أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رباح آل جعفر - عبد الرزاق عبد الواحد .. صورة طبق الأصل !!.















المزيد.....

عبد الرزاق عبد الواحد .. صورة طبق الأصل !!.


رباح آل جعفر

الحوار المتمدن-العدد: 2804 - 2009 / 10 / 19 - 15:48
المحور: الادب والفن
    


تحتشد في ذاكرتي ، وأنا اكتب عن الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد ، نثارات من صور ، لا تصدر عن مشاعر وذكريات إنسانية فقط ، إنما تصدر عن وقائع وتجارب ومواقف تظل محفورة في أعماق الوجدان لا يصحّ نسيانها ، وحوارات توحدت فيها مقاصدنا ، سواء كانت بالاتفاق أم بالاختلاف ، لكنها موصولة حية ويقظى .. شاعر يحلق كالنسر بجناحيه في الفضاء وصحفي تتشبث أقدامه بتلابيب الأرض التي يجدها تحته ، وكلاهما له رأيه المختلف في الحياة ، بل وفي الذاكرة قصص وحكايات أبلغ من الخيال ، وفي واقع الأمر ، وبنظرةٍ لا تحتاج إلى مشقة التفكير الطويل ، فإن الوصف الذي أقدمه هنا ، يبدو في جزء كبير منه ، إطلالة على جوانب من طبيعة هذا الشاعر ، الذي بلغ ذروة الإبداع وشيوع الصيت والشهرة ، ومحاولة للنفاذ إلى العمق .. أو لعله ( مفتاح ) شخصيته ، من دون تزيّد ، أو تكلّف .. وكما شاهدت ، ورأيت ، وعرفت .
ولقد أتاحت لي الظروف أن أجد نفسي قربه شاهد عيان ، وجرت معظم مقابلاتنا في مكتبه ، وفي أحيان قليلة في المقهى ، ومرة أو مرتين في منزله القريب من حافات المندى الصابئي عند شطان دجلة ، وكان مكتبه ، يومئذ ، في وزارة الإعلام ، ثم استقل في مكتب آخر في شارع 52 ببغداد ، ولم يكن مكتبه ، آنئذ ، يوحي بكثير من الفخامة والغنى والجلال ، سوى بضع لوحات تبعثر البصر بينها لوحة للفنان علاء بشير وريبورتيرات وتخطيطات بقلم الرصاص أظنها للشاعر يوسف الصائغ ، وشجرة ورد من نباتات الظل تنث عطر العبير ، وأنا أتطلّع على مهل في صور متجددة لخيال ، يبحث عن رؤية ، ورؤية تبحث عن بناء ، وبناء يتسع لمستقبل .. وفي كل مرّة يكون الحوار بيننا طويلاً وعميقاً ووديا ، وفي بعض الأحيان ليس ودياً .
في كل مرة يتجلى عبد الرزاق عبد الواحد أمامي فأكتشف أن غرامه بالمرأة هو نفسه غرامه بالكلمة ، وأشعر أنه قلق متوجس طول الوقت أن تفوته لحظة كشف ، أو كلمة سر تضيء لمحة قصيدة فيما تشغله .. ثم بدا لي أن غرامه بالمرأة غير مفهوم ، ومن ذلك ، ما يتردد ، أن عبد الرزاق عبد الواحد لا يستطيع مقاومة شفاه من حبّات الكرز ، تنادي شفاهاً غيرها ، وتنفجر عندما تتلامس الشفاه ، ولهذا تربص به بعض خصومه وحاولوا أن يركّزوا على نقطة ضعفه إزاء الحياة ومغرياتها ، والنساء وإغرائهن ، وتلك من طبائع النفس البشرية ، وهو نفسه ( صياد اللؤلؤ ) غواص يبحث في البحر عن لؤلؤة في محارة ، وقد يكون في كل مرة ( العاشق التائه ) ، وهناك في هذا الشأن كلام كثير ليس هذا أوانه ، ولا وقته ، ولا مجاله .
