أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - آثام جسام وتشوهات خَلْقية ورثتها البشرية عن أعداء الشيوعية















المزيد.....


آثام جسام وتشوهات خَلْقية ورثتها البشرية عن أعداء الشيوعية


فؤاد النمري

الحوار المتمدن-العدد: 2846 - 2009 / 12 / 2 - 12:57
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    




الانحطاط الخُلُقي المترافق مع انحطاط وسائل الإنتاج يجب ألاّ يدهش المؤرخين أو أهل الفكر والوعي ؛ أما عندما تتحلل الأخلاق من مرافقة وسائل الإنتاج وتنحط إلى الدرك الأسفل فلا تعود تخجل بالخيانة، فإن ذلك يستوجب أشد الشجب من كل من لديه حتى أدنى مستوى من الحس الإنساني. نؤكد على مثل هذا المعيار لندلل على أن نماذج عديدة من أعداء الشيوعية بلغت من الانحطاط الخُلُقي الدرك الأسفل حتى باتت الخيانة ذاتها لا تتسع لمثل انحطاطها الصارخ. أعداء الشيوعية الذين انحطوا إلى ما دون وسائل الإنتاج المرافقة، وهم معلمو مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان اللذين جهدا عبثاً لإحياء رأسمالية القرن التاسع عشر المنفلتة من كل عقال، وكذلك أساتذة رؤساء الدول الخمس الغنية في اجتماع رامبوييه نوفمبر 1975، الأميركي جيرالد فورد والفرنسي جيسكار ديستان والبريطاني هارولد ويلسون والألماني هيلموت شميدت والياباني تاكيو ميكي، الذين تنازلوا عن وسائل الإنتاج الرأسمالي لصالح الإنتاج الفردي البورجوازي الوضيع، إنتاج الخدمات، أولئك الأعداء الأساتذة الأولون كانوا قد سبقوا جميع هؤلاء في التردّي في الخطاب وفي السياسة كما في الأخلاق دون وسائل الإنتاج المرافقة.
أول من يذكر من أعداء الشيوعية في هذا المعيار، وقد انحط حتى عن مستوى الأخلاق الإمبراطورية بكل موبقاتها الإستعمارية، هو ونستون تشرتشل الذي استحق وظيفته لدفاعه المستميت باستمرار عن المصالح الاستعمارية للرأسمال البريطاني فيما وراء البحار. وأول من تنبّه إلى أن تشرتشل ليس أكثر من موظف يمترئ الخيانة ويثير القرف والاشمئزاز هو الجنرال دوايت أيزنهاور المكلف بتنظيم وقيادة جبهة الحرب الغربية التي تعهد كل من الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت وونستون تشرتشل نفسه لستالين في مؤتمر طهران نوفمبر 1943 بفتحها قبل ربيع 1944. فبعد أن أرسلت الولايات المتحدة كامل عدتها وعديدها إلى بريطانيا لهذا الغرض رفض تشرتشل فتح الجبهة حتى في مايو/ أيار منتظراً إلحاق خسائر أكثر فداحة بالجانب السوفياتي على يد الجيوش الألمانية المتقهقرة. وبعد أن فاحت رائحة الخيانة من تشرتشل تزكم الأنوف لم يتوانَ الجنرال ايزنهاور عن الاحتجاج الصارخ وتقديم استقالته للرئيس روزفلت قائلاً بالحرف .. " لن أكون شريكاً لتشرتشل في مثل هذه الخيانة ". شعوب بريطانيا التي لم تعترض حتى تاريخه على نمط الإنتاج الرأسمالي نبذت قيادة ونستون تشرتشل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة وقد رأت فيه الصورة المزرية للثعلب الجبان المخاتل والمستعد لخيانة أقرب الأصدقاء كالسوفييت ــ وقد عرف تشرتشل هذا ونقله لستالين في يالطه فبراير 1945 ــ كان سقوط تشرتشل في انتخابات يوليو/تموز 1945 إزاحة له عن طريق