أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عدنان عاكف - الحزب الشيوعي العراقي والقضية الفلسطينية








المزيد.....

الحزب الشيوعي العراقي والقضية الفلسطينية


عدنان عاكف

الحوار المتمدن-العدد: 2584 - 2009 / 3 / 13 - 08:57
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الذكرى 75 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي

الحزب الشيوعي العراقي والقضية الفلسطينية

عدنان عاكف
مهداة الى الكاتب طارق حجي :

( كان الكاتب المعروف طارق حجي قد نشر مقالة بعنوان " قرار تقسيم فلسطين نوفمبر 1947 : من دفاتري القديمة " على موقع الحوار المتمدن بتاريخ 8/3/2009 )، تناول فيه مواقف بعض الأحزاب الشيوعية العربية من قرار التقسيم ومن دولة إسرائيل. وأشار الى ان النص يعود الى عام1981 . وجوهر ما ورد في المقال ان الأحزاب الشيوعية العربية قد أعلنت موافقتها على قرار تقسيم فلسطين وإقامة دولة إسرائيل...ويهدي المؤلف نصه هذا لروح أنور السادات.
قد ينفع هذا النص لإهدائه لروح الرئيس السادات، لكنه لا يصلح أن يكون مادة تثقيفية معتمدة وموثقة تقدم لقراء عام 2009 ، خاصة اذا كان معدها شخصية معروفة، وكاتب أتحف القراء بعشرات الكتب ومئات المقالات. واذا كان العرف يقول " لكل جواد كبوة " فما كنت أتمنى لكاتبنا مثل هذه الكبوة. لقد تضمن هذا النص مغالطات تاريخية ومواقف محرفة ومشوهة . وما كنت أظن ان باحثا جادا مثل طارق حجي يمكن أن يسمح لنفسه ان يقدم على إعادة نشر نص سبق نشره قبل حوالي ربع قرن، دون ان يراجع ما استجد من مواقف ومعلومات قد تعينه على تدقيق معلوماته. ستكون لنا وقفة خاصة مع مقالة الأستاذ حجي.. هذه مساهمة متواضعة تحاول ان تلقي الضوء على موقف الحزب الشيوعي، وخاصة موقف زعيمه ومؤسسه من القضية الفلسطينية، أقدمها للأستاذ طارق حجي علها تنفعه، في ما اذا قرر ان يعيد البحث مجددا في دفاتره القديمة.)..

