نهر تكوينِ عناصرِ التقدم والحداثة أو إزالِة معوقاتِ حدوثهما . ومن أهمِ جوانبِ قضيةِ صنع التقدمِ وتوفير عناصر الحداثة (وضع المرأة في المجتمع) ونوعية الثقافة (العقلية أو الذهنية) التي ينظر بها المجتمعُ للمرأةِ ويتعامل معها. ويقيني أن هذا البعدَ هو أحدُ أهمِ أَبعادِ عمليةِ الحكمِ على مدى تقدمِ أي مجتمعٍ (أو تأخره).

يقول الشاعرُ الفرنسي "أراجون" (أن الإنسانية لو واصلت الإعتذار لمدة خمسين ألف سنة للنساءِ على ما إقترفَه الرجالُ في حقهن – لما كان ذلك كافياً) … وهو قولٌ صحيح إلى أبعدِ حدٍ . وأضيفُ إليه أنني بعد رحلةٍ عارمةٍ مع المعرفة لا أجد شيئاً أسوأ في سجل البشرية من أمرين: الحروب (وما يلحق بموضوعِها من إنفاقٍ أحمقٍ على التسلح) ثم موقف أعـدادٍ كبيرةٍ من الرجالِ والثقافات من المرأةِ – وهو موقف مشين ومهين للبشريةِ جمعاءِ . لقد ذكرت في مقال لي عن "المرأة والتقدم" أن من المستحيلاتِ إحداثِ التقدمِ في أي مجتمعٍ لا يساوي بين المرأة والرجل – وأن المشكلة تكمن في أن "الذهنية" التي لا تستطيع أن تستوعب ذلك لن تستطيع أن تستوعب متطلبات التقدم . وأن الرجلَ الذي يتحدث عن تميّز الرجال عن النساء هو صاحب "إرث مهول" من ضعفِ الثقةِ بالذات . وأن الذين يعتقدون أنهم يؤسسون آراءهم الرافضة للمساواة المطلقة بين المرأة والرجل على أساسِ ما يسمونه "رأي الدين" هم في الحقيقة أناس جعلوا ثقافة العصور الوسطى وقيم المجتمع القبلية ومفاهيم الجماعات الرحل (البدو) مرجعية أطلقوا عليها "رأي الدين" … والحقيقةُ أنها آراؤهم هم بما يمثلونه من ضعفٍ واضحٍ في الثقةِ بالذاتِ وسقوطٍ كلي في ثقافةٍ هي ضفيرة من "البداوةِ" و"القبليةِ" و"القرون الأوسطية" . لقد لامتني كاتبةٌ مصرية أقدرها كثيراً لأنني أتحدثٌ عن المرأةِ كركنٍ لازمٍ للتقدم ولا أتحدث عن مساواتها بالرجل من منطلق أن ذلك "حقها الإنساني" – والحقيقة أنني أؤمن بالزاويتين: فالتقدمُ لا يحدث في مجتمعٍ لا تشيع فيه ذهنيةُ المساواة بين المرأة والرجل … كذلك فإن هذه المساواة المطلقة إنما هي "حق إنساني أصيل للنساء" لا يجادل فيه من تكوَّن عقلياً وثقافياً بشكل علمي وعصري ومتمدن .

لقد كان "قانون الخلع" فى مصر إنجازاً حضارياً – إلا أن إعترافنا بهذا الإنجاز وتقديرنا العميق له لا يتناقض مع حتمية الدعوة لإيجاد ضماناتٍ قانونيةٍ دستوريةٍ تجعل "من المستحيل" على دعاةِ الظلام والرجعية أن يتمكنوا من إلغاء هذا القانون … بل طالبت وأطالب بخطوة أخرى للأمام: وهي النص في كل وثائق الزواج على حق المرأة في طلب التطليق لمجردِ التضرر (مادياً كان أم معنوياً) … كما أُطالب بنشرِ ثقافةٍ تدعو للوصول بوثيقةِ عقدِ الزواج لما قام عليه زواج النبي من خديجة بنت خويلد – والتي كانت بيدها أن تلغي عقد الزواج وقتما تشاء كما كان الإتفاقُ على عدم التزوج بأخرى عليها منصوصاً عليه .

