أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مثنى كاظم صادق - الجاحظ وصورة الآخر في كتاب البخلاء






















المزيد.....

الجاحظ وصورة الآخر في كتاب البخلاء



مثنى كاظم صادق
الحوار المتمدن-العدد: 2752 - 2009 / 8 / 28 - 10:03
المحور: الادب والفن
    



وافق مولد الجاحظ (195هــ ) في عصر انتشر فيه الترف المادي والفكري فنهض في عصره سوق العلم , وكثر في هذا العصر المثقفون , وظهر العلماء في شتى المجالات , ولاسيما في مجال المناظرات والجدل العقلي , والتي ظهرت جلية وانعكست في مؤلفاته ولاسيما كتاب البخلاء الذي يقوم أساسا على التماس البخلاء , الحجج العقلية والنقلية , في دفع تهمة البخل عنهم أو تسويغها بالإقتصاد !! فقد كانت البصرة , والكوفة , وبغداد آنذاك عواصم العلم والمعرفة والأدب ومراكز تفاعل بين الحضارات والأديان والمذاهب والقوميات على اختلافها . وكانت العلاقات العامة والنشاطات الإجتماعية والإقتصادية محل اهتمام الجاحظ فخص جوانبها بالعديد من كتبه ورسائله , وربما لا يجانب كاتب السطور حقيقة أن الجاحظ كان كالباحث الميداني الذي يشخص أمراض المجتمع النفسية والاجتماعية , بل يذهب بك الظن إلى أنه أحد الذين يتكلم عنهم ؛ لدقة تصويره وسعة معلوماته حول هذه الفئة من الناس وأقصد بها البخلاء , يعد كتاب البخلاء أحد الكتب التراثية المهمة التي استطاعت أن تجسد لنا العصر العباسي بكل حيويته , فتنقل إلينا الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها وتفاعلاتها , كما استطاعت أن تنقل لنا الحياة الثقافية بكل إشعاعاتها ورحابتها المدهشة , إذ ظهرت فيها امتزاج الثقافات بأحلى صورة , يحس المرء مع سرد البخلاء بأنه أمام ممكنات جديدة كانت خفية في فهم التاريخ ؛ لأن النصوص لا تولد من فراغ مكتفية بعزلتها الرائعة عن السياقات الاجتماعية والتاريخية , وليس التراث نفسه بالنصب الفخم القائم فيما وراء الزمان والمكان بل هو بناء سردي يتطلب عملية إعادة تأويل مفتوحة النهاية , وبالتالي فإن معاينة التراث تعني أيضا معاينة الوعي , بمعنى التمييز النقدي بين التأويلات المتصارعة , وكتاب البخلاء صورة للمجتمع الذي بدأ يعيش حياة جديدة , تاركا الحياة البدوية التي ترى صفة الكرم أهم استمرار سبل الحياة في الصحراء , في حين أن المدينة ترى الكرم الباذخ نوع من أنواع التبذير غير اللازم ؛ مما أدى إلى ظهور الاقتصاد ؛ لتعقد الحياة المدنية , إذ أصبح إنسان المدينة يحسب للزمن ومصائبه ألف حساب , فالجاحظ جسد لنا في كتاب البخلاء اضطراب القيم في صدر الدولة العباسية والصراع بين قيم الكرم وقيم الاقتصاد الذي هو مسوغ قد يكون معقولا لدى البخلاء لتبرير التقتير عندهم .
ويجد قاريء كتاب البخلاء سخرية الجاحظ من أكثر طبقات المجتمع بدءا بالولاة وانتهاءا بعامة الناس مرورا بأئمة المعتزلة الذي ينتسب الجاحظ إليهم كالعلاف والأسواري , وقد يكون توجيه النقد اللاذع بأسلوب ساخر جميل على الطبقة الغنية التي أصبح البخل فيها سمة مستشرية سمة واضحة عند الجاحظ . يشكل كتاب البخلاء ظاهرة من ظواهر الفكر العربي في المجتمع العباسي حيث يعكس نمط الحياة آنذاك حيث تحولت الحياة البسيطة إلى حياة معقدة والعامل الإقتصادي أدى دورا مهما في ذلك التغيير , الأمر الذي حول الأذهان إلى القيم المادية التي سادت في المجتمع الحضري . إن البخل صفة منبوذة تجلب للإنسان السمعة غير الجيدة وربما السخرية منه , فالجاحظ يفهم البخل برؤية موضوعية علمية , فيرفض التعميم وإضفاء صفة البخل على أي إنسان دون النظر إلى ظروف معيشته فهو يرى البخل في الأغنياء دون البخلاء ؛ ولذا فقد خص الأغنياء بالبخل دون الفقراء , وخص سكان الأراضي الخصبة دون سكان الأراضي المجدبة ؛ لأن الإنسان محكوم بجود البيئة وكما هو معروف في المثل الدارج , الجود