أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصيف الناصري - كتاب { العودة الى الهاوية } في الشعر العربي الراهن















المزيد.....



كتاب { العودة الى الهاوية } في الشعر العربي الراهن


نصيف الناصري

الحوار المتمدن-العدد: 2915 - 2010 / 2 / 12 - 10:52
المحور: الادب والفن
    




المحتوى


1 - العودة الى لغة وأغراض الشعر المنقرضة .
2 – { غزل عربي } : هاشم شفيق .
3 - { الشاي ليس بطيئاً } : منذر مصري .
4 - { زلّة أخرى للحكمة } : جريس سماوي .
5 - { قفا نبك } : عبد الكريم كَاصد .
6 - { كلما رأى علامة } : أمجد ناصر .
7 - { طريق دمشق والحديقة الفارسية } : نوري الجراح .







العودة الى لغة وأغراض الشعر المنقرضة .

أبديت في مناسبة سابقة اعجابي بما حققه الشعر العربي المعاصر من انجازات وتجارب واتجاهات ومحاولات جادة ، بدأت منذ الستينيات من القرن الماضي في اللحاق بركب الشعر العالمي وتطوير القصيدة العربية الجديدة ولغتها ورؤاها ومعمارها وفنيتها ، عبر الفهم الواعي المسؤول والواضح لدور الشعر في العالم الراهن بعيداً عن رماد السياسة والايديولوجيا التي تحاول دائماً اخضاع الشاعر وتجربته الابداعية الخاصة الى رؤيتها القاصرة للواقع المبتلى بشرور شتى لا تريد أن تنتهي ، ولا تستطيع هذه الايديولوجيات التي تكاد تضمحل الآن أن تقدم لها الحلول اللازمة ولا حتى أن تفك الغازها ، وباركت جهود الشعراء العرب في خلق قصيدة جديدة ومغايرة تنأى عن السائد والمألوف والعابر . الآن بعد قراءة جادة ل مجموعات شعرية مختلفة لشعراء عرب من أمكنة وتجارب مختلفة صدرت في الفترة 2001 وحتى 2005 . أجدني أعلن عن خيبة أمل في شعرنا العربي الآن وفي تجارب هؤلاء الشعراء وهم من المعروفين جداً وقد أصدر البعض منهم أكثر من 10 مجموعات . تتبدى خيبى أملي هنا في أن هؤلاء الشعراء الذين حققوا لهم شهرة كبيرة في العالم العربي من خلال الايديولوجيا والعلاقات العامة والقضية الفلسطينية التي كانت المفتاح السحري للدخول الى الوظيفة والى المهرجانات والاعلام والشهرة . لم يقدموا جديداً في مجموعاتهم هذه ، وظلت الرؤى واللغة والموضوعات المكررة هي نفسها على مدار التجربة الطويلة وكأن الشاعر هنا غير معني في الزمن ونهر الحياة المتدفق دائماً . لا بل أن البعض بعد أن انتهت وتهشمت الحاضنة والمرجعية السياسية التي كان يتكىء عليها بعد اصدارات كثيرة تحت ظلال هذه الحاضنة ، قد عاد الآن الى الوظائف التقليدية في الشعر العربي وراح يكتب على غرار شعراء العصور الأخيرة للأندلس في الغزل . ومن المعروف أن الغزل الآن لا مجال له في قصيدة الحبّ الحديثة التي تخلت عن وظيفتها السابقة منذ زمن لا بأس فيه . أحاول هنا قراءة المجموعات وأبدأ بالمجموعة الأولى :

1 - غزل عربي
هاشم شفيق .
سنة الأصدار 2001 { رياض الريس للكتب والنشر } ..
يضع الناشر على غلاف المجموعة الأخير التي قسمت الى قسمين : { هي 48 قصيدة } تعقبها قصيدة بعنوان { البرزخ } و { هو 40 قصيدة } مذيلة بقصيدة عنوانها { البرزخ } أيضاً . الكلمات التالية : { شعراء عرب كثيرون أشاحوا بوجههم وسمعهم عن شعر الغزل والشبق والجسد بأبجديته الحسية ، ابان طغيان الايديولوجيا من سياسة وأدب في السبعينيات والثمانينيات ، رغم أن دماء هذا الشعر بمفرداته وعباراته من شوق ، ضراعة ، ابتهال وطقوس جنسية – دينية – تتدفق في شرايينهم منذ ستة آلاف عام . في شعر هاشم شفيق هنا ما يشبه العودة الى الينابيع ، الى الرافدين والنيل ونشيد الانشاد ، كأن الشاعر الضليل عاد بعد رحلته ليتمرغ في طين وغرين الخصب الشعري . ليست العودة هنا بالطبع الى اينانا وعشتار والنصوص العربية المحرّمة من قبيل الاطلالة على الاسطورة والموروث ، بل هي نسيج ومحاكاة لتلك الأغنيات والصلوات والتمتمات التي حولت الجسد الى معبود يفيض بالشهوة والعطر والنعمة . في القصائد ثمة قطف للرغبة ، نهل للعسل ، هتك للفراغ ، جزّ للأحراش ، ولعق للأسرار ، في أطباق من حلو ومالح ، مما يفتح أبواب الوليمة الايروسية على لهفة خلودها المنشود } .
اترك الآن هذه المقدمة الطنّانة الرنّانة وجملها الانشائية التي يبدو انها كتبت خصيصاً لاصطياد القراء المغفلين المكبوتين في العالم العربي والتي أراد من خلالها الناشر أن يحقق نسبة معقولة من البيع بطريقة تجارية فهلوية لتغطية نفقات المجموعة التي صدرت في طبعة أنيقة وفاخرة ، وأركز على { نسيج ومحاكاة لتلك الأغنيات والصلوات وألأغنيات التي حولت الجسد الى معبود يفيض بالشهوة والعطر والنعمة } . من حسن حظ الشاعر أن لا شيء في مجموعته من هذا الكلام ، ولست أدري كيف وافق على أن يكون ينسج ويحاكي تللك الأغنيات والصلوات طالما هو وريث ثورة شعرية كبيرة ما زالت مستمرة ، ويحيا الحاضر وله تجاربه الخاصة والمتعددة في الشعر والحياة ومع المرأة ؟ لا محاكاة للصلوات القديمة ولا للأغنيات والترانيم في الشعر العراقي ما قبل الاسلام في المجموعة أبداً . يأتي سياق اصدار هذه المجموعة بعد صدور 10 مجموعات للشاعر . كانت الأولى قد صدرت في عام 1978 وبعد رواية صادرة عام 1992 وكتاب { دراسة ومختارات . شعراء الطليعة في العراق } لم أطلع عليه ويذكرني عنوانه بعنوان مشابه لعلي العلاق { شعراء الطليعة } صدر في السبعينيات وانقرض الآن كل الشعراء الذين ضمهم هذا الكتاب . وانكشفت لنا بعد انقراضهم الحقيقة المرة للايديولوجيا وبؤسها ومشروعها . لنا أن نتساءل هنا . كيف يستطيع شاعر الطليعة أن يكتب وأن يظل وفياً دائماً لقاموسه الشعري ولغته الرومانسية التقليدية طوال أكثر من 30 عاماً من دون تغيير أو انزياحات في اللغة والصورة وعلى صعيد السياقات والعلامات والدال والمدلول في اللغة ؟ هل يمكن لشاعر الطليعة أن يتعكز على كاف التشبيه في كتابة القصيدة الحديثة والجديدة ؟ أين مكان ووظيفة وفهم الصورة الشعرية في القصيدة التي تكتب الآن ؟ أضع هنا بعض المفردات التي تتكرر في قاموس الشاعر دائماً في مجموعاته لنرى تقليديتها وجفافها من كثرة الاستعمال بطريقة تجعلها ميتة وغير مؤثرة : { النواجذ . النواظر . ولدان يواقعون السوائم . الدهر يلاطفنا . الهجير . الهجيرة . جلدك الملسوع بالتوق . مشية الخيزلى . يتطفأ . مغاور . تلابيب . أغتدي . غرام . مغازلتي . مكنوني . تغار وتزعل . أسلحة غنجة . الكف المحتلبة . ثناياك . الخلوات . مهجتك . أنفاسك الحرى . تعازيم . اشارات نورانية . انتشى بالضرام . الوقيد . أعطافي . الموبقات . أرتعي . لدونة واكتناز وحلاوة . ناهل . الفرائد . الطغراء . الحلكة . الوداد . حيرى . انتقاب . الالتياع . المغفى . تتلاطم } . أكتفي بهذا القدر مع أن هناك الكثير من المفردات القاموسية التي تركها أغلب شعراء القصيدة العمودية في السعودية والامارات وموريتانيا الآن ، ولم يعد أحد ما أن يستخدم في أيامنا هذه { مشية الخيزلى للمتنبي } ولا { أغتدي والطير في وكناتها لأمرىء القيس } ولا { وقد أغتدي لأبي نؤاس } وأعذر الشاعر لأنني قرأت معه مرة حواراً في صحيفة { الصباح } التي تصدر ببغداد يرد فيه على سؤال ويقول انه { يقدس اللغة العربية } وكان قوله هذا هو عنوان الحوار ، وأعود الى مناخات وموضوعات المجموعة التي تتشابه بشكل حاد طوال 214 صفحة وكلها تتوسل موضوع الجنس بطريقة تخفي وتضيّع دور الرغبة وحرارتها بسبب التكلف والميوعة التي يحاول الشاعر فيها أن يضبط ايقاع العاطفة ، لكنه يفشل بسبب قصديته في النظم ولغته التقليدية وكلماته المستعارة والتي لا تسعفه في التحرر من الموضوع المسبق والتفكير الجاهز في القصيدة ، ومن المعلوم أن التفكير في القصيدة يقتلها دائماً ، ويبرز هنا بشكل واضح دور الناظم لا الشاعر ، فهو في القسم الأول يتحدث بصوت { هي } وفي القسم الثاني يتحدث بصوت { هو } . أقدم هنا نموذج من كل قسم ولنرى النتيجة :
اجلد بزعافك ناصيتي

جزّ الأحراش
وجُزَّ تلابيبي
طوّقني بلعابكَ
اجلد بزعافكَ ناصيتي
يا جلاّدي وحبيبي
ان لهيبي
لا يطفئه إلاّ ماءٌ منتصبٌ
ينسابُ على سهلي وكثيبي
جُزَّ الأسفل يا حطّابي
جُزَّ تلابيبي .
القصيدة السادسة من { هي }

نامي على هاجسي

ليس لي
من غذاءٍ سوى الصمت
يحملني هذا السكوت
ألتهي بالاشارات
منتهلاً
رمزها والعلامة
محتلباً
آخر الصبروت
أشتهيكِ اذن
فسِّري التمتمات وتأتأتي .
اشرحي اللعثمة
غيِّبي الرهبوت
أوغلي في الكلام
انثري الكلمات هنا وهناك
ارسمي الصمت
فوق مراياكِ
نامي على هاجسي
واعلني الرغبوت .
القصيدة الأولى من { هو }

نسّاجة الشبق

حائكة الشبق أنتِ
المدرّبة على الرموز
وتفكيك لذّتها
أنتِ المشرَبةُ بالدهاء
تستوفزين فيَّ
متاهات داخلية
توقظين شعابي
ومغاوري العميقة
لصوتكِ تصحو خطاي
تتوثَّبُ
مكركِ تخلطينه بالعسل
وشفاهكِ بالملح
ولهذا ظمئي يفورُ
وجبيني يتصبب ارتعاشات
وذاك الملتهب ٌ الذي تعرفينه
المحزّز
المتورِّم
المتعرِّق
لن يهدأ
يا نسّاجة الشبق .
القصيدة الرابعة من { هو } .
لا يخفى على القارىء طريقة النظم القصدية في القصيدة الأولى من خلال استخدام القافية والمفردات القاموسية الموجودة في الشعر العباسي والأندلسي من أمثال { تلابيبي . بزعافك ناصيتي . سهلي وكثيبي . منهلاً . محتلباً } ونستطيع الآن أن نبدل السياق ونجعل المتكلم في القصيدة الرجل وليس المرأة بسهولة تامة ، طالما انها نظم لغوي بقصد واضح غايته غير مفهومة سوى النظم لحد ذاته . لن يتغير شيء وسوف يسير السياق مثلما نريد عبر الصياغات اللغوية التي نرغب فيها نحنُ وليس كما يوهمنا الشاعر من خلال ادعاءه من أن المتكلم في القصيدة المرأة التي تحترق بنار الرغبة وهي تدعو الرجل لممارسة الحب معها . كنت في مناسبة ما ، انني { أسميت هذا النمط من الشعر ممارسة العادة السرية في الكلمات } . في القصيدة الثانية وهي أيضاً نظم لأجل النظم من خلال توسلها المفردات القاموسية والتقفية غريبة الكلمات في زمننا الآن . نستطيع أن نقلب السياقات اللغوية قليلاً ونجعل المتكلم المرأة لا الرجل ولن يتغير أي شيء وسوف تبقى القصدية واضحة جداً . يحاول الشاعر والعاشق المثقف الطليعي في القصيدة الثالثة وهو المقيم في بريطانيا منذ سنوات طويلة وكتب قصائد مجموعته فيها ، عبر رؤية عربية متخلفة مع الأسف في التعامل مع المرأة ، أن يرمي اسقاطاته واستيهاماته الجنسية المزعومة لأننا نعرف انه هنا نظّام لا عاشق ، على المرأة التي يتوهمها من خلال النظر اليها كونها شبقة وتحيك الاغراءات وتوقع الرجل في حبائلها ، من خلال دهاءها ومكرها وهو القديس الورع الذي تستفز مغاوره العميقة اغراءاتها ، ويوقظ صوتها خطاه المتوثبة وحين تخلط مكرها في العسل وشفاهها في الملح يفور ظمأه ويتصبب جبينه ارتعاشات ويتورم عضوه ويختم منظومته بقوله { يا نسّاجة الشبق } وكأن الرجل لا ينسج الشبق . تدور بقية القصائد الأخرى في هذا الفلك الممل من الاستيهامات التقليدية عبر موضوع واحد هو أن المرأة شبقة دائماً وماكرة و تصرخ { أحبُّ الحليق ، بطلعته المبهجة . يهيجني دمعه . عند غايته المحرجة } . هل تحب المرأة هذا اللغو ؟ تذكرني هذه المنظومة للشاعر ابن حجّاج وهي موجودة في كتاب { المستطرف في كل فن مستظرف } ولها نفس القافية . أما بقية القصائد في القسم الثاني فيظهر الرجل فيها عبر رؤية ذكورية تقليدية للمرأة من خلال ادعاءه الدائم في انه الفاتح العظيم الذي تنتظره المرأة بلهفة :
ترتسم اللهفة
في خديك
تنث رذاذاً
أتحسسه
في صوتكِ المبحوح
وفي تقاسيم الثياب ،
أنتِ حقل أحمر للهفات
وحصيدي قد حان .
القصيدة 27 { حقل أحمر للّهفات } { هو }
هنا تبدو المرأة بستان مثمر ومتلهف وجد من أجل الرجل لاشباع رغباته . يقطف من ثماره متى ما ارتسمت اللهفة في خدي المرأة البستان وبح صوتها في مناداة الرجل الذي سيشبع رغبتها بفحولته وعظمته حين { يحين حصيده }. لا مكان للحب بين المرأة والرجل في كل قصائد المجموعة . ولست أدري كيف يرغب المرء في امرأة لايحبها ولا يعرفها ولا تحبه ولا تعرفه ؟ .