ومن ذلك ، أن عبد الرزاق عبد الواحد على مشارف السبعين ، تعلّق قلبه بحب فتاة في العشرينات من عمرها ، وكان يكتب لها قصائد غرام ليلة بليلة ، ويبحث عن مشهد الحب الجميل ، فيبدو في ( حالة الذوبان ) .. وقد يتحول هذا النوع من العشق غير المفهوم ، إلى ما هو غير مقبول ، لكنه ، على أي حال ، كان يجد في غرامه نوعا من الكيمياء الإنسانية ، وسلوانه في الحياة ، ولم يكن يقيّده أي قيد ، برغم اختلاف الطبائع والتجارب ، وفارق العمر ، وتباعد الأيام والسنين ، وهو القائل يتشبب غزلا في تلك الحبيبة :
( كانت أصابعنا تتشابك
أعيننا تتشابك
أنفاسنا تتشابك
وشددتُ يدي
فانحنت راحتي فوق راحتيها ) ..
لم يكن عبد الرزاق عبد الواحد أول البشر ولا آخر البشر الذين يصطاد الغرام قلوبهم ، فلقد سبقته قصص عشق كثيرة في التأريخ ، فهناك المعشوقة ( لورا ) التي ظل ( بتراراك ) يتغنى بها خمسة وثلاثين عاما من دون أن يراها ولا تراه إلا في لحظات خاطفة ، وهناك قصص ( ريكامبيه وأوجست ) ، و ( كارولين وليست ) ، و ( كلارا وشومان ) ، و ( اجنس وهمنغواي ) ، و ( هلويز وابيلار ) ، و ( ماريا ومومبسان ) ، و ( فاتكا وفيدور ) ، و ( ماري دورفال والفريد دي فيني ) ، و ( موناليزا ودافنشي ) ، و ( جوليت وهيجو ) ، و ( الملكة كريستينا ومونالدتشي ) ، و ( كليرون وجيسون ) ، و ( كاتيا والقيصر الكسندر ) ، و ( جيني وكارل ماركس ) ، و ( والأميرة لايفين والأمير مترنيخ ) ، و ( ميلاني ودوما ) .. ثم هناك ( كليو باتره ) التي ضيعت ( مارك أنتوني ) أعظم قادة الرومان لأن غرامه في مصر أنساه روما ، وكان ( ويفل ) غارقا في غرام سيدة مشهورة ، وكان يبعث إليها بقصائد شعر عاطفي كل صباح مع باقة ورد يقطفها بنفسه !.
وفي المحصلة فان عبد الرزاق يجلس مع صيادي اللؤلؤ .. ويعرف أنواع اللآلئ كلها ، من اللؤلؤ الذي يوزن بالقيراط ، إلى اللؤلؤ الذي يوزن بالقصائد والدموع .. ومن اللؤلؤ الذي يتدلى على صدور الكواكب ، إلى اللؤلؤ الذي يتدلى على صدور الجميلات .. وهو كثير التصابي على نحو ملفت للنظر ، مفرط في نرجسيته ، شديد الزهو بهيئته ، يبالغ في المظاهر ، ويتبارى في الشكليات ، ويطلب الأبهة على مستوى عال ، ويركض الذوق وراءه ، مفتون بذاته ، وأعجب طوال حياته بأسطورة طائر الفينيق ، وكيف يواصل الولادة من رماده ، فيحلّق ليشتعل من جديد .
وكان يقول لي عن قصيدة ( الحرّ الرياحي ) التي بدأ كتابتها في السبعينات ، وأتمها في الثمانينات ، أنها شخصيته ذاتها ، مستوحاة من قصته الحقيقية ، فهو ، طبقا لكلامه ، يحمل فيها جزءاً من الشمر ، وجزءاً من الحرّ ، وجزءاً من المعمدان ، الذي يبحث عن رأسه .. لكنني ، في مرات ، كنت أضع علامة تعجب على أن يكون عبد الرزاق جزءا من الحر ، ومن يحيى المعمدان !.
