أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله تركماني - المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (5)















المزيد.....


المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (5)


عبدالله تركماني

الحوار المتمدن-العدد: 2582 - 2009 / 3 / 11 - 10:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(ج)- الاتجاه الماركسي القومي
بدأ تبلور هذا الاتجاه منذ المؤتمر الأول لشيوعيي آسيا الوسطى المسلمين، في الفترة ما بين 24-30 مايو/أيار 1919. وازداد تبلورا في مؤتمر شعوب الشرق، الذي انعقد بباكو في شهر سبتمبر/أيلول عام 1920. وفي كلا المؤتمرين شدد المندوبون المسلمون على ضرورة تكييف الأيديولوجيا الشيوعية مع الظروف الخاصة بالشرق، وألحوا على الطابع الأساسي الذي تتميز به الثورات القومية، الضامنة الوحيدة لانعتاق الشرق انعتاقا حقيقيا.
لقد امتدت إحدى النقاط الهامة في مؤتمر باكو لتشمل ثلاث مستويات: طرح مشكلة إعادة تقييم استراتيجية الثورة، ومحاولة صياغة تكتيك ملائم للظروف المحلية، وأخيرا وبصورة رئيسية طرح المشكلة على مستوى الأساس، وهي التي تتعلق بخصوصية العالم المستعمَر. فالثورة بالنسبة لمسلمي روسيا كانت تعني استعادة هويتهم القومية قبل كل شيء، ومتابعة حلمهم الإصلاحي.
وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الشيوعي التتري سلطان علييف، الذي قلب التصور الماركسي التقليدي رأسا على عقب: ليست ديكتاتورية البروليتاريا الغربية هي التي ستحرر شعوب الغرب والشرق، بل أنّ قوة التحرير الحقيقية، من طغيان الرأسمالية، هي ديكتاتورية الأمم البروليتارية ( الشرقية ) على المتروبولات الغربية.
وغداة مؤتمر باكو، وُضعت القرارات التي اتخذها المؤتمر موضع التنفيذ في البلدان الواقعة في أطراف روسيا، وبدأت عملية لجم الحكومات الشيوعية القومية المحلية، وتطهير الكوادر القومية المحلية. وبلغت الأزمة ذروتها بالتشهير بـ " انحرافهم القومي " وعزل جميع مواطني تلك البلدان الأصليين تقريبا من مناصبهم المحلية واستبدالهم بـ " عناصر بروليتارية ".
وكان أبرز ضحايا هذا المشروع، الهادف إلى إعادة هؤلاء إلى جادة الصواب، سلطان علييف، الذي كان غداة الثورة البلشفية مساعدا لستالين في " مفوضية شؤون القوميات ". وكان علييف قد نشر في عام 1919 مقالا تحت عنوان " الثورة الاجتماعية في الشرق "، حين كان عضوا في الحزب الشيوعي الروسي ومتعاونا مع السلطة السوفياتية إلى أبعد حدود التعاون. ومما ورد في المقال " لقد فُهم تحوّل ثورة أكتوبر إلى ثورة اشتراكية عالمية كنقل للطاقة الثورية الروسية إلى الغرب فحسب، أي إلى جزء من الكرة الأرضية، حيث بدا ظاهريا أنّ التناقضات بين مصالح طبقة البروليتاريا وطبقة البورجوازية أكثر احتداما وحيث بدت الأرض نتيجة لذلك مواتية أكثر من غيرها لنمو الثورة وتطورها .
وبالمقابل فإنّ الشرق، الذي بلغ عدد سكانه مليارا ونصف المليار من البشر المضطهَدين من قبل البورجوازية الأوروبية الغربية، كان منسيا نسيانا كليا تقريبا. إنّ تيار الصراع العالمي بين الطبقات قد أحاط بالشرق، ومشكلة الثورة بالشرق لم توجد إلا في أذهان بعض الأفراد المنعزلين الضائعين كنقطة الماء في بحر الثورة الهائج. وبسبب من جهلهم للشرق والخوف الذي يوحي به، رفضوا قبول الفكرة التي تقول إنّ الشرق يمكنه الإسهام في الثورة العالمية. والحال إنّ توجّه الثورة الاشتراكية الأممية نحو الغرب فقط كان أمرا خاطئا ".