2 - { الشاي ليس بطيئاً } لمنذر مصري { رياض الريس للكتب والنشر }
2004
أخبار وتقارير وحوادث يومية تضحي بالشعر ..

صدرت مجموعة الرسام والشاعر السوري منذر مصري { الشاي ليس بطيئاً } عن شركة رياض الريس للكتب والنشر عام 2004 وهي الاصدار السابع في رحلته مع الكتابة ، وصدرت له عام 2005 بالفرنسية مختارات من شعره بعنوان { أهل الساحل } عن دار النشر { آليدادس } . يتوقع القارىء هنا أن المجموعة الأخيرة التي أعلن الشاعر فيها عبر قائمة اصداراته عن قرب صدور { الأعمال الشعرية } والتي جاءت بعد تجارب طويلة له مع الكتابة . سيكون فيها من الابداع وحرارة التجربة الشيء الكثير ، لكن مجرد تصفحها وقراءتها بهدوء ستثير الغثيان وخيبة الأمل بسبب خلوها من شذرة شعرية واحدة على مدار الصفحات ال 183 ، هي كامل المجموعة التي جاءت بصيغ نثرية اخبارية وتقريرية وشروح مملة ومكررة عبر لغة صحفية تتوسل الآني واليومي والمألوف وغيرها من الموضوعات التي انشغل فيها الشعر المصري والسوري واللبناني في التسعينيات وانتهت صرعتها الآن مثلما انتهى وغادر الى غير رجعة الكثير من الذين تورطوا في كتابتها وأراقوا بحاراً من الحبر والضجيج والتقريظ والاصدارات . توزعت المجموعة 7 أقسام بعشوائية واضحة ومن دون هدف معين يحدد لماذا هذه الأقسام وهذه العناوين طالما أن لغة وموضوعات ومناخ المجموعة هو هو لم يتغير أبداً . لا عجب هنا لأننا نعرف أن هذه فذلكات الشعر اللبناني والسوري منذ أمد بعيد . جرى رصف سطور الكتابة كلها بطريقة غنائية توحي انها شعر لكن الحقيقة هي عكس ذلك ، اذ تخلو صفحات المجموعة من أي شعر وذلك لأنها مكتوبة بأساليب وطرائق الصحافة من حيث التقرير والاخبار وشرح الحادثة ، واذا كنا نعرف أن الشعر الحديث والشعر عموماً يتسم بالتشظي واللعثمة والهمهمة ويتوسل الصورة والرمز والايماءة والاشارة والايحاء ، فأن كل قصائد المجموعة جاءت على هذه الصيغة التي سأعيد تصفيطها لأوضح أنها كتابة صحفية خادعة :

لا أستطيع مغادرة الأغنية

{ الى ثرثاري الثلاثاء }
المقارنة بين اللاذقية
وباريس
لن تكون
لصالح باريس
ليس لكوني طمّاعاً
ولا حدود لقناعتي
بل أيضاً
كما تقولين
أن نحب
شيء
وأن نقع في الحب
شيء آخر }
أعيد هنا رصف الكلمات حسب صيغتها الصحفية لنرى مدى المجانية فيها ولا أقصد المجانية في قصيدة النثر وهي شرط أساسي فيها والتي لا يكتبها أحد في العالم العربي بجوهرها الحقيقي إلاّ قلة قليلة من الشعراء العرب :
{ المقارنة بين باريس واللاذقية لن تكون لصالح باريس ، ليس لكوني طمّاعاً ولا حدود لقناعتي ، بل أيضاً كما تقولين أن نحب شيء وأن نقع في الحب شيء آخر } . الآن حصلنا على تقرير من الراوي أو على وجه التحديد رسالة من رجل الى امرأة وليس شعراً يتوسم التخيل والصورة والانزياح في اللغة والاشارة والايماءة . أقدم هنا جزء آخر من القصيدة وهو صيغة اخبارية صفّت سطورها كما في الجزء الأول ولنلاحظ الحكي النثري العادي الذي من الممكن أن نسمعه في الشارع أو المقهى أو ما شابه :
{ أخذت لنا الصور التذكارية
ونحن نقف
واضعين أقدامنا الموحلة
على جذوع أشجار نخيل
أقتلعت من منابتها البعيدة
وأحضرت الى هنا
حيث طرحوها أرضاً كطرائد حية
جلبت لتوها من الفخاخ
وقد لفّوا جذورها بأقماط
ما زالت مبللة
جاهزة لننصبها
اختصاراً للوقت
كأعمدة طبيعية ذات تيجان من السعف
في أية حديقة
وخلف أي سور .
ترى ما الذي سنلتقطه من تحتها
عندما سنتسلق أعناقها الطويلة ؟ }
أعيد هنا صف كلمات القصيدة كما في المرة الأولى لتتبين لنا صيغة الاخبار التي تتضمن الشرح وتتوسل كاف التشبيه مرتين ، وهذا الجزء على الرغم من صيغته الاخبارية هو جواب رسالة أيضاً وشرح لموضوع ما :
{ أخذت لنا الصور التذكارية ونحن نقف واضعين أقدامنا الموحلة على جذوع أشجار نخيل أقتلعت من منابتها البعيدة وأحضرت الى هنا حيث طرحوها أرضاً كطرائد حية جلبت لتوها من الفخاخ وقد لفوا جذورها بأقماط ما زالت مبللة ، جاهزة لننصبها اختصاراً للوقت كأعمدة طبيعية ذات تيجان من السعف في أية حديقة وخلف أي سور }
يشرح الشاعر جذوع أشجار النخيل التي أقتلعت من منابتها البعيدة ويشبهها كطرائد حية جلبت لتوها من الفخاخ . لا أعتقد أن الشعر بحاجة الى الشرح والتشبيه والايضاح . جاء القسم الرابع في المجموعة تحت عنوان صحفي يتعمد الاثارة المملة التي نعرفها في صفحات الحوادث { عباس والوطواط في بيروت ، وريلكه وأنا في المنام ، وأسامة لوحده في اللاذقية } . أقدم هنا مقطعات من القصيدة الثانية فيه لنتعرف على المناخ المجاني الذي صال وجال فيه الشاعر عبر كل صفحات مجموعته السابعة وهو يستعد لأصدار أعماله الشعرية التي ربما تكون قد صدرت الآن وحجز مقعده العتيد في الأبدية العالية للشعر العربي ونال الخلود في الدهر :

تبعاً لاحساس أعمى في الاتجاه

{ شبه اعتذار عن عدم قبولي دعوتكِ لقضاء السهرة تلبية لنداء الواجب بالقيام كل ليلة بجولتي الوطواطية }
أصِل
وكأنني كنتُ على موعدٍ
مع المطر
كعادته
ينتظر لحظة خروجي
وخبطة الباب ورائي
لينهمر .
لم أشعر بالاثارة
بالقدر الذي تتوجبه
مؤخرة الممثلة المضيئة
حال دون ذلك الذباب
الذي كنت أسمع أزيزه
محوِّماً في العتمة
على غير هدى
ثم فجأة يلطم وجهي
وكأنه يلتقط انعكاس
الأضواء
في عينيّ } .
لا شيء يثير الرغبة في مواصلة الكشف عن المجموعة لأنها كما ذكرت من قبل لا تتعدى الكتابة الصحفية وتخلو من أية قيمة شعرية .

3 - { زلة أخرى للحكمة } لجريس سماوي
الاخلاص لبدايات شعر التفعلية وخواء وهذر لا ينقطع ..