إن الذين يتحدثون فى واقعنا المصري تحت مظلة ما يسمونه "رأي الدين" هم الذين ساندوا الملك فؤاد في عشرينيات القرن الماضي في سعيه لمنصب الخلافة … ثم أرادوا أن يكون تتويج الملك فاروق في سنة 1937 في الأزهر وليس تحت قبة البرلمان … وهم الذين قالوا في الستينات أن الإسلام هو الإشتراكية … ثم قالوا نقيض ذلك بعد سنوات قليلة … وهم الذين قالوا في مرحلةٍ أن الحربَ مع إسرائيل واجب ديني – ثم قالوا في السبعينات أن الصلح معها هو "رأي الدين" (إن جنحوا للسلم فاجنح لها) … وهم الذين قالوا لعقود عديدة أن إذلال المرأة والإتيان بها قسراً لبيت الطاعة هو "حكم الدين" .. ثم عدلوا عن ذلك . لهؤلاء نقول: أننا نعلم عن الفقه الإسلامي مثلما تعلمون (على الأقل) .. وأول ما نعلمه أن تعريف الفقه الإسلامي هو (إستنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية) … والإستنباط "عمل بشري" وهذا هو ما عبَّر عنه أبو حنيفة النعمان عندما وصف "دنيا علم أصول الفقه" بمقولته الرائعة: (علمنا هو رأي – فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه) . وأبو حنيفة (لمن لا يعلم) لم يقبل من الأحاديث إلا عشرات في مقابل قبول أحمد بن حنبل لعشرات الآلاف . كما أن الرجل المعروف بالإمام الأعظم (أبي حنيفة) هو الذي يقوم مذهبه على إمكانية رفض تأسيس الأحكام على الأحاديث التي تعتبر من "أخبار الآحاد" . والخلاصة، أن مطالعتنا لمئات المراجع في علم أصول الفقه جعلتنا نرى بوضوح أننا أمام عمل بشري أنجزه بشر … ثم جاء الشّراحُ (وهم أصحاب محصول معرفي ومكن عقلية أقل) فأضفوا قداسة (لا محل لها) على عملٍ بشريٍّ. و رغم إيماني العميق بأن المرأةَ هي (على الأقل) مساويةٌ للرجلِ في كلِ شئٍ وفي كافِة مناحي الحياة، إِلاَّ أن حماسي لهذا الموضوع ينبعُ من إيماني بأن أَخطرَ ما في الذهنيةِ أو الثقافِة الذكوريِة التي تضع المرأة في مواضعٍ أدنى من الرجلِ هو تلك (الذهنية) ذاتها : فرغم أن الثقافة التي لا تساوي مساواة كاملة بين الرجلِ والمرأةِ هي ثقافةٌ ماضويةٌ متخلفةٌ عن العصر وثقافتِه وعلومِه، ورغم أنها "ثقافةٌ ظالمةٌ" وبالتالي "غير إنسانية" ؛ وهو ما يستحق أكثر بكثيرٍ من مجردِ الإدانةِ ، إلاَّ أن الدمارَ والضرر الكبيرين يأتيان من "الذهنيةِ" التي بسببها تسود تلك الثقافةُ الذكورية الرجعية – وبسبب شيوعِ وسيادةِ تلك الذهنية يستحيل (أكرر مرة أخرى: يستحيل) إنجاز التقدم الكلي المنشود للمجتمع.

ولا شك عندي أن العمودَ الفقري لذهنيةِ وضعِ المرأة في موضع أو مواضع أدنى من مواضع الرجل هو (نقص الثقة بالذات). فالرجلُ الذي لا يُعاني من مشكلِة نقصِ ثقةٍ بذاته وعقلِه وفكرِه وكيانه لا يحتاج لثقافةٍ عامةٍ تضع له المرأةَ في مواضعٍ أدنى منه. وقد علمتني خبرةُ التعاملِ مع آلافِ الشبابِ أن أصحابَ النصيبِ المتواضعِ من القدراتِ بوجهٍ عام أشدُ تمادياً في التمسكِ بالثقافِة الذكوريةِ التي تضع المرأةَ في مواضعٍ أدنى من الرجلِ – والأمرُ مفهوم : فمن أخفق على المستوى العام لا يبقى له (في الأغلبِ) إِلاَّ أن يتفوق (ويسود) بشكلٍ مصطنعٍ (وهزلي) في دائرته الخاصة الصغرى.