وفي سنة 1923 طُرد سلطان علييف من الحزب الشيوعي، بعد إدانة " الانحرافات القومية " لديه، واتهامه بخلق تنظيم غير مشروع في القوقاز الشمالي، وبنيته إقامة أممية للشعوب التركية. وحُكم عليه بالإعدام، الذي نُفّذ في العام 1937، ضمن حملة الإعدامات الستالينية الكبرى ضد " الرفاق القدامى ".
وبعد طرده من الحزب، نضجت أفكاره الماركسية القومية، وقد تبنّى أفكارا أكثر راديكالية، حين أكد على فرق أساسي بين بروليتاريا الغرب والشرق، إذ حدد طبيعة الشرق المسلم على النحو التالي " الشعوب الإسلامية هي أمم بروليتارية. إنّ ثمة فرقا بين الحالة الاقتصادية للبروليتاريا الإنكليزية والفرنسية وبروليتاريا مراكش وأفغانستان. ومن الممكن الجزم بأنّ للحركة القومية في البلدان الإسلامية طابع الثورة الاشتراكية ". وعلى هذا الأساس، فإنّ الفرز الأساسي الذي أراده سلطان علييف هو أنّ في الغرب بروليتاريا هي طبقة اجتماعية من طبقات الأمة، أما في الشرق فإنّ الأمم كلها بروليتارية، بسبب الظروف الاقتصادية التي جعلتها كذلك. ويرى علييف أنّ تعويض سلطة البورجوازية الغربية بسلطة البروليتاريا الغربية لا يمكن أن يؤدي إلى أي تغيير في علاقات الأخيرة ببلدان الشرق المضطهَدة، وذلك لأنها ترث، بصورة آلية، المواقع القومية للطبقة التي خلفتها. والحل الوحيد بالنسبة للشرق هو أن يتوحد لكي يستطيع أن يبدِّلَ الديكتاتورية التي تمارسها عليه المتروبولات الغربية بدكتاتورية أمم الشرق البروليتارية على المتروبولات الغربية.
ومن جهة أخرى، فإنّ سلطان علييف قد ألح، مرارا، على مشكلة دمج كنوز الثقافة الإسلامية بالشيوعية، وعلى تسامح إزاء الإسلام، في البداية على الأقل. وبذلك اتخذ موقفا مخالفا للموقف الماركسي التقليدي من الدين، خاصة حين دعا إلى " شيوعية ذات تلاوين إسلامية ".
وفي المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية في العام 1922، انطلق الشيوعي الأندونيسي تان مالاكا من المنطلقات نفسها لسلطان عالييف، حين أكد أنّ الإسلام يعيش في قلب النضال القومي المعادي للإمبريالية. حيث تساءل: إلى أي حد ينبغي أن يذهب دعم الحركات القومية ؟ لقد أدان لينين نزعة الرابطة الإسلامية، وقصر التعاون مع الحركات القومية على بعض الحركات التي تُعَدُّ غير رجعية. لقد أكد تان مالاكا خطأ مثل هذا التفريق، ورآه ضارا بالنسبة للنزعة الإسلامية المذكورة بوجه خاص. إنّ للإسلام، حسب تعبيره، سلطانا هائلا على الوجدان الشعبي في الشرق، فالنضال ضده يوازي معاداة الوجدان الشعبي. وفي مداخلته أمام المؤتمر تساءل: ما الذي تعنيه الرابطة الإسلامية قبل كل شيء ؟ وأجاب " إنها تعني النضال في سبيل التحرر القومي، وذلك لأنّ الإسلام هو كل شيء بالنسبة للمسلمين. إنه ليس دينا فحسب بل هو الدولة والاقتصاد والغذاء وكل شيء. وعلى هذا فإنّ الرابطة الإسلامية إنما تعني الأخوّة لسائر الشعوب الإسلامية، وتعني النضال التحرري لا للشعب العربي فحسب، بل للشعوب الهندية والجاوية ولسائر الشعوب الإسلامية المضطهَدة ".
