أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سمير اسطيفو شبلا - الزمان والمكان عند كانط






















المزيد.....

الزمان والمكان عند كانط



سمير اسطيفو شبلا
الحوار المتمدن-العدد: 2386 - 2008 / 8 / 27 - 04:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قُدِمَ هذا البحث الفلسفي بمناسبة تخرجنا من مرحلة الفلسفة - كلية بابل للفلسفة واللاهوت عام 1998 - 1999، وسبق وان نشرناه قبل اكثر من عام! وارتأينا ان ننشره مجدداً لأهميته الفلسفية وخاصة في هذه الظروف الذاتية والموضوعية التي يمر بها شعبنا! في هذا البحث او الدراسة نجد فيها افكار متناقضة ومتوافقة لكبار الفلاسفة أمثال (اينشتاين - لوباتشفسكي - هيجل - ارسطو - رسل - الاكويني - نيوتن - عبد الرحمن بدوي - برجسون - ليبنس) في ملحمة (تاريخ الارض وتاريخنا - اختبار انشتاين حول الزمن - المكان قابل للإنعكاس والزمان لا ينعكس - المكان والزمان موجودان منطقيان ،،،،،) ولكي لا نقع في الانطوائية وجوب اختيار الطريق الامثل! اما ان نتطور بالاتجاه التجريبي أو بالاتجاه المطلق!
لنعش اللحظة التي هي الوحيدة التي لا تفرق بين الجميع!
اهدينا هذا البحث الى صبر عائلتي
الى كل من علمني حرفاً في حياتي
الى كل الطيبين والشرفاء في العراق والعالم الذين انضموا الى عائلة "من اجل"
الى عدد من طلاب جامعة القاهرة - قسم الفلسفة
أختار المرحوم د. يوسف حبي عميد كليتنا ومؤسسها الحقيقي الفعلي والعملي هذا البحث مع مجموعة من البحوث لعرضه على الجامعة الاوربانية / ايطاليا للحصول على دعمهم العلمي والاعتراف بشهاداتها!

ننتظر ردودكم ونقدكم واضافاتكم لهذه الدراسة المتواضعة، ونرجو من الموقع فتح باب الردود مع الحب للجميع

المقدمة

من هو (عمانوئيل) ايمانويل (كانت) كانط؟ (1724-1804)
1-1 ولد كانت في بروسيا عام 1724 انحدر من اسرة فقيرة نزحت عن اسكتلندا قبل ولادته بمئات السنين، وبحكم نزعة امه الدينية فقد غاص إلى عنقه ابان طفولته في الدين من الصباح إلى المساء، وادى به هذا إلى الانغماس الشديد في الدين إلى نتجيتين، اولاهما ان لهذا التطرف في العبادة رد فعل ادى به إلى اعتزال الكنيسة في ايام نضجه ورجولته، وثانيهما هو انه احتفظ إلى النهاية بطابع الكآبة الذي يميز الالماني المتدين.
تأثر "كانت" تأثيرا كبيرا بالرجال الذين وجه همه اخيرا إلى دحض ارائهم وافكارهم وربما تأثر بعدوه المفضل (دافيدهيوم 1711-1776) اكثر من غيره، وقد تحول "كانت" عن ارائه المحافظة التي امتازت بها افكاره في ايام نضجه ورجولته إلى اعتناق مذهب الاحرار والايمان بالحرية والدعوة لها بشجاعة وجرأة في ايام فردريك الكبير ملك بروسيا، في عام 1755، وقد كتب وهو في سن الثانية والاربعين: "لحسن الحظ ان اكون عاشقا محبا للميتافزيقيا، ولكن عشيقتي لم تطلعني الا على القليل من جمالها، وفضلها". لقد وجه اهتمامه إلى البحث في الطبيعة اكثر من الاهتمام في ما وراء الطبيعة، فكتب عن الكواكب، والزلازل، والنار، والرياح والاثير والبركان والجغرافية واصول الاجناس البشرية ونظرية في الاجرام السماوية (1755) وكان يحمل في رأسه اعظم ثورة في الفلسفة الحديثة [هـ 1-1 ص 326-330].
1-2 في عام 1770 انتقل إلى نظرة الفترة "النقدية"، وظهر كتابه "نقد العقل الخالص" عام 1781 واتبعه بكتاب "نقد العقل العلمي" في عام 1788، ثم "نقد ملكة الحكم" عام 1790 وفي هذه الكتب يعرض "كانت" بطريقة متماسكة –النظرية النقدية في المعرفة والاخلاق وعلم الجمال ونظرية ملائمة الطبيعة- وتحدد هذا عند "كانت" حقيقة انه توجد في عقل الانسان اشكال قبلية (اولية- قبل التجربة) للتأمل الحسي، مثل الاشكال الاولية عن الرابطة أو التركيب بين تعدد الاشكال الحسية ومفاهيم العقل وهذه هي اساس قانون ثبات الجواهر، وقانون السببية، وقانون تفاعل الجواهر، وعند "كانت" انه كامن في العقل شوق لا يمكن قمعه نحو المعرفة المطلقة –ناشئ عن متطلبات اخلاقية عليا، وتحت ضغط هذا الشوق يسعى عقل الانسان إلى حل مشكلة نهائية أو لا نهائية العالم في الزمان والمكان وجود عناصر لا تنقسم في العالم. ومشكلة الله باعتباره موجودا جوهريا وبصورة مطلقة، وقد اعتقد "كانت" آن الحلول المتعارضة قابلة للبرهنة عليها بدرجة متساوية: فالعالم متناه ولا متناه، والجزيئات التي لا تنقسم (الذرات) موجودة، وكل العمليات مشروطة سببيا. ويوجد ولا يوجد موجود جوهري بصورة مطلقة، وهكذا فان العقل بطبيعته تناقضي، أي تقسمه التناقضات ولكن هذه التناقضات ظاهرة فحسب، وهكذا فان الانسان –وفي ان واحد- ليس حرا (كموجود في عالم الظواهر) وحر (كذات في عالم المجاوز للحس وغير الممكن معرفته) وفي علم الجمال رد "كانت" الجمال إلى متعة "نزيهة" لا تتوقف على ما إذا كان الشيء الموصوف في عمل فني موجودا ام لا، ويحدده الشكل وحده، ولكن "كانت" عجز عن تطبيق صوريته بطريقة متماسكة.
وفي عالم الاخلاق –وعلى النقيض من الطبيعة الصورية للامر المطلق، قدم مبدأ القيمة الذاتية لكل فرد، التي لا ينبغي ان يضحى بها ليرى المجتمع ككل.
وفي علم الجمال، وعلى النقيض من الصورية في فهم الجميل، اعلن ان الشعر، هو الشكل الاعلى للفن، ورغم ما يعج به المذهب الكانتي من تناقضي من تناقضات فانه اثرت تأثيرا كبيرا في تطور اللاحق للفكر الفلسفي والعلمي. وقد ظهرت "الكانطية" "الكانتية" الجديدة في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين تحت شعار "العودة إلى كانت" في المانيا (ليبمان، لانغ) وفي فرنسا (رينوفييه وآملين) وايطاليا (كانتوني وتوكو) وروسيا (فيدنسكي وتشلبانوف) والكانطية الجديدة تعاود تقديم وتطوير العناصر الميتافزيقيا في فلسفة كانت، متجاهلة عناصرها المادية والجدلية وقد وجدت الكانطية الجديدة تعبيرا كاملا عنها في مدرستين: مدرسة ماربورغ (كوهن وناتورب وكاسيرر) ومدرسة فرايبور أو بادن (فندلباند وريكرت) (2-1 ص 387-388).
1-1 قصة الفلسفة- مكتبة المعارف/ بيروت- ص326-330.
1-2 الموسوعة الفلسفية، ص387-388.