ومن العجيبِ أن الأجيالَ التي كانت في سنِ الشبابِ في الخمسينيات والستينيات (مثلي) تُعتَبر أكثرَ تقدماً في هذه المسألِة من الأجيالِ التاليةِ. وربما يُفسر ذلك ذيوع فهمٍ رجعيٍّ للعديدِ من المواضيعِ الدينيِة وكذلك خروج المرأة للعلمِ والعملِ مما أثبت (عملياً) أن تفوقَ الرجلِ على مستوي الذكاءِ والقدراتِ والكيانِ هو مجردُ "أسطورةٍ وهميةٍ" وهو ما حض الكثيرين من الشبابِ على أن يعوّضوا ذلك بإنتصارٍ وهميٍّ يستمدون مرجعيته من ذهنيةِ الثقافِة الذكوريِة التي تجعلهم "الأفضل" لمجرد كونهم ذكوراً (وما أسهل العثور على نصٍ يسوغ تلك الأفضلية المنافية للعلم والفكر والثقافة والإنسانية والتحضر).

وقد جعلتني المراقبةُ المدققةُ لسنواتٍ طويلةٍ أصلُ ليقينٍ واضحٍ – كما أسلفت – بوجودِ علاقةٍ عكسيةٍ بين "تناقص ثقِة الرجلِ في نفسهِ" و "استعدادِه لقبولِ أن المرأَةَ مساويةٌ للرجلِ في كل المجالاتِ" (وأكررُ أن المرأةَ مساويةٌ للرجلِ "على الأقل" – فقيمةُ المرأةِ في مجالاتٍ أُخرىٍ غير التي تتساوى فيها مع الرجل أعلى بكثيرٍ من قيمِة الرجل وأعني أنها مساويةٌ للرجلِ كإنسانٍ وأعلى منه قدراً كأمٍ هي مدرسة الإنسانية الأولى).

ومن السطحيةِ (بل ومن العبث) أن يستند بعضُ دعاةِ ذهنيةِ ثقافةِ التميّزِ الذكوري لنصوصٍ دينية. فمن جهةٍ فإن هناك نصوصاً أُخرى تؤكد الإنسانية الكاملة للمرأة وعدم أفضلية جنس على آخر، كما أن العبرةَ دائماً ليست بالنصوص وإنما بنوعيةِ العقولِ التي تتعامل مع النصوص. ويقيني أن المرجعَ الحقيقي لما يظنه البعضُ سنداً دينياً لتميّز الرجلِ على المرأةِ هو مرجعٌ يتعلق بالتاريخ الإنساني بوجه عام في مراحل خلوه من التمدن والإنسانية وكذلك بالتاريخ البدوي/القبلي بوجه خاص ولا يتعلق بالدينِ – ولا أدل على ذلك من أن لا أحد من أصحابِ ذهنيةِ التميّز الذكوري يهتم بإبراز خصائص الحياةِ الزوجية الأولى لنبي الإسلام – فقد كانت فوق كونها مثالاُ واضحاً على الإنسانيةِ الكاملةِ المتساويةِ لكل طرفٍ ، مثالاً على أشياء أُخرى لا يحب المتطرفُ بطبعه أن يراها مثل كون العصمة في يد الزوجة ومثل عدم زواج الزوج عليها وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على أحدٍ وإن مال أصحابُ ذهنية التفوق الذكوري (الوهمي) لعدم إظهارها أو ضرب الصفح عنها وكأنها لم تكن.

إن أولَ إنسانٍ في الكونِ حصل على جائزةِ نوبل في العلوم لأكثر من مرة كان "إمرأة" (مدام كوري) : ولو لم يوجد أمر آخر غير هذا (وهناك ألف أمرٍ آخر) لكان ذلك كافياً لإسكات أي إنسانٍ يردد تلك الآراء الرجعية عن تميّز "النوع الذكوري" عن "النوع الأنثوي" – ولعل معظم الذين يؤمنون بهذا التميّز (الوهمي) يوافقونني على أنهم سيكونون في موقفٍ بالغِ الحرجِ عندما يقارنون بتلك السيدة الفذة التي تفوقهم (عبقريةً وذكاءً وعلماً ونجاحاً) بآلاف السنوات الضوئية. وإذا قال قائلُ أَن مدام كوري محض إستثناء، قلنا له أن الرجال قيدوا النساء عدةَ قرونٍ ثم جاءوا يقولون أنهن لا يربحون في السباق. وقد دلتني قيادتي لمؤسسة عالمية عملاقة تضم الآلاف من الجنسين على عدم وجود أي دليل على أي تفوقٍ ذكوري في أي مجالٍ من مجالاتِ العلمِ والعملِ والإدارةِ والقيادةِ – بل أن ما رأيته من أشكالِ التفوقِ الأنثوي كان أبرز بكثيرٍ (بسبب التحدي والرغبة في إثباتِ الذات).