وهكذا، نلاحظ أنّ علييف ومالاكا قد طرحا منظورا ماركسيا قوميا، يأخذ بعين الاعتبار المعطيات المحلية، خاصة الاجتماعية والثقافية. وبذلك فكّرا بقضايا الشرق من خارج المركزية الأوروبية، وفكّرا في الاشتراكية من منظور قومي. وكان إعدام عالييف وإبعاد مالاكا إجهاضا في المهد، على الأقل في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، لإمكانية دمج الماركسية بالمسألة القومية في حركة التحرر الوطني.
(د) - الاتجاه الماوي
يُعتبر ماوتسي تونغ من أهم الماركسيين الذين حوّلوا الماركسية من مجرد حركة بروليتارية إلى حركة قومية أيضا، وقد تمكن من ذلك خلال الحرب العالمية الثانية في قتاله ضد اليابانيين. فقد قامت الاسترتيجية الماوية على التوجه إلى كل طبقات الأمة " كتلة الطبقات الأربعة ": الطبقة العاملة، والفلاحين، والبورجوازية المتوسطة والصغيرة، والرأسماليون المعادون للإمبريالية. وبذلك، حرر ماوتسي تونغ الحزب الشيوعي الصيني من " الأسطورة " البروليتارية، التي بقي الشيوعيون أسرى لها على مدى سنوات طويلة. كما أعلن أطروحته الأساسية القائلة: إنّ التناقض الرئيسي الأول هو التناقض بين الإمبريالية والأمة الصينية، وهو في زمن الغزو الياباني للصين، التناقض بين الأمة اليابانية والأمة الصينية.
وعلى الصعيد النظري، أكد على عراقة الأمة الصينية، وفتح المجال للخروج من النظرية الستالينية الخطية ( نظرية تعاقب الأنماط التاريخية الخمسة: المشاعية البدائية، والعبودية، والإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية )، والأمة كمقولة تاريخية لعصر الراسمالية الصاعدة. ولذلك، فإنّ فكره اتسعت أصداؤه في القارات الثلاث، حين أظهر بوضوح أنّ الماركسية تستلزم إحساسا عميقا بالقومية.
لم تكن الشيوعية الصينية مجرد نقل لأفكار ماركس وأنجلز ولينين وستالين، وغرسها في بيئة حضارية مختلفة، في وجوه عديدة، عن حضارة أوروبا، بل هي خليط مركب وديناميكي لعناصر ماركسية - لينينية وعناصر صينية. لقد فهم ماوتسي تونغ حضارة بلاده، المطبوعة بعمق بميسم ماضيها، والمتسمة بخاصيتين جعلتاها أكثر استعدادا، من أية حضارة أخرى غير أوروبية، للتكيّف مع العالم الحديث، وهاتان الخاصيتان هما " حس التاريخ في المقام الأول، وفي المقام الثاني تقاليد فلسفية متجهة إلى المشكلات السياسية والأخلاقية، لا إلى التأملات الميتافيزيقية ".
وتعود الشيوعية الصينية إلى المؤسسين: لي دا زاو ( Li Da-Zhao) و تشن دو سيو (Chen Du-Xiu) ، اللذين يجسدان، إلى حد بعيد، التيارين اللذين شكلت القومية الثورية، بصيغتها اللينينية - الماوية، حصيلة تركيبهما الجدلي " كان تشن، قبل كل شيء، نصيرا للتغرب، انتهى به الأمر إلى اختيار الشيوعية، باعتبارها أكثر الوسائل فعالية وجدوى لتحديث المجتمع الصيني. أما لي دا زاو فقد كان، بالمقابل، قوميا قبل كل شيء، رأى في النظرية اللينينية عن الإمبريالية تبريرا لمواقفه القومية".