وما يزال صوته ملء سمعي ونحن نتقابل ظهر ذات يوم في مكتبه ينشدني بأريحية عالية يذوب في ملتقى دفئها الصقيع مطلع قصيدته الشهيرة في الإمام الحسين :
قدمتُ وعفوك عن مقدمي
حسيراً أسيراً كسيراً ظمي
فمذ كنتُ طفلاً رأيت الحسين
منارا إلى ضوئه أنتمي
ومذ كنتُ طفلاً وجدتُ الحسين
ملاذاً بأسواره أحتمي
ومذ كنتُ طفلاً عرفتُ الحسين
رضاعاً .. وللان لم أفطم
لحظتها اقترحت فكرة أن ينظم قصيدة من طراز ( البردة ) في مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وكنا يومها سنة 2001 ، على أعتاب مولده ، وفي البداية رحب بالفكرة ووعدني أنه سيكمل كتابة القصيدة خلال يومين ويخص بنشرها صحيفة ( الرأي ) التي كانت تنشر مقالاته وقصائده ، وتطوعت بحماسة الصحفي أخبره أن الصحيفة ماثلة للطبع وأنني سأنشر مانشيت على الصفحة الأولى بالبنط العريض تنويها بقصيدتك ، لكن عبد الرزاق لم يتمم قصيدته ، ومن جانبي لم أنشر ذلك التنويه فقد كانت أمامي مجموعة أسباب تجعلني في شبه يقين أنه لن يبر وعده فيجعلنا في موقع الحرج أمام القارئ !.
ونظم عبد الرزاق شعرا في ( الأدب المكشوف ) وقصائده في جلال الحنفي وخليل الخوري ومنذر الجبوري وموسى كريدي وراضي مهدي السعيد ، وآخرين ، معروفة التندر لدى الأدباء والمثقفين .. ويوما اعتذر من رشيد ياسين بقصيدة مطلعها : ( لست والله خطية .... كل هذا من يديه ) وكان سبب هذا الاعتذار أن رشيد ياسين لم يسلم من لسان عبد الرزاق الذي انتقص من شاعريته في حوار جرى معه سنة 1985 في صحيفة عراقية وضعته يومها ( في محكمة الشعر ) ثم عاد ليسجل ، على شكل كفارة ، أن رشيد ياسين ترك عليه أعمق البصمات أثرا ، لا في شعره وحده ، بل في الكثير من تفاصيل حياته اليومية ، معترفا أن رشيد ياسين كان واحدا من أمهر الذين صنعوا الأجيال الشعرية اللاحقة !.
وكان عبد الرزاق أكثر الناس شماتة بعبد الوهاب البياتي ، الذي كتب مقدمة ديوانه ( طيبة 1956 ) وكان الصلح بين الاثنين ، أو مجرد التلاقي ضروباً من أوهام الخيال ، وكنت كلّما سألت عبد الرزاق عن البياتي ، أراه يحتد ، ويُصاب بنوبة من الغضب ، وتوتّر الأعصاب إلى حدّ الانفجار، ويطير من مجاثمه و ( برج من عقله على وشك أن يطير ) ، وهو يقول لي : إن البياتي شاعر لا يستحق ما ناله من المجد ، وبالمقابل ، فإني سألت البياتي ، يوماً ، عن عبد الرزاق ، فكان جوابه : ( أنا أكتب الشعر ، فما هو شغل عبد الرزاق ؟! ) ، ولم يكن في كلا الجوابين ما يستوقف النظر ، أو يثير.