الصداقة بين شعوب بريطانيا وشعوب الاتحاد السوفياتي التي ضربت أمثلة أسطورية في سحق النازية والفاشية في القارة الأوروبية وحماية شعوب بريطانيا بالتالي من غول النازية الهتلرية، لتأتي حكومة العمال التي عقدت في الحال معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفياتي لعشرين عاماً ــ وما يجدر ذكره في هذا السياق هو أن هتلر كان قد اقترح على ستالين من خلال وزير الخارجية فياتشسلاف مولوتوف أثناء المحادثات حول ميثاق عدم الإعتداء، مولوتوف/روبنتروب أغسطس 1939، اقترح احتلال الجزيره البريطانية وتقسيمها مع مستعمراتها مناصفة بين الطرفين إلا أن ستالين أهمل الإقتراح كما لو أنه لم يطرح ولم يسمع به ــ ويضاف إلى كل ذلك أن أعظم الرؤساء الأميركيين، الرئيس فرانكلين روزفلت، بما عرف عنه من تكامل وقوة شخصية، كان كثيراً ما يسخر من تشرتشل ويبدي قرفاً من ضعته ومخاتلته المكشوفة حتى استدعى الأمر أن ترسل وزارة الخارجية البريطانية مذكرة إلى وزارة الخارجية الأميركية تطالب بوجوب التزام الرئيس الأميركي ببروتوكولات مخاطبة رؤساء الدول المعهودة.
ونستون تشرتشل هو أول من أعلن الحرب الباردة على الاتحاد السوفياتي ودعا لمحاربة الشيوعية وكان ذلك في خطابه الشهير في جامعة ويستمنستر في مدينة فولتون بولاية ميسوري الأميركية مساء 5 مارس/آذار 1946 بعد انتهاء الحرب العالمية وقيام الأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلم الدوليين ببضعة أشهر فقط. خطب تشرتشل بحضور الرئيس الأميركي هاري ترومان ولفيف من كبار رجال الإدارة الأميركية دون أن يتخلَّى عن المخاتلة والكذب حيث أعلن "صداقته" التي لا تتزعزع لشعوب روسيا السوفياتية ــ وليس الإتحاد السوفياتي!! ــ و"اعتزازه" برفيقه ستالين أثناء الحرب (!!) ودعا في الوقت ذاته، بكل صفاقة ووقاحة إلى عقد تحالف بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والشعوب الناطقة بالإنجليزية مثل كندا واستراليا لمقاومة الشيوعية التي أسدلت " ستاراً حديدياً " ــ وهو أول من تفوّه بهذا التعبير الحاقد ــ من مدينة ستاتن على البلطيق شمال أوروبا إلى تريستا على الأدرياتيك في الجنوب وقد صادر السوفييت، كما زعم، الحرية والديموقراطية لكل الشعوب فيما وراء الستار! كي يدرك المرء مدى الانحطاط الخلقي لشخص ونستون تشرتشل، يثور التساؤل حول تناقض الرجل مع نفسه إذ يعلن صداقته للشعوب السوفياتية واعتزازه بمرافقة ستالين من جهة، ويدعو من جهة أخرى لعقد تحالف واسع لمقاومة الشيوعية!! لحل لغز هذا التناقض الفاضح في مثل هذه الدعوة، نعود لحملة النورماندي في 6 يونيو/حزيران 1944 التي تشكلت بداية من عشرة فرق أو 150 ألف جندياً فقط ومثلت المشاركة الوحيدة لبريطانيا، كما لأمريكا، في الحرب ضد النازية على أرض القارة الأوروبية، وكان هدفها الحقيقي بالنسبة لتشرتشل تحديداً ليس الإنتصار على النازية بل اقتسام غنائم الحرب كما وبّخه ستالين في مؤتمر بوتسدام أغسطس/آب 1945، إذ بدت هزيمة ألمانيا حينذاك محققة بعد معركة كورسك في صيف 1943 وهي أضخم معركة دبابات في تاريخ الحروب حيث شارك فيها حوالي 7 آلاف دبابة للطرفين، وتحطم بنتيجتها العمود الفقري لقوى الحرب الألمانية