ومنذ أعوام قليلة شهدنا تعيينَ أولِ امرأةٍ كقاضيةٍ بالمحكمةِ الدستوريةِ العليا فى مصر في سابقةٍ هي عند كاتبِ هذه السطور بمثابةِ إنجازٍ حضاريٍّ وثقافيٍّ عملاقٍ. و منذ فترة شاهدت حواراً تلفزيونياً على القناةِ المصريةِ الأولى بين ثلاثِ شخصيات هي: السيدة القاضية المصرية الأولى التي عُينت كمستشارةٍ بالمحكمةِ الدستوريةِ. أما الشخص الثاني فكان مستشار بمحكمةِ النقض تدل كلماتُه على غزير علمِه واستنارتِه وثالثاً وأخيراً: مذيعة معروفة. وعندما أسهب مستشارُ النقض المستنير في عرضِ المدارس الفقهية التي تؤيد واحدةُ منها كون المرأة قاضية وترفض مدرسة ثانية تولي المرأة القضاء بينما تقف المدرسة الثالثة موقفاً وسطاً إذ توافق على تولي المرأة القضاء في حدود معينة. أثناء إنصاتي للحوار القيم فوجئت بسؤالٍ من المذيعةَ موجه لمستشار النقض يقول: وما هو الصحيح في هذه التوجهات الثلاثة ؟(!!) ومرجع الإستغراب عندي أن المذيعةَ أوضحت بسؤالِها "لب مشكلة كبرى من مشاكلنا الثقافية". فالسيدةُ المذيعة لم تعلم مثل الملايين في واقعنا أن الآراء الفقهية جميعَها "أعمالٌ بشريةٌ" وإنها ليست إلاَّ "محاولة للفهم". ولا أدل على ذلك من قول أبي حنيفة عن كل علم أصول الفقه (علمُنا هذا رأي – فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه). وقول مالك (ما منا إلاَّ ويخطئ ويرد عليه) وأكثر من كل ذلك التعريف المستقر لعلم أصول الفقه وهو (علم إستنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية)…وهو ما ينفي عن أي رأي فقهي أنه (الرأي المطابق للصواب) فالاستنباطُ "عملٌ بشري" ؛ وكل "عمل بشري" قد يكون "صحيحاً أو "غير صحيح" أو "صحيح في جوانب منه وغير صحيح في جوانب أخرى".

وكما قال مستشارُ النقض المستنير في ذلك الحوار التلفزيوني (لو أن الأمر غير محل خلاف لما وجدت بخصوصه آراءٌ فقهية متعددة ومختلفة). ومعنى ذلك : أن وجودَ آراءٍ فقهيةٍ مختلفة حول جواز أو عدم جواز كون المرأة "قاضية" هو دليل على "إمكانية الإختلاف" و "جواز تبني رأي فقهي دون آخر" : ويبقى السؤال: إذا كان أمامنا أن نختار من بين آراءٍ فقهيةٍ متعددة – فلماذا نختار الأكثر تشدداً ولا نختار الأكثر مرونة؟! والجواب: أن الناسَ بدايةً لا يعلمون انهم "مخيرون في هذه المسائل" ويرجع ذلك لوجودِ ثقافةٍ متزمتةٍ بين عدد من رجال الدين (أو الدعاة) …ومن جهة أُخرى فإن الناس لا يعلمون أنهم أياً ما كان إختيارهم فإنهم لا يمكن أن يكونوا "عصاة". وكما ينطبق هذا القول على مسألة كون المرأة قاضية، فإنه ينطبق على مسائلٍ أُخرى عديدة مثل إعطاء المرأة الحق في طلب التطليق (فحتى لو كانت أقليةٌ فقط من الفقهاءِ تسيغه – فمعنى ذلك أننا أمام اختيارات ومن حقنا أن نختار ما جنحت إليه الأقليةُ لأن إختيار ما جنحت إليه الأغلبية فقط ينفي فكرة الإختيار فلسفياً (!!). كذلك ينطبق نفس المنطق على مسألة "فوائد البنوك" – فطالما أن هناك أكثر من رأي، فإن ذلك يعني أن لنا حق ال إختيار – وبالتالي فإننا لا نكون "عصاة" إذ إخترنا إتجاهاً فقهياً دون آخر.