{ سادن الغيم ذات ليل أتاني
فاعتراني من الهوى ما اعتراني
قال : بُح بالمنى ، ونم في جداري
واجترحني ، وجد بورد الأماني
من يحيل الجدار غيماً وينسى
يكسر الليل تحته ويراني .
من قصيدة { فريسكو على جدار غائم } .
تقدم وكالة الأنباء الأردنية { بترا } مجموعة جريس سماوي بالكلمات الطنّانة التالية : { حظي الديوان الشعري للشاعر الأردني جريس سماوي { زلة أخرى للحكمة } بطبعتيه ، الأولى التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والثانية التي صدرت عن المكتب المصري للمطبوعات باهتمام الأوساط الثقافية العربية وخاصة في معرض الكتاب الدولي في القاهرة . يقول جريس سماوي انه أراد أن يمتد الى الأفق العربي في هذا النتاج الفكري الشعري الأول ليلفت الانتباه الى وجود شعر وفكر في الأردن } . وتصريح الشاعر هنا مفارقة كبيرة غير مبررة وهو يعرف انه لا يمثل الشعر ولا الفكر الأردني . سيزول عجبنا للحماسة الشديدة التي تقدمها لنا وكالة الأنباء الأردنية في تضخيمها لظاهرة جريس سماوي وديوانه الأول الذي صدر بعد أكثر من عقدين في كتابة الشعر ونشره في الصحف والدوريات العربية ، حين نعرف أن هذا الشاعر الذي تقدمه ميسون أبو بكر في منبر { دنيا الوطن } الفلسطيني بقولها : { وهو يتولى الآن منصباً هاماً حيث يعمل مديراً لمهرجان جرش . هذا الذي يقام في رحاب التاريخ ويجمع أهل الفكر والأدب والفن } . اذن هذا الشاعر ليس شاعراً حقيقياً وانما هو { عتوي }* كبير يرأس ادارة مهرجان جرش الذي يقام كل صيف في الأردن ، ولكي أعطي الدليل على نزع صفة الشاعر عنه . أعود الى كلمة محرر وكالة { بترا } في قوله { الديوان الشعري للشاعر الأردني جريس سماوي } ولست أدري هل أراد أن يثّبت الشعرية في المجوعة ويميزها عن { ديوان المظالم وديوان البريد وديوان الخراج } لكن يبدو أن الأمور قد اختلطت على هذا المحرر الذي اكتشف أن وضع مجموعة قصائد في كتاب تكون نتيجتها ديوان شعر . قبل الدخول في مناخات المجموعة أود أن أعّرف القارىء بطبيعة وعمل الشعراء الذين يشرفون على ادارة المهرجانات الثقافية في العالم العربي في نسج العلاقات العامة وتوجيه الدعوات والدعوات المقابلة للاشتراك في هذه المهرجانات التي تقام في الأردن وسوريا وتونس والمغرب ومصر وعمُان واليمن والمجانية في التقريظ والاعلانات الكاذبة عن الابداع عند هؤلاء المدراء وسواها من الترهات التي باتت مفضوحة لنا الآن . يكتب الصحفي المصري شريف الشافعي من القاهرة في صحيفة { الرياض } في عددين مختلفين عن جريس ومجموعته ويقول في العدد الصادر بتاريخ 20 ابريل 2005 بحماسة انشائية يحسد عليها : { حيث ينحو الشاعر الى القصر بقدر ما ينحو الى السهولة والوضوح والابتعاد عن التعقيد والتكلف ، كما استطاع الشاعر أن ينجو من السقوط في فخ الرتابة بواسطة تنويع الصياغات والافادة من الخيوط المرهفة للسرد وتقنيات الفنون الأدبية الأخرى كالمسرح . ورغم أن الشاعر يمنح ذاته حرية في فضاء النص ، فانه في الوقت نفسه يلتزم تقنيات القصيدة التفعيلية من موسيقى ظاهرة وصور بيانية وتخييلات مجازية ، كما تتسم لغته بقدر من الشفافية والسمو فوق نبرة الحياة اليومية } ثم يستشهد هذا الصحفي والناقد العبقري بقصيدة لا علاقة لها بحماسته هذه ليخدع نفسه ويخدع القارئ غير المطلع على المجموعة . ويكتب أحمد الشهاوي وهو ناسج علاقات عامة ماهر في كل بلدان العالم العربي ويشبه أحد الأشخاص عندنا في ادعاءاته حول تهديده من قبل القوى الاسلامية بسبب مجموعة تمزج الحب في التصوف وفوزه بالجوائز العديدة لاكتشافاته المزعومة في الشعر وهو يكاد يكون أحد الضيوف الدائميين على مهرجان جرش قائلاً عن جريس سماوي ضمن مجاملة معروفة : { هو شاعر أشعله البرق ، وحلّت به النار ، ودارت به الريح ، يشدو بترنيمته بين كثبان الجسد ، ويغمض عينيه قرب الرخام المقدس ، يعزف لحنه البدائي في خفة ، ويداري به وحشته وضياعه ، يشعل قلبه . إنه جريس سماوي ، سارق الخيل ليلاً ، الراقص مثل عريس من الجن منتشياً بلغته وصوره . خيمته من هواء ، وبيته غبار السفر ، يفرش أحلام روحه لحرفه ، ويشعل الأرض كي يحرق اللغة ويحرسها . منذ أن دق أوتاده في العراء وغطى المساء بأستاره ومضى ، وهو مستغرق في السديم ، يرى كل شيء . هو شاعر علق الأرض في دورق من مياه ، ومد أسفاره للبعيد ، ورتب للمبحرين طريقاً وللعاشقات هدايا من لؤلؤ } . نحن الآن بحاجة هنا الى من يفك لنا طلاسم الشهاوي هذه ويوضح لنا ما المقصود ب : الرخام المقدس و اللحن البدائي و سارق الخيل ليلاً . ولا ندري أية خيل هذه التي يسرقها الشاعر في الليل ؟ و عريس من الجن وخيمة الهواء و يحرق اللغة ويحرسها و دورق من مياه . تنقسم المجموعة في طبعتها الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2004 ب 174 صفحة الى 5 أقسام ضمن فذلكة يغلب عليها الطابع اللبناني المجاني في التصفيط والتبويب من دون روابط معلومة تربطها من ناحية الموضوعات أو الفترات الزمنية أو المناخات وهي غنائية وتتكئ على التقفية في جميع القصائد ومكتوبة على طراز شعر التفعيلة في الخمسينيات من القرن الماضي ووفية لرؤى وتقاليد ومعمار ذلك الشعر ، كما يتعكز الشاعر فيها على حرف الواو وكاف التشبيه في الكثير من القصائد لربط الجمل والسياقات ضمن مناخ البدايات الأولى لشعر التفعيلة :
{ مريض بجوعاي
بالزالفين الى كعبتي
بالحجيج
الألى انتظروا طَلَّتي
عند جسر التعب
وأنا لم أُطِل
مريض بمن رسموا صورتي
كهلال
ومن لعنوا الحوت
من رقصوا كالدراويش
لكنني لم أهل .
قصيدة { الرغيف }
تظهر التداعيات الرومنتيكية غير المنضبطة ذات المرجعيات التراثية التقليدية لثقافة الشاعر بارزة في أغلب قصائد المجموعة ، كما تبدو لغته في خلفيتها القاموسية واضحة أيضاً عبر استخدامه مفردات مثل : { الهوى . الحجى . الأشهى . الأبهى . الحشا . الحرّى . المشتهى . صاحبتي . كثبان . أهجر . خباء . الثريا . أيها الناس . الحجيج . نديم . ماجنة . الشائنة . ثراه . الذي عَقّني بالغياب . التقاة . زلفى . هشاشتي . المستهام . الذاريات . العاديات . مجلوة . أترجى . دمايا . حمايا . خُطايا . تتبع الحُسنيين . الخجلى . أفراس . الدنيا . أقم القِرى . جوعى . الشعرى اليمانية . الألى } . ويتبع في مناخ المجموعة كله ستراتيجية غنائية صارخة تخلت عنها القصيدة الحديثة نهائياً عبر تشظيها وامتلاءها بالتجارب الحياتية والمعرفية والصور والرموز والأقنعة والأحداث والحيوات المتعددة في تحولاتها والتجارب . لا تشذ عنها أية قصيدة ، عبر تقفية لفظية خالية من كل تجربة وحدث ، لا نخرج منها بشيء يذكر من القصيدة الأولى حتى القصيدة الأخيرة . أقدم هنا هذه المقطعات من قصائد متفرقة لأعطي الدليل على ذلك :
{ بجناحين من ألق الضوء مرَّت
وألقت على تعب الروح
أغنية تحيتها العابرة
ومضت
خلفتني رماداً وأغنية حائرة
ومضت
مثل حلم جميل مضت
ليتني لم أكن متعباً حين مرّت
ليتني لم أكن نائماً في ممرّ الدخان
ليتني لم أكن مثقلاً بضباب المكان .
كملاك صغير
بيدين من الفضة الساحرة
وفم مثل حبة توت مقدسة
وجناحين من ألق الضوء
مرّت
وألقت تحيتها العابرة
خلفتني رماداً وأغنية حائرة .
قصيدة { التحية }.
{ عينان راغبتان
والكحل من شِعرٍ مقفى بالنعاس
وخمارها كشف وإخفاء
وموسيقى الحواس .
قصيدة { امرأة متخيلة } .
{ يجوس فوق ملاسة الحجر المضيء بها
فينتشر العبير
وهو انبلاج البرق والمعنى
وهو المعَّنى والفقير
وهي الفضاء الطلق
والجسد المنير
وهو الأسير
لكأنها امرأة
تلامس شهوة أخرى
وكأنه الذكر الضرير .
قصيدة { مطر وتمثال }
{ لرعاة المجوس الثلاثة
أمنح أجراس روحي
أضمُّ لموقدهم نار روحي .
قصيدة { فريسكو على جدار غائم }
{ والمرتوي بالندى
والأماسي
ألا أيها الورد
يا ذا البهاء
ويا ذا الرجاء
ويا ذا المسرات
يا أيهذا النبي المؤاسي
ويا أيهذا النبي المسمر بالحلم
والممتلىء بالنعاس }
قصيدة { دعاء الورد ..
{ منذ أسراره
منذ أحلامه المصطفاه
منذ أن أشعل الأرض
ذات شتاء بعيد
ومنذ خفايا رؤاه
منذ أمطاره المشتهاه
يرى كل شيء
ولا شيء يراه .
قصيدة { البحر } .
{ دائرتان من الضوء
ترتعشان
تسيلان
مثل نبيذ عتيق
وتختلجان
هما أجمل الهندسة
وفمان
يقرآن كتاب الغوايات
من دونما مدرسة
رغبتان
تبحثان عن الروح . تنجذبان
وتبتعدان وتندغمان
هما جمرتان
تشعلان المكان وتأتلقان
دائرتان فمان
منفلتان من الوزن
غامضتان
هما نغمتان
هاربتان من العود
صعلوكتان .
قصيدة { قبلة } .
وألآن – ماذا بامكاننا أن نقول عن شاعر في عصرنا وأيامنا هذه يرأس أحد المهرجانات الثقافية والفنية والسياحية في العالم العربي . يقّفي ويقول في قصيدته : { ألا أيها ال } ؟ . في أفضل الأحوال سنقول له : { عد عزيزنا جريس سماوي الى خيمتك وصحرائك وبدويتك الشعرية ، واترك الادعاء في الشعر والفكر الأردني الذي تحاول أن تلفت الانتباه اليه الآن . نحن أدرى منك في الشعراء الأردنيين الحقيقيين وابداعهم } .

هامش
* عتوي . القط الكبير في العامية العراقية


4 - { قفا نبك } لعبد الكريم كَاصد
شعر الا نحطاط وأنساقه الشعبية ..

تطرح الاشكالية المعقدة لمجمل عمل عبد الكريم كَاصد الشعري مفارقة واضحة في الرؤيا والتفكير والمضامين والمرجعيات المعرفية للشاعر . وتتبدى هذه الاشكالية في قيامه بترجمة عمل سان جون بيرس { انا باز } وعمل جاك بريفير { كلمات } و { قصاصات } يانيس ريتسوس من الفرنسية ، وثانياً مشروعه الشعري الذي وصلت فيه اصداراته الى 9 مجموعات شعرية ، ظل محافظاً فيها على التقاليد والقوالب والأنساق القديمة والجاهزة للشعر العربي ، وكأن ثورة السياب ابن مدينته البصرة في النصف الثاني من القرن الماضي التي غيّرت الكثير من البنى والمفاهيم والأسس الستراتيجية المترسخة سابقاً في الشعر وأزاحت المرجعيات الأساسية لكل مفاهيم عمود الشعر العربي ، لم تؤثر في نظرته وطرائق كتابته ومرجعياته المعرفية في التعامل مع القصيدة الحديثة التي قطعت دهراً من التطور والانفتاح على التجارب المتعددة في العالم عبر سباقها الدائم والمفتوح من أجل التحول والصيروة في محاولاتها الدؤوبة للامساك بجوهر اللحظة الراهنة وصراعها مع الواقع والوجود عبر كل ارثها الممتد منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضى والى الآن ، وهي تجدد وتنسف دائماً من خلال التجريب والمغامرة المستمرة ، أنساقها وأشكالها ومعمارها ومضامينها الجديدة والعميقة . وانها لمفارقة كبيرة جداً حين يكتب الشاعر المقيم في بريطانيا ويحيا حياته في الغرب منذ سنوات طويلة ويتكلم الانكليزية ويترجم من الفرنسية وحاصل على ليسانس في الفلسفة من جامعة دمشق عام 1967 وعمل مدرساً لعلم النفس واللغة العربية في العراق والجزائر . يكتب الأنماط الشعرية الشعبية العراقية مثل المواويل وعالميمر والدارمي والأبوذية وقصائد العمود التي انقرضت الآن بكل أنماطها وأغراضها التي كانت صالحة للعرب في العصور الوسطى .

{ يا خالتي يا أم مرتضى
الناس لا هون بأعراسهم
وأنتِ تبكين على ما مضى
وأنتِ من ألقاكِ في غربةٍ
حاضرها أتعس مما انقضى .
أغنية { يا خالتي } مجموعة { زهيريات }.
ألا تذكرنا هذه الأبيات بأبيات بشار بن أبي برد المتوفى قبل أكثر من ألف عام والتي يلاطف فيها جاريته وخادمته الأمية من أجل الاعتناء ببيضه ودجاجاته ؟
{ ربابة ربة البيت تسكب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت .
صدرت المجموعة التاسعة للشاعر { قفا نبك ِ } عام 2002 عن دار { الأهالي } بدمشق وأعادت اصدارها مرة أخرى في عام 2003 . ضمت 10 قصائد ب 128 صفحة احتفلت أغلبها بموضوعات تراثية مثل { سلاجقة } :

{ ولمّا نزلنا الشآم
سألنا العوام
فقيل : توارثها
بعد ذاك الزمان
دقاقُ ورضوان
ابنا تتش .

و { حكايات من الحمراء } مهداة الى أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الطوائف في الأندلس وقصيدة عن { ابن الهيثم } و قصيدة عن { الطبري } وقصيدة عن { محنة ابن حنبل } و { واقعة شعرية } عن المعتضد بن عباد وشاعره ابن زيدون و قصيدة عن { ابو حيان } وأخرى عن { الزبير بن العوام } وقصائد عن { المعري والحطيئة و ابن القارح } ويضمن شذرة من بيت للرصافي في قصيدة { صوت } وقصيدة عمودية وقصيدة { قراءة في كتاب الجواهري } مختتماً المجموعة ب { محاولة لاعادة كتابة معلقة امرئ القيس باسلوب آخر } .
يحيرني الآن هنا هذا السؤال . ما جدوى أن يحاول الشاعر المعاصر اعادة كتابة معلقة امرئ القيس باسلوب آخر ؟ ربما يكون الجواب في قصيدته { كلاسيك } التي ضمتها المجموعة ويقول في بدايتها :

{ أنبيك اني بدار ليس ساكنها إلاّ الحثالة من مكذوبة النسب ِ
يبكون من منفى وفي المنفى لهم وطن يفدونه برخيص الروح والنشبِ }
ويشرح في هامش أسفل الصفحة كلمة { النشب } في البيت الثاني هكذا : النشب : المال .
ويقول في جزء آخر من القصيدة :
{ وكيف أن غرابا ً ناعباً هرماً أضحى يقال له : { صنّاجة العرب ِ }
وأسوأ الخلق أنصاب يطوف بها من لا يفرق بين النبع والغرب ِ }
ويشرح في الهامش أيضاً النبع والغرب بقوله : { النبع : شجر يعرف بقوته . تتخذ منه السهام والقسي . الغرب : شجر معروف بسهولة انكساره } . هل يحق لنا الآن أن نطرح سؤالاً حول شاعر الحياة المعاصرة المقيم في الغرب ومرجعيته المعرفية التي تنهل من الثراث الشعري وكلماته التي انقرض فيها الكثير من الدال والمدلول ولم تعد الآن في أيامنا لا السهام ولا القسي ؟ تركز المجموعة على الأنساق والقوالب والصيغ اللغوية الجاهزة وقد تمت عملية صفها في القصائد من دون انزياحات أو تغيير أو حتى تفكيك لتثويرها وأعادة صياغتها من جديد . أقدم هنا هذه الأمثلة لنرى النتيجة . { لا تثريب عليك . وقد تشاوروا في الأمر . التي حملها الجند في الصحراء . هذه الأيام لا أقرأ غير كتب السحر . الديناصور المنقرض . في حديقة غنّاء . استحلفك بالله . يأتي محمولاً فوق جواده . الهتاف الذي رددته العصور } ويلجأ في قصيدة { الحكاية الثالثة } الى الصيغة اللغوية القديمة الجاهزة ويكتب هكذا { ينحني فوق أيامه الباقيات } أما في القصيدة الأخيرة فيكتب { وطافت بأرجائه الموحشات الظباء } . هل الجأه علم العروض الى عدم كتابة { أيامه الباقية . و أرجائه الموحشة ؟ } . في القصيدة الأولى من المجموعة التي يستهلها باستهلال تعقبه 5 حكايات يخفق الشاعر في تقديم قصيدة بالاد قصصية تستفيد من السرد في الملحمة والقصة والروايه والصراع والحوار في الدراما وهو يخبرنا عن المناخ الحربي في احدى مدن الأندلس في { الحكاية الأولى } حيث يقول مختتماً إخباره فيها بصيغة لغوية جاهزة :