والمشكلة أن عبد الرزاق عبد الواحد يعود دائما إلى الماضي بممارسة اجتراره ، وتكراره مرة تلو أخرى ، بحديث ذكريات مما يرويه الآباء للأبناء ، أو للأحفاد ، فلا تفوته مناسبة أن يروي لك قصيدة للبياتي عنوانها ( خيانة ) ، ويعدها واحدة من أفضل قصائد البياتي ، ثم ما يلبث أن يحكم أن هذه القصيدة كانت آخر طعنة وجهها البياتي إلى قلب السياب وهو على فراش الموت ، فهو يخاطب السياب قائلاً :
ورفعتَ رايَـتكَ الصّغيرةَ في وجوهِ الطيّبينْ
وهَمَستَ : إني منكمو..
ومضَيتَ مرفوعَ الجبينْ
فَرِحاً تُغَنّي الشّمس .. شمسَ ظهيرةِ الفجرِ القريبْ
ويداكَ حباً تَرسمان حمامةً بيضاء تحتضن الصليبْ
لكنها الأيام دارت والسنينْ
فإذا برايتكَ الصغيرةِ في الوحول ،
وفي طريق الميّتين
وإذا بِ"إني منكمو"
تنصبُّ في آذانِ أعداء الرجال الطيبين !!.
ربما يكون رأي عبد الرزاق بالبياتي كلمة حق يراد بها باطل ، أو لعله يكون نوعا من ( الغيرة ) يحاول أن يخفيها لكن جهده في الإخفاء لم ينجح في كثير من الأحيان ، لكن الحقيقة أن البياتي الذي أخذ من شعر السياب ، أخذ من الشهرة ، والانتشار ، والعالمية ما لم يستحق ، وما لم ينله ناظم حكمت ، أو بابلو نيرواد ، أو ت س اليوت ، فقد كان وزارة إعلام متنقلة ، وفي أحيان كثيرة كان يحاور نفسه إذا لم يجد صحفيا يحاوره ، ويضع على حواراته أسماء مستعارة ، ثم يدفعها للنشر !.
أذكر أن المفكر الراحل الأستاذ مدني صالح قال لي مرة ، وكنا نتمشى في باحات كلية الآداب بجامعة بغداد ، أنه نادم على كتابه : ( هذا هو البياتي ) وعندما سألته مستغربا عن دواعي نشره ، قال : ( كنت أريد أن أجعل من عبد الوهاب البياتي موس حلاقة أحلق به لحى شعراء آخرين ) .. وفي البداية كان عنوان الكتاب ( البياتي معري وحلاج وخيام ) ثم تراجع عنه مدني في الأيام الأخيرة قبل الطبع ، وكان ذلك خليطا من متناقضات شديدة .
ومن المفارقات ، أن عبد الوهاب البياتي كان ينزل سنة 1989 في فندق شيراتون ببغداد ، وقد أرسل معي نسخة من ديوانه ( بستان عائشة ) إلى مدني صالح وطلب مني أن أرتب موعدا بين الاثنين بحكم علاقتي به ، إلا أن مدني رفض لقاء البياتي متذرعا بانشغالات لم تكن ، في رأيي ، تستدعي الاعتذار ، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يرفض مدني لقاء البياتي ، إذ سبقتها محاولة عقيمة كان طرفاها الدكتور أحمد مطلوب والأديب الراحل يوسف نمر ذياب لم يفلحا في إقناع مدني لقاء عبد الوهاب البياتي .
إن عبد الرزاق عبد الواحد وهو المبدع المتوهج تعثرت خطاه ، فلم ينل جوائز أدبية عربية وعالمية ذات قيمة بسبب مواقفه السياسية .. ولم تترجم إلا النوادر من روائعه إلى أشهر لغات العالم الحية على مستوى يكون ظاهرا للعيان ، ولم تستطع قصائده أن تنتشر ، وأن تنفذ بيسر إلى رحاب العالمية ، ولم يحظ شعره بما يستحق من دراسات نقدية وأكاديمية ، ولم يأخذ استحقاقه كالجواهري والبياتي .. فهو في أعماق قلبه يحس بجرح غائر نافذ إلى الضمير .. وهو على أي حال ، يحتفظ في تأريخه أنه ليس واحدا من الذين تنحني هاماتهم أمام الحكام في قصورهم ، وترتفع هاماتهم أمام الحكام في قبورهم .. أو أولئك الذين لا يملكون حرية أنفسهم ، أو حرية اختيارهم !.