من الموجود , وعليه فإن الجاحظ أخذ بخلاءه من القوميتين العربية والفارسية على حد سواء لكن قاسمهما المشترك أن من ينتمي إلى هاتين القوميتين موسر , غني , اشتهر بالبخل بين الناس , فالجاحظ مثال للعالم المنفتح على الثقافات الأخرى إنفتاحا فكريا وبالتالي فإن المثاقفة مع الآخر قد جعلته ينظر إلى الأمور بحيادية وموضوعية, فقد تناول البخلاء من الفرس والعرب على حد سواء ؛ لأن البخل مرض اجتماعي وظاهرة في كل المجتمعات ولا تقتصر صفته على الفرس فقط, وأدرك الجاحظ بنباهته ذلك جيدا وقد ذكر أسماء البخلاء من الفرس والعرب ليس للتشهير بهم قوميا بل لأن البنية الاجتماعية وقتذاك متكونة من هاتين القوميتين على الأعم الأغلب ولاسيما في العراق عامة والبصرة خاصة , وقد كان الجاحظ في كتابه راويا للقصة وأحيانا بطلا مشاركا في أحداثها , فهو دائما يتخذ صفة الراوي المحايد الذي ينقل عن الآخرين أحداث قصته و ثمة طبيعة اجتماعية قد أقرها الجاحظ ونلمسها نحن إلى اليوم وهي أن القبيلة أو المدينة أو الطائفة تتحمل تبعة ما يعمله فرد فيها فنرى الجاحظ يقول في كتاب البخلاء : ( والعرب إذا وجدت رجلا من القبيلة قد أتى قبيحا , ألزمت ذلك القبيلة كلها , كما تمدح القبيلة بفعل جميل وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها ) إن التمازج بين العرب والفرس في العصر العباسي قد بدا واضحا , ولربما كان هذا التمازج والتداخل القوي ؛ نتيجة الانفتاح على القوميات الأخرى في العصر العباسي فمن المعروف أن الأمويين لم ينفتحوا على القوميات الأخرى كما انفتح العباسيون . استطاع كتاب البخلاء رصد هذا التمازج بين القوميتين , على كافة المستويات الأجتماعية أو الثقافية وقد تأثرت القوميتان ببعضهما البعض من جميع مفاصل الحياة ولاسيما الأمتزاج اللغوي بين اللغة العربية واللغة الفارسية لأن البخل ليس مقصورا على زمان ومكان معينين فقد جعل الجاحظ بخلاءه يتحركون على الورق فلا نملك إلا أن نضحك من هذا البخيل أو ذاك سواء أكان البخيل فارسيا أم عربيا وبطريقة أجاد الجاحظ بها أيما إجادة , قدم الجاحظ من خلال كتاب البخلاء مثلا لتفاعل الأديب مع عصره بشكل مبدع فأسس لرؤية موضوعية في تقديم صورة الآخر , دون أن تعرف الاستعلاء أو العنصرية , لذلك يمكن أن نقول : بأن الجاحظ قدم لنا صورة الفرس كما قدم لنا صورة العرب كجزء من ظاهرة البخل لهذه الفئة أو تلك التي أغنى بهم كتابه من قصصهم . وهكذا أضاء لنا الجاحظ عبر كتابه البخلاء تفاعل الأديب مع عصره ومجتمعه بشكل مبدع , وحيادي في تقديم صورة البخيل الآخر ( الفارسي) دون أن يميزه عنصريا عن البخيل العربي ؛ لأن البخل ليس له وطن , أو قومية ؛ لذلك وضع الجاحظ ذلك نصب عينيه حين جعل بخلاءه من الفرس والعرب , وبعد ذلك يعلل تعليلا اجتماعيا بأن الناس ولاسيما العرب إذا رأت رجلا أتى قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها والعكس صحيح وإن تناول الجاحظ لبخلاء الفرس في هذا الكتاب ليس للتشهير بهذه القومية , بل لأن البنية الاجتماعية وقتذاك متكونة من هذه القومية ولاسيما في مجتمع البصرة .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,391,528,685
- شباب اليوم والإنتماء للأحزاب
- نعيش نعيش ليحيا الوطن
- الوجه الاخر للمرأة
- نفط العرب للعرب والغاز للكاكات
- المراة نصف المجتمع وشوية اكثر
- قصص من العراق
- ليس للشعر امير
- ماهكذا تورد الابل يانور الشريف
- ظاهرة تحريم الكتب والروايات
- لماذا لايوجد نبي سويدي ؟
- نصوص مخلة بالشرف او بالملون والعادي
- امران احلاهما مر
- هوشي ماشي
- النثر ديوان العرب كما الشعر ايضا
- دموع المرأة
- قصص قصيرة جدا
- النفط مقابل الاستنساخ
- الامية الثقافية اخطر من الأمية الأبجدية
- المتنبي غموض النسب والمقتل
- العراقي العراقي والعراقي الأوربي