{ عند بوّابة البيرة
اجتاز موسى بن غسّان
قائد فرسان غرناطة
قصر أحزانه
تاركاً شرراً باقياً
للحصان الذي التمعت في الظلام حوافره
ومضى بابن غسّان
قائد فرسان غرناطة
وهو يشرع ، ملتثماً ، رمحه للطعان .
كما يخفق أيضاً في { الحكاية الثالثة } وهو يخبرنا عن ابن خلدون في تقديم حكاية . انه يكتفي بالإخبار فقط ويقول لنا انه حكاية :
{ على سفح غرناطة
قرية من قرى السقي
أورثها عاهل ل ابن خلدون
أورثها ليزيد بن مروان
أورثها للإمام الملقّب بالقرمطي
لمن جاء من بعده من ملوك الطوائف
أو من ملوك الفرنج
لمن مات مغترباً تحت أسوارها
للمرابين
والقادمين
يودعهم بالدموع ابن خلدون
مكتهلاً
ينحني فوق أيامه الباقيات
وقد خانه الأقربون .
وينسحب الاخبار مع الوصف وهما من الوظائف التي أزاحها الشعر الحديث جانباً ، الى بقية الحكايات التي أخفق الشاعر فيها تماماً في ابراز جلال الاحداث ودراميتها وصراعها الذي نعرفه في التاريخ الأندلسي . أقدم هنا بالاد { ملك العفاريت } لغوته بترجمة عبد الغفار مكاوي ليتوضح لنا مفهوم الحكاية الشعرية في كافة عناصره من حوار وصراع وأساليب تعبير وعاطفة حزينة في تعاملها مع الموضوع الذي تعالجه عبر السرد :
{ من هذا الذى يسري فى الليل والبرد والريح ؟
إنه الأب مع ولده المسكين
بالأمس اشتعلت نار الحمّى فى الجسد الصغير
لمسته كف الأم ومرت على الصدر والوجه والجبين
صرخت من لسع الجمر المتقد وصاحت : ولدى . يا ولداه
خذه الى المستشفى القريب.
لا تنتظر الصبح لكى لا نندم ، لا تبطىء حتى لا يذهب منا ويضيع .
لفته فى حزام من الصوف وغطته بالملاءة البيضاء
ركب الأب حماره وحمل معه الولد العليل
احتضنه وضمه الى صدره ، وعلى الكتف أراح الرأس المحموم
ـ ولدي ، لم تخف وجهك ، مم تخاف ؟
ـ أبي يا أبي ، ألا تراه يا أبى هناك ؟
ـ ماذا يا صغيري ؟ من هذا الذى تراه ؟
ـ إنه يا أبي ملك العفاريت ، يشير اليّ ويدعوني . على رأسه التاج المرصع بالذهب والياقوت ، ومن ظهره يتدلى الذيل الأسود الطويل .
ـ لا تخف يا ولدي . ما الشبح الذى تراه إلاّ غيمة من غيوم الضباب .
ـ أبي ، انه يقول لي : تعال . تعال معي يا ولدى الحبيب .
في محاولته المتكلفة لاعادة كتابة معلقة امرىء القيس ، يكتفي ببعثرة أبيات قصيدته كيفما اتفق من دون هدف واضح أو بنى فنية تراعي الأنساق في المضامين واللغة والتجارب الحياتية التي كتب امرىء القيس في ظلها معلقته :
{ قفا نبك من منزل لحبيب
عفته الرياح
وطافت بأرجائه الموحشات الظباء
كأني يوم الرحيل لدى شجر الحيّ ناقف حنظل
يقول صحابي : { تجمّل }
وأنّى
ودمعي شفائي
وهذه الديار أنيسي
وياطالما فاض دمعي
وسال على النحر .
ماذا فعل الشاعر هنا ؟ هل استطاع أن يستبطن التجربة الشعرية والانسانية لأمرىء القيس عبر تصفيطه لهذا النظم المتكلف والحاحه على واو العطف في السطور الخمسة الأخيرة ؟ أقدم هنا مقطعات من معلقة امرىء القيس ليتوضح لنا البون الشاسع بين رؤيا الشاعر الجاهلي وابداعه في التعبير عن احساساته وتجاربه ، وبين النظم التقليدي والمحاكاة المتكلفة للشاعر المعاصر :
{ قِفا نَبكِ مِن ذكرى حَبيبٍ ومنزلِ بسقطِ اللوى بَينَ الدخولِ فَحومَلِ
فتوضَح فالمقراة لَم يعفُ رَسمها لما نَسجتها من جَنوب وشمأل
ترى بعر الآرام في عرصاتها وقيعانها كأنه حَبَُ فُلفلِ
كأني غَداة البينِ يومَ تَحمّلوا لدى سمرات الحَيّ ناقف حَنظلِ
وقوفاً بها صحبي عَليَّ مطيهمُ يقولون لا تهلك أسىً وتجّملِ
وانَّ شفائي عبرةٌ مهراقةٌ فهل عِند رَسمٍ دارسٍ من مُعَوَّلِ
كدأبِكَ من أمّ الحويرث قبلها وجارتها أمّ الرباب بمأسلِ
اذا قامتا تضوع المسك منهما نسيم الصبا جاءت برّيا القرنفلِ
ففاضت دموع العين منّي صبابة على النَحرِ حتى بَلَّ دمعي محملي
ألا رُبَّ يوم لك منهُنَّ صالح ولا سيِما يَومٍ بدارة جُلجلِ
ويومَ عَقرتُ للعذارى مَطيّتي فيا عجَجَباً من كورها المُتحّملِ
فَظلَّ العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهُدّاب الدمقس الُمفتلِ }
تكمن المفارقة هنا في عمل عبد الكريم كَاصد المتخرج في كلية للفلسفة والمدرس لعلم النفس والللغة العربية . انه لم يستطع أن يضيف أو يأتي بجديد في محاولته اعادة كتابة معلقة الشاعر المتوفى قبل ظهور الاسلام ، وظل عمله مجرد رصف مجاني بارد للكلمات من دون أن يمنحنا أي احساس بجدوى ما حاول :

{ كانت لدى الستر تنضو الثياب وتبقي على فضلةٍ
همست وهي مبهورة : { ما لنا حيلة منكَ أنتَ الغويّ
متى تنجلي عنك هذي الغواية ؟ }
ثمّ انسللنا تجرّ على أثرينا إزاراً من الخزِّ رَقَّ
فلمّا أجزنا الديار انتهينا الى بطن رمل تعرّج
يا للصبا وهي تحمل ضوعكِ أنّى التفتِّ
أضوعك أم هو ريّا القرنفل ؟
ان قلتُ هاتي امنحيني تمايلتِ بيضاء . ضامرة الخصر
هفهافة
{ يصمت الحجل حين تميلين }
مصقولة أنتِ عند الترائب
كالدرّ أبيض أصفرَ غذّاك ماء نمير بلا كدرٍ
وتصدين عن عارضٍ واضح
وتردّين عن ناظرٍ من نواظر وحش بوجرة
جيدك ، جيد المهاة ، هو الحليُ دون حُليِّ
إذا ما برزتِ
وشعركِ عذق تدلى
أثيث
غدائره السود تتلعُ
مَثنى ومرسل
وخصرك يا للطيف الجديل
وساقك يا للنخيل المذلّل
وتعطين رخص بنانكِ
مثل الأساريع .
في متوالية { قراءة في كتاب الجواهري } تستمر الفاعلية الشعرية عبر إخبار بارد وأنساق شعبية ولا يفلح الشاعر في الامساك بجمرة الشعر :
{ يا أبتِ
أبصر فوق عمود الشعر
ظلالاً تهتزّ
وحبلاً يتدلى .
قصيدة { رؤيا } .
وفي قصيدة { هامش على قصيدة ٌقف بالمعرة } من هذه المتوالية . لا يقدم الشاعر أي شيء عن قصيدة الجواهري المعروفة عن المعري التي كتبها في الأربعينيات من القرن الماضي . ويكتب هنا :
{ في حضرة الأعمى
أنمسح دمعة
أم اننا في حضرة الأعمى
نجاهر عامدين بقوة الابصار ؟
ماذا قلت َ
ماذا قلتَ
يا أبي ؟
ويقدم في قصيدة { هامش صغير } من هذه المتوالية أيضاً النسق الشعبي في الاخبار عبر قوله :
{ سأل الجُمحيّ
وقد عرّفناه بشاعرنا الأول :
- ومن الثاني ؟ }
قلنا { هذا ما لا يعرفه أحد
لكن قد يعرفه شاعرنا الأول .
في قصائد أخرى من المجموعة تتوسل الإخبار والوصف ، يخفق الشاعر في ادامة زخم اللحظة الشعرية في القصيدة وتهيمن عليه المجانية عبر حكي لا عاطفة فيه :
{ قلتُ للشاعر المعتمد بن عبّاد :
{ كيف يحتفظ بالملك
من هو شاعر
وأبناؤه شعراء ؟ .
قصيدة { سؤال } من المتوالية الأولى في المجموعة{ شواهد } .
في مجلس { مولانا } الصاحب بن عبّاد
كان أبو طالب العلويّ
يبحلق عينيه
وينشر جنحيه
ويهوي طيراً مذبوحاً بسهام السجع :
{ مولاي
فارقني لبي
وتخاذل قلبي }
حتّى يتهلل وجه الصاحب
كم مثل الصاحب من شعراء ؟
قصيدة { ما رواه أبو حيّان .
تبقى الميزة الأساسية لكل عمل عبد الكريم كَاصد الشعري ، هي مرجعياته وأنساقه الشعبية في كتابة القصيدة ، وأود في الختام أن أقدم هنا قصائد من المجموعات الأخيرة للشاعر لأعطي القارىء فكرة عن عمله الشعري :
{ مثل ليلى التي حملت سلة الكعك
أجتاز غابة الطفولة
الى جدتي التي تسكن المدينة
في باص يهتز
كلما لا حت قرية أو لوّحت عباءة
قاطعاً مئات الأميال في ساعة واحدة
ومئات الساعات في ميل واحد
مترنحاً من الدوار
و{ الفرح }
في الصالة المطفأة الأنوار
أصحب ليلى وهي تغني { أكتب لك جوابات }
ناسياً في الظلمة الحبيبة
جدتي التي أكلها الذئب .
قصيدة { مرثية ليلى مراد } مجموعة { دقات لا يبلغها الضوء } دار الكنوز الأدبية 1998

{ دي .. دي وكان عشاق وعاذلون
دي .. دي ومرّت السنون
وانقشع الغبار
عن جسدي المطعون
دي .. دي وصار بي ما صار
لا عاشقاً أبقى لنا المنفى
ولا عذول
غير دمي المطلول
من شارع لشارع
ودارة
لدار .

أغنية { دي .. دي } مجموعة { زهيريات } دار الكندي للنشر والتوزيع 2005

{ أستحلفك بالله يا أبا العلاء
أن تقول لرضوان أن يفتح الباب
ليحمل عنّي هذه العصا
وان شاء هذا الكلب
الى صاحبي الحطيئة
فقد وردتني أخبار
عن وحشته في الجنة .

قصيدة { هدية الى الحطيئة } مجموعة { قفا نبكِ } دار الأهالي الطبعة الثانية 2003 .


5 - { كلما رأى علامة } أمجد ناصر . المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2005
الكتابة بلغة الموروث والاتكاء على المنجز السابق ..

في كل اصدار شعري لا يريد الشاعر العربي الآن أن يأتي بجديد . مشكلة مستمرة الى ما لانهاية ، حتى أصبحنا نشعر بالقرف من تلك المجلدات الضخمة للشعراء العرب الأحياء على شاكلة الأعمال الشعرية بمجلدين لشوقي بزيع وسواه من الشعراء الذين لا تتذكر لهم أبداً مجموعة شعرية على غرار ما كان يحدث من قبل في تجارب شعراء الخمسينيات والستينيات مثل { انشودة المطر } و { أغاني مهيار } و { المسرح والمرايا } و { قمر شيراز } و { الأخضر بن يوسف ومشاغله } و { الناس في بلادي } و { لن } و { الرأس المقطوع } و { الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع } و { الوصول الى مدينة أين } و { غرفة بملايين الجدران } و { الشجرة الشرقية } و { الطائر الخشبي } . يكتب أمجد ناصر في الصفحة ما قبل الأخيرة من مجموعته السابعة { كلما رأى علامة } هذا الهامش : { كتبت هذه النصوص والشذرات في لندن بين عامي 1995 و1997 ، إلاّ ما هو مذيَّل بعكس ذلك ، وهي بهذا المعنى ترافق وتلي { مرتقى الأنفاس } . يتوقع قارىء المجموعة في البداية انه سيجد فيها تجارب وثيمات وحيوات ومناخات ولغة جديدة ، خصوصاً بعد أن صدرت { الأعمال الشعرية } للشاعر عام 2002 في بيروت وعمّان وتخطى عمر تجربته الشعرية الآن أكثر من 30 سنة ، منذ أن صدرت مجموعته الأولى { مديح لمقهى آخر } في بيروت عام 1979 ، لكن قراءة هذه المجموعة تمنحنا انطباعاً أكيداً بعد أن نزيح الغبار عن طبقاتها وأنساقها ودلالاتها وبنيتها اللغوية . انها لم تضف شيئاً لرصيد الشاعر ولا جديد فيها ، ومن أجل تفكيكها وقراءتها أود أن أبدأ من القصيدة الثانية التي لا علاقة لها ب { مرتقى الأنفاس } مجموعة الشاعر السابقة التي عالج فيها بعض موضوعات التاريخ الأندلسي . عنوان القصيدة هو { أنفاس الهايكو } ولا علاقة لها بنسق ومضمون وبنية الهايكو كما نعرفه في الشعر الياباني أو الأمريكي أو عند اوكتافيو باث الذي كتبه بجدارة وترجم ديوان الشاعر باشو . ومن أجل ان أعطي فرصة الى القارئ لتأمل الهايكو أقدم هنا بعض القصائد لشعراء مختلفين من اليابان :