وإذا كان صحيحا اعتبار لي دا زاو كممثل للاتجاه القومي وتشن دو سيو كممثل لاتجاه التغريب، فلا بد من الاعتراف أنّ تطور هذين الرجلين منذ عام 1915، إسوة بجميع المثقفين الصينيين، قد سار بسرعة بالغة نحو الماركسية. وقد لعبت عدة عوامل في التعجيل نحو هذا الخيار: ردُّ الفعل المعادي لليابان الذي أطلقته المطالب اليابانية الإحدى والعشرون في عام 1915، ومجمل السياسة اليابانية تجاه الصين. والخيبة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، خاصة بعد إعلان نتائج مؤتمر فرساي التي تقتضي إعطاء اليابان الامتيازات الألمانية القديمة في الصين لا إعادتها إلى الصينيين. وأخيرا ثورة البلاشفة في روسيا، بما انطوت عليه من احتمالات ثورية.
لقد قدّم لي دا زاو رؤية ملفتة للنظر حول الأمة والمسألة القومية، ففي محاضرة ألقاها في نادي الطلاب السياسي في جامعة بكين بتاريخ 13 مايو/أيار 1924، تحت عنوان " المسألة العرقية "، أكد أنّ الاختلافات القومية إنما تنجم عن الخصوصيات التاريخية والثقافية والحضارية، وعلى هذا فإنّ " جميع المواطنين الذين يجمعهم تاريخ واحد وثقافة واحدة مشتركين، وسواء كانوا موحدين من ناحية سياسية أو حقوقية أم لا، يمكن اعتبارهم يشكلون أمة ".
لقد شكلت التجربة العملية للحزب الشيوعي الصيني، خاصة ما يتعلق منها بالتحالف مع الكومنتانغ بقيادة صن يات صن، وكذلك في إطار الأممية الشيوعية والتوجيهات الستالينية حول الثورة الصينية، والتي كان لها أثرا سلبيا، تجربة أغنت النظرية الماوية حول المسألة القومية. ونجد ذلك واضحا في كل وثائق الحزب الشيوعي الصيني، ففي المؤتمر السابع للحزب، الذي انعقد في شهر مايو/أيار 1945، قدم ليو شاوشي تقريرا موسعا، جرى الحديث فيه عن " تصيين الماركسية من قبل ماو تسي تونغ ".
كما تحدث عن صعوبة استعمال وجهة النظر الماركسية ومنهجيتها لحل مختلف مشكلات الثورة الصينية، وذلك " لأنّ الكثير من المشكلات التي نواجهها لم تُطرَح قط ولم تُحَلّْ في الماضي من قبل ماركسيي العالم. في بلدنا، تتألف الجماهير من الفلاحين أساسا، لا من العمال، وإننا نناضل لا ضد رأسمال بلدنا، بل ضد الاضطهاد الإمبريالي الأجنبي وضد بقايا القرون الوسطى. هذا المشروع لا يمكنه أن ينجح مطلقا، كما يعتقد البعض، بمجرد امتلاك ناصية الكتابات الماركسية وحفظها عن ظهر قلب، وأخذ الاستشهادات منها . إنها تقتضي اجتماع فكر علمي من مستوى عال وروح ثورية من المستوى نفسه..".
لقد كان لهذه المواقف صدى سلبيا في الاتحاد السوفياتي، خاصة بعد أن أطلق ماوتسي تونغ، في العام 1957، شعاره المعروف " ريح الشرق تغلب على ريح الغرب "، لذا فقد تمحور الخلاف الصيني - السوفياتي، منذ عام 1959، حول ثلاثة ميادين:
(1)- في الميدان الأيديولوجي ( مشاكل الحرب والسلام، والطرق السلمية للانتقال إلى الاشتراكية، ودور حروب التحرر القومي ).
(2)- في الميدان التنظيمي ( أسس تنظيم الكتلة الشيوعية، والدور القيادي للاتحاد السوفياتي أو للصين ).
(3)- في ميدان العلاقات بين الدولتين ( المساعدة الاقتصادية والتقنية المقدمة من الاتحاد السوفياتي إلى الصين ومشاكل الحدود، والخلافات حول السياسة الخارجية ).