وفي إعتقادي أن عقليةَ التزمتِ والإنغلاقِ والتعصب والبحثِ عن مناطقٍ جديدةٍ للتحريم قد تلقت خلال السنوات الأخيرة ثلاث ضربات قوية: أولها قانون الخلع والثانية قرار إعتبار يوم السابع من يناير عيداً رسمياً لكل المصريين والثالثة قرار تعيين إمرأة قاضية - ويبقى أن نستثمر تلك الإنجازات العقلية والحضارية والثقافية لتدعيم مدرسة العقل في واقعنا في مواجهةِ طوفان مدرسة النقل – فهذا هو السبيل الوحيد لحدوثِ تطويرٍ حقيقي في "حالتنا الثقافية".

إن الميلَ لكلِ الأراء الفقهية الأكثر تحرراً (حتى لو كانت "آراء عدد قليل من الفقهاء" – بل حتى لو كانت مستحدثة) والعمل على تقليص مساحاتِ التعصبِ في تفكيرنا هما أهم ما هو مطلوب من القائمين على الثقافة العامة والثقافة الدينية وبرامج التعليم والإعلام في واقعنا، إذ أَن التطوير الذي سيأتي من رحمِ ذلك هو "النجاة الحقيقة" من تطويرٍ يأتي بفعلِ "قوى ضغط خارجية" ستكون غالباً مخطئة في حساباتها أو مراميها أو أدواتها.

والأمرُ يحتاج من الأجهزةِ المعنية بوضع المرأة في المجتمع (بالإضافة لما بذلوه ومازالوا يبذلونه من جهودٍ عظيمةٍ) لخطةٍ متكاملةٍ للقضاءِ على الثقافةِ الذكوريِةِ الرجعيِةِ في مجتمعنا : في الأسرةِ وفي التعليمِ وفي المؤسساتِ الدينيةِ وفي الثقافةِ والإعلامِ - وأن يكون محورُ الحملةِ أن المصدَر الوحيدِ لإيمان رجلٍ بتميّزه النوعي على النساء (لمجرد كونه رجلاً) هو مخزون هائل من نقصِ الثقِة بالنفسِ – فالأحرارُ يحبون التعامل مع الأحرارِ والعكس دائماً صحيح. وأضيف أنني أجزم بأنني ما سمعت رجلاً في واقعنا يروّج لأفضلية الرجال على النساء وعدم قدرة النساء على تبوأ كافة المواقع والمناصب إلاِّ .. وكان واضحاً لي خلوه الظاهر (هو نفسه) من التميّز .

إن نظرةَ أي مجتمعٍ غير متحضرةٍ للمرأة دائماً ما تتفنن في البحثِ عن مرجعياتٍ وأسانيدٍ لتأيد نظرتها ، رغم أنها (أي هذه النظرة غير المتحضرة) ليست ظاهرة دينية أو قانونية وإنما هي ظاهرة ثقافية بحت . ومعنى ذلك أنه في ظل إرتقاء المناخ التعليمي والثقافي بشكل عصري لأي مجتمع فإن نظرة أفراده للمرأة ترتقى على الفور بحيث تتجاوز السؤال الرجعي بطبيعته: هل المرأة مساوية للرجل أم لا ؟ ويكفي للتدليل على أن القضية ثقافيةٌ في جوهرِها ومادتها ومظهرِها أمثلة قليلة ولكنها واضحة الدلالة: فرغم وجود نص قرآني واضح ينهي الرجال عن إبقاء زوجاتهم لمجرد الإضرار بهن وهن راغبات في عدم بقاء الزوجية (ولاتمسكوهن لتعضلوهن) فقد ظل النظامُ القانوني لدينا لسنواتٍ طويلةٍ يسمح بنظامِ بيتِ الطاعةِ والذي هو تجسيد لإمساكِ رجلٍ لامرأةٍ في بيته ليعضلها (أي ليسبب لها الأذى المادي أو المعنوي) – نحن هنا أمام حالةٍ صارخةٍ تؤكد وتترجم ثقافة بالغة التخلف والرجعية وتعارض أكثر من سند كان من الممكن الإستناد إليه لو أن الذهنية التي تتعامل مع الأمر كانت ذهنية مستنيرة – وفي يقيني أن نظامَ بيتِ الطاعِة كان عاراً قانونياً وإجتماعياً وثقافياً يجلب من الخزي ما لا مثيل له على سمعة عقولنا وثقافتنا. وفي سنواتٍ لاحقةٍ عندما تحمست الدولةُ لقانون الخلع (وهو حق إنساني لا يتصور أن يعارضه منصف) أصيب آلافُ الرجال في مجتمعِنا بغصةٍ شديدةٍ : فكيف يجردهم القانونُ من أداةٍ من أدواتِ البطش الغاشم كانت بيدهم، ولو أنهم كانت لديهم جرعة معقولة من الثقةِ بالنفس لما أزعجهم على الإطلاق هذا التطوير التشريعي الذي جاء بمثابةِ خطوة بالغِة الأهمية للأمام. بل أن الإنسان ليتعجب : كيف تستقيم أفكار مثل الرجولة والشهامة والمروءة والكرامة مع موقف رجل يرغب في أن يساعده القانون على أن تبقى في الحياة معه امرأة لا تريده – إن الصفحاتِ العديدة المليئة بالتراث العربي المتعلق بالرجولة والشهامة والفروسية والكبرياء والمروءة تداس بالأقدام عندما يُبقي رجلٌ واحد امرأة في حياة زوجية لا ترغب فيها. ولا أدل أيضاً على كون المسألة حالة عفونة ثقافية من أن آلاف الشباب بل وآلاف الفتيات يرفضون أن تكون العصمة في يد الزوجة في الوقتِ الذي كانت فيه العصمة في يد الزوجة الأولى للنبي ولا يستطيع أحدٌ أن يقول أن ذلك كانت له أية دلالات سلبية في حق الزوج الكريم.