1
ماظننتها زهرة ساقطة
ترفرف عائدة الى الغصن
كانت فراشة ..
مورتيك

2
فقط لو استطعنا
إضافة مقبض الى القمر
لأصبح مروحة رائعة ..
سو كان

3
" رقة الصيف يا عزيزي .... "
أجبته ... ثم
لم أقو َ على حبس دمعة .
كيجن

4
على غصن ذابل
يجثم غراب وحيد
مساء الخريف الآن .
باشو

5
مغطى بالزهور
أود أن أموت سريعاً
في حلمنا هذا ..
ايتسوجن

6
هنا عند الوداع الآن
دعني أتحدث
بقطف ليلكة عن الغصن.
شوسن
يقع الكثير من الشعراء العرب عند كتابتهم قصائد الهايكو في خطأ يتكرر عندهم دائماً ، وهو انهم يعتقدون أن تصفيط 3 أسطر مع ازاحة المعنى وبنية السياق في السطر الأخير عن ما سبقه في السطرين الأوليين ، يعطي قصيدة هايكو ولا يدرون أنها نتاج ذهنية وثقافة تأملية ترصد بدقة وبعمق الطبيعة والعالم والوجود من كل الجوانب ، بعد ان قدمت نماذج من الهايكو أقدم هنا نماذج من { أنفاس الهايكو } ليتوضح لنا الفرق الكبير بين الهايكو الاصلية وبين أنفاسها :
1
الشميمُ الذي فاحَ من سفح البكورة
قلدني الوشاح فرحتُ أنهى وآمرُ .
2
أنفاسك المداويةُ
مسَّت الهواء العليل
فأبرأتهُ
هي نفسها التي
أدنفتني .
3
يد عند ذي العرش
وفي الأخرى الصولجان .
الملك كلّه
شعقة وخيطُ ألم .
4
يدي التي رات كلَّ شيء
كتمت ن رهبة ذكرى انزلاقها
على استدارة الكون ،
انفاسي هي التي ، بطيشها
راحت تنشر اللهب .
5
دانَ الهواء للأنفاس
وما دان الهوى لفؤادي .
كانت مجموعة أمجد ناصر { سر من رآك } بثيماتها الايروسية قد صدرت عام 1994 في لندن وحظيت بدراسات ومتابعات كثيرة في الدوريات والصحافة العربية ، وصدرت مجموعته { مرتقى الأنفاس } في بيروت عام 1997 وحظيت بنفس الحماس النقدي والصحفي ، وبدلاً من التخلص من مناخاتهما ولغتهما وثيماتهما الأساسية . يعيد الشاعر في قصيدته هذه استخدام كلمة أنفاس بالحاح لا مبرر له وترد على هذا النحو : ص 7 { أنفاس السهر } ص 10 { أنفاسك المداوية } ص 12 { أنفاسي هي التي بطيشها } ص 13 { بل ما مسّني بأنفاسه } ص 14 { دان الهواء للأنفاس } ص 14 { بعد أن تحرث الأنفاس } ص 15 { تحت أنفاسك المنورة } ص 17 { مكلل بأنفاسك } ص 18 { أهي أنفاسكِ } ص 19 { أنفاسكِ التي شبقتني } ص 20 { الكون تحت رحمة أنفاسكِ } ص 21 { لا قبل ولا بعد أنفاسك } ص 23 { تنشر أنفاسك } ص 24 { أنفاسك حتماً تنزهت } . هل يحق لنا الآن أن نطرح هذا السؤال ونحن نقرأ هذه القصيدة الجديدة التي صدرت بعد { مرتقى الأنفاس } ب 8 سنوات . ماهو الشيء الجديد الذي قدمه لنا أمجد ناصر في قصيدته هذه ؟ في قصائد أخرى ضمتها المجموعة يحافظ الشاعر فيها على مناخات وسياقات وأنساق لغوية وموضوعات تعرفنا عليها في مجموعاته السابقة التي صدرت في الثمانينينات ، ونستطيع الان أن نحيل قصائد المجموعة الجديدة { ذهب الاسكندر } و { قليلاً ، قليلاً } و { قصيدة عن الوحدة في مقهى } و { هارولد بنتر في الهايد بارك } و { نوم الأب } و { زيارة } و { محاولة أخرى لوصف الوحدة } الى مجموعاته { منذ جلعاد كان يصعد الجبل . بيروت 1981 } { رعاة العزلة . عمّان 1986 } { وصول الغرباء . لندن 1990} .
في حوار مع الشاعر أجراه عزت القمحاوي موجود الآن بموقع { جهة الشعر } يجيب عن سؤال حول هذه الظاهرة بقوله :
هذا شيء أود التنويه اليه ، أما الشيء الآخر فهو أن ما قرأته مؤخراً في مهرجان جرش ونشر بعضه في { أخبار الأدب } وصحيفة { الرأي } الأردنية وكذلك أيضاً في صحيفة { المستقبل } اللبنانية فهو يشكل نوعاً من التواصل والتغير في الوقت نفسه ، تواصل بمعني انني عدت بعد تجربتي في عملين أساسيين عندي من ناحية الموضوع واللغة والأسلوب هما { سر من رآك } و{ مرتقي الأنفاس } الى التقاط بعض الخيوط في تجارب سابقة لي ، خصوصاً في { رعاة العزلة } و{ منذ جلعاد كان يصعد الجبل } حيث حضور السرد والتفاصيل والمشهدية ، أما التغير فهو أن دفعة السرد وما هو يومي حتى بالمعنى المباشر والتقريري وصلت الى منطقة أبعد . منطقة قد تبدو للوهلة الأولى أرضاً خاصة بالسرد ، خاصة بالحكائي والقصصي أكثر مما هي أرض للشعري على الأقل ، كما تظهر في { مرتقى الأنفاس } أو { سر من رآك } أو كما هو في التيار الغالب لقصيدة النثر التي تكتب اليوم .
وتكتب غالية خوجة في مجلة { نزوى } ما يلي :
{ شعر أمجد ناصر عالم يستدرج الشفيف الى العميق مرتكزاً في ذلك على مناغمة الذاكرة الموروثة للمفردة مع الذاكرة المبتكرة ، وذلك عن طريق عبورها من بوتقة اليومي الى الحلم وأنساقه المتمظهرة كنظام لغوي يبدأ بشعريته من مراحلها الأولى المنبثقة من نبرة السردية ونبرة الاعتماد على الصورة } .
تحيلنا الكثير من السياقات والكلمات ومدلولاتها وصياغاتها التي استخدمت في { كلما رآى علامة } الى الإرث البعيد للشعر العربي ، وكأن الشاعر المعاصر لا يريد التخلص من هذا الإرث الذي أضمحل الآن منذ زمن طويل وسط تيارات ودواّمات المغامرة والتجريب المستمر منذ سنوات طويلة . أقدم هنا هذه الشذرات والمفردات ليتوضح لنا المشهد : { مضاجع الهجران . أن أدعي وصلاً . الوجيب الخلا منه القلب . فرحتُ أنهى وآمرُ . أدنفتني . ليس ما يلوح للسِّوى فيمشون في هديه لاهين . وما دان الهوى لفؤادي . رفعتني بين السِّوى . خراجها لغيري . الجبابرة صاغرون . لله درها . تخرج الحيّ من الميت . على وجه الغمر . قلوع التكوين . معية . مال نفرٌ منّا . أعوزتهم الهمة . جننت لمّا جن الليل . الأنف الأقنى . عينين سوداوين وواسعتين . الهزيع الأخير . مضطجعاً على جنبه الأيمن . عرجون . معارج المتقين . الصبوات . منازل الحمى . خفق فؤادك . فوديَّ . إمشِ هوناً . وردة كالدهان . لسان القانط . يغمر الوادي . التراقي . فتقُ الحجاب . دَحَته الدياجير . الهجران . ظهر المجن . اتخذتهُ نجيّاً . أسبل عينيَّ . عهن منفوش . بروج مشيّدة . من فرط تأثري . وجوههم المقطبة . لا ترى بالعين المجردة . تراءى لأصحابي . ضجعته . جوف الليل . مكنوناً بين محبسين . أسبلت . قبس . تميتني . تحييني . طلة الشمس . ترهف السمع . أومأت الى الجبل . مضيتُ الى الوادي . اللاهي . طرَّتها . طوالعهم . الليل أرخى عليهم سدوله . العطفات والنواصي . حفلة سمر . حرَّك مياهاً راكدة . وسوم على الجباه . صهوات الريح . اهابه . من قفر لقفر . جنت يداك . } . في حوار أجراه عباس بيضون مع الشاعر ونشر في صحيفة { السفير } قبل سنوات حول اللغة المستخدمة عنده في مجموعته القادمة { كلما رأى علامة } يقول :
* لغتك كلاسيكية ، متينة ، هل هذا نوع من البديل عن الانفجار اللغوي الفلكي السيال والمائع المعروف . ماذا عن اللغة ، هل تنكفئ من موضوع للشعر وغرض الى أداة أم أن المسألة مختلفة ، أو أننا لا نستطيع أن نجزم ؟
- أنا أصلاً ، لست من مدرسة اللغة الانفجارية الفلكية السيالة ، لم أكن قط قريباً من هذه المدرسة التي لم يقنعني أبداً انفجارها اللغوي الذي يطغى على الشعر ، بل يصبح هو الشعر . اللغة عندي أكثر من وسيط وأداة واقل من غرض . أي ان اللغة ليست مجرد حامل للمعنى ، بل هي عضوية في الكتابة وأساسية ولكنها لا تتحول الى غاية ، الى نهاية الكتابة وختام مطافها . المعنى مهم عندي ، الصورة أكثر أهمية ، أنا شاعر صور . ولكنها أيضاً صور منضبطة . باختصار أنا شاعر معتدل في اللغة والصور ولكنني قد أكون متطرفاً في الخيارات أو في زج هذين الاعتدالين في راديكالية لا تشط ، على ما آمل ، عن غرضها . أما العماء اللغوي ، الانشطارات والتداعيات التي تنساق لغواية اللغة فلا أطيقها . كنت أظن أنني انحزت الى لغة بسيطة ، وأحياناً شفوية ، في هذا الكتاب على عكس ما فعلت في { مرتقى الأنفاس } أو في { سر من رآك } ولكن يبدو ان آثار هذين الكتابين الخاصين في مدونتي الشعرية لا تزال ملموسة . أقول لك شيئاً .. كنت أريد أن أتخفف ما أمكن من البلاغة والصور ، وكل ما يمكن أن يصنف في خانة المهارات ، في هذا الكتاب أردت ان أصل الى الدرجة صفر في البلاغة . ولكنني على ما يبدو لم أنجح في ذلك } .
وفي اجابة على سؤال آخر عن التجريب في مجموعته { مرتقى الأنفاس } يجيب :
* في مجموعتك الشعرية هناك نزوع الى التجريب بلغات وجمل متعددة ، هل هذا مزاج أم اختيار محسوب .. هل تعتبر نفسك تجريبياً وهل للتجريب قيمة بحد ذاته ، أم هو محاولة لتوسيع الحيّز الشعري ؟
- النزوع للتجريب قائم عندي كما هو قائم عند معظم الشعراء ، أو لأقل عند الشعراء الذين تعنيهم قضية الشعر ، وتؤرقهم أسئلته . نادراً أن تجد شاعراً مهتماً بسؤال الشعر وقضيته وليس فيه شيء من التجريب . التجريب في كل حال ، هو تعبير عن قلق ذاتي وموضوعي في آن ، كما انه رفض بطريقة أو أخرى لما هو قائم . لماذا تجرب اذا كنت تألف وتطمئن تماماً الى ما تعرف وما يتواضع عليه الآخرون ؟ المطمئن الى ذاته وأدواته وعالمه هو الذي لا يجرب .. فلماذا يجرب والطمأنينة تسري في قوله وموقفه من العالم . قد يبدو التجريب لعبة لا قصد لها سوى ذلك ، ولكني أظن انه أبعد من اللعب واستعراض المهارات . انه قلق وزحزحة عن السياق والثبات اللذين لا يفسحان مجالاً لهواء ودم جديدين . بهذا المعنى اعتبر نفسي تجريبياً . فأنا أصلاً انقلبت باكراً ، على ما كان سائداً في الكتابة الشعرية . ومذ ذلك وجدت نفسي خارج التلقي العام . ليس لي أصلاً حصة في هذه السوق ، فصارت علاقتي بالشعر شخصية تماماً . أي انني أكتب ما يرضيني ولكن هذا لا يعفيني من المسؤولية ان كانت هناك مسؤولية أصلاً حيال وضع الكتابة الشعرية ، فرغم أنني أكتب في وضع تام من العزلة واحساس بعدم وجود المتلقي ، إلاّ ان تجريبيتي ظلت في حدود ما هو تجريبي أصلاً في الشعرية العربية . فقد كتبت ودافعت عن سياق شعري معين ضد سياق آخر ، وخضت مع غيري حروباً من أجل أن تتقبل الثقافة العربية خيارنا الشعري الذي بدا وكأنه من خارجها . وهذا يعني في ما يعني ، أن التجريب هو أيضاً توسيع للحيز الشعري وطرح اقتراحات على الشعرية } .
في السؤال الأول يجيب الشاعر : { المعنى مهم عندي . الصورة أكثر أهمية . أنا شاعر صور } . أقدم هنا 6 قصائد من { كلما رأى علامة } واترك للقارئ مهمة البحث عن المعنى والصورة ، مذكراً باجابة الشاعر في السؤال الثاني : { النزوع للتجريب قائم عندي كما هو عند معظم الشعراء . أن التجريب هو أيضاً توسيع للحيز الشعري وطرح اقتراحات على الشعرية } .

جدارة
لمن
إن لم يكن لمذلّلي الليالي
متنكبّي النجمة والناي
يخفقُ الحرير ، أسودَ ، في مضاجع الهجران
لمن إن لم يكن للسائرين خفافاً على الأرضِ
تثقبُ القصب أنفاس السهر ؟

وديعة

لم أرَ الذي استردها
ولكنّي سمعت خطواً خفيفاً
على حاشية الليل
وفي الصباح وجدت
جلد أفعى وريشة بيضاء .

تميمة

جُننتُ لما جَنَّ الليلُ فطفقتُ أستدعي
قريني وأجزلُ لأوثاني شعير المولد .
تميمتي طلعت عليها الشمس ولم يُجدِ
حرقُ طرفٍ من ثوبكِ أو شكُّ دمية
البعل بدبوس .

زيارة

جاءت الأم
ثم جاء الأب
بخفَّةِ عرجون رمته الريحُ من قفر لقفر
واستنقذا وديعة الله الثمينة من أيدي جبّارين
ولم يتركا أثراً في غبارِ
الرواق المؤّدي الى مجمع الخالدين .