لقد كانت الشيوعية الصينية اشتراكية ووطنية في آن واحد، حيث رأت في حضارة الصين مصدر إغناء لماركسية ماو تسي تونغ، حين استفادت من التواصل الواسع للتاريخ الصيني، مما جعل دعوتها، أثناء المسيرة الكبرى، إلى تحرر الصينيين من الفقر، إضافة إلى التحرر الوطني والنهوض من جديد، أكثر إقناعا لدى الجماهير الصينية وخاصة لدى الفلاحين.
(هـ) - الماركسية والتحرر الوطني
لقد نشأت الماركسية وتطورت في القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، في المرحلة الإمبريالية، حيث كانت هذه القارات خاضعة للاستعمار بأشكاله المختلفة. وعلى هذا الأساس فقد كانت الإشكالية المطروحة هي: كيف يمكن لهذه المناطق أن تنسلخ عن السيطرة الأجنبية ؟ وأن تحرر نفسها كأمم ؟ وأن تبني دولها القومية المستقلة، ثم تناضل داخل حدود هذه الدول لإيجاد توجّه شعبي ديمقراطي يكون هدفه إنجاز تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة ذات أفق اشتراكي ؟
لقد كان تاريخ القرن العشرين بالنسبة لبلدان القارات الثلاث محكوما، بشكل أساسي، بعلاقاته مع البلدان الاستعمارية التي نصّبت نفسها، منذ القرن التاسع عشر، سيدة للجنس البشري، حيث تغلغل النظام الرأسمالي إلى جميع أجزاء المعمورة تقريبا. فالسمة الأبرز للاستعمار لم تتبدَ في نقل الرأسمالية الصناعية إلى الأطراف، بل هي تتبدى في خط معاكس هو خط الحفاظ على الشرط الأساسي للاستغلال الرأسمالي لبلدان القارات الثلاث، أي الحفاظ على قسمة العمل الدولية القائمة على التفاوت الدائم بين دول صناعية متقدمة، تنتج السلع وتطور أرقى أشكال التكنولوجيا، في المركز، وبين أطراف زراعية ـ أساسا ـ وتابعة، توفر المواد الأولية وتستورد السلع المصنعة وبعض التكنولوجيا من دول المركز.
وفي الواقع لم يكن واردا أن تساهم الدول الاستعمارية في تصنيع العالم المستعمَر، بل أنّ النموذج الذي ساد بين الطرفين هو أن يدفع العالم المستعمَر التابع ثمن وارداته من مصنوعات دول الموتروبول عن طريق بيع مواده الأولية الأساسية بأسعار متدنية.
فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي كانت تكوينات منطقة التحرر الوطني غير كلاسيكية، فبناءاتها التحتية كانت عبارة عن نظم رأسمالية هامشية، ونظم تقليدية سابقة على الرأسمالية. ومن المؤكد، أنه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، على الأقل خلال النصف الأول منه، لم تكن هناك دولة من دول القارات الثلاث تتمتع بنظام رأسمالي متجانس، لا أثر فيه للبنى الاقتصادية ما قبل الرأسمالية.
أما بناءاتها الفوقية، فإنها تتميز بوجود مكوّنات أيديولوجية عديدة، يلعب فيها الدين دورا هاما للغاية. وهي بمجموعها تشكل " الأيديولوجيات القومية " التي يتركز تأثيرها في أنها تجعل مجموعة معينة من الشعوب تتعلق بهويتها ووجودها، فتحقق الدوام لنفسها وتشكل ذاتها كتكوين قومي مستقل.
ولعل طبيعة الدولة الاستقلالية، باعتبارها تعبير عن الهوية أكثر من كونها أداة لضمان التطور السلمي لمجتمعها المدني، ومجال للعمل التنموي المتناسق، جعلها تركز السلطة في أجهزتها بعيدا عن رقابة المجتمع. فبدلا من أن تكون الدولة أداة للتوحيد والتكامل وبناء الأمة، عن طريق إدماج الفئات الاجتماعية كافة في كل وطني واحد، فإنها أصبحت تعبيرا عن الانقسامات ما قبل الوطنية، بسبب الأطر الأيديولوجية التقليدية التي تبنتها كثير من النخب التي حكمت أكثر دول القارات الثلاث.