مما أفقدها نهائياً القدرة على المبادرة، وكان ذلك قبل إنزال النورماندي بعشرة أشهر. نزلت الحملة في النورماندي قبالة الشواطئ الجنوبية لبريطانيا دون مقاومة تذكر في السادس من يونيو/ حزيران 1944، وكانت هامشية تماماً قياساً بمختلف جبهات الحرب العالمية الثانية، ثم اتجهت شرقاً في الشمال الفرنسي الضيق مروراً بباريس دون أن تدخل في معارك كبرى مع القوات الألمانية حتى وصلت عقدة جبال الآردنز (Ardennes) شمال شرق فرنسا وتبعد عن النورماندي أقل من 200 كيلومتراً قطعتها حملة النورماندي خلال ستة أشهر. وفي ليلة الكرسماس 25 ديسمبر 1944 وبينما قادة الحملة وضباطها يحتفلون بالعيد في حفلة كوكتيل صاخبة وإذ بعشرين فرقة ألمانية تحكم الطوق حول جميع جيوش الحملة. لعشرة أيام متوالية حاولت جيوش الحملة فك الطوق لكنها فشلت في ذلك حتى تأكد في نهاية الأمر استسلامها أو الإبادة التامة، وترتب على القيادة في لندن إذّاك أن تأخذ القرار. في ليلة الخامس من يناير 1945 رن جرس التلفون في مكتب ستالين في الكرملين وإذ بتشرتشل على الطرف الثاني يتضرّع لستالين لأن ينجده ويساعد في فك الطوق الخطير جداً على مصير الجبهة الغربية ؛ لكن ستالين وهو القائد العام للجيوش السوفياتية أجابه بأن ليس لديه ما يقدمه في هذا الأمر ولعله يستطيع أن يفعل ذلك بعد ثلاثة أسابيع، لكن تشرتشل، وهو يعلم تماماً أن الجيوش المحاصرة لا تستطيع أن تقاوم لأكثر من أسبوع، انتحب عالياً وأجهش في البكاء ثم قال .. " أرجوك يا رفيق ستالين أن تتذكر في المستقبل أنه كان لك حلفاء في بريطانيا " ، فما كان من ستالين إلا أن هدأ روعه واستمهله بالقول .. " دعني أرى ما استطيع فعله " . في الحال دعا ستالين ضباط غرفة العمليات الحربية للإجتماع وطلب إليهم البحث فيما يمكن عمله لمساعدة الجبهة الغربية المحاصرة. جميع الضباط في غرفة العمليات اعتذروا عن تقديم أية مساعدة لأن الخطة الحربية الموضوعة كانت تقضي باستئناف العمليات الحربية في 28 يناير وليس هناك أية إمكانية لتبكير المعركة. عندئذٍ أصدر ستالين بصفته القائد العام أمره بفتح المعركة في 12 يناير أي بعد أسبوع واحد فقط، خلافاً لإجماع كافة أعضاء غرفة العمليات، بهدف تخفيف الضغط على الجبهة الغربية، وكان ذلك أقصى ما يمكن عمله. وبالفعل ففي اليوم الثاني عشر من يناير 1945 فتحت اطول خطوط معركة في تاريخ الحروب امتدت على عرض القارة الأوروبية، من البلطيق شمالاً حتى جبال الكرابات جنوباً، بمشاركة خمس جبهات ضمت حوالي 4 ملايين جندياً. كان في مواجهة الجبهات السوفياتية 180 فرقة ألمانية أما في الجبهة الغربية فكان 20 فرقة فقط تطوق الجيوش البريطانية والأمريكية وتهددها بالفناء. بمواجهة قوة النيران السوفياتية بدأت الجبهات الألمانية بالتفكك مما حدا بغرفة العمليات الألمانية أن تطلب من هتلر سحب بعض الفرق من الطوق في جبال الآردنز للمساعدة في وقف تقدم الجيوش السوفياتية إلا أن هتلر رفض سحب أية قوات قبل إستسلام جيوش انجلترا وأميركا أو إبادتها . لكنه عاد وقبل بسحب ثمانية فرق بعد أن دخلت القوات السوفياتية الأراضي الألمانية في بروسيا ؛ عندئذٍ فقط استطاعت قوات الإنزال النورماندي من فك الحصار والخروج منه.