الموضوع
2-1 الزمان والمكان عند كانت
2-1-1 فلسفة الطبيعة Philosophy Natural
هي عبارة علم تعني بصورة خاصة دراسة الظواهر الفيزيائية عن طريق القياسات الرياضية التي تنوي اكتشاف علاقات ثابتة بين هذه الظواهر، وان فلسفة الطبيعة هي تطبيق فلسفة الوجود العامة على الموجود المادي، وبخصوص موضوعنا، علينا ان نعتبر الدراسة الفلسفية للطبيعة ليست فقط دراسة موضوع مستقل عن الانسان، وانما دراسة العلاقات أو الحوار بين الانسان والطبيعة التي هي من حوله، ومن خلال هذا الحوار تكتمل الطبيعة بمعرفة الانسان لها، وان الانسان يكتمل بمعرفته للطبيعة، فهناك تعامل جدلي بينهما (هـ 2-1-1 ص1) (فلسفة الطبيعة/ الاب روبير الكرملي).

2-1-2 الزمان والمكان Time and Space
شكلان رئيسيان لوجود المادة والفلاسفة معنيون اساسا إذا كان الزمان والمكان حقيقيين أو انهما بكل بساطة تجريدان خالصان ولا يوجدان الا في وعي الانسان. والفلاسفة المثاليون (بركلي وهيوم وماخ) يرفضون موضوعية الزمان والمكان فهم يعتبرون الزمان والمكان كشكلين قبليين (اوليين) للتأمل الحسي (كانت- سنأتي لهذا بالتفصيل) أو كمقولتين للروح المطلق (هيفل)، وتدرك المادية موضوعية الزمان والمكان وترفض وجود اية حقيقة خارجهما، والزمان والمكان لا ينفصلان عن المادة، المكان ذو ابعاد ثلاثة اما الزمان فليس له الا بعد واحد، ويعبر المكان عن توزيع الاشياء الموجودة وجودا تلقائيا، على حين ان الزمان يعبر عن تتابع وجود الظواهر حيث تحل واحدة محل الاخرى. والزمان لا يرتد، بمعنى ان كل عملية مادية لا تتطور الا في اتجاه واحد من الماضي إلى المستقبل، وقد نسف تطور العلم الفكرة الميتافزيقية القائلة بان الزمان والمكان يوجدان بشكل مستقل عن العمليات المادية وبانفصال كل واحد عن الاخر، ولا تنطلق المادية الجدلية من الارتباط البسيط بين الزمان والمكان مع المادة في الحركة. بل من واقعة ان الحركة هي ماهية الزمان والمكان. وان المادة والحركة والزمان والمكان بالتالي لا تنفصل. وقد تأكدت هذه الفكرة في الفيزياء الحديثة.
وعلى حين كان العالم الطبيعي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يدرك الطبيعة الموضوعية للزمان والمكان. الا انه نهَج نهْج نيوتن (1643-1727) فاعتبر المكان والزمان منفصلين الواحد عن الاخر وانهما شيء مستقل بذاته يوجد باستقلال تام عن المادة والحركة. والعلماء الطبيعيون حتى القرن العشرين وهم يسيرون على نهج الاراء الذرية عند الفلاسفة الطبيعيين القدماء امثال (ديمقريطي وابيقور) وقد وجدوا بين المكان والخواء، الذي اعتبروه مطلقا ودائما وحيثما كان هو هو، وبلا حركة، ووحدوا بين المكان والزمان المتدفق دائما بالايقاع نفسه (هـ 2-1 ص235-236).
الموضوع
2-1-3 نيوتن (1643-1727)
نعود مرة اخرى إلى نيوتن، وهذه المرة بتركيز على موضوع بحثنا الا وهو الزمان، وقد تم جعل الزمان ذاتيا خالصا في الحضارة الاوربية على يد "كانت" فقد {اى كانت انه بأزاء نظريتين في الزمان: (1) نظرية نيوتن (2) نظرية ليبنتس
(1) نيوتن
فقد قسم نيوتن الزمان إلى زمانيين: مطلق، ونسبي. اما الزمان المطلق فهو الزمان الحقيقي الرياضي، وهو قائم بذاته مستقل بطبيعته، في غير نسبة إلى أي شيء خارجي، ويسيل باطراد ورتوب ويسمى ايضا باسم (المدة) وعلى العكس من هذا نجد الزمان النسبي ظاهريا عاميا، وهو مقياس حسي خارجي لاية مدة بواسطة الحركة، وهو الزمان المستعمل في الحياة العادية على هيئة ساعات وايام وشهور واعوام، وقد يكون دقيقا، وقد لا يكون متساويا مطردا، وهذا الزمان الثاني يستخدم في الفلك مقياسا لحركة الاجرام السماوية لان زمان الفلكيين مرتبط بحركة، بينما الزمان المطلق لا يتربط باية حركة. هذا الزمان الاخير توجد فيه معية مطلقة، بمعنى ان من الممكن ان يقع حادثان معا وفي نفس الوقت بالنسبة إلى الزمان المطلق ولو كان احدهما مرتبط بالشمس مثلا، والاخر بعطارد، دون ان يعني نيوتن ببيتان: هل هذه المعية المطلقة بالنسبة إلى نظامين في سكون نسبي بينهما، أو متحركين الواحد قبالة الاخرين؟ وهي المشكلة التي اثارتها النظرية النسبية فيما بعد.
يقول نيوتن اذن بزمان مطلق قائم بذاته يشبه ذلك الزمان الاصيل الذي قالت به الافلاطونية المحدثة، وهو بزمان نسبي يقرب من الزمان الطبيعي والارستطالي، ان لم يكن هو بعينه، ثم ينظر إلى كليهما على انه موجود في الخارج، وليس شيئا من وضع النفس، وكأننا عدنا بهذا إلى النظرة اليونانية. (هـ 2-1-3 ص100)
2-1-3 النتيجة:
القول الاول اعلاه معناه ان الزمان موجود مطلق، (الافلاطونية) اعني انه يوجد مستقلا عن الحركات التي تجري به، والثاني معناه ان الزمان موضوعي وليس ذاتيا. (الارسطوطالية)