الأم لأبنها

- ماذا جنت يداكَ من طيرانك الخرافيِّ
فوق الشتاء والصيف ؟
- العلامة
- هل لها غير ما اعطته لسابقين
شبّوا
وشابوا
وأوحشوا بنات نعش قلبك ؟

استدارة

بوسع الاستدارة أن تكون نهداً كوّرته يد الفتوة
حجراً دحته الدياجير ،
قلباً أفرطَ في الأمل ،
عيناً ترقبُ زوال الأثر ،
{ تحويطة } لأسرى الجن ،
كرة ينقَّلها ثور المصائر المجنح من قرن الى قرن
لكن ليس بوسعها أن تكون
سهماً
أطلقتهُ
وانتهت
اليد التي تتربص .
تظل بنية السرد المصحوب بالإخباروالوصف والتقرير محافظة على بنيتها الأساسية في الكثير من قصائد المجموعة عبر أشكالها وأنساقها التي تعرفنا عليها في مجموعات الشاعر السابقة من دون تشظي أو وصل وقطع ، وتحضر هنا كما في تلك المجموعات العناصر الحكائية المستخدمة في النثر العادي للحياة اليومية ، مغيبة الايحاء والغموض والتخيل الذي يحرك ذاكرة المتلقي لتلقي الشعرية في عدم افصاحها بلغة النثر والكلام اليومي العادي . يتحدث الشاعر في قصيدته { محاولة أخرى لوصف الوحدة } بلسان الراوي ، لكن قصيدته جاءت خالية من الشعر عبر تشظياتها وتداعياتها التي بدت أشبه بالمواعظ ، وبنيتها السردية والوصفية والتقريرية التي أفقدتها عنصر الإيحاء والصدمة والتخيل والصورة ، وأقحم التكرار المقصود في الاستهلال الأول وفي بداية المقطع الثاني بصيغة غير مبررة :
ليست الوحدة بالضرورة أن تجلس وحيداً
في مقهى وترشف قهوتك بصوت مسموع
لا تكلم أحداً ولا أحد يكلمك وتمشي
من غير أن تلتفت وراءك
ولا هي عندما يدير لك الليل ظهره ويقلب
لك أقزام حياتك ظهر المجن .
تكون وحيداً هو ، عندما
يتركك الليل لنفسك أو تمشي في
صباح الناس ولا تتذكر ما ترتعش له ساقاك
ما تتهلل له
وما تندم عليه .
قصيدة { محاولة اخرى لوصف الوحدة } المقطع الثاني .
تبقى الشذرات التي ذكرها الشاعر في هامشه الذي اشرنا اليه من قبل ، يعوزها المعنى وتخلو من حرارة الشعر وسره العميق وبدت في المجموعة ، وبعضها لا يتجاوز عدده بضع كلمات خصصت لها صفحة واحدة ، كأنها كتابة خارج الزمن لا تريد أن تبوح بشيء ما :
ليس ما يلوح للسِّوى فيمشون في هديهِ لاهينَ
بل ما مسّني بأنفاسه
فطيفني . ص 13
حصّتي بين سيّافين هواء مشطور . شذرة { قسمة } ص 62
الخريف فصل مثالي لتوديع باريس . ص 82
زهر النرد يتساقط بغزارة على مربعات الصدفة . ص 83
السائرون نياماً يعودون الى مضاجعهم . ص 84
الجبابرة يتحرّرون من صريف أسنانهم . ص 85

6 - { طريق دمشق والحديقة الفارسية } لنوري الجراح
العودة الى لصق شخصيات الأساطير الاغريقية من دون وظيفة معينة ، والتناص مع مرجعيات شعرية غزلية فارسية ..

في مجموعتيه { طريق دمشق ، والحديقة الفارسية } اللتين صدرتا عام 2004 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر . يوضح نوري الجراح في الصفحة الثانية من المجموعة الأولى الى أن قصائدها قد كتبت { في لندن ما بين 1990 – 1997 } ويشير في الصفحة الأولى من مجموعة { الحديقة الفارسية } الى أن قصائدها قد كتبت { في لندن ونيقوسيا وابو ظبي ما بين 1990 – 2001 } . ضمّت المجموعة الأولى { الكتاب الأول : جهة الصيف } 9 قصائد و { الكتاب الثاني : ابتسامة النائم } و { الكتاب الثالث : قصيدة حب } و { الكتاب الرابع : كتاب رامي . الرحلة اللندنية } 5 قصائد . أما المجموعة الثانية فقد قسمت على النحو التالي : { قناع شخص } 19 قصيدة و { صيف التنين } 3 قصائد و { انشودات } 17 انشودة و { بارقة في صحراء } 12 قصيدة .
قبل الدخول في مناخات المجموعتين أود أن أقدم هذه الحادثة . أثناء انعقاد مهرجان { جرش } في العاصمة الأردنية عام 1996 . كنا مدعوين { مجموعة من الشعراء العرب } الى بيت سعدي يوسف في أحد المساءات و دار حديث جانبي بين سعدي وأمجد ناصر في حديقة سعدي { الجوراسية } عن قصيدة منشورة لنوري الجراح الذي لم يكن حاضراً المهرجان في ذلك العام ، وأوضح سعدي أثناء سياق الحديث الذي كنت أسمعه . أن تراث الشاعر اليوناني كافافي قد أصبح الآن جزءا من الفولكلور الشعري العربي ويجب تخطيه الآن بعد أن قطع الشعر العربي مراحل كبيرة في مغامرته ومرجعياته وإرثه الذي تراكم على مدى سنوات طويلة ، وبالتالي لم تعد الآن جدوى ملّحة في معالجة واستخدام الأساطير والشخصيات التي تناولها كافافي في مشروعه الشعري حسب طريقته ، وتساءل سعدي موجهاً كلامه الى أمجد عن مدى جدية زعل نوري الجراح بسبب رأي له { لسعدي } في أحدى قصائده التي ربما عالج أو أتكئ فيها على اسطورة أو شخصية اغريقية سبق وأن استخدمها كافافي . أردت من خلال هذا المدخل أن أتساءل عن مدى دور لصق شخصيات الأساطير الاغريقية وارتداء أقنعتها في مجموعتي نوري الجراح الان من دون وظيفة معينة تضيف لرؤيا الشاعر والقصيدة التي يكتبها ؟ هل اننا بحاجة الآن الى العودة لمناخات الشعر في الخمسينيات من القرن الماضي واستلهام الأساطير التي راجت بسبب المرجعية البراقة الوحيدة آنذاك ت . س . اليوت ، والثانية كتاب جيمس فريزر { الغصن الذهبي } وآيديولوجيات البعد الحضاري المزعوم ؟ يعتمد الشاعر في هاتين المجموعتين اعتماداً بارزاً وواضحاً على التناص في كتابة قصيدته ويحاول اذابة واعادة انتاج مرجعياته التناصية عبر عناصر وتقنيات السرد والحوار والقناع والديالوج والمونولوج . ولا يخفى على القارىء المتمعن محاولات الشاعر في اخفاء مرجعياته النصية في مجمل عمله هنا . من جهة ثانية يتخذ الشاعر دور الراوي في الكثير من القصائد عبر ارتداء القناع ، لكنه لا يفلح في ادهاشنا من خلال سرده وطريقة طرحه للموضوع بشكل يموّه ويضيع الحدث وحياة الشخصية التي يرتدي قناعها ، كما انه لا يقدم جديداً . أقدم هنا الجزء الأول من القصيدة الأولى { سيببتيموس سيفروس } من مجموعة { طريق دمشق } ومن ثم أقدم سيرة هذه الشخصية كما هي معروفة لنتعرف على الفرق بين التاريخ والشعر ، وكلنا نعرف أن الشعر يتفوق على التاريخ من خلال المخيلة الخلاقة والتأمل والكشف عن الجواهر الغامضة للعالم وللأشياء والايحاء والاشارة والايماءة ، وعدم تقريريته وإخباره ووصفه للأحداث والشخصيات والأزمنة :
علامة 1
سيبتيموس سيفيروس
حفرتُ في الاسبوع رقدته
درعه الثقيلة وسيفه الصارخ
يواريان ساعده
وإذ أتركه يتقلبُ
التراب مشبع برائحة الموت
والأنين يؤلمُ المرقد
و
لو
لم
يكن
هناك ...
في انطاكية
لما رأى الأيدي تقطفُ في مرحٍ لاهب الصيف .
سنتعرف هنا من خلال التاريخ على سيرة وحياة هذه الشخصية التي قدمها لنا الشاعر في قصيدته ، عبر الرواية والإخبار كما قدمتها المرويات التاريخية ، وسنعرف أن الشاعر لم يقدم شيئاً يضيف الى هذه الشخصية وحياتها من خلال تقديمها الذي جاء غامضاً وخالياً من أي حمولة شعرية ومعرفية :
{ ارتقى سيبتيموس سيفروس الليبي الأصل عرش روما سنة 193 م ، وتولى زمام حكم الامبراطورية الرومانية نيفاً وثمانية عشر عاماً ، وهي في أوج عظمتها وقوتها تهيمن على ثلاثة أرباع العالم ، وبلغ نفوذها أقصى مداه ، وفي خلال هذا العهد كانت الامبراطورية الرومانية تبسط سيطرتها على رقعة كبيرة من الأرض ، تمتد شرقاً الى نهر الفرات وغرباً الى انكلترا وشمالاً الى بحر قزوين وغرباً الى شمال افريقيا . ولد سيبتيموس سيفروس لأبوين ليبيين في مدينة لبدة بغرب ليبيا سنة 146 م وأتم تعليمه في ليبيا وحصل على اجازة الحقوق ُثم التحق بالجيش ولم يلبث أن أصبح قائداً لاحدى الكتائب الرومانية ، ثم أصبح امبراطوراً ، فقد حدثت في أوائل سنة 193 م انقسامات خطيرة بين كبار رجال الامبراطورية الرومانية حول من سيتولى السلطة ويتبوء عرش روما ، وظفر سيبتيموس سيفروس بمنصب الامبراطور إثر هزيمته كل منافسيه ، وكان خصومه يطعنون في عدم أصالته بوصفه بربرياً أجنبياً يتحدث في القصر باللغة البربرية ولم يتعلم اللاتينية إلاّ كلغة ثانوية . استطاع الامبراطور سيفروس تذليل الصعاب والتغلب على الأعداء في جو مشحون بالتوتر ومحفوف باخطار محدقة ، وقد ورث من الاباطرة السابقين تركة ثقيلة من المشاكل المتراكمة ، من استبداد كاليغولا وبلاهة كلوديوس وجنون نيرون وطغيان تراجان 98 م وتهور هارديان 117 م وجبروت انطونيوس 138 م وعناد ماركوس اوريليوس 161 م – 189 م ، وهم جميعاً قادة كتائب أوصلهم الجيش الى سدة الحكم ، وقضى فيما بعد على أكثرهم . أمضى سيفروس حوالي حقبتين سيداً على العالم الروماني من دون منازع الى أن توفى سنة 211 م وخلفه على عرش روما ابنه كراكلا الذي سار طبقاً لمخططاته ، مستفيداً من تجاربه العظيمة في تسيير الأمور وقيادة الرجال على اختلاف مشاربهم ، وانهار حكم الامبراطورية الرومانية بانتهاء حكم اسرة سيبتيموس سيفروس الليبية عندما قتل آخر أفرادها في ثورة عسكرية ، وكان ذلك نذيراً بزوال امبراطورية الرومان سنة 430 م } .
في نهاية { الكتاب الأول } من المجموعة الأولى ، تكون الخاتمة هي الجزء الثاني من قصيدة { سيبتيموس سيفروس } . أقدمها هنا كما في المرة الأولى لنرى الى أيّ مدى أفلح الشاعر في ارتدائه القناع ، وهل استطاع اكتشاف الأبعاد الانسانية والتاريخية لهذه الشخصية التي استدعاها من التاريخ ، وما الذي حاوله عبر تقديمها لنا نحن القراء ؟ :
علامة 2
سيبتيموس سيفيروس
كلُّ مالمستُ احترق
ودلَّ عليَّ
قطرةُ الدم تضحك في سريري
ونومي الذي كان مديداً كان يشبهني .
كلُّ ما كان لي
مالم ..
ما دفنه الصمتُ وطيّشهُ الألم
أعثرُ عليه الآن ، في حواس أخرى .
في القصيدة الثانية { رسائل اوديسيوس } من { الكتاب الرابع } . يخفق الشاعر في استخدام مرجعيته التناصية التي جاءت في العنوان ولا يحاول إذابتها في القصيدة ، ولا يلجأ الى التلميح أو الاشارة عبر طريقة تناوله للأحداث اليومية لحياته ، ويبقى السرد النثري العادي والخالي من الشعر في المونولوج الذي يقدمه الراوي هو المسيطر على كل القصيدة :
من جاء بيتي ساعة لم أكن ورأى الدم في الستائر
من لمسَ الباب ، من طاف في الغرف
من نظرَ سريري ؟
أنا لستُ اوديسيوس حتى يكون لي معجبون
قرأوا قصتي ، وجاؤوا يعزّونني
لا
ولستُ اوديسيوس
لتكون لي أخت
تطرِّزُ
على الماكنة
شالاً أو قميصاً
لشقيقها الغائب .
لست اوديسيوس
لامرأة ماتت ودفنت تحت السلم
لستُ اوديسيوس
لأمٍ .
لستُ اوديسيوس
لأبنٍ .
لستُ اوديسيوس
لأخت ٍ .
أنا لستُ اوديسيوس
وهؤلاء الذين صرعوا وتخبَّطوا في فناء منزلي
صرعهم القدر .
من جاء بيتي في عربةٍ
من جاء خفية
وعندما لم اكن
من فتح الخزائن وقرأ رسائلي التي ارسلتها لنفسي
أنا
اوديسيوس
الميت في باخرة .
قصيدة { رسائل اوديسيوس }
من المعلوم الآن أن عتبات النصوص هي المفاتيح لحمولتها ، ونستطيع من خلالها عبر قراءة العناوين والاهداءات الدخول الى مضامين ومناخات كل قصيدة ، وحين يلجأ الشاعر الى التناص في العنوان عبر استخدامه موضوع معين ، فمن المفروض أن يخفي السطح الظاهر لمتنه عبر إعادة انتاجه في قصيدته بطريقة لا تكشف المرجعية النصية في القصيدة الجديدة ، لكننا نرى الشاعر هنا في قصيدته الرابعة { يوم أحد في تشيرش ستريت } ذات العنوان الفرعي { حكاية ديدالوس } يستخدم قناع شخصية ديدالوس عبر إخبار وسرد يخلو من أدوات الشعر مثل التخييل أو الايحاء أو الاشارة أو الصورة أو الإزاحة في القطع والوصل ، ويسير السرد عبر شخصية الراوي في مونولوجه عن أشياء حياته اليومية من دون استخدام مفهوم لشخصية ديدالوس التي نستطيع ان نستبدلها بأية شخصية أخرى من خلال رفع اسمها ووضع شخصية أخرى مكانها من دون أن يتغير شيء ما في القصيدة :
والآن ، جاء دوري لأكون ديدالوس
لن أحتاج فضاء أكبر من هذا
ولا نظَّارة أكثر
من هؤلاء
الخاسرين في السوق بلا سبب .
ولأني كففتُ عن التفكير بعلبة البريد في المدخل
وبالباب المكسور مرة بعد أخرى
بمطرقة لصٍ
ومطوى عاشق
فقد جاء دوري لأكون ديدالوس .
أما وقد هجرت السرير
لياليَ وليالي
ومشيتُ خفيفاً في نور المنزل
أما وقد عفتُ ملعقتي
فليس لي من بعد إلاّ أن أعود الى كتاب هوميروس
من النقطة { ب } في البرج
الى النقطة { ب } في البحيرة .
جاء
دور
الفكرة
لتحرير
المخيلة
من شرك الجسد الخائف .
pinfold place في Aومن العمارة
الى شفا البناء الرمادي المتصحر ، ورمزه
Y
الأصوات تمزق نهار الأحد
وتنفجر فجوة كبيرة في السلم المهيب الواصل
منزل الله .
كنت ديدالوس ، ورامي يلهو بالمقص
وفي حركة خاطفة عرجنا معاً
من شرفة الدرس
ورأينا ريتشارد الشرير وأمه بالأكياس
وأخته الصغيرة
وضفائرها
والسوق ترتجُّ ....
قصيدة { يوم أحد في تشيرش ستريت . حكاية ديدالوس }
تبقى القصيدة الخامسة { سقوط ايكاروس } وعنوانها الفرعي { حكاية شارع } في { الكتاب الرابع } ، تسير على نفس الوتيرة الموجودة في القصيدة السابقة ، من ناحية معالجتها للحياة اليومية للشاعر عبر سرد صحفي يخلو من أية لحظات شعرية ، وبامكاننا أن نستبدل أيضاً كما في القصيدة السابقة اسم شخصية القناع بشخصية أخرى ولا يتغير السياق ولا بنية القصيدة التي ارتدى فيها الشاعر القناع بصورة غير مفهومة ، سوى انها تذكرنا بلصق الأساطير والشخصيات الاسطورية عند الكثير من الشعراء في شعر الخمسينيات من القرن الماضي كما أوضحت في البداية :
حالما أنهضُ
وأعودُ
ويكون لي عنوان آخر
وملابس أخرى .
سامشي معكِ في إدجوار رود
وأحبُّ هؤلاء الذين أحببتِ :
العراقي المضارب في البورصة ، بشعره الخفيف وخطواته الوئيدة
الكويتي المريض على النقّالة ، وساقه المعطوبة
الفلسطيني اليافع في مدرسة اللغة
اللبناني الأفّاق وشبكة الأمراء
السوري التائه بحصالته ودموعه
الأردني العابر
الاماراتي السعيد بقميصه المشجّر .
سأمشي معكِ ، وأمشي معي
في الشمس العليلة والظلال المورقة
بين هؤلاء الذين داسوا حياتهم
جيئة
وذهاباً
طوال السادسة
وصوَّتوا بالعربية حتى هطل المطر من القاموس .
................................
أنني أتمشى هنا
من جسر مالبورن الى قوس الرخام
وحيداً ، مسطولاً ، وفي راحتي لؤلؤة تخطف البصر
أدوس على عام 1986 وأقف في البرج .
الجنود يحيطون بالقلعة ، وأسنَّة الرماح تلمع كالساعات .
كانت قصيدتي تنهض ، ويدها الجريحة تضيء النهار .
والآن
لو لم أكن ايكاروس ، على النقالة ، عند البحيرة
لكنت جندياً في جيش مقتول .
سوى أن
هواء
أيقظني من نوم الظهيرة ، وأفعمني بالنسيان .
أقدم هنا من أجل التوضيح ، كيفية استخدام القناع بشكل أكثر جدية في الشعر عبر المونولوج . ولو أن هذا النمط غير موجود في الشعر العربي بصورة صحيحة . قصيدة { يوليسيس } للشاعر الفريد لورد تنيسون بترجمة الدكتور ماجد الحيدر مع اعتراضي على صياغاتها ، وهي منشورة في موقع { الكاتب العراقي } وأعرف أن الشاعر غير ملزم حين يكتب قصيدة القناع في الحديث المباشر عن الشخصية المراد تقديمها . بل يمكن له أن أن يكون على غرار ليوبولد بلوم أو تليماوس في { يوليسيس } جيمس جويس .