مثل هذا الصنيع الإستثنائي الذي أسداه ستالين لتشرتشل هو بالتحليل الموضوعي أسوأ صنيع لستالين، وذلك ليس فقط لأن تشرتشل بدأ وانتهى العدو التاريخي للشيوعية كما جحد جميل ستالين فيما تلفظ به في فولتون في 5 آذار 1946، بل لأن إنقاذ الجيوش البريطانية والأميركية من التهلكة المؤكدة مثّل بالضبط إنقاذ الرأسمالية العالمية من التلاشي المؤكد أيضاً . لماذا إجهاد القوات السوفياتية بتبكير المعركة 16 يوماً مما انعكس حكماً بخسائر عليها من أجل تخفيف الخسائر على الجيوش الغربية التي لم تواجه العدو النازي قبلئذٍ على الإطلاق في القارة الأوروبية ولم تتكبد بالتالي أية خسائر بينما وصل عدد ضحايا القوات السوفياتية إلى الملايين؟ ماذا لو ترك أمر توقيت المعركة لغرفة العمليات كما كان أصلاً في 28 يناير؟ هل كان هلاك مجموعة الجيوش المحاصرة في جبال الآردنز سيغير من موازين القوى على الجبهة الشرقية بعد أن فقدت ألمانيا قدرة المبادرة الحربية إثر معركة كورسك في اغسطس/آب 43؟ هل كانت الرأسمالية الأوروبية ستستمر في الوجود بعد هلاك جيوش تشرتشل خاصة وأن الجيوش الفرنسية كانت قد هلكت تماماً قبلئذٍ في العام 1940؟ في تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) نشر في العام 1952 تأكيد على أنه كان بإمكان الجيش الأحمر أن يستمر في تقدمه بعد برلين نحو الغرب حتى شواطئ الأطلسي في بريطانيا وإيرلندا. نعم البلاشفة وقائدهم ستالين يلتزمون بعهودهم وبشرف الكلمة، لكن لو علم ستالين مسبقاً بما سيقوله تشرتشل بعد عام فقط من إنقاذه من التهلكة المؤكدة في جبال الآردنز، هل كان سيرغم جيوشه على تبكير المعركة 16 يوماً من أجل إنقاذ تشرتشل وجيوشه. وهل كان لو علم مسبقاً بمصير المعسكر الإشتراكي مثلما هو اليوم وقد ضحت البشرية بعشرات الملايين من خيرة أبنائها لبنائه، هل كان سيجهد الجيوش السوفياتية لأجل انقاذ تشرتشل وجيوشه؟ وماذا لو لم يتكلف ستالين بفتح برلين وتركه لحملة النورماندي لتهلك جميعها قبل أن تقتحم أي شارع فيها؟ ــ أنا أفضل أن أترك الإجابات على مثل هذه التساؤلات المصيرية للذين ارتدّوا على المشروع اللينيني، وأخذوا يتقولون بالتقادم لمبادئ محورية في الماركسية، علّهم يستبينون ضلالتهم!