لقد ارتبطت المسألة القومية في بلدان حركة التحرر الوطني في القارات الثلاث بقضيتين أساسيتين هما: الاستقلال القومي، والوحدة القومية. ففي أغلب هذه البلدان كان المسعى نحو خلق دول وحكومات جديدة مستقلة لم تكن موجودة من قبل، فجوهر عملية التحرر كانت تكمن في التخلص من الاستعمار وتكوين حكومات وطنية تقوم ببناء دولة قومية حديثة، يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، وتستخدم مواردها الاقتصادية لتنفيذ مخططات تنموية شاملة، تنهض بالبلاد من تخلفها، وتتجه بها نحو آفاق التقدم.
وهكذا وجدت دول حركة التحرر الوطني نفسها بعد الاستقلال أمام مجموعة ملحة من المهام: الدفاع عن الاستقلال السياسي وتوطيده، والنضال من اجل الاستقلال الاقتصادي من خلال استكمال السيادة على الموارد الاقتصادية والطبيعية وإلغاء نفوذ الاحتكارات الرأسمالية العالمية، وتحقيق علاقات اقتصادية عالمية متكافئة، والتغلب على التأخر الاقتصادي وبناء اقتصاديات وطنية مستقلة، والقيام بإصلاحات زراعية تستهدف الحد من الملكيات الكبيرة ومن الفوارق الاجتماعية الضخمة، وإقامة حياة سياسية ديمقراطية تستهدف تشجيع المبادرات المستقلة لجماهير الشعب والاستفادة القصوى من مساهماتها البناءة ، والقضاء على الأمية، وتطوير شؤون التعليم والثقافة الوطنية.
ومن الواضح أنّ المهمات، الموصوفة أعلاه، قد طرحت في بلدان القارات الثلاث أهدافا ذات طابع وطني ديمقراطي عام طالما أنها تتوجه نحو تصفية إرث السيطرة الاستعمارية الطويلة المتمثل بالتأخر الشامل، والاستغلال الاقتصادي، والتبعية للنظام الرأسمالي العالمي، وكذلك نحو إزالة علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية .
لقد مرت العلاقات الإشكالية بين الماركسية والتحرر الوطني بثلاث مراحل: أولها، مرحلة الماركسية الكلاسيكية. وثانيها، مرحلة ما بين الحربين. وثالثها، مرحلة الحرب الباردة.
(أ)- المرحلة الأولى: مرحلة الماركسية الكلاسيكية ( 1848- 1914)
لقد اتجهت معظم الكتابات الماركسية، خلال هذه المرحلة، إلى تبرير الاستعمار، واعتباره عامل تحضّر للبلدان المستعمَرة. ففي مقال نشره أنجلز في 23 يناير/كانون الثاني 1848، اعتبر التوسع الأمريكي في المكسيك، بعد حرب عام 1847 بين البلدين، امتدادا للحضارة الرأسمالية المتقدمة. وفي نص آخر له، نُشر في العام 1852، قال " في رأيي أنّ المستعمرات نفسها، أي تلك الأراضي التي تقطنها شعوب أوروبية مثل كندا والكاب وأستراليا، سوف تحصل على استقلالها. أما بالنسبة لتلك الدول التي استُعبدَت ببساطة، والتي تقطنها شعوبها الأصلية مثل الجزائر والهند، فإنه يتعين على طبقة البروليتاريا أن تتحمل مسؤولية مؤقتة في توجيهها، بأسرع وقـت ممكن، إلى طريق الاستقلال".
وفيما يتعلق بنتائج السيطرة البريطانية على الهند، كتب كارل ماركس في العام 1853 " إنّ لإنكلترا رسالة مزدوجة في الهند: الأولى للتدمير والأخرى للتجديد، إبادة المجتمع الآسيوي القديم، ووضع الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا ". وتابع قائلا " إنّ وحدة الهند السياسية ... كانت الشرط الأول لتجديدها. هذه الوحدة، التي فرضها السيف البريطاني ونظّمها ودعمها الجيش المحلي الذي يدربه الإنكليز، كانت شرطا لا غنى عنه لتحرر الهند، الشرط الذي لا غنى عنه لكي تكفَّ الهند عن أن تكون فريسة لأول غازٍ أجنبي. الصحافة الحرة، التي أُدخلت لأول مرة في المجتمع الآسيوي، والتي يديرها الخلاسيون المتحدرون من الهنود والأوروبيين، هي إحدى الأدوات الجديدة المقتدرة التي تحمل عبء التجديد ".