" ان فلسطين لا تتحرر إذا اقتصر أمر تحريرها على إجراءات الحكومات العربية دون ان تشترك الجماهير الشعبية في البلاد العربية في هذا الكفاح، واشتراكها فعليا وبشكل يضمن الفوز "...
ما زالت كلمات فهد هذه تحتفظ بمناعة الحقيقة، بالرغم من كل ما حدث خلال أكثر من ستة عقود. وقد كتبت هذه الكلمات قبل قيام دولة إسرائيل ببضعة سنوات، وفي أعقاب انتهاء أعمال مؤتمر الجامعة العربية عام 1946 والذي عرف بمؤتمر بلودان ، الذي كرس لمناقشة الوضع في فلسطين. و من الواضح ان فهد كان في هذه العبارة يريد ان يؤكد على ان مشكلة فلسطين الجوهرية هو الاستعمار البريطاني الذي يتحكم بمصيرها...
بعد أقل من ثلاث سنوات أقدمت الحكومة العراقية على إعادة محاكمة فهد ورفاقه من قيادة الحزب الشيوعي والحكم عليهم بالإعدام، الذي تم تنفيذه في شباط 1949( ويقال ان ذلك تم بتوجيه من الحكومة البريطانية بسبب إصرار فهد على موقفه الرافض لقرار التقسيم وبسبب موقفه المعادي للصهيونية العالمية.. وبعد أربعة عقود من التجارب المريرة وخيبات الأمل المتعاقبة، كتب الزعيم الفلسطيني أحمد الشقيري، الذي ارتضى – مكرها أو طائعا – ان يسلم أمر " تحرير فلسطين " بين يدي السلطات الحاكمة في البلدان العربية، كتب يصف مؤتمر بلودان بالعبارات المريرة التالية : " اتسم بطابع التهامس وراء الكواليس لا لدرء الخطر عن فلسطين ولكن لدرء الخطر الذي تلقيه قضية فلسطين على عاتق الدول العربية.. كان كل وفد يقول داخل المؤتمر غير ما يقول في الخارج للصحافة..". أما الشخصية السياسية التي بدأ نجمها يلمع آنذاك في عالم السياسة، فاضل الجمالي، رئيس الوفد العراقي الى المؤتمر، والذي لم يخف يوما حماسته في محاربة الأفكار الشيوعية الهدامة ومحاربة الشيوعيين العراقيين " إخوان اليهود "، فقد كان أكثر دقة وبلاغة وشجاعة في وصفه للمؤتمر في مذكراته : " كان طبلا فارغا له صدى بعيد وفي داخله لا شيء..".
وعلى مدى نصف قرن ظلت الطبول العربية تقرع هنا وهناك. وعلى مدى نصف قرن ظلت السيوف العربية مشرعة وهي تحاول ان تسكت كل صوت يطالب بإشراك الجماهير في النضال من أجل الحقوق المشروعة العادلة للشعب الفلسطيني. وعلى امتداد ستة عقود كان الشيوعيون العراقيين مع طليعة القوى التي كانت تطالب بإشراك الجماهير في الكفاح من أجل ذلك.
جوهر الصراع
سعت القوى الاستعمارية والمنظمات الصهيونية ان تصور القضية الفلسطينية بكونها معركة بين العرب واليهود في فلسطين. وفي هذا الاتجاه كانت تصب مساعي الحكومات العربية. وقد انساقت وراء هذه المساعي أحزاب وتنظيمات عربية قومية مختلفة. وقد أفلحت هذه الجهود والمواقف، وبدرجات متفاوتة في التأثير على الرأي العام العربي والعالمي وساعدت على إخفاء الجوهر الحقيقي للقضية وإخفاء العدو الحقيقي للشعب الفلسطيني.
أما الحزب الشيوعي فقد كان له موقف آخر، وأعلن في ميثاقه الوطني الأول ان الشيوعيين يناضلون من أجل " الاستقلال والسيادة الوطنية لفلسطين والأقطار العربية المستعمرة والمحمية ". وأشار فهد ان الهدف الأساسي الذي يسعى الاستعمار والصهيونية هو " شطر فلسطين عن الأقطار العربية الأخرى واتخاذها قاعدة حربية تسهر على مصالحه ضد الحركات التحررية في البلاد العربية والشرق الأدنى والأوسط ". لذلك فان الجهود ينبغي ان توجه في هذه المرحلة نحو تحقيق الهدف الأول : " إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، ومنح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير ".
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية هبت على المنطقة رياح التغيير الثوري والتي كان على القوى الوطنية استغلالها لتحقيق مكاسب جديدة، وذلك عبر تصعيد النضال الجماهيري ضد الاستعمار والرجعية.. لكن الذي جرى كان على العكس. فالدعم الشعبي الذي حظيت به القضية الفلسطينية منذ الثلاثينات، والذي بلغ مداه في المؤتمر الشعبي في بلودان ( سوريا ) حلت محله سياسة تساومية تقوم على مبدأ التفاهم مع الحكومات العربية من أجل حثها على تقديم الدعم لعرب فلسطين. وكانت هذه الحكومات بدورها قد بنت سياساتها على مبدأ التفاهم والتراضي مع بريطانيا.
كشف فهد عن عقم " سياسة المفاوضات والانتظار والاعتماد على النوايا الحسنة لدى الدول المنتدبة على فلسطين ". وبين ان الحديث عن تحييد بريطانيا وكسب رضاها كالركض وراء السراب. وأكد على ان النضال ضد الصهيونية يجب ان يقترن بالنضال ضد الاستعمار " فهو صاحب الانتداب على فلسطين وهو الاحتياطي الرئيسي للصهيونية ". وندد بمواقف الجامعة العربية التي كانت " تتهرب من واجب الدفاع عن فلسطين كما تهربت وتتهرب من واجب الدفاع عن سوريا ولبنان... ويتحاشون الاجتماع والبحث في أهم القضايا العربية كقضية الهجرة الى فلسطين "... وطالب بالوقف الفوري لجميع المفاوضات التي كانت تجريها الحكومات العربية مع الحكومة البريطانية . وطالب أيضا بمقاطعة اللجان التي شكلتها البلدان الغربية لمناقشة الأوضاع في فلسطين، والشروع فورا بعرض القضية على مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة. ان نقل القضية الى الهيئة الدولية سيحولها من مشكلة قائمة بين السكان العرب واليهود في فلسطين، كما كانت تصورها المفاوضات مع الحكومة البريطانية، الى إطارها الصحيح بكونها مشكلة الشعب الفلسطيني مع الاستعمار البريطاني..