ولا يفوتني أن أذكر أن متابعتي الطويلة لتراجيديا ثقافة التميّز الذكوري (الرجعية بل والجاهلية) في بعض المجتمعات هي مرضٌ لم يصب الرجالَ فقط (وإن كانوا هم مصدره والمستفيدين منه في دوائرهم الخاصة) إذ أن المرضَ قد أصاب الكثيرَ من النساء والفتيات لدينا، فأضحين أمهاتٍ ينشئن أبنائهن وبناتهن على تلك الذهنية التي لا أجد كلمات مهذبة لوصفها سوى أنها ذهنية رجعية وغير مناسبة للتقدمِ والعصرِ والعلمِ والمدنيةِ. إن تحرير المرأة من ربقة الثقافة الذكورية الرجعية (والتي هي شكل من أشكال الرق وهزيمة الرجولة والمروءة) تبقى أمراً مستحيلاً ما لم تصبح المرأة نفسها في طليعة الساعين لتغيير هذه الثقافة الدونية بثقافة عصرية تكون فيها المرأة على قدم المساواة تماماً وكليةً في سائر المجالات وشتى المواضيع بل ويسود إقتناعٌ (هو جزء لا يتجزأ من تكويني العقلي) بأن المرأة أكثر بكثير من نصف المجتمع : فهي كما ذكرت نصف المجتمع عددياً ، وأكثر من ذلك بكثير كأم للرجال والنساء معاً – وما أعمق حزني أن تكون تلك قضية مثارة في زمنٍ ينشغل المتقدمون بالعلم والتقدم والحريات العامة وحقوق الإنسان ، بينما نسأل نحن سؤال يحمل أطناناً من الخزي : (هل المرأة مساوية للرجل؟) ..

كان تعيين سيدة كقاضيةٍ بالمحكمةِ الدستوريةِ العليا منذ سنوات إنجازاً حضارياً عظيماً ؛ ولكنها تحتاج لأن تُستكمل، فتعيين عددٍ من النساءِ في كلِ وظائف القضاء (من بداية السلم الوظيفي) هو الضمانة الوحيدة لإنتهاء تلك الفضيحة الحضارية: فعن طريق ذلك سيكون لدينا بعد عشرين سنة جهازٌ قضائي نصفه من النساء – وهو الوضع الطبيعي، بل وهو الوضع الذي يجب أن يحتذى في كلِ وكافةِ المجالاتِ. فالمجتمعَ الذي يقصر المواقع الهامة على الرجال مجتمعٌ يعطل نصف طاقاته من الذكاءِ والتفكيرِ والعملِ والعلمِ والعطاءِ والإنتاجِ: فإذا لم يكن بعد ذلك مجتمعاً متقدماً فليس من حق أحد أن يتعجب: فكيف يعدو الإنسان بقدمٍ واحدةٍ. و مرة أخرى فإن إعترافنا بعظيم قيمة هذا الإنجاز وتقديرنا له لا يتناقض مع دعوتنا لإستكمالِ هذه الخطوة الحضارية بإلتزام وزارة العدل بتعيين نسبة لا تقل عن 25% من وكيلي النائب العام من النساء – فهذه هي الوسيلة المثلى لوجود المرأة في كافةِ المواقعِ القضائيةِ وليس كنتيجةٍ لقرارٍ فوقي بتعيين قاضية بالمحكمة الدستورية العليا .