وقصارى ما يمكن ترجيحه أن الرجل ومن دون أن يقلب خياراته يرفض محاولات الهروب من الماضي الذي يلاحقه به الخصوم ، ومن الواقع الذي يرفض أن ينتمي إليه ، وذلك يجب أن يُفهم إنسانيا قبل أي اعتبار آخر .. إذا تذكرنا ذلك كله نستطيع أن نفهم ، وإذا استطعنا أن نفهم ، فإننا سوف نعذر .
ومن ناحية ، فان المتابع للشأن الأدبي يتساءل ، وهو معذور في تساؤله ، أين هو عبد الرزاق عبد الواحد في شعره الذي لم ينتشر في مساحة قرائه خارج الإطار التقليدي ، وكذلك لم يرتق إلى مصاف محمود درويش ونزار قباني برغم ما يحفل به شعره من ثراء وخصوبة ؟.
وبصرف النظر عن متغيرات الأنظمة والعصور ، ننسى أحيانا أن ( الرجل ) يمكن أن يكون في لحظة من اللحظات صورة إنسانية لوطن ، لكن الوطن لا يستطيع أن يتحول إلى صورة شخصية لرجل .. ننسى أحيانا أن لا بد من وعاء لكي تستطيع البذرة أن تتحول إلى شجرة باسقة فإنها تحتاج ليس فقط إلى شمس وماء ، إنما تحتاج أيضا إلى عناية ورعاية .. وفي هذا المناخ لم يكن شاعر العربية العظيم أبي الطيب المتنبي ممكنا بغير ( سيف الدولة ) ، ولم يكن ( أحمد شوقي ) ممكنا بغير الخديوي ، ولا كان ( ميكل انجلو ) ممكنا في عصر النهضة بغير أسرة ( مديتشي ) ، ولا كان ( محمود مختار ) مثال نهضة مصر ، ممكنا بغير ( هدى شعراوي ) ، لكننا نتعسف نوعا من التأريخ ونتزيد على الأمر الواقع ، فتتيه علينا بوصلة الرؤيا ، وتضيع حقائق ، وتتلاشى أحلام !.
لفت نظري أن عبد الرزاق عبد الواحد يقلد في شعره معروف الرصافي ، أكثر من تقليده الجواهري ، وزيادة في الإنصاف ، فانه يقلدهما تقليد المبصرين وليس تقليد العميان ، واستعان في كثير من قصائده بشعراء الغري والبابليات أمثال عبد الغفار الأخرس وصفي الدين الحلي والشاعر الموصلي عبد الباقي العمري ، وكان هذا نهجه في الصعود إلى الشهرة .
ولعل الحكمة الصوفية القائلة : ( عند التمام يبدأ النقصان ) تظل صادقة بالعرفان وبالبرهان معا ، ذلك أن أي كائن حي ، ومنهم عبد الرزاق عبد الواحد ، عند الذروة يكون قد استعمل إلى أقصى حد مصادره وموارده كافة ، وهو حين يستعملها إلى أقصى حد ، فانه يستهلكها بنفس المقدار .
وبشهادة لميعة عباس عمارة فإنها وعبد الرزاق من بيت شعري واحد ، وهما بعيدان واحداً عن الآخر ، ولميعة شعريا مترفة جداً ، وعبد الرزاق وعر جداً ، وهي أرق منه وأغزل ، وهو أوفر عطاءً وأجزل .. إنه حرف يتعذب من أجل وجوده على الورق ، ووصف لميعة بأنها ( أعز الحلا في تمر ميسان ) وكما يعرف صانع البارود القوة التفجيرية لمفرقعاته ، فإن عبد الرزاق يعرف القوة التفجيرية لقصائده ، وحفظ سورا وآيات من القرآن الكريم وديوان المتنبي ، وفي الوقت نفسه صنع شعراء من حجر !.