الموقف من اليهود في العراق :
خلال سنوات الحرب صعدت المنظمات الصهيونية من نشاطها في فلسطين، وفي العالم العربي. وقد وجد الصهاينة في الدعاية النازية فرصة ملائمة لتوسيع نشاطها بين اليهود العرب وحثهم واجبا رهم على الهجرة الى فلسطين. كان على الحزب الشيوعي ان يحارب على أكثر من جبهة. قام فهد في العديد من مقالاته بتعرية الفاشية وكشف طبيعتها الاستعمارية العدوانية العنصرية التوسعية وزيف وعودها ومخاطرها على العراق والأمة العربية. وفي نفس الوقت هاجم الصهيونية وقام بالكشف عن طبيعتها وحدد أوجه التشابه ( بالرغم من العداء الظاهري ) بين النازية، التي يدعو اليها بعض الأوساط العربية، وخاصة العربية المتعصبة، وبين الصهيونية التي يدعون انهم يحاربونها. من ناحية ثالثة كانت الأوساط الرجعية الحاكمة وجناح آخر من القوى القومية العربية وجدت في تفاقم النشاط النازي والصهيوني في البلاد العربية فرصة ملائمة لتقوية ارتباطاتها ببريطانيا وصدقت وعودها بمنح الدول العربية الاستقلال بعد انتهاء الحرب.
في تلك الفترة توجه فهد الى الجماهير اليهودية في العراق وبقية الدول العربية، والتي ما زالت بعيدة عن النشاط السياسي الوطني، ودعاها الى " النضال ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية...". وكشف عن المخاطر التي تشكلها الصهيونية على اليهود، مشيرا الى ان خطورتها على اليهود مثل " خطورتها على العرب، لأنها تعمل من أجل استعباد واستغلال الجماهير اليهودية سياسيا واقتصاديا وفكريا، لكونها التعبير الصادق للرغبات والمصالح الطبقية للرأسمال اليهودي في انكلترا وأمريكا والاحتكارات الاستعمارية الإنكليزية والأمريكية "..
وبتوجيه منه تأسست " عصبة مكافحة الصهيونية " التي تقدمت بطلب إجازتها في أيلول 1945. غير ان إجازة تلك المنظمة لم يصدر عن وزارة الداخلية إلا في آذار 1946. ثلاثة أشهر فقط هو عمر تلك المنظمة السياسية اليهودية والفريدة من نوعها ليس في العراق فحسب، بل وفي العالم العربي. ولم تكن فرادة تلك المنظمة في تركيبتها اليهودية، بل تكمن في الأهداف التي تأسست من أجلها. لقد كان الهدف الأساسي للعصبة هو تنظيم اليهود لزجهم في النضال جنبا الى جنب مع إخوانهم العرب ضد الصهيونية والاستعمار، ومن أجل إقامة دولة ديمقراطية في فلسطين للعرب واليهود. وخلال عمرها القصير استطاعت العصبة ان تزج عشرات الآلاف من اليهود في النضال الوطني. أما السلطات الحاكمة وبعض الأوساط القومية، فكانت تعمل على النقيض تماما، وذلك من خلال مساعيها لتصوير جميع اليهود كأعداء للعرب. شجب فهد هذا النهج الخاطئ والخطير والذي كان في نهاية المطاف يتوافق مع مساعي المنظمات الصهيونية في دفع اليهود العراقيين الى الهجرة الى فلسطين.
لقد جاء تشكيل " عصبة مكافحة الصهيونية " ليشكل حدثا سياسيا فريدا من نوعه في العالم العربي. وكان بحق أحد مآثر الشيوعيين العراقيين في نضالهم الوطني والقومي. وكان من الممكن ان تكون تجربة العصبة درسا ثمينا للتعامل اللاحق مع القضية الفلسطينية على امتداد العقود التالية. لكن التعصب، كما يقول أبو الريحان البيروني ، " يعمي الأعين البواصر ويصم الآذان السوامع ".فبسبب المواقف المتعصبة تحول تشكيل العصبة من مأثرة نضالية الى أداة جرمية بحق الشيوعيين.
الديمقراطية والقضية الفلسطينية
ظلت الديمقراطية تشكل هاجس فهد الأول، حتى وهو يعالج القضايا القومية الأساسية ، مثل قضية الوحدة العربية وقضية فلسطين. لذا أكد في أكثر من مناسبة على الترابط العضوي بين النضال من أجل الحرية والديمقراطية الذي يخوضه كل شعب من الشعوب العربية وبين النضال ضد الصهيونية. لذا فان القضية الفلسطينية هي في المقام الأول قضية الجماهير الشعبية وليست قضية حكام ونخبة من السياسيين، كانوا في سدة الحكم أو في المعارضة. وانطلاقا من هذه الحقيقة كان يرى " ان فلسطين لا تتحرر إذا اقتصر أمر تحريرها على إجراءات الحكومات العربية دون ان تشترك الجماهير الشعبية في البلاد العربية في هذا الكفاح، واشتراكها فعليا وبشكل يضمن الفوز "... ولا يمكن للجماهير في البلاد العربية ان تشترك في الكفاح بشكل حقيق " يضمن الفوز " إلا اذا انتظمت هذه الجماهير في أحزاب سياسية ومنظمات مهنية. وهذا أمر يصعب تحقيقه إلا في ظل أنظمة ديمقراطية مستقلة ". لنتأمل في كلمات فهد التالية والتي أثبتت الأيام صحتها وكأنه يتحدث عما يجري اليوم :
" لو كان للشعوب العربية حقوق ديمقراطية تمكنها من تنظيم أحزاب شعبية جماهيرية..لاستطاعت ان تؤثر بنضالها على السلطات الحاكمة في بلادها للتدخل في شؤون قطرهم الشقيق فلسطين وحل مشكلته وإنقاذ الشعب العربي هناك من الورطة التي أوقعه فيها الاستعمار، لكن فقدان التنظيمات الديمقراطية وحبس الشعور العام داخل كل قطر من الأقطار العربية كانا السبب في إضعاف الحركة التحررية العربية وتفكيكها ".
لقد كان للمبالغة في تقييم العامل القومي أثره السلبي ليس فقط على النضال من أجل الأهداف الاجتماعية والوطنية، بل كذلك ساهم في إضعاف النضال القومي ذاته وتجريده من محتواه الثوري. فالطابع القومي للقضية الفلسطينية، الذي كان يفترض ان يكون سلاحا مهما بيد الشعوب العربية في نضالها لمساندة الشعب الفلسطيني تحول الى سلاح بيد الأنظمة الحاكمة المستبدة لتزيد من قمعها للشعب، وتستخدمه متى تشاء لقمع المعارضة وتحجيم دورها بحجة " قومية العركة ".