(2) ليبنتس (1646-1716)
2-1-4 جاء ليبنتس بنظرية حول الزمان وقال: ان الزمان هو نظام التوالي، وهو اذن لا يقوم الا في النسب الموجودة بين اشياء تتوالى أي انه تابع للاشياء، وليس سابقا عليها. ويسوق الدليل على هذا معتمدا على مبدأ الاشياء كلها قبل الوقت الذي خلقها فيه بسنة، واستنتج من هذا ان الله قد فعل شيئا ليس من الممكن ان يكون ثمة علة، لماذا فعله ولم يفعل غيره.
أي انه لا توجد هنا علة لكون خلق اشياء في هذه اللحظة المعينة دون غيرها، نقول ان هذا الاستنتاج منه يكون صحيحا لو كان الزمان شيئا خارج الاشياء الزمانية. ففي هذه الحالة ليست ثمة من على لكون الاشياء حدثت في هذه اللحظة دون تلك الاخرى مع بقاء تواليها كما هو. ولكن هذا بعينه يدل على ان اللحظات ليست شيء خارج الاشياء، وانها ليست شيئا اخر غير نظامها المتوالي. ومع ان ليبنتس قد خطا خطوة واسعة في سبيل التجريد والذاتية بهذا التعريف الجديد للزمان، فانه مع ذلك قد ظل موضوعيا إلى حد كبير. اذ هو ينظر إلى هذه النسب، نسب التوالي، على انها نسب حقيقية بين حدود حقيقية، هي لحظات متتالية، تمر بها في الواقع الاشياء المستمرة ذوات المدى، فيقول ليبنتس وهو يتحدث عن تولد فكرة الزمان في ذهننا من تأمل العمليات النفسية: "ان سلسلة من الادراكات تثير فينا فكرة المدة، ولنها لا تصفها"، أو "ان التغيير في الادراكات يتيح لنا فرصة التفكير في الزمان"، أي ان الزمان لا يتولد فينا الا بمناسبة الادراكات أو التغيرات، وليس شيئا موجودا في النفس بفطرتها.
نتيجة وخاتمة
الصلة بين الزمان والرياضيات
مسالة اثير حولها الجدل مما لا يزال مستمرا حتى اليوم! طالما كانت النظرية النسبية قائمة بادعاءاتها الميتافزيقية (محاولة نيوتن حل مشكلة التغير على اساس حساب التفاضل، وهي محاولة تلعب فيها مشكلة الحركة الميتافزيقية دورا كبيرا، ولكن هذه المحاولة الاخيرة قد اخفقت. منذ ان اثبت "فاير شتراس" وجود دالات ثابتة لا يمكن ان تتفاضل الا تفاضلا جزئيا، ولا يمكن ان تتفاضل على وجه الاطلاق).
ولهذا السبب عني فلاسفة الزمان في هذ القرن، خصوصا من ينتسب منهم إلى النزعة الحيوية، بالرد على هذه النظرية وببيان الصلة بين الزمان والرياضيات عموما وعلى الوجه الصحيح من وجهة نظرهم، فقد عني برجسون (1859-1941) وكرس لها كتابا مفردا هو كتاب "المدة والمعية" الذي ظهر سنة 1922، والمعركة حامية الوطيس حول النظرية النسبية وقيمتها الفلسفية وما ينتظر منها فيما يتصل بمشكلة الزمان من الناحية الفلسفية. كما افرد لها هانز دريش (1876-1941) كتابا هو "نظرية النسبية والفلسفة" (سنة 1824).
كما حلل مدلولها وقيمتها فوكلت كتابه "ظاهريات وميتافزيقيا الزمان" (سنة 1925) وهؤلاء جميعا من اصحاب النزعة الحيوية.
والسر في عنايتهم هذه ان رد الزمان إلى نسب رياضية صرفة فيه ضربة قاضية على نظريتهم في الزمان الحيوي واما نتائج ذلك، لا يمكن ان يدلى في الامر برأي قطعي، ويمكن عرض النتائج فقط لي الا، (من عندي).
وخلاصة المشكلة كما يلي: هل الزمان مستقل عن الاشارة الزمانية كما تقول النظرية المطلقة للزمان، اهو نسبي إلى هذا الاطار؟ فقد رأينا ان نيوتن قد قال عن الزمان انه مطلق مجرد، قائم بذاته، في غير نسبة إلى أي شيء خارجي. وبالتالي إلى أي اطار اشارة. وعند ليبنتس ايضا ان الزمان مستقل عن اطار الاشارة، هذا إذا فهمنا ان ليبنتس لم يكن يقصد من قوله ان الزمان نظام التوالي للظواهر، وانه يقوم على نسب بين الاشياء، انه نسبي اليها بالمعنى الذي تقصده من نظرية النسبية من فكرة النسبية. اعني ا يكون الزمان نسبيا إلى اطار اشارة معلوم.