ولا يساورني شك أن عدداً من الشعراء بروا أقلامهم على محكّ أشجار عبد الرزاق ، وعدداً منهم سرق الحبّ من جيوبه الممتلئة ، فما ردّ منقاراُ ، ولا آذى جناحاً ، ولم يبخل على أحد منهم بخيمة ظل ، أو سرير من ورق أخضر ، وبذل ما استطاع من وقته ومن تجربته لإضافتها إليهم ، إنه يعطي الصلصال القديم ملامح جديدة ، لكنه شكا لي في أكثر من مرّة ، إن اعزّ الناس عليه يسرعون للنيل منه لسبب أو بلا سبب ، وسألني يوماً متعجباً : أرأيت أن تكون أنت في ذروة وجعك ، ويأتي من ينغّصه عليك .. أرأيت إلى أن تكون ملاحقاً محسوداً حتى على كربك وأوجاعك ؟!.
ولقد مضت حتى الآن بالتمام خمس وستون عاماً على نشر عبد الرزاق عبد الواحد أولى قصائده ، أكثر من نصف قرن ، نشر أولى قصائده عام 1945 وأول مجموعة شعرية صدرت عام 1950 ، وهو يجوب هذه الصحراء الواسعة ، زارعاً في رمالها (42) واحة هي عدد مجموعاته الشعرية ، منها عشر مجموعات للأطفال هي أعز شعره عليه ، ومسرحيتان شعريتان .. وبين واحة وأخرى ، مواضع أقدام يحاول ألاّ يلتفت إليها ، وهو يدنو من عامه الثمانين ، فهو من مواليد 1930 وذلك قول شهادة الميلاد يومئ بحمد الله إلى عمر طويل مديد .
واتّهم عبد الرزاق شعرياً بالمباشرة ، واتهم بالصراخ ، وبأنه شاعر المناسبات ، وشاعر سلطوي ، وشاعر تعبوي ، ولما نشر ديوانه ( النشيد العظيم 1958 ) من ملحمته ( الحرب والسلام 1950 ) وصفه الدكتور صلاح خالص ب ( الشاعر الإنساني ) .. وفي مهرجان شعري أقيم ببغداد في السبعينات ألقى فيه قمم شعراء الأمة بينهم الجواهري كان دور عبد الرزاق آخر الملقين ، يومها قدمه ( عريف الحفل ) الناقد الراحل عبد الجبار داود البصري ب ( الشاعر الصاعد ) وكان تقديمه قاسيا في وصفه ، لكن عبد الرزاق أثبت شاعريته بجدارة ولفت الانتباه ، وكانت قاعة المهرجان مشدودة الأنظار إليه ، مبهورة به وهو يلقي رائعته : ( يا سيدي المتنبي ) .
وأمضى عبد الرزاق شوطا من حياته مدرسا في المدارس الثانوية تتقاذفه المدن النائية وتلاحقه تقارير الشرطة السرية حتى فصل من وظيفته وقطعت عنه موارد رزقه ، وشوطا آخر في معسكر السعدية الذي فتحه النظام الملكي للمعارضين من المثقفين الذين أبعدهم عن وظائف الدولة ، وبالتوازي مع ذلك كان يقاسي شظف العيش ويعاني مرارة الحاجة ، بل واشتغل بأعمال يدوية يسد منها حاجاته ويعيل أسرته الكبيرة ، وعاصر أجيالاً شعرية عديدة ، وصحب شعراء كبارا كانت له معهم رفقة عمر من السنوات ممتدة ، محمود البريكان ، محمد سعيد الصكار ، رشيد ياسين ، سعدي يوسف ، حسين مردان ، بلند الحيدري ، أكرم الوتري ، عبد الوهاب البياتي ، يوسف الصائغ ، مظفر النواب ، وزامل بدر شاكر السياب في الدراسة والشعر ، فبينهما ثلاث سنوات دراسية في دار المعلمين العالية ، وهو يعتقد أن ريشة من جناح السياب أثقل من أجنحة شعراء الحداثة ، وصمت عبد الرزاق فترة سبع سنين (1963ـ1969) كانت إحباطاً في حياته الفكرية والأدبية ، ثم أخرج ديوان ( أوراق على رصيف الذاكرة ) يقول فيه :
مر زمان ..