المزيد.....


- انتشاء .. / أمل فؤاد عبيد
- وجهة نظر / فاطمة الفلاحي
- علكِ تعودي يوما / غريد الشرق
- خبرات غير سارة / حسين عجيب
- قم ياعراق الغد البسّام يُنتظَرُ ... / خلدون جاويد
- منحوتة من دمٍ ونسيم ! / سامي العامري
- -ذاكرة الحواس- هي دائما ما تبدأ المخيلة / حيدر تحسين
- تفاحٌ زعلقم / قصة قصيرة / عمر حمّش
- الزوجة الصماء / نبيل عودة
- حين يخفى القمر / سجاد الشيخ زيني


المزيد.....

- تعليم اللغة العربية بطورينو
- فيلم كرامتي
- جماهير بورسعيد تودع فرق الفنون الشعبية
- أطباق مستوحاة من الأدب العالمي
- عواطف نعيم.. تبدأ في رسم -خرابيط- شوقي كريم على خشبة المسرح! ...
- تقديم الطبعة الحادية عشرة للمهرجان العالمي للسينما في الصحرا ...
- منتدى الإسماعيلية للإنتاج العربي يطلق دورة تدريبية لصناع الأ ...
- «الأوبرا» تستقبل أول تجربة عملية لمسرحة المناهج
- بالفيديو.برومو الفيلم التسجيلي "سائق الميكروباص مجرم أم ضحية ...
- الأحد ..جمعية النقاد تحتفي بعميد السينما الفرنسية الراحل "آل ...


المزيد.....

- في نقد الشعر العربي المعاصر: دراسة جمالية / د. رمضان الصباغ
- فلسفة الفن عند سارتر وتأثير الماركية عليها / د. رمضان الصباغ
- هكذا تعشق النساء/ يوميات مثلية / روان نور يونس
- الانسانوي / احمد داؤود
- نبتة يدي غابة شوكية / كريم ناصر
- كعائد إلى أزقة البلاد / عبد الكريم كاظم
- مضاد ألم / خالد عبد الزهرة
- أحاديث عن الغولة الأعمال الكاملة / محمد حسين يونس
- فى نقد الشعر العربى المعاصر - دراسة جمالية / أ.د. رمضان الصباغ
- أحزان أستير / مصطفى يونس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مثنى كاظم صادق - الجاحظ وصورة الآخر في كتاب البخلاء