كذلك من الواجب واللازم اليوم إيجاد برنامج محدد لتعيين عددٍ كبيرٍ من النساءِ في مواقع المحافظين ونواب المحافظين ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات ورؤساء المدن وسائر المناصب العامة (من أعلى السلم الإداري ومن بدايته أيضاً) . فبدون ذلك ، ستكون هناك فرصاً لذهنية الرجعية والثقافة الذكورية القرون أوسطية لمحو الخطوات والإنجازات الحضارية التي تمت . إن "الأمرَ الواقع" هو الذي سيحول دون حدوث نكسة حضارية قد تتمثل في إلغاء قانون الخلع والإعتراض على وجود النساء في مناصب ومواقع معينة .

و أيضاً ينبغي مراجعة برامج التعليم بهدفِ وضعِ أُسسٍ راسخةٍ لإيمانٍ عامٍ وشائعٍ بأن المرأةَ ليست فقط نصف المجتمع بل أكثر من ذلك بكثير (فهي نصف المجتمع كامرأة وأكثر من ذلك بكثيرٍ كأمٍ) وأن أي آراء تدعو لغير ذلك هي أراء ضارة بمستقبل هذا الوطن – فالوطنُ الذي يستأمن المرأة على "كل أبناءه وبناته" لا يجب عليه أن يتردد في إستئمان المرأة على منصبٍ أو موقعٍ (وان سمى لأعلى ذري المناصب). وكما قالت القاضيةُ الفاضلة التي أُختيرت كأولِ مستشارةٍ مصريةٍ بالمحكمِة الدستورية العليا (كيف نقبل أن تقوم المرأة بتدريس القانون للرجل بكلياتِ الحقوق ثم لا نسلم بحقها في "كرسي القضاء"؟)…

وفي إِعتقادي: أن الإنسانَ السوي يعتبر أن مناقشةَ موضوعِ جوازِ أو عدم جواز وصول المرأة لأي موقع هو "إهانة فكرية" ، فينبغي أن نتجاوز مجرد السؤَال بمعنى أن يكون يقيننا أن أهل التعصب وضيق الأفق فقط هم الذين يطرحون هذا السؤَال: أما أنصار العقل والتقدم والإستنارة والإنصاف فإنهم يحرجهم مجرد التصدي للسؤال الذي ما كان ينبغي أن يُطرح اليوم في واقعنا… ولكن العزاءَ أن ثلاثة إنجازات كبرى قد جاءت (في الإتجاه الصحيح) لتدفعنا لتجاوز مجرد طرح أي سؤال حول جواز أو عدم جواز بلوغ المرأة أي موقعٍ أو أية مكانةٍ.

ولا شك عندي أن وجودَ مؤسسةِ الأزهر حالياً تحت قيادة يشهد لها جلُ العقلاء بالوسطيةِ والحكمةِ والاعتدالِ والسماحةِ هو فرصةٌ هائلةٌ لمناصرةِ "مدرسة العقل والتطوير" في مواجهة "مدرسة النقل والجمود"- إن هذا الوقت هو الأنسب لكسر حلقة الجمود في موقفنا العام من المرأة – فلنتقدم ونحدث كل الخطوات التي تجعل من المستحيل أن يتمكن أحد في المستقبل من إحداث نكسة حضارية في هذا المجال .

ولنكن على يقين أن هناك علاقة مؤكدة بين التكوين الثقافي للإنسان وما يعتقده في هذا الموضوع بالغ الأهمية – وهو ما سيقودنا لإكتشاف حقيقة جوهر ومنبت الرأي الذي يتجه للمحافظة على وضع المرأة على ما كان عليه في معظم تاريخنا: وأعني أن إستعمال "الدين" ما هو إلاِّ "غطاء سياسي" لوجهات نظر تنبع من الثقافة التي كونتها مصادر أربعة هي: ثقافة البداوة وثقافة القرون الوسطى والثقافة الذكورية المتأصلة في ثقافة القبيلة الصحراوية وإنعدام (أو ضعف الصلة) بالمعرفة الإنسانية الواسعة. فما الذي نتوقعه من "رجل" نهل من تلك المنابع وإستكملها بعزلته الثقافية عن إبداعات الإنسانية العظيمة والتي يندر توفرها لمن لا تكون له أدوات طيعة من لغات دول عصر النهضة؟ .. كما أن إنعدام الموضوعية في ذلك الأمر "مطلق": فنحن هنا أمام "رجعية" تزاوجت مع "البدائية" وتلونت "بالقبيلة" – ثم كستها بعد ذلك رقيقة من العزلة عن "منابع الإبداع الإنساني العالمية" ثم اكتملت المأساة بكون صاحب الشأن يدافع عن ذاته (والتي هي ضعيفة لدرجة مذهلة).