وبسبب أهمية هذه المقالة التي تنطوي على دلالات تقدمية عديدة، فإننا نقتطف منها فقرة أخرى " إنّ مهمة المرحلة البورجوازية في التاريخ هي خلق القاعدة المادية للعالم الجديد: من جهة، الترابط الكوني المرتكز على التبعية المتبادلة للإنسانية، ووسائل هذا الترابط والتواصل. ومن جهة أخرى، نمو قوى الإنسان الإنتاجية، وتحويل الإنتاج المادي إلى سيطرة علمية على قوى الطبيعة ... وحين تحقق ثورة اجتماعية عظيمة السيادة على منجزات العصر البورجوازي وعلى السوق العالمية وعلى قوى الإنتاج العصرية وتخضعها الشعوب الأكثر تقدما لرقابتها، حينئذ فقط لن يعود التقدم الإنساني يشبه ذلك المعبود الوثني المخيف الذي لم يكن يشرب الرحيق إلا في جماجم الموتى ".
ويبدو أنّ موقف ماركس من المسألة القومية في أيرلندا كان مختلفا، كما أشرنا سابقا، ففي مقالة له في سنة 1869، كتب يقول " ... إنّ إيماني الذي ما انفك يزداد قوة والذي لا بدَّ من غرسه في صفوف الطبقة العاملة الإنكليزية هو أنّ هذه الطبقة ليس باستطاعتها تحقيق أي شيء حاسم هنا في إنكلترا ما لم تقطع جذريا مع السياسة التي سلكتها الطبقات المهيمنة تجاه أيرلندا، وما لم تأخذ زمام المبادرة لإلغاء وحدة 1801 القسرية وتعويضها بكونفدرالية قائمة على المساواة والحرية...إذ ليست المشكلة في أيرلندا ذات طابع اقتصادي فحسب، بل لأنّ المسألة القومية مطروحة أيضا...".
أما بالنسبة للمسألة اليهودية، فقد فنّد ماركس الأسس التي تستند إليها، ودحض المفهوم الذي تقوم عليه " القومية اليهودية "، إذ قال " إنها قومية وهمية. هي قومية التاجر، قومية رجال المال، أي قومية الرأسمالي اليهودي ". و" علينا ألا نبحث عن سرِّ اليهودي في دينه، بل عن سر الدين في اليهودي الواقعي، في المصلحة العملية والمنفعة الشخصية، في المتاجرة والمال، الذي أصبح بفضله قوة عالمية ".
وعندما حاول اليهود، داخل الحزب الاشتراكي - الديمقراطي الروسي، أن يطرحوا عن طريق " البوند " (الحزب الاشتراكي - الديمقراطي اليهودي ) المسألة الخاصة لليهود، حيث تلقفوا أفكار الاتجاه الماركسي النمساوي حول " الاستقلال الثقافي القومي الذاتي "، لمس لينين بأنهم أخذوا يقتربون من فكرة الصهيونية القائلة بوجود " أمة يهودية متميزة ". لقد لمس لينين في طروحات " البوند "، في الفترة ما بين 1913-1914، دعوة صريحة لشق صفوف البروليتاريا الروسية، مما دفعه للوقوف ضد مساعيه، بقوله " إنّ فكرة شعب يهودي خاص، علاوة على أنها متداعية مطلق التداعي من وجهة النظر العلمية، فهي رجعية في مرماها السياسي ".
كما أشار لينين إلى أنّ مفهوم الشعب أو الأمة يتطلب شروطا لا تتوفر في اليهود " إنّ القوى الرجعية في أوروبا بأسرها، وفي روسيا على الأخص، هي على وجه التحديد التي تحتج على تمثّل اليهود، وتبذل قصارى جهدها لتأييد خصوصيتهم ".