نحن لم نتجنَّ على رجل الإمبريالية الأبرز في التاريخ، ونستون تشرتشل، لكن علينا أن نسرد الوقائع كما هي من أجل أن نؤصل أمراض العصر الخبيثة والتشوهات الخَلقية في المجتمعات الماثلة اليوم في مختلف الدول على طول العالم وعرضه، نؤصلها في أعداء مشوهين للشيوعية. لعل رؤساء الدول الخمس الغنية بإعلانهم الشهير من رامبوييه في نوفمبر 1975 ساهموا أكثر من تشرتشل في تشويه العالم، لكن أحداً منهم لم يكن مخاتلاً وخوّاناً مثله. برهن تشرتشل طيلة حياته الطويلة على أنه أعدى أعداء الشيوعية ؛ فمنذ انتفاضة البلاشفة في أكتوبر 1917، وكان تشرتشل آنذاك وزير الحرب في بريطانيا، كرّس كل أعمال وزارته لإدارة حروب التدخل في روسيا لتحقيق شعاره الأثير القائل .. " لتخنق البلشفية في مهدها "، خلافاً للرأي العام للشعب البريطاني آنذاك، ولتوجهات أكبر الكتل في مجلس العموم. وها هو في مارس/آذار 1946 يدعو لتشكيل حلف واسع لمقاومة الشيوعية بعد إنقاذ بريطانيا حرةً ومنتصرةً على أيدي جيش الشيوعية من السقوط بقبضة هتلر وتحت أقدام عساكر النازية ببضعة أشهر فقط.
ليس مثل تشرتشل الرأسمالي الإمبريالي في الخيانة ومقاومة الشيوعية سوى نيكيتا خروشتشوف "الإشتراكي الديموقراطي". لقد أعلن خروشتشوف خيانته لقائده ورفيقه (وأبيه) ستالين على الملأ في تقريره السري (بغير علم المكتب السياسي متجاوزاً نظام الحزب) الذي تلاه في الجلسة الإضافية الخاصة للهيئة العامة في المؤتمر العشرين للحزب عام 1956. في التقرير وصف ستالين بالدكتاتور والمجرم وبعبادة الذات. من المعلوم تماماً أن خروشتشوف كان لا ينادي ستالين إلا بيا "أبي" وليس بيا "رفيق" كما كان يخاطبه سائر أعضاء المكتب السياسي والحزب أيضاً. وكان، كما يشير في مذكراته وكما يقول رفاقه، الأكثر أمانة وإخلاصاً لشخص ستالين إذ كان ينجز مختلف الأعمال التي يكلفه بها ستالين كما يتوخى أن يحبها ستالين أن تكون وفي أبكر من وقتها المحدد، وقد شرح هو نفسه ذلك في مذكراته أيضاً. لم يكن أحد من بين أعضاء المكتب السياسي الأحد عشر يتقرب لستالين مثلما كان يتقرب خروشتشوف. ليس من المعقول على الإطلاق أن يكتشف خروشتشوف كل العيوب الفاضحة التي نسبها لستالين بعد موت ستالين، حين لم يعد يأمر أو يفعل أي شيء. فسواء عرفها خروشتشوف في حياة ستالين ولم يبح بها، أو أنه قال بها ولم تكن في ستالين، فإن فعل الخيانة يصمه في الحالتين.
كان خروشتشوف يعلم تماماً أنه يخون الحزب، فعند موت ستالين مباشرة أصيب بالإحباط إذ كان يطمح أن يكون خليفته ــ وبرأي مولوتوف كان خروشتشوف يعلم من وراء الستار بتآمر بيريا على حياة ستالين ــ إلا أن اللجنة المركزية للحزب اختارت جيورجي مالنكوف خليفة لستالين. حلّ خروشتشوف في مركز الأمين العام المسؤول عن التنظيم في الحزب. خيانة خروشتشوف بلغت الدرك الأسفل عندما أقدم على إزاحة كل الكوادر الشيوعية المخلصة عن مراكز القيادة في منظمات الحزب واستبدالها بانتهازيين حقراء من البورجوازية الوضيعة. كان ذلك توطئة لاغتيال الحزب وأمانته العامة. في صيف العام 1954 قدم جيورجي مالنكوف للمكتب السياسي للحزب مشروعاً يقضي بخفض النفقات العسكرية لصالح التوسع في إنتاج السلع الاستهلاكية كما اقتضت الخطة الخمسية التي أقرها مؤتمر الحزب التاسع عشر عام 1952 بحضور ستالين. إذّاك قامت قائمة جنرالات الجيش وضغطوا بالتعاون مع خروشتشوف وجماعته لرفض المشروع فكان من نتائج تلك المؤامرة أن انتحى مالنكوف عن مركز الأمين العام للحزب ليحل محله المتآمر المتعاون مع جنرالات الجيش الخائن خروشتشوف.