إن التحمسَ الشديد لقضايا المرأة والذي يهدف لإزالة كل الموروث الذكوري الذي ظلم المرأة ظلماً بيناً عبر قرون المسيرة الإنسانية هو أحد أركان التقدم المنشود مثله مثل الإيمان بالديموقراطية والعلم وعالمية المعرفة وهي أركان لا يفيد التحمس لبعضها فقط – فالتقدم مستحيل بدون التحمس لها "كلها وعلى قدم المساواة".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,880,079
- لو كنت كرديا من سوريا ... : سلسلة - لو كنت ..... - الحلقة ال ...
- الآثار : بين العلماء والتجار !
- لماذا نحن عاجزين عن ركوب قطار الحداثة ؟
- التحدي الاكبر للمجتمعات العربية : التعليم
- مفتي السعودية : المدّعون أن الكسوف والخسوف ظواهر كونية مخالف ...
- دانات لندنية ... (2)
- أحلام يقظة (1)
- دانات لندنية ...
- ذبح الأقباط ليلة عيد الميلاد
- الحلف غير المقدس
- دانات : أرض - أرض
- العرب والمعاصرة - حوار جريدة المساء المغربية مع المفكر المصر ...
- حوار طارق حجي مع نخبة من المثقفين العرب
- مصاصوا الدماء : إبتعدوا ...
- إشتراك رجال الأعمال فى الحكم - بمناسبة إقالة وزير مصري من رج ...
- طارق حجي : من حديث للإذاعة المصرية (12 أكتوبر 2009)
- إنبعاث المارد.
- الإدارة و ثقافة المجتمع.
- شذرات
- آثار انهيار الطبقة الوسطى - باربع لغات


المزيد.....




- شقيق السعودية لجين الهذلول يتحدث عن -التحرش الجنسي- بأخته بش ...
- هل تغلّب لجنة الإدارة والعدل النيابية مصالح رجال الدين على ح ...
- وزارة التربية التونسية تكشف عن العشرات من حالات التحرش الجنس ...
- مراكز تعليمية واجتماعية بتونس لانتشال النساء من براثن الأمية ...
- طبيب يخصب 48 امرأة ويفلت من العقاب! (صورة)
- ابنة الثلاثة عشر عاما تُقتل مرتين والسبب؟
- عمالة الاطفال.. اعداد متزايدة تحت مطرقة الفقر
- ما هي التعديلات التي أُقرّت في إجراءات حصول المرأة الأجنبية ...
- تونس تعلن عن نتائج صادمة بشأن التحرش الجنسي بالتلاميذ
- بالفيديو... معركة على متن طائرة ركاب بسبب امرأة حافية القدمي ...


المزيد.....

- وثيقة:في تنظير قمع المرأة: العمل المنزلي واضطهاد النساء / شارون سميث
- رحله المرأة من التقديس الى التبخيس / هشام حتاته
- النسوية الدستورية: مؤسّسات الحركة النسائية في إيران – مر ... / عباس علي موسى
- المقاربة النسوية لدراسة الرجولة حالة نوال السعداوي / عزة شرارة بيضون
- كيف أصبحت النسوية تخدم الرأسمالية وكيف نستعيدها / نانسي فريجر
- الجزءالأول (محطات من تاريخ الحركة النسائية في العراق ودور را ... / خانم زهدي
- حول مسألة النسوية الراديكالية والنساء ك-طبقة- مسحوقة / سارة سالم
- طريقة استعمار النيوليبرالية للنسوية، وسبل المواجهة / كاثرين روتنبرغ
- -النوع الاجتماعي و النسوية في المجتمع المغربي - - الواقع وال ... / فاطمة إبورك
- النسوية واليسار / وضحى الهويمل


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - طارق حجي - لا تقدم بدون -حقوق كاملة للمرأة- ...