لقد توفرت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظروف سياسية مؤاتية لتعميق النضال الجماهيري وتوسيعه من أجل تحقيق مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية متنوعة. ولكن مواقف بعض القوى الوطنية وترددها حال دون تحقيق ذلك. أشرنا من قبل الى توصيات لجنة التحقيق الأنكلو – أمريكة، وردود فعل القوى السياسية على تلك التوصيات. فقد دعت لجنة الدفاع عن فلسطين الى إضراب عام في العالم العربي، احتجاج على تلك التوصيات. وقد حقق الإضراب نجاحا كبيرا وغير متوقع. عندها دعت عصبة مكافحة الصهيونية وحزب التحرر الوطني ( وهو التنظيم السياسي الثاني العلني الذي تم تأسيسه بتوجيه من الحزب الشيوعي " الى تعميق النضال وعدم الاكتفاء بالإضراب ونتائجه. وقد دعا التنظيمان للخروج الى الشارع من أجل الضغط على الحكومة، غير ان الأحزاب الوطنية العلنية رفضت الدعوة وأدانتها بحجة ان الظروف ما زالت غير مناسبة لمثل هذا التصعيد. لقد كان المؤرخ عبد الرزاق الحسني موفق في كتابه " تاريخ الوزارات " في اختيار عنوان " الزوبعة " للفقرة التي تحدثت تلك " التظاهرات الصاخبة التي قام بها حزب التحرر الوطني غير المجاز وعصبة مكافحة الصهيونية اللذان يمثلان الحزب الشيوعي السري وذلك احتجاجا على المظالم الجارية في فلسطين ".. وقد جرت تلك المظاهرة يوم 28 حزيران 1946.
أما الباحث حنا بطاطو فقد اعتبر تلك المظاهرات والنجاح الذي حققته حدثا تاريخيا يؤشر لانفتاح التيار الذي وصل ذروته في وثبة كانون.. بالفعل، فقد اجتاحت العراق في تلك الأيام " زوبعة " ثورية، أطاحت بأكثر من وزارة. بعد أقل من أسبوع على مظاهرات بغداد سطرت الطبقة العاملة ملحمتها النضالية في كاورباغي حيث أعلن عمال النفط إضرابهم الشهير والذي قمعته السلطة بوحشية حيث سقط 16 شهيدا وعشرات الجرحى.
الموقف من قرار التقسيم :
من المعروف ان موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية الفلسطينية كان يتمثل في إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية واحدة للعرب واليهود. ومن المعروف ان الرفيق فهد كان في السجن عندما صدر قرار التقسيم. وقد جاء قرار الاتحاد السوفيتي بالموافقة على قرار التقسيم ليشكل صدمة كبيرة على الحزب الشيوعي وقيادته المتوزعة بين البيوت السرية والسجن. ومن بعض ما نشر في السنوات الأخيرة ( مذكرات زكي خيري ومقالة للزميل حمدان يوسف في الثقافة الجديدة /297 ) يتضح ان الحزب واصل موقفه الرافض للتقسيم لعدة أشهر. ويشير حنا بطاطو ان الحزب أصدر في كانون الأول 1947 بيانا يعلن رفض الحزب للقرار. ويشير بطاطو الى ان موقف الحزب الشيوعي الرافض للتقسيم كان ينعكس في جريدة الأساس، مشيرا الى ان العدد الصادر في 24 أيار عكس تغيير في موقف الحزب، في حين ان العدد الصادر في22 أيار كان يحمل الموقف المعارض والذي كان شعاره " يا أبناء شعبنا ÷ ناضلوا من أجل الحفاظ على عروبة فلسطين ولإفشال مشروع الدولة الصهيونية ". أما فهد فقد أعلن وهو في السجن عن رفضه للموقف الذي اتخذته " اللجنة العربية الديمقراطية في باريس "، والذي أيد قرار التقسيم. وهناك رسالة ، يبدو انها آخر رسائل الرفيق فهد من السجن الى المسؤول الأول في بغداد، ورد فيها ما معناه :
" ان قبول الاتحاد السوفيتي بقرار تقسيم فلسطين وإقامة دولتين منفصلتين قد فرضته اعتبارات دولية، في مقدمتها موازين القوى في العالم. نحن كنا وما نزال مع إقامة دولة واحدة في فلسطين. دولة ديمقراطية للعرب واليهود. واذا اتضح تعذر فرض هذا الحل في الوقت الحاضر فهذا لا يعني قبولنا بالحل الثاني...".
ليس لدينا ما ننهي به هذه المقالة خير من ذكريات مناضل شيوعي سوري قديم عاش في أربعينات القرن الماضي في العراق وحصل على الجنسية العراقية وانتسب الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وعاش مع فهد في البيوت السرية للحزب ردهة من الزمن. انه المناضل محمد علي الزرقة، والتي دونها في عام 1993:
" كانت القضية العربية الأهم المثارة على نطاق العراق والأقطار العربية ـ هي قضية فلسطين. وكان خطر التقسيم قد بات واضحاً في عام 1946. وكان الحزب الشيوعي العراقي بقيادة الرفيق فهد ضده. وكانت مبادئه وأحكامه قد نشرت على النطاقين العربي والعالمي. وكانت جميع المنظمات والأحزاب قد أدلت بدلوها في بحث جوانبه مؤيدة أو معارضة. وكان الاتحاد السوفياتي في أول الأمر معارضاً. وكان رفض الشيوعيين له مبرراً. ولكن الاتحاد السوفياتي بدل من رأيه فيه وصار يرى في التقسيم حلا وحيداً ممكناً..أيده الجميع إلا فهد والحزب الشيوعي العراقي. وجريدة القاعدة والجرائد الأخرى التي تسير معها كالعصبة وواسط.. ونشرات حزب التحرر الوطني. وظلت هذه القوى العراقية الكبرى تطالب كما كانت دائماً بزوال الانتداب الإنجليزي نصير الصهيونية في فلسطين وإعطاء الشعب الفلسطيني و 80% بالمئة منه عربي، حق تقرير المصير لإقامة دولة ديمقراطية يتساوى فيها جميع السكان عرباً ويهوداً. أو بكلمة أوضح: إقامة دولة عربية ديمقراطية في فلسطين..
ولم يكن هذا الكلام وهماً.. يمكن إنكاره.. فقد سجلت صحف الحزب هذه المبادئ علناً، ولا سيما بقلم القائد فهد.. ولم يبدل رأيه هذا حتى استشهاده..".