لم يخن خروشتشوف " أباه " ستالين فقط بل خان الثورة وخان الاشتراكية وخان لينين وخان الديموقراطية التي أقسم بكل غليظ أن يؤسس لها ويصونها بعد عهود الدكتاتورية الستالينية بوصفه. لكنه في السنة التالية فقط تآمر وانتهك أبسط قواعد الديموقراطية وقام بانقلاب عسكري على المكتب السياسي الذي سحب منه الثقة في يونيو/حزيران 1957. فبدل أن يتنحى خروشتشوف عن مركز الأمين العام للحزب ورئاسة مجلس الوزراء كما تقتضي الأصول، تم طرد جميع البلاشفة من المكتب السياسي للحزب الذين شكلوا نصف عدد أعضائه ــ تلك هي ديموقراطية خروتشوف مقارنة مع دكتاتورية ستالين الذي تمني مرتين على الهيئة العامة لمؤتمر الحزب التاسع عشر بإعفائه من منصب الأمين العام وقوبلتا بالرفض الجماعي ــ ثم بعد ثمانية عشر شهراً أعلن خروشتشوف بكل ما عرف من وقاحته أن اشتراكية لينين وستالين التي اعتمدت أساساً على آلية الصراع الطبقي لم تعد تنفع الاتحاد السوفياتي، وتساءل بغباء مفرط وكخائن للماركسية اللينينية .. " لماذا يصارع بعضنا البعض الآخر لصالح الأعداء؟ ــ نترك هذا التساؤل برسم الإجابة من قبل الشيوعيين الذين صفقوا طويلاً لهرطقات خروشتشوف الغبية والخيانية ــ واستبدل خروشتشوف اشتراكية لينين وستالين باشتراكية هجين مستوردة من أحزاب غرب أوروبا المسماة بالديموقراطية الاجتماعية وهي تقضي بتمتع الطبقات المتعايشة في النظام السوفياتي القائم بذات الحقوق فلا يكون للبروليتاريا سلطتها المطلقة والدكتاتورية ؛ وعلية فدولة خروشتشوف هي " دولة الشعب كله ". كان لينين يقول أن الإشتراكية هي محو الطبقات فأصبحت اشتراكية خروشتشوف هي تأبيد الطبقات وليس محوها. بل وصلت الخيانة بخروشتشوف إلى أن يخون نفسه فانحاز إلى الفلاحين على حساب العمال ولم تعد دولته دولة الشعب كله بل دولة الفلاحين والعسكر.

شائهو الأخلاق والخلقة من أعداء الشيوعية أورثوا العالم كل الآثام الجسام والتشوهات الخلقية الماثلة اليوم في الهيكلة الاجتماعية ونظم الإنتاج القائمة في مختلف بلدان العالم وتتمثل بالتالي ..
(1) كان المنحى الوحيد لدرء الشيوعية أمام أعدائها هو انتهاج الاقتصاد الاستهلاكي (Consumerism) بإدارة ما سمّي بدولة الرفاه (Welfare State) في البلدان الرأسمالية الكلاسيكية التي اضطرت إلى مواجهة الاستهلاك المتزايد بالاقتراض المتزايد.