وإذا كانت كتابات ماركس وأنجلز، حول المسألة الاستعمارية، قليلة، بحكم أنّ التوسع الاستعماري، في الفترة التي عاشا فيها، كان في بداياته. فإنّ هذا التوسع المتسارع لم يلبث أن طرح المسألة على الأممية الثانية، التي قامت في العام 1889، على نحو لم يعد من الممكن التملص منه. فلقد كان رد الفعل الطبيعي لدى معظم الاشتراكيين الأوروبيين إزاء بدايات التوسع الاستعماري سلبيا، بسبب اتجاهاتهم الإنسانية، ولأنهم رأوا فيه، في البداية، مشروعا يفيد البورجوازية وحدها. ولكن ثمة عاملين لعبا دورهما ضد هذا الموقف من المشروع الاستعماري: فمن جهة، فكرة ازدادت رواجا وانتشارا تقول " إنّ بإمكان سكان أوروبا جميعا، بما فيهم العمال، العيش في ظروف أحسن بفضل الأرباح القادمة من المستعمرات ". ومن جهة ثانية، فإنّ هذا الموقف النفعي المصلحي قد تدعم وتعزز بالاتجاه الذي يمحور العالم على أوروبا على الصعيد الحضاري، الذي سبق أن رأيناه عند ماركس . ومنذ عام 1882، كان أنجلز قد عبّر، في رسالة إلى كاوتسكي، عن أحزانه إزاء ميل العمال الإنكليز إلى " الاشتراك بسرور في وليمة الاحتكار البريطاني للسوق في العالم وفي المستعمرات "، إلا أنه استمر، في الوقت نفسه، في اتخاذ موقف الاحتقار إزاء السكان الأصليين في آسيا وأفريقيا، موقف يخفي بذور تبرير سياسة " وصاية " البلدان المتمدنة على الشعوب القاصرة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,280,786
- القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية
- المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (4)
- المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (3)
- المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (2)
- توجهات السياسة الخارجية التركية
- المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (1)
- الاتحاد المغاربي .. إلى أين ؟
- الأسس النظرية لأهم قضايا المسألة القومية (4)
- الأسس النظرية لأهم قضايا المسألة القومية (3)
- مفاهيم ومصطلحات أهم قضايا المسألة القومية (2)
- محاولة تحديد أهم قضايا المسألة القومية (1)
- الانتخابات الإسرائيلية تشرعن التطرف والعنصرية
- مدلولات الانتخابات العراقية
- مجتمع المعرفة وتحدياته في العالم العربي (2)
- مجتمع المعرفة وتحدياته في العالم العربي (1)
- مجتمع المعرفة وتحدياته في العالم العربي (3)
- أولوية ترتيب البيت الفلسطيني
- تركيا الصاعدة في الشرق الأوسط
- هل يكفي الغضب العربي لنصرة أهل غزة ؟
- القوة - الذكية - للسياسة الخارجية الأمريكية


المزيد.....




- بناة الغد ينظم يوما دراسيا حول الألعاب الالكترونية بخان يونس
- قطر عن خلافات إيران ودول عربية: ليست طائفية بل للنفوذ
- سفير قطر في لندن يرد على سفير السعودية خالد بن بندر وما قاله ...
- تفاؤل أمريكي بصمود وقف إطلاق النار في شمال سوريا رغم وقوع اش ...
- ليبيا وتونس ترفضان اتهامات بحرينية لقطر
- من ثورات الربيع إلى -انتفاضة واتساب-.. 6 موجات احتجاجية عرفه ...
- فيديو... مقاتلة أوكرانية تزيل الناس من حولها
- عرض منصب رئيس دولة كائنة في مكان الاتحاد السوفيتي على كلينتو ...
- كوريا الجنوبية تعرض مدرعة جديدة...صور
- لماذا تنمو الثقوب السوداء بسرعة هائلة في الكون الفتي؟


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله تركماني - المفكرون الماركسيون والمسألة القومية (5)