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,152,472
- عبد الناصر بين أضراس شامل عبد العزيز
- الأوربيون تعلموا الغزل من أسلافنا! أيعقل هذا ؟
- لماذا تراجعت قضية المرأة في العالم العربي ؟؟
- في الاشتراكية العلمية : الاشتراكية والبرمجة الوراثية
- - والقلب ما طاب جرحه - !
- في الاشتراكية العلمية : الطبيعة الإنسانية وكيف تتغير
- نانسي عجرم الرئيس الجديد لمجلس النواب
- أول الغيث مظاهرة البصرة
- حول الإعجاز العلمي مرة أخرى
- نأخذ العلم من عشاي وزغلول ! اعزف الناي ودق الطبول
- هل سيفعلها المالكي ؟؟
- الكندي رائد علم المعادن
- مجرد وجهة نظر في نتائج الانتخابات
- - أهون الشرين - ! والانتخابات
- إناث وذكور في عالم المعادن والأحجار
- من ينتقد اللاموضوعية في النقد عليه ان يكون موضوعيا في نقده
- رحلة مع الجماهرالى عالم الجواهر - 5 -
- رحلة مع - الجماهر - الى عالم الجواهر - 3 -
- رحلة مع - الجماهر - الى عالم الجواهر - 2-
- رحلة مع - الجماهر - الى عالم الجواهر - 1 -