(2) اطلاق العنان للاستهلاك المتزايد اقتضى فيما اقتضى استثناء النقد من البضائع، من قيمته التبادلية في السوق، وهو ما قرره مؤتمر الخمسة في رامبوييه، الأمر الذي سمح للولايات المتحدة بطباعة دولارات مكشوفة تماماً مما تسبب بتضخم نقدي هائل في العالم كله.
(3) استثناء النقد من البضاعة أدى إلى تآكل قانون القيمة الرأسمالية فلم تعد البضاعة تساوي النقد أو النقد يساوي البضاعة وبذلك انهارت دائرة الإنتاج الرأسمالية (نقد ــ بضاعة ــ نقد)، كما انهارت السوق وانهارت الرأسمالية تبعاً لذلك.
(4) الزيادة المطردة لمجمل الاستهلاك على مجمل الإنتاج أخلّ بالأساس للنظام الرأسمالي مما أدّى إلى انهيار الرأسماليات الكلاسيكية القديمة. فمحرك الرأسمالية الوحيد هو فائض القيمة (الربح) الناجم عن تدني الاستهلاك عن الإنتاج.
(5) تقلص الإنتاج الرأسمالي أدّى إلى تشوهات في الهيكلة الطبقية للمجتمع فانبعج الهيكل في وسطه وانتفخت الطبقة الوسطى أضعافاً مضاعفة وانكمشت قاعدته وانحسرت الطبقة العاملة بالتوازي أضعافاً مضاعفة.
(6) انهيار النظام الرأسمالي وتشوه الهيكل الاجتماعي تبعاً له انعكسا في تورم سرطاني في إنتاج الخدمات على حساب تراجع حاد في الإنتاج السلعي وهو ما يؤدي إلى فقر المجتمع حيث الخدمات ليست من الثروة بشيء. الآزمات الحالية هي أعراض الفقر.
(7) تآكل قانون القيمة الرأسمالية وانهيار السوق بالتبعية سمحا للطبقة الوسطى أن تبادل إنتاجها من الخدمات بأضعاف أضعاف قيمته الرأسمالية مع السلع. افتراس الطبقة العاملة اليوم يتم بمخالب وأنياب الطبقة الوسطى الأكثر وحشية من الطبقة الرأسمالية.
(8) التناقض التاريخي بين مالكي أدوات الإنتاج من جهة، وقوى الإنتاج من جهة أخرى يغيب اليوم عن المسرح الدولي ليحل محله الصراع بين الطبقة الوسطى من جهة والعمال من جهة أخرى رغم أن الطبقة الوسطى لا تمتلك أدوات إنتاج الطبقة العاملة.
(9) تبدل التناقض التاريخي، رأسماليون/عمال، بالتناقض غير التاريخي، بورجوازية وضيعة/عمال، أدّى إلى غياب الوعي الماركسي بالتاريخ لدى الشيوعيين بشكل خاص ثم تفتت الأحزاب الشيوعية التي كانت بقيادة ستالين سابقاً قد أمسكت بزمام العالم، إلى أن انتهى الأمر إلى انهيار المشروع اللينيني والمعسكر الاشتراكي.
(10) جرى انقلاب كامل في العلاقات الدولية، فالشرق الأقصى الذي شكل خلال عصر الرأسمالية المحيط الأعمق لامتصاص فائض الإنتاج المتحقق في مراكز الرأسمالية قد أخذ اليوم دور مراكز الإنتاج الرأسمالية دون أن يرتقي إلى المستوى الأدنى للتكامل الرأسمالي ومع ذلك يصدر فائض إنتاج هائل إلى مراكز الرأسمالية الكلاسيكية.
(11) أحد التشوهات البارزة الماثلة اليوم هو انطفاء ثورة التحرر الوطني قبل أن تحقق شيئاً من أغراضها التي انتفت نهائياً من التاريخ ولن تعود مهما تعالى زعيق الوطنيين.