يوليسيس

أيُّ ربحٍ نزير أن أكونَ ملكاً عاطلاً
جوارَ هذا الموقد الخابي بين هذي الصخور الجرداء
قرينَ زوجةٍ شمطاء أتصدَّق وآمِنُّ بشرائعَ عوجاء
على سلالةٍ متوحشةٍ تكنزُ وتنامُ وتأكلُ وتجهلُ مَن أكون .
لا أريدُ استراحةً من سفرٍ مسأشربُ كأسَ الحياةِ حتى الثُفالة
عظيمةً كانت متعتي كلَ حين وعظيماُ كانً شقائي
وحيداً ، أو في صحبةِ مَن أحبني على هادئاتِ الشواطىء
أو حين يُهيجُ النَوءُ الماطرُ معتماتِ البحار وهو يسوقُ حطامَ السـفائن .
قد ذاعَ صيتي لأني أبداً أجوبُ الآفاقُ بفؤاد ظمىء .
قد رأيتُ الكثيرَ ، قد عرفت الكثير مدناً من رجالٍ ، وطِباعٍ ، وأجواءَ ، ومجالسَ وحكوماتٍ أما نفسي فلا رغم أنها بزَّتهُم جميعاً
قد عَبَبتُ كأسَ السرورِ من قِراع أندادي
بعيداً فوق السهول المدوّية لطروادةَ ذاتِ الرياح
قد صرت جزءاً من كل ما لاقيت على أن كل خبرتي ما كانت غير قنطرةٍ
يتلامعُ فيها كل ما لم أزرْ من عوالمَ تخبو تخومُها وتخبو كلما تقدمتُ .
كم بليدٌ لو توقفتُ كم بليدٌ لو بلغتُ النهاية لو صدِئتُ وأغفلني الصَياقلُ
لو لم أُبرِقْ من استعمال ! وكأنّا خُلِقنا كي نتنفسَ !
حياةٌ تتبعُ حياةً .. وكلُّها ضئيلٌ قصير أما التي قُسِمتْ لي
فلم يبقَ منها الكثير غير أن كلّ ساعةٍ فيها قد نجَتْ
من ذاكَ الصمتِ الأبديِّ بل وظلّتْ تأتي بالجديدِ والجديد
كم كريهٌ أن أكنزَ نفسي وأُخبأَها أعواما ثلاثة وهذه الروحُ يمضُّها الشوقُ الى
أن أتبعَ المعرفةَ مثل نجمٍ غائر وراءَ أبعدِ تخمٍ للفكر البشري
وهذا ولدي .. تليماخوس ابني اليه سأتركُ جزيرتي وصولجاني
حبيبٌ الى قلبي ، بصيرٌ بانجاز هذا العمل وبأن يلطّفَ بالحكمةِ والتدبير
هذا الشعبَ الجلف وان يُخضِعَهم في تدرّجٍ لطيف
لفعلِ المفيدِ والخيّر برئٌ هو وطاهر قد وهبَ النفسَ لخدمة الناس
يستحيي من الفشل في مواطنِ الرقةِ والكرَم
يقدم فروضَ التبجيلِ لآلهة منزلي بعد رحيلي .
له عمله ، ولي عملي . ذاكَ هو الميناءُ .. هي ذي السفينةُ تنفخُ الشراعَ
ذاك هو البحرُ القاتمُ المعتمُ الفسيح فيا بحّارتي – يا نفوساً كدَّتْ ، وشَقَتْ ، وفكرتْ معي واستقبلتْ في مرحٍ كلَّ العواصفِ والنهاراتِ الوضيئة
وقاومَتْ .. بقلوبٍ حُرةٍ وجِباهٍ أبيّة – شيوخٌ نحنُ طاعنون
غير أن للشيخِ مجدُه وكدحُه الموتُ يختمُ كلَّ شيء
لكنّ شيئاً ما قبل النهاية ، عملاً ذو نغمةٍ نبيلة لا يزال في مقدورنا فعلُه
ليس الرجالُ الذين تعوزهم اللياقةُ الذين يصارعون الآلهة .
هو ذا الضياءُ يتلألأُ على الصخور يتآكلُ النهارُ الطويل ، يرتقي القمرُ متثاقلاً
وتئن الأعماقُ بأصواتٍ شتّى فهلموا يا رفاقي
لم يتأخرْ أوانُ البحثِ عن عالمٍ جديد ادفعوا .. واعتدلوا جالسينَ في انتظام
واضربوا الأخاديدَ الرنانة . غايتي الإبحارُ خلفَ مغربِ الشمس
خلفَ المواضعِ التي تستحِمُّ فيها كلُّ نجمةٍ غربية .. حتى أموت .
ربما جّرتْنا الخلجانُ الى الأعماق ربما لامسْنا الجزرَ السعيدةَ
ورأينا آخيلَ العظيمَ الذي عرفناه حقاً ذهبَ الكثير ، لكنّ الكثيرَ لمّا يزل .
حقاً لم نعُد في القوة التي في الأيام الخوالي زحزحْنا بها الأرضَ والسماء
لكننا نحنُ نحن : مزاجٌ واحد من قلوبٍ جريئة
أوهَنَها الزمانُ والمصير غير أن عزماً متيناً يشدنا
لنبحثَ ، نسعى ، نجهدَ … ولا نستسلم أبداً } .