حملنا كلمتنا حجارة ، عصاً ، سكيناً ..
كان على كلماتنا أن تقاتل وفق ستراتيجية عصرها
ومر الزمان
لبس بعضنا كلمته درعا
...............
..............
وبينما كنا ننسحق
نتعرى
نستشهد
كنا نقمع كل شهقات كلماتنا القتيلة
كانت كلماتنا تمارس قتالاً لا إنسانية فيه ..
وربّى عبد الرزاق تلاميذ ، وعلّمهم الرماية والقوافي ، وقدّمهم على أنهم شعراء ، فوفّى معه بعضهم وكانوا بررة أوفياء ، وعقّه بعضهم لمّا اشتدّ ساعده ، وهجاه لمّا تعلّم نظم القوافي ، فوصفهم ب ( البذرة الفاسدة ) !.
وإذا كان من سوء الحظ ، أن الطرق تبدو عند نهاياتها ، وكأنها وصلت إلى تيه لا يظهر عليه أفق ، فمن المؤكد أن عبد الرزاق عبد الواحد أصبح الآن هو الشارد في التيه ، مرتحلاً بماضيه ، يجيل النظر من حوله بين الرؤية والسراب ، يعرف من أين ، ولا يعرف إلى أين ؟! .. ولقد حاولت أن أكون شاهدا ً، ولم أحاول أكثر من ذلك .. وكان بودي أن أريحكم وأستريح .. لكن الحديث ما زالت له بقية .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,869,634
- طه عارف .. وسلام الأصدقاء طويل
- شاكر حسن آل سعيد .. تشكيلياً على الطريقة الصوفية
- ويسألونك عن نوري حمودي القيسي ؟!
- لقاء مع خالد الشوّاف على مشارف الثمانين
- مفكرات يوسف العاني في عصور مختلفة
- قيس لفتة مراد .. عاش ميتا ومات حيا !!
- تذكروا الزهر الشقي .. عزيز السيد جاسم
- لا هو موت .. لا هو انتحار
- أباطيل يوسف نمر ذياب في زنبيل !!
- مصطفى محمود .. المفترى عليه
- عبد الغني الملاح يستردّ للمتنبي أباه !..
- مدني صالح يدفن زمان الوصل في هيت
- ( صانع ) بلند وحسين مردان .. صفاء الحيدري لا عذاب يشبه عذابه
- أبو جهل يتوحم على دمائنا
- عندما تغضب الكلمات
- علي الوردي وأنا في حوار من الأعظمية إلى الكاظمية
- عبد الوهاب البياتي .. الأول في روما


المزيد.....




- بالطعام والقهوة.. لاجئو سوريا يهيمنون على ثقافة كردستان العر ...
- انطلاق القمة البريطانية الافريقية بلندن بحضور العثماني
- فيلم -رابعة جامعة- بعد -بنات ثانوي-.. مغامرة جريئة أم مجازفة ...
- فيلم كوري جنوبي يدخل التاريخ و-الجوكر- يفوز بجائزة التمثيل ف ...
- صدر حديثا رواية -تريلو- للكاتب عادل أبو الفضل
- في قافلة مائة مدينة مائة يوم.. ساكنة إنزكان: -بغينا الجواج- ...
- فنانة شهيرة تثير الجدل بعد تغريدتها عن خلع صلاح لقميصه
- الممثلة الأممية في العراق تحث على تجديد الدفع باتجاه الإصلاح ...
- فلسطين في الشعر العربي - الجزء الاول
- فلسطين في الشعر العربي - الجزء الثاني


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رباح آل جعفر - عبد الرزاق عبد الواحد .. صورة طبق الأصل !!.