كل التشوهات الخلقية أعلاه تسببت على الصعيد العالمي بافتقاد الوعي بحركة التاريخ المتراجعة بدرجة خطيرة والتي قد تنتهي غالبا بكارثة للبشرية أكبر مما يمكن للمرء أن يتصور. قد يتساءل الكثيرون من القرّاء كيف يمكن مواجهة كل هذه التشوهات التي خلّفها أعداء الشيوعية للبشرية. حبذا لو كنت أعرف، لكنني مع ذلك أعيب على كل أصحاب العلاقة وكل المنتصرين لخير الإنسانية وتقدمها تجاهلهم لهذه التشوهات، وقد حرفت مسار التاريخ، وعدم دراسة خطورتها وأسبابها.

فـؤاد النمـري
www.fuadnimri.yolasite.com






لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,757,177,887
- ما هي الشيوعية، ولماذا الشيوعية؟
- الماركسية تأسست على الحقيقة المطلقة
- الطبقة الوسطى كما البروليتاريا، كلتاهما تنفيان الرأسمالية
- ماذا عن راهنية البيان الشيوعي (المانيفستو) ؟
- فَليُشطب نهائياً مراجعو الماركسية !
- الحادي عشر من سبتمبر
- إشكالية انهيار النظام الرأسمالي
- ما الذي يجري في إيران ؟
- من هو الشيوعي الماركسي ؟
- القول الفصل فيما يُسمّى بالعلمانية
- اليسار لا يملك إلا الخداع والخيانة
- كيف انهار النظام الرأسمالي في العالم ولماذا ؟؟
- أثر التخلف السياسي في حركة التاريخ
- صمت الشيوعيين التقليديين
- العمل البورجوازي والعامل البورجوازي
- لا علاج للأزمة الإقتصادية الماثلة
- ضعة البورجوازية الوضيعة
- لماذا العودة إلى الأممية الأولى
- تتكامل الديموقراطية في ظل دكتاتورية البروليتاريا
- العولمة والعولمة البديلة


المزيد.....




- كير ستارمر يخلف كوربن في رئاسة حزب العمال البريطاني ويعد بـ ...
- كير ستارمر يخلف كوربن في رئاسة حزب العمال البريطاني ويعد بـ ...
- زعيم جديد لحزب العمال البريطاني.. ماهي مواقفه من المسلمين وا ...
- نداء وخطاب من حمدين صباحي إلى السيسي: باسم قلبي المفطور على ...
- إيطاليا.. توزيع -سلال غذائية- لمساعدة الفقراء جراء كورونا
- تحية الميلاد الى جريدة -طريق الشعب- / جاسم المطير
- عاجل: الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تتمكن أخيراً تسليم المس ...
- السير كير ستارمر: تعرف على زعيم حزب العمال البريطاني الجديد ...
- نداء من العمال الإيطاليين إلى عمال العالم!
- النبي المسلّح: لفصل الأول – البيت والمدرسة جـ 3 (13)


المزيد.....

- منهجية التفسير المادي الجدلي للتاريخ / خليل اندراوس
- مفهوم الفرد في أعمال البير كامو / مالك ابوعليا
- مفاهيم هربرت سبنسر السوسيولوجية / مالك ابوعليا
- التحليل الطبقي والمجتمع العراقي / حنا بطاطو
- سيكولوجيا شخصية التحقيق الذاتي في أعمال أبراهام ماسلو / مالك ابوعليا
- في الإشتراكية العلمية، الدولة المدنية، المجتمعات الإنتقالية / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- القطاع العام، والقطاع الخاص: أية علاقة؟ / محمد الحنفي
- هل الماركسية لا زالت حاضرة في عصرنا؟ / محمد الحنفي
- أوغست كونت ومنشأ السوسيولوجيا الوضعية / مالك ابوعليا
- كتاب: النموذج السوفييتي لعملية الانتقال إلى الإشتراكية / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - آثام جسام وتشوهات خَلْقية ورثتها البشرية عن أعداء الشيوعية