يلجأ الشاعر في المجموعة الثانية { الحديقة الفارسية } الى القناع أيضاً من خلال 3 قصائد في القسم الأول من المجموعة ، في المرة الأولى عبر قصيدته { أحزان تليماوس } وفي الثانية عبر قصيدته { وحشة ما قبل الليل } وعنوانها الفرعي { انشودة اوزيريس } والثالثة في قصيدته { منزل في جغرافية بعيدة } وعنوانها الفرعي { انشودة اوديسيوس للسيدة ب } وكما في المجموعة الأولى تكون أشياء الحياة اليومية للشاعر حاضرة بقوة في هذه القصائد عبر السرد الذي يتوسل الوصف والإخبار مع استعارات ضئيلة هنا وهناك كبديل عن الصورة الشعرية ، إلاّ في القصيدة الثالثة التي ابتعدت عن الآني واليومي لكنها لا تريد أن تقول شيئاً وليس فيها ما يوحي للسيدة ب :
نزل الأمراء بالقوس وناؤوا بها ،
نزلوا
وتهالكوا
في المقاعد الحجر .
وفي البهو ، حيث طاف طائف منهم ، ووزَّع الكؤوس
نفرت ظلالهم ، ورشح منها دمٌ .
ولما جرب المجرِّب كانت القوسي قوسي والنهار نهاري ،
خفيفة ومشدودة ، ولا ذراع تجرها .
كان النهار نهاري
وغيابي يملأ القوس بالسهام .
النول يروي حكايتي
والوشاح الذي نسجت يداكِ ، يهربُ .
الغروب
إذ ذاك كان يعدُّ حمرة المقتلة ،
وخادمتكِ الصغيرة التي فاز بضفيرتها أمير من شيراز
وصلت المعبد ، ودبَّت الصرخة .
بمَ يلهو تليماخوس . بغصن الغار أم باكليل المصرع ؟
يلح الشاعر في استخدام أساليب التكرار بطرق عديدة في الكثير من القصائد مما يثقلها بحمولة لغوية زائدة تفقدها الكثير من خصائصها الشعرية والاسلوبية ، وتؤثر بالتالي على البنية الأساسية للقصيدة ، ويأتي في مقدمة هذه الأساليب . تكرار الافتتاح في بداية القصيدة ويبدو أحياناً أشبه باللازمة مثل هذا النموذج في قصيدة { رجاء } ص 125: {
ليس بهذه السرعة ، إلهي } .
ثم يختتم القصيدة هكذا :
{ ليس بهذه السرعة ، ولا في ضياء كهذا } .
أو هذه اللازمة المملة التي تكررت 8 مرات في قصيدة { تنويمة من أجل طفل } ص 88 : { نم يا حبيبي نم } أو هذه اللازمة في استهلال الجزء الأول من قصيدة { أحداث سنة 2007 } حيث جاءت هكذا : { قال المهاجر : أنا ماركو بولو } وجاءت في استهلال الجزء الثاني من القصيدة هكذا : { أنا ماركو بولو } . والأسلوب الثاني من التكرار هو عبارات معينة يلح عليها بقصدية واضحة في بنية وسياق القصيدة مثل هذه النماذج التي أقدمها هنا وبدت مملة أيضا ً :
{ أنا لهو عينيك . أنا لهوكِ . أنا أنتِ . أنا يومي الذي لا يوم يصفه . أنا أقربائي } قصيدة { ملاك أسود وجناحان برتقاليان } ص 34 .
{ ينزل العاشق ، يواري قناعه وينزل . ينزل العاشق قدماه الخفيفتان تهبطان بدلال . ينزل العاشق وطوال النهار يصعد شخص . ينزل العاشق ، أول ظهور له بعد الطمي . ينزل العاشق قبل عودته الى الحجر النقي } قصيدة { حجر يتحرك } ص 16
{ أتأخر خطوة وأنظر أيامي وهي تذهب وتسلم عليكِ . أتأخر خطوة ، يمر الزمن وتلمع شفرته . أتأخر لأنسى أزهار الفكرة ترفرف . أتاخر خطوة ، أترك الخاطف يميل بقامتي . أتأخر خطوة . أتأخر خطوة } قصيدة { وحشة ما قبل الليل } ص 119
{ لم تعد هناك غرف . لم تعد هناك اسرة . لم تعد هناك غرف ولا ضيوف . لم تعد هناك غرف ولا همس } قصيدة { مرثية } ص 114
{ في السبت كان الماء يهرب والصخور . والسبت نرجس في الاناء . السبت عطرها هامس . وقبلّتُ فيكِ . قبلّتُ يأسي . قبلّتُ فيكِ صورتي وتقلبي فيكِ . أتوارى لأرى النهار . أتوارى ليرسلني غيابي . كلّما رجعتُ . كلما رعشتُ . كلما رجعتُ . كلما مزجت . ليكون لي ظهور على أرض أخرى . ليكون للصمت مغزل . ليكون لي أن تكون لي. ليكون أن تكون لي بالمغزل . ويكون لي على أرض نومي . لأكون لسع القبلة } قصيدة { قصيدة حب } الكتاب الثالث . { الأفق منجل على حقل . على كثرتنا . على عقدين من السنوات . وعلى ظلال باردة . على الصبي الهائم . على المنولوج . على المرأة الزينة . لن تنفر قطرة . لن يقطر ساخن . ولن يتوهج أو يضيء دم . ولن يكون هناك على هذا المسيل . أأنزل ثانية . أأكون هناك . أأخرج في عراء . أأصل وأكون حياة الرجفة . أأنزل ثانية . أنزل وتنزل في ضجة المطر قبل نزوله . تنزل وأنزل كم مرة أرسلتني . تنزل وأنزل النور الخفيف يلهب الظلال . وكنا ننزل . تنزل وأنزل } قصيدة { ابتسامة النائم } الكتاب الثاني . وتتكرر لازمة { لست اوديسيوس في قصيدة { رسائل اوديسيوس } 6 مرات . { رأيت وردتي قانية . أيتها الوردة ، أيتها الخطيئة الظليلة . أيتها الوردة ، أيها التويج الارجواني . أيتها الوردة ، أيها السر اللاهي . يا الوردة . أيتها الوردة . يا وردة متوارية . أيتها الوردة ، أيتها الظلال . يا وردة . أيتها الوردة ، خلسة في غابة النمر } قصيدة { وردة الارجوان } ص 151 { العمال يحفرون الطريق . عمال الحاكم الأنيق . عمال البرلمان . عمال كأس الحليب } قصيدة { صيد الاسبوع } ص 126 { أمس كنتِ في دمشق . أمس كنتِ . أمس كنتِ } قصيدة { كنتِ في دمشق ، كنتِ في دمشق } ص 165 { موتي لأمددكِ في العشب . موتي وتمددي في لذة الموت . موتي وانهضي من رائحة الأمس . أمددكِ في الشرك . مددتكِ في شرائح الصخر } قصيدة { صيف التنين . 2- الغابة } { أنتِ أخت لي . أنتِ سماء ملونة . أنتِ صحرائي العميقة . أنتِ اكذوبتي . أنتِ صحرائي } قصيدة { صيف التنين . 1- آية المطلع } ص 157 { إذا جئت ولم أكن ، اترك الباب موارباً . إذا جئت ولم أكن ، اترك الباب ، اتركه موارباً . إذا جئت ولم أكن . إذا جئت ولم أكن . إذا جئت ولم . إذا جئت . إذا جئت كان وقت . يا لي من نائم . يا لي من عدوٍّ . يا لي من بنفسج هالك . يا لي من نائم في اشراقة } قصيدة { خيال فتى في خضرة } ص 232 { ربَّاه ، ما أقسى أن أحب هذا الحب . ربَّاه ، روحي نسمة . ربَّاه ، ما أقسى أن أحب هذا الحب . ربَّاه ، ربَّاه . ربَّاه ، ربَّاه } قصيدة } انشودة السائر في ليل } ص 229 { حبكِ في الغرفة . حبكِ الوردة . حبكِ الهاذي . حبكِ المنظر وماتحرك في المنظر . حبك : الورقة الخضراء . حبكِ لسان اللهب في طرف الصورة } قصيدة { يومية في دفتر قديم } ص 245 { ها غيابكِ يأتي . ها غيابكِ . ها غيابكِ يأتي . ها غيابكِ وله مقعد . غياب في الصور . ها غيابك . ها غيابك . غيابكِ القدم في الأسر } قصيدة { وراء الساعة } ص 241 . تبقى الميزة الأساسية لنوري الجراح في مجموعتيه هاتين هي { انشودات } التي يخبرنا في السطرين الذين هما تحت العنوان بقوله : { في بستان خير الدين الأسدي . شذرات وتناصات عربية وفارسية } ونستطيع هنا أن نكتشف مصادر تناصاته التي يحاول اذابتها واعادة انتاجها في نصوصه ، وأحيل هذه الشذرات الى الشعر الغزلي الفارسي الكلاسيكي تحديداً ، معتمداً على فقرة من حوار مع الشاعر أجراه لوكالة رويترز عصام حمزة بمناسبة صدور المجموعتين : { وحول تسمية ديوانه الثاني بالحديقة الفارسية قال الشاعر: نحن ندين كثقافة إنسانية للابداعات الشعرية التي قدمتها اللغة الفارسية للأدب العالمي من خلال نتاجات لأدباء مثل سعدي الشيرازي وعمر الخيام وجلال الدين الرومي وغيرهم . أضاف: "هؤلاء قدموا للثقافة الإنسانية واحدة من أجمل حدائق الشعر.. وكتابي يحمل نوعاً من التماس مع هذه الكتابات } ولا تخفى علينا لغة وأساليب وطرائق الحب والغزل في الشعر الفارسي ، ونستطيع هنا نكشف الشذرات التي جاءت حسب هذه الطرائق في النصوص ، مع تحويرها واجراء عمليات القطع والوصل فيما بينها من قبل الشاعر ، من أجل اخفاء صياغاتها وأساليبها في الترجمة التي ظهرت فيها ، لتذوب في البنية اللغوية والاسلوبية للانشودات : { أنتَ انسان عيني . لا تحضروا الشمع ، لا تأذنوا للنور ، لقد تمَّ بدر . يا هوَ ، وأنتَ صورتي ، وسناه في مفارق الجبال . منذ أضأت خلوتي ، شعوب تنفرج . تبر الحانة وتراب الأزل . كيف غادرتَ الجنة وضربت خيمتكَ في السراب . عينك مخمورة وغرامي فتى صريع . النرجس يهلك في يدي ويحيا في يديك . لست أعرف متى ذهبت الى الخميلة لتنام . أي ندى ، وأي نور لما يلعب بكَ الشراب ، وتضحك وتكون طفلي . أنفاس الوصال تنشر أفاوية اللطف . بباب الرحمة طرق حبيبي باب البيت . جدد شبابي يا نسيم . شقائق النعمان أفشت سرّي . الحانة كتابي ، وأنا السابح ، والغرام درَّة يتيمة . في إصبعه يلمع خاتم الأجل . عباءتك كعبة وضريح وجسدك قبلة الجائع الى الله . تاريخ الدنيا رفات الأحلام . أصحاب القلوب يفكهون من قصص الحب . انشودتك قبلات مقية في جبين الموت . قلم النور يرسم والورد يلتمس لك العذر . حدّث أحد ، قال : رأيته يطوي غاشية الليل . خدك امارة المسافر يؤجُّ بالشهوة . شربت الأزل وغبت عن العيان . كما تلفظ لآلئ الراح غياهب الدنان ، ألفظ اسمك . مُدّّت موائده وطلعته ترنو إليّ . وقد غابت عن اللاهي . من ذا الذي يتلقف منك كرة الملاحة . مرآة حسنك لهب . لك منظر يفنيني عن كل منظر . زارني أمس ودنا من ستائري ، همت أن أهصره . آنست في الطور ناراً . سأحظى بحبيبي في قُطرٍ آخر ، والناس يشربون حسنه في كؤوس . أنتَ روح الجنة } .

أقدم هنا نماذج من الانشودات التي هي امتداد لشعر الغزل الذي انقرض الآن وحلّت محله قصيدة الحب ، لنعرف أن صاحب الانشودات { رجل جالس في مكتبة } يتغزل من خلال الكتب ولا يكتب تجربة حب شخصية واترك الحديث عن قصيدته { قصيدة حب } في { الكتاب الثالث } من المجموعة الأولى لأنني لم أجد فيها ما يوحي في الحب وانما انثيالات وتداعيات تسير في مناخات من الهذيان عبر الأصوات المتعددة في القصيدة :

انشودة 4

النحاس يضحكُ
أأنا كيمياء لذة أم ذهب سدى ؟
سُقيت السكينة في رحاب أقدم ، وخُتم على شفتي
فشربتُ
في صمتٍ
وناداني صوتكَ :
بعينيَ أنتَ ،
لأسقينكَ شراب الأمس ،
ولأكشفنَّ لكَ عن وجهي
لترى
ولأطلعنكَ على لغات الصمت في الطير والزهر ،
وفي كلّ رفيف .
أأنا النقطةُ في فراغ ، أم ربّان بحر الموت ؟
نظرتُ الى اللطخة
فسالت
وصارت ألفاً
قلتُ : من أنا ؟ قلتُ : أنتَ ، قلتُ : من أنت َ ؟
لستُ المزامير في السهل ، قال صمتي ، ولا حطام النسر في الجبل .
ولا يسمّرني في الأرض سبب .

انشودة 6

بيد الرحمة طرق حبيبي باب البيت ،
ترامت الظلال وارتجت خزانة الصوت
انسان عيني محيط والعالم خلاءٌ لا عبٌ .
جدِّد شبابي يا نسيم
شقائق النعمان أفشت سرّي ، وحملة الأباريق عقدوا خيمة السحاب .
أين الشراب المصفّقُ ؟
الحانة كتابي ، وأنا السابح ، والغرام درّة يتيمة .
الغوّاص
نائم في قاعٍ
في إصبعه يلمعُ خاتم الأجل .
أنا خالص وعيار حبي فضة
تفيأت ظلال السروة مذ عقد الشطح شرائطه اللاهية .
لامس شعري بطراوة يدكَ
وأذن لخّدك أن يهمس
لي
ومتّعني بغيبوبة وراء سريري .
تعاهدنا في الوادي فأذن لي أن أراكَ هناك
وإذا عربدت الايماءة تطلبُ المزيد رهنتُ نفسي .
أنتَ موئل
وأنا حبنا الناقص .

انشودة 10

في مدينتي تبذلُ الروح بحبة شعير
ومن وصالك حبة الشعير تزن الزهرة وزُحل .
فتنة هوجاء
وشفاعتي
أن يومكَ يوميَ الضائع .
وراء اقليم النار
جنّتنا
يشقها نهر الشهوة والجميلة يد الله .
من هو علام الغيوب ؟

انشودة 16

من ذا الذي يلتقفُ منكَ كُرَة المَلاحة ؟
أمِل رأسكَ على كتفي ، واحبُك القميص على جسدكَ
جَويتُ وأنا أتنوّرُ شمعة شيراز
هل تتلظى الشهوة
إلاّ
في جمر النوم ؟
حلال لشفتيَّ أن تقبِّلا درج العقيق
وأنتَ في السبب هناك وراء الغلالة
ارجوحة في المطر
طفرة على تراب الفجر وفي راحتيها قدح الشروق .
هالات الشَّعر وهافياتُ الأشواق ، رفيف مني يُقبِّلُ وسيم غرتكَ
مرآة حسنكَ لهب . أنتَ جريمتي .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,476,278,404
- مجموعة { في ضوء السنبلة المعدة للقربان }
- مجموعة { نار عظيمة تحمي الياقوت }
- مجموعة { الأمل . أضداده . خيّاط الموت . نار الأبدية }
- كتاب { الأنهار الكبيرة المتعرجة } ردّات واندفاعات الشعر العر ...
- كتاب { خديعة السنبلة . شهادات } في شؤون وشجون اللحظة الراهنة
- كتاب { معرفة أساسية . الحرب . الشعر . الحب . الموت }
- أشياء ما بعد الموت
- مرثيتان
- ما ينشده الشيوخ المحقى
- كتاب صوت سنبلة قمح لم تولد
- مرضعات الموتى
- العتمة اللامتناهية للفناء
- يموت الدكتاتور ويبقى الشاعر
- سهر الشجرة وعطورها المنذرة
- أجمل العيش ، عيش التشاؤم والشقاء
- للخلاص من رطوبة السنوات التي عشناها
- عندما ارتعد عدي صدام من قصيدة دادائية
- حوار السيد والعبد
- قصيدتان
- صلوات الكاهن الغجري الى السيدة الشفيعة المعشوقة والفانية


المزيد.....




- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد حادث تدافع مأساوي أثناء ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد وفاة 5 أشخاص في حادث تدا ...
- فيديو: اكتشاف بقايا حوتيْ عنبر في بيرو يسهم في معرفة أسرار ح ...
- فيديو: اكتشاف بقايا حوتيْ عنبر في بيرو يسهم في معرفة أسرار ح ...
- بالصور.. هيفاء وهبي بإطلالة مثيرة في مصر
- فيلم هندي أحداثه حقيقية بطله -الطيار الذي أسرته باكستان-
- -فيلم أكشن- فريد من نوعه في طريق عام بالأردن!
- عامل سلا ينصب ممثلي السلطة الجدد ويوصيهم بالنزول للميدان
- ضحايا حفل -سولكينغ- يفضحون -فساد الثقافة- في الجزائر وتورط م ...
- سكارليت جوهانسون أعلى الممثلات أجرا بمبلغ خيالي!


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصيف الناصري - كتاب { العودة الى الهاوية } في الشعر العربي الراهن