المزيد.....




- بلاغ صحفي حول اجتماع المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ...
- رئيس الأركان الجزائري: القبض على مندسين بحوزتهم أسلحة وسط ال ...
- الانتخابات الإسبانية: المرشح الاشتراكي يؤكد عدم الرغبة في إب ...
- الانتخابات الإسبانية: المرشح الاشتراكي يؤكد عدم الرغبة في إب ...
- محمد بوطيب
- معركة الجزائر
- السودان: الموجة الثورية الثانية في المنطقة تبدأ من حيث انتهت ...
- حوار مع مناضل جزائري: تحديات وفرص الثورة بعد بوتفليقة
- حمدين صباحي: التعديلات الدستورية الجديدة تهدم أسس الدستور
- كالينينغراد تستضيف مؤتمر -قراءات كانط- الدولي


المزيد.....

- كيف تنبأ تروتسكي ببلقنة أوروبا .بقلم .نيكولا بونال / بشير السباعي
- ماركس ودستويفسكي / بشير السباعي
- حول نظرية الحزب في الماركسية اللينينية / برهان القاسمي
- حان الوقت لإعادة بناء أممية العمال والشعوب / سمير أمين
- سمير أمين: في نقد حلم انكسر   / عصام الخفاجي
- متابعات عالمية و عربية - نظرة شيوعية ثوريّة (2)- (2017 - 201 ... / شادي الشماوي
- اليسار في مصر: حدوده وآفاقه في عالم 2011 / علي الرجّال
- كوبا وخلافة فيديل كاسترو / أندريس أوبينهيمر
- من الثورة الثقافية البروليتارية الصينية الكبرى النص الأول / الشرارة
- أهم المعيقات أمام بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين / النهج الديمقراطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عدنان عاكف - الحزب الشيوعي العراقي والقضية الفلسطينية