2-2 الموضوع
2-2-1 الزمان والمكان عن "كانت"
على ضوء ما تقدم (حول نظريتي نيوتن وليبنتس)، جاءت حملة "كانت" شاملة للنظريتين معا، بل كان النقد اشد واعنف بالنسبة إلى ليبنتس، لان نظريته كانت هي السائدة في المدرسة الالمانية المعاصرة له في ذلك الحين (هـ 2-2).
يقول "كانت" ان المكان والزمان ليسا تصورين، بل هما صورتان "للحدس" (Intuition) وهناك تصورات اولية، الا وهي "المقولات" الاثني عشر التي يستخلصها "كانط" "كانت" من اشكال القياس. وتقسم المقولات إلى اربع مجموعات كل منها إلى ثلاث: (1) لكم: الوحدة، التعدد، والمجموع الكلي (2) الكيف: الواقع، النفي، التقييد (3) العلاقة: الجوهر والعرض، والعلة والمعلول، التبادل (4) الضرب: الامكان، الوجود، الضرورة. فهذه ذاتية بالمعنى الذي يكون المكان والزمان، يعني هذ القول بان تكويننا العقلي يكون بحيث تكون قابلة للتطبيق على الاشياء في ذاتها، ومع ذلك، ففيما يختص بالعلة ثمة تضارب، وذلك ان الاشياء في ذاتها، يعتبرها "كانت" عللا للاحساسات، والارادات الحرة هي في تقديره علل للاحداث في الزمان. هذا التضارب لم يكن سهوا غير مقصود، بل هو جزء يكشف المغالطات الناجمة عن تطبيق الزمان والمكان أو المقولات على الاشياء التي لم تجرب. وعندما يتم ذلك نجد انفسنا ازاء متاعب "النقائض" (هذا ما يؤكده كانت) ويقدم لنا كانت اربعا من هذه النقائق، كلا منها يتألف من قضية ونقيضها.
ففي القضية الاولى تقول "القضية": للعالم بداية في الزمان، وهو ايضا محدود من حيث المكان. "ونقيض القضية": ليس للعالم بداية في الزمان، وليست له حدود في المكان فهو لا متناه من حيث الزمان والمكان.
وفي النقيضة الثانية يثبت ان كل جوهر مركب، فهو مؤلف من اجزاء بسيطة وهو غير مؤلف منها على حد سواء.
وفي النقيضة الثالثة يؤكد ان ثمة نوعين من العلية، احدهما بمقتضى قوانين الطبيعة والنوع الاخر هو علية الحرية، وفي نقيضها يؤكد ان ثمة فقط علية بمقتضى قوانين الطبيعة.
وفي النقيضة الرابعة تثبت ان هناك، وان ليس هناك، موجود ضروري ضرورة مطلقة.

هذا الجزء من النقد، كان له نفوذ كبير على هيجل (1770-1831) الذي يسير جدله سيرا تاما على طريقة النقائض.

2-2-2 نظرية كانت في المكان والزمان
اهم جزء في كتاب "نقد العقل الخالص" هو نظرية المكان والزمان، وليس من السهل ان نشرح نظرية "كانت" في المكان والزمان شرحا واضحا، فقد سيقت في كل من كتاب "نقد العقل الخالص" و"المقدمات".
ياخذ "كانت" كانط بان الموضوعات المباشرة للادراك تعزى في جزء منها للاشياء الخارجية، وفي الجزء الاخر إلى جهازنا الادراكي، ويجعل الكيفيات كيفيات ذاتية، و "كانط" لا يضع موضع التساؤل ان تكون لاحساساتنا علل، يدعوها "الاشياء بالذات" أو "النومينا"، فان ما يظهر لنا في الادراك، وهو الذي يدعوه "ظاهرة" يتألف من جزئين: جزء يعزى للموضوع، وهو الذي يدعوه "الاحساس"، وجزء يعزى إلى جهازنا الذاتي وهو الذي يجعل المتعدد ينتظم في علاقات معينة ويدعوه، صورة الظاهرة. هذا الجزء ليس هو نفسه احساسا، ومن ثم فهو لا يعتمد على ما تحدثه البيئة، فهو دائما، ما دمنا نحمله معنا، وهو اولى بمعنى انه لا يعتمد على التجربة. وتسمى الصورة الخالصة لحساسية "حدسا خالصا" (Anschawing). هناك اذن صورتان من هذا القبيل، اعني المكان والزمان، احداهما للحس الخارجي، والاخرى للحس الداخلي.
وعند "كانط" فئتان من الحجج لاثبات ان الزمان والمكان صورتان اوليتان، احداهما ميتافزيقية والاخرى ابستيمولوجية. والفئة الاولى من الحجج قد اخذت مباشرة من طبيعة المكان والزمان ام الفئة الاخرى فاخذت بطريق غير مباشر من امكانية الرياضيات البحتة، والحجج عن المكان بسطت بافاضة اكبر مما بسطت به الحجج عن الزمان، اذ قد ظن ان الزمان مماثل للمكان في الجوهر. (هـ 2-2-2، ص327-328).
نبدأ بان نعرض المميزات الرئيسية لفكرة الزمان عند "كانت" فنقول ان كانت في عرضه لهذه الفكرة قد قسم هذا العرض إلى قسمين: عرض ميتافيزيقي، واخر متعال. والفارق بين العرض الميتافيزيقي والعرض المتعالي.
ان الاول يحلل الفكرة أو الامتثال في ذاته، أي بما هو مضمونه، مبينا بهذا التحليل ان هذا الامتثال ليس مستعارا أو متوقفا على التجربة، بل هو قبلي.
اما العرض المتعالي فنبينه كمبدأ على ضوئه يمكن ان نفهم امكان معارف تركيبية قبلية اخرى، أي انه يبين ان ثمة معارف اخرى مركبة تؤخذ من الامتثال، وان مثل هذه المعرفة ليست ممكنة الا إذا شرح الامتثال على نحو خاص، أي على انه قبلي.
اما العرض الميتافيزيقي فيتضمن خمس حجج يمكن ان تقسم إلى قسمين: الاول يبرهن فيه على ان الزمان ليس امتثالا تجريبيا، بل هو قبلي. والثاني يبرهن على ان الزمان عيان، وليس تصورا.
الحجة الاولى تقول ان الزمان ليس تصورا تجريبيا، أي امتثالا اخذ عن اية تجربة. وهذه الحجة تتضمن امرين: الاول ان الاختلاف الزمني لا يمكن ان يرد إلى اختلاف في الكيف، بل هو اختلاف من نوع خاص به، يشترط وجود الزمان شيئا قبليا.والثاني ان الزمان ليس تجريدا من التجربة أو الموضوعات المحسوسة، كما يزعم ليبنتس (انظر ص و من البحث)، كما نجرد الالوان أو الطعوم، لكن هذه الحجة سلبية فحسب، اذ كل ما تقوله ان الزمان ليس امتثالا ماخوذا عن التجربة. ولذا اردف بها الحجة الثانية فقال: ان الزمان ضروري يقوم عليه كل عيان، ويمكن ان يدرك مستقلا عن الظواهر. والنتيجة لهذا ان الزمان قبلي، والدليل على هذا اننا لا نستطيع ان نستبعد الزمان من الظواهر العامة، مع اننا نستطيع ان نفهم الزمان خاليا من الظواهر لا يمكن ان يتم الا فيه، والنتيجة لهذ اذن ان الزمان لا يقوم على الظواهر، بل الظواهر هي التي تقوم على الزمان لا يتصور تحقق الظواهر، أي ان الزمان اذن قبلي ضروري لكل حركة حسية.
اذن ذلك هو القسم الاول من العرض الميتافيزيقي، قد اراد كانت ان يبرهن فيه على ان الزمان امتثال قبلي. وهو يريد في القسم الثاني المكون من الحجتين الرابعة والخامسة في عرضه ان يبرهن على ان الزمان عيان وليس تصورا.
العيان عند كانت هو الامتثال الجزئي.
والتصور هو الامتثال الكلي.
يعني انه في حالة العيان امتثل موضوعا جزئيا، وفي حالة التصور امتثل الصفقات المشتركة بين عدة موضوعات. والعيان اسبق من التصور، لانه مباشر يتصل بمجموعة مباشرة عن طريق الحس، بينما التصور يتكون بواسطة العيانات، ولذا ليس على صلة مباشرة بالموضوعات.
والزمان عيان بهذا المعنى، أي بمعنى انه امتثال موضوع جزئي، اما امتثال الموضوعات المتزمنة بالزمان، فهذا هو الزمانية. ويبرهن "كانت" على هذا بحجتين: الاولى ان الزمان واحد، وليس كثيرا، والثانية ان الزمان لا متناه.
يقول كانت في الحجة الاولى منهما ان الزمان ليس تصورا كليا، ولكنه شكل خالص للعيان الحسي. وذلك لان المرء لا يستطيع ان يتصور غير زمان واحد وحدي، اما الازمنة المختلفة فليست الا اجزاء لهذا الزمان، واذا كان الزمان واحد، فهو لا يقبل ان يكون ذا تصور بل ذا عيان. ما دام التصور يتركب من امتثال عدة اشياء، بينما العيان من امتثال شيء جزئي واحد. ويضيف إلى هذا دليلا اخر هو ان القضية القائلة بان الازمنة المختلفة لا يمكن ان توجد معا، هذه القضية الزمان عيانا. ذلك لان هذه القضية قضية تركيبية والقضية التركيبية لا تصدر عن التصور وحده، ولهذا فان هذه القضية متضمنة مباشرة في العيان الخاص بالزمان، أي امتثال الزمان.
اما الحجة الخامسة فخلاصتها ان التغير بما فيه الحركة لا يمكن ان نفهم دون الزمان بوصفه عيانا قبليا. وذلك لان التغير معناه الجمع بين محمولات متناقضة في موضوع واحد بالذات، مثل الجمع بين الوجود واللاوجود شيء وةاحد في مكان واحد. انما يمكن في الزمان وحده ان يتلاقى محمولان متقابلان بالتناقض في موضوع واحد، وذلك بان يكون الواحد "بعد" الاخر. فالزمان اذن هو الشرط الضروري الكلي لفهمنا للتغير والحركة.
وعن طريق هذا العرض اثبت "كانت" اذن ان الزمان عيان خالص وهذا العيان الخالص هو الشرط لكل معرفة قبلية لدينا عن الزمان بما في ذلك البديهيات العامة ثم يستخلص النتائج تتضمنها هذه الاقوال، فيجدها ثلاثة:
• الاولى ان الزمان ليس شيئا موجودا بذاته قائما مستقلا، وليس شيئا باطنا في الاشياء كصفة موضوعية لها، وهو بالتالي لا يبقى حين نجرد كل الشروط الموضوعية لامتثاله. لانه لو كان قائما بذاته، لكان شيئا واقعيا وغير واقعي معا: واقعيا من حيث انه لا يوجد مستقلا عن الاشياء المتزمنة، وغير واقعي لانه سيكون شيئا ليس له من وظيفة في الوجود الا ان يتقبل كل شيء واقعي فيه، دون ان يكون ثمة شيء أي شيء واقعي، وفي هذا رد على نيوتن وينعت "كانت" الزمان –والمكان- وفي هذه الحالة بانه سيكون لا شيئا.
• الثانية ان الاشياء في ذاتها لا تاتي إلى عقولنا كما هي دون تغيير، بل لابد ان تمر بهذا الاطار، اطار الزمان والمكان، فتترتب وفقا له، فكأنها بمجرد ان تصبح مدركة، لابد ان تظهر على هيئة الزمان و(المكان)، ونحن لا نعرفها كما هي في ذاتها، بل كما تبدو لنا ولهذا فنحن لا نعرف الا الظواهر (أي ما يظهر لنا نحن). ولا نعرف حقيقة الاشياء كما هي في ذاتها. والزمان اذن ليس الا شكل حس الباطن، اعني شكل عيان انفسنا وحالنا الباطنة بواسطة المماثلات بان نتصور توالي الزمان على هيئة خط يتقدم إلى ما لا نهاية ونستدل من خصائص هذا الخط على كل خصائص الزمان مع هذا الفارق الوحيد: "وهو انه بينما اجزاء الخط في حالة معية، فان اجزاء الزمان في حالة توال. ومن هذه الحقيقة عينها، اعني ان كل اضافات الزمان تسمح بالتعبير عنها في عيان خارجي، يكون من الجد ان الامتثال نفسه عيان".
• الثالثة هي ان الزمان هو الشرط الشكلي القبلي لكل الظواهر ايا كانت، وفي هذا يزيد الزمان عن المكان: اذ المكان بوصفه الشكل الخالص (أي الخالي والتجربة) لكل عيان "خارجي". اما الزمان فانه شكل خالص لكل عيان باطن وخارجي معا، لان كل الامتثالات، سواء أكانت الموضوعات خارجية فحسب ام لغيرها ايضا، تنتسب إلى حالنا الباطنية، كصفات أو تحديدات لعقلنا، ولما كانت هذه الحال الباطنة تقع تحت الشرط شرط قبلي لكل الظواهر ايا كانت، فكل الظواهر اذن خاضعة للزمان، لان الزمان شكل للعيان الباطن، والعيان الزاهر يخضع للعيان الباطن، فالزمان اذن ليس شكل قبلي للظواهر كلها.
هل معنى هذا انه ليس للزمان اية حقيقة موضوعية؟ كلا، بل له حقيقة موضوعية من حيث صلته بكل الموضوعات التي يمكن ان تقدم لنا بواسطة الحس، وهو موجود في كل امتثالاتنا عن الموضوعات الخارجية، ولكن ليس معنى هذا انه وجودا مطلقا مستقلا عن تجربتنا وامتثالاتنا أو ذا وجود مستقل قائم بنفسه هذه اذن نظرية كانت في الزمان.
نعود الان إلى الحجج الخاصة بالمكان من مرجع اخر وعددها اربع:
1 المكان ليس تصورا تجريبيا، هو مجرد من التجربة الخارجية، وذلك لان المكان مفترض مقدما في دلالة الاحساسات على شيء خارجي، والتجربة ممكنة فقط من خلا مثول المكان.
2 المكان تمثل ضروري اولي، يشكل الاساس لجميع الادراكات الخارجية، اذ لا يمكننا ان نتخيل ان ليس هناك مكان، ومع ذلك يمكنا ان نتخيل اللاشيء في المكان.
3 المكان ليس تصورا منطقيا أو عاما للعلاقات بين الاشياء بوجه عام، اذ ان هناك فقط مكان واحد، تكون ما ندعوه "امكنة" اجزاء له وليست امثلة.
4 يعرض المكان جرما لا متناهيا معطى، يحمل داخله كل اجزاء المكان وهذه العلاقة مختلفة عن علاقة تصور بامثلته، ومن ثم فالمكان ليس تصورا وانما هو حدس خالص.
والحجة المتعالية المنصبة على المكان مستمدة من الهندسة. فكانط ياخذ بان هندسة اقليدس تعرف معرفة اولية، ومع ذلك فهي تركيبية، أي انها ليست مستنبطة من المنطق وحده. فالبراهين الهندسية في اعتباره، تعتمد على الشكال الهندسية، فيمكننا ان نرى مثلا. انه تقاطع خطان مستقيمان تقاطعا عموديا بزوايا قائمة، فليس الا خط مستقيم واحد يسقط عموديا على نقطة تقاطعهما ويمر خلالها صانعا زوايا قائمة مع كليهما. وهذه المعرفة في ظن كانط، ليست مستمدة من التجربة. ولكن الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها حدسي ان يتوقع ما سيوجد في الموضوع هي، إذا كان يشمل فقط صورة حساسيتي، ان يرد إلى ذاتيتي، كل الانطباعات المالية.
ان موضوعات الحس يلزم ان تطيع الهندسة، لان الهندسة تهتم بطرائقها في الادراك، ومن ثم لا يسعنا ان ندرك بطريقة اخرى، وهذا يوضح لم ان الهندسة، مع كونها تركيبية، فهي اولية وبرهانية.
والحجج المختصة بالزمان كما يقول الكاتب مماثلة من حيث الجوهر، فيما عدا ان الحساب يحل محل الهندسة وان يكن العد يستغرق زمنا.

3-1 نقد "كانط"
3-1-1 نقد فاينجر للحجة الثانية
لاقت الحجة الثانية الكثير منذ عصر "كانت" حتى اليوم ومن اهم ما وجه إليه ما اورده "فاينجر" في "شرحه لنقد العقل المجرد" (ص370، سنة 1992)، فقال ان بها خطأ من وجهة نظر "كانت" نفسه، لان هذه الضرورة النسبية لا تنهض دليلا دقيقا على القبلية، لان كوني لا استطيع امتثال الظواهر دون زمان لا يبرهن بعد على ان امتثال سابق على التاثرات الحسية، مع اننا نريد البرهنة على امتثال الزمان امتثال قبلي.

3-1-2 نقد عبد الرحمن البدوي
اول ما نلاحظه على نظرية الزمان ان الخلط بين الزمان والمكان واضح كل الوضوح، حتى ان كانت انهى عرضه لهما إلى الحديث عنهما كانهما شيء واحد من حيث طبيعتهما. وكل ما هناك من فارق ظاهر هو ان الزمان يقوم على التوالي، بينما المكان على التتالي، فما نريد ان ناخذه على "كانت" شيئين:
اولا: حسبانه الزمان شكلا قبليا تدرك على نحوه ملولات الحس، ولا وجود له في الوجود الخارجي ولا صلة بالموضوعات الخارجية كما هي في ذاتها.
ثانيا: خلطه بين الزمان والمكان حتى كادا ان يصبحا شيئا واحدا مما ادى إلى سوء فهمهما على السواء.
ولكننا لا نريد بالاعتراض الاول ان نعود إلى الموقف الذي كان حول "كانت" موقف نيوتن وموقف ليبنتس. فنحن لا نقول بزمان مطلق مستقل عن الموجودات، وكانه جوهر قائم بذاته، كما لا نقول ايضا بانه نظام التواليات الممكنة، وهو بالتالي نسبة واضافة بين الموجودات، ولا دخل له في تحديد طبيعتها، فكلا الموقفين مرفوض لدينا: الاول لانه لا يجعل الزمن طابعا جوهريا ساريا في الوجود يحدد طبيعته وماهيته، والثاني لانه لا يفعل هذا ايضا، بما يفرده إلى الزمان من مساواة أو عدم اكتراث أو سوية بالنسبة إلى الموضوعات الذي هو نسبة بينها، فكونه نسبة ليس من شأنه ان يدخل الزمان في تحديد طابع الوجود وماهيته.
انما نريد ان نقول ان الزمان طابع جوهري يحدد هذا الوجود في طبيعته وماهيته، وليس ينتسب إلى الذات في حالة المعرفة وحدها، واذا كانت الذات في معرفتها تخضع له، فلذلك لانه ينظم كل موجود وفي كل حال من احوال وجوده بما في ذلك الذات في حال المعرفة، فموقفنا اذن لا نقول عنه انه مناقض لمذهب "كانت" في الزمان، بل العكس انمه يشمل هنا المذهب ولكنه يعلو عليه بان يدخل كل ما في اجزائه ولي الامر مقصورا إذا على المعرفة أو الذات العارفة حال كونها عارفة، أي مدركة لمدلولات الحس والتجربة الخارجية، فموقفنا اذن يتضمن مذهب كانت ويعلو عليه، لانه يشمل الوجود كله، بان يفسره على اساس الزمان.
فالمشكلة بين كانت وبيننا اذن يمكن ان توضع كما يلي: هل يمكن قيام علم الموجود؟ وعلى أي نحو؟ وبواسطة اية اداة معرفة؟
والاجابة عن هذا السؤال ستتضمن بالضرورة الاجابة عن الاعتراض الذي وجهناه ضد "كانت" وهو خلطه بين الزمان والمكان. فقد كان في وسع كانت لو شاء ان يتعمق معنى هذه التفرقة بينهما على اساس ان الاول، أي الزمان، يقوم على فكرة التوالي، بينما يقوم المكان على فكرة التتالي، أي الوجود جنبا إلى جنب، لا واحدا بعد اخر، ولكنه بدلا من هذا بحث في طبيعة الهندسة بوصفها علم المكان، وبحث في قانون العلية من حيث ارتباطه بالزمان، فلم يصل بهذا ادراك طبيعة الزمان، ولا حقيقة المكان، لانه بحث في المكان من ناحيته المجردة التي نجدها في الهندسة.

3-1-3 نقد برجسون (1859-1941)
نقد برجسون نقد عام يتناول المذهب النقدي لكانت، فقد رأى ان كانت بنقده لمعرفتنا للطبيعة لم يفعل الا ان بين ماذا يجب ان يكون عقلنا وماذا يجب ان تكون الطبيعة "لو" كانت ادعاءات علمنا صحيحة لها ما يبررها. ولكنه، أي كانت، لم يقم بنقد هذه الادعاءات، انا اعترف من دون نقد دقيق، بفكرة العلم الواحد الذي يستطيع بدرجة واحدة ان يدرك كل اجزاء الموجود المعطي لنا في الحواس، أو بعبارة اوضح لم يميز بين انواع من العلم وفقا لانواع الوجود المعطي لنا في الشعور لم يميز بين الفيزيائي والحيوي والنفسي. ولم يجعل اذن لكل علمه الخاص ومنهجه الخاص، بل وملكته الادراكية الخاصة، انما سار على هذا الزعم الذيص قال به العلم الواحد. ولكن هذا الزعم يكون صحيحا، إذا كانت درجة الموضوعية في العم واحدة في كل اجزائه، اما إذا تصورنا العلم قابلا للزيادة والنقصان في درجته الموضوعية، بان تقل موضوعيته وتزداد درجة رمزيته، كلما انتقل من الفيزيائي إلى النفسي مارا بما هو حيوي، إذا تصورنا هذا فسيكون ثمة وجدن عيان لما هو نفسي ولما هو حيوي، مما يستطيع العقل ان يدركه حقا ولكن بدرجة قاصرة لانه يتجاوز نطاق العقل. وذلك لان الادراك يتم هنا بملكة اسمى من العقل هي الوجدان. فاذا كانت هذه المكلة ممكنة، خرجنا من النطاق النسبي الذيق الذي اعتقلنا فيه "كانت"، نطاق عالم الظواهر، إلى نطاق اوسع وهو نطاق عالم الاشياء في ذاتها وستكون المعرفة اذن غير مقصورة على الظواهر، بل ستتعداها إلى المطلق الروحي، إلى الينبوع الاصلي للوجود فتدركه كما هو في ذاته. بهذا يسقط هذا الحاجز المنيع المزعوم الذي وصفه "كانت" بين العقل وبين الشيء في ذاته. وبهذا يجب التفرقة بين نظامين في الوجود: فيزيائي وحيوي، وادراك الاول يتم بالعقل وادراك الثاني (حيوي) يتم بملكة اخرى فوق العقل هي الوجدان.

4-1-2 نقد الحجج الخاصة بالمكان "كانط" برتراند رسل، ترجمة محمد فتي الشنيطي
اولى الحجج الميتافزيقية المنصبة على المكان تقول ليس المكان تصورا تجريبيا مستخلصا من التجارب الخارجية. وذلك لانه لكي ترجع بعض الاحساسات شيء خارج عني، ولكي اتمكن من ادراكها من حيث كونها خارجة عني، وكل منها جوار الارض، وبالتالي ليست مختلفة فقط، ولكنها في اماكن مختلفة، فالصورة التي تنشأ في الذهن هي صورة مضيف غرفة الملابس الذي يعلق معاطف مختلفة على مشاجب مختلفة، فيلزم ان توجد المشاجب من قبل، بيد ان ذاتية المضيف هي التي ترتب المعاطف، ويوجد هنا صعوبة في جميع جوانب نظرية كانط عن ذاتية المكان والزمان، وهذه الصعوبة اشد فيما يختص بالزمان وذلك لاقتحام العلية. فانا ادرك البرق قبل ان ادرك الرعد، فالشيء في ذاته أ لم يكن اسبق زمانا من ب، مادام الزمان يوجد فقط في علاقات المدركات فلم ذان، ينتج الشيئان اللازمنيان أ و ب اثارا في ازمنة مختلفة؟ سيكون هذا بتمامه امرا كسيفا لو كان كانط على حق ويلزم الا يكون هناك علاقة بين أ و ب مطابقة المدرك الذي تسبب عن أ هو اسبق زمانا من المدرك المسبب عن ب.
والحجة الميتافزيقية الثانية تؤكد ان من الممكن تخيل لا شيء في المكان، ولكن من المستحيل تخيل لا مكان. ويبدو لي انه لا يمكن تأسيس حجة جادة على ما يمكننا نتخيله وما لا يمكننا ان نتخيله. ولكن ينبغي لي ان انكر انكارا مشددا اننا نستطيع ان نتخيل مكانا بلا شيء فيه. يمكنك ان تتخيل التطلع إلى السماء في ليلة مظلمة ملبدة بالسحب، بيد انك انت نفسك حينئذ في مكان، وانت تتخيل السحب التي لا تستطيع ان تراها. ان مكان كانط مكان مطلق كمكان "نيوتن" وهو ليس محض نسق من العلاقات. ولكنني لا اتبين كيف يمكن تخيل مكان مطلق فارغ.
والحجة الميتافيزيقية الثالثة تقول: المكان ليس تصورا منطقيا أو كما يقال، تصورا عاما لعلاقات الاشياء، بوجه عام، ولكنه حدس خالص. ذلك لاننا يمكننا فقط ان نتخيل في المحل الاول، مكانا واحدا فريدا، واذا كنا نتحدث عن "امكنة" فاننا نقصد اجزاء مكان واحد، نفس المكان الفريد، وهذه الاجزاء لا يمكن ان تسبق الكل من حيث هي اجزائه، ولذا يمكن فقط الظن بانها فيه.
ان المكان واحد فريد في جوهره، والتعدد فيه يستند فقط إلى التحديات ونلخص من هذا إلى ان المكان حدس اولي، واساس هذه الحجة هو انكار التعدد في المكان ذاته.
والحجة الرابعة، تنصب على البرهنة على ان المكان حدس وليس تصورا، ومقدمتها تقول: "يتخيل المكان أو يمثل (Vorgestellt) كجرم لا متناه معطى".
وهذه نظرة شخص يعيش في بلد مسطح، فلست ارى كيف ان ساكنا في وادي الالب يمكنه ان يتبناها. فمن الصعب ان نرى كيف ان شيئا لا متناهيا يمكن ان "يعطي" وقد يخطر لي واضحا ان جزء المكان المعطى هو الجزء العامر بموضوعات الادراك، وان لدينا فقط عن الاجزاء الاخرى شعورا وامكانية الحركة. واذا اجيزت حجة سوقية إلى هذا الحد، فان علماء الفلك المحدثين يؤكدون ان المكان ليس في الحقيقة لا متناهيا، بل هو يدور ويدور شأنه شأن سطح الكرة الارضية.


نتائج
و
خاتمة

4-1-1 نتيجة وخاتمة
لنحاول ان ننظر في الاسئلة التي اثارها "كانط" بصدد المكان، فاذا اخذنا بوجهة النظر المسلم بها في الفيزياء، هي ان لمدركاتنا عللا خارجية هي (بمعنى ما) مادية، لافضى بنا ذلك إلى النتيجة القائلة بان جميع الكيفيات الحالية في المدركات تختلف عن تلك التي في عالمها غير المدركة، بيد ان ثمة تشابها بنائيا بين نسق المدركات ونسق عللها. فهناك على سبيل المثال، علاقة بين الالوان (من حيث هي مدركة) وبين اطوال الموجات (كما يستخلصها علماء الفيزياء). وبالمثل يتحتم ان تكون هناك علاقة متبادلة بين المكان من حيث هو جزء مقوم في المدركات. وبين المكان من حيث هو جزء مقوم في نسق العلل غير المدركة للمدركات كل هذا يستند إلى القاعدة "نفس العلة، نفس المعلول"، مع عكسها "المعلولات المختلفة للعل المختلفة". وعلى ذلك فعندما يظهر مدى بصري أ على يسار مدرك بصري ب فاننا نفترض ان ثمة تطابق بين علة أ وعلة ب.
ان لدينا من وجهة النظر هذه، مكانين، مكان ذاتي ومكان موضوعي، احدهما يعرف في التجربة والاخر يستدل عليه فقط. ولكن ثمة ليس فارق في هذا المجال بين المكان والوجوه الاخرى للادراك، مثل الالوان والاصوات. فكلها متماثلة في اشكالها الذاتية، وليس ثمة سبب ايا كان لاعتبار معرفتنا عن المكان مختلفة باي حال، عن معرفتنا عن اللون والصوت والرائحة.
والامر يختلف فيما يختص بالزمان، مادام الزمان الموضوعي يتحتم ان يكون عدلا للزمان الذاتي، إذا اخذنا بالاعتقاد في علل غير مدركة للمدركات. واذا لم نأخذ، لوقعنا في الصعوبات التي نظرنا فيها انفا فيما يتصل بالبرق والرعد. ولنأخذ حالة مثل الحالة التالية: تسمع رجلا يتكلم وتجيبه، وهو يسمعك. فكلامه وسماعه لاجابتك، هما معا بقدر ما يكون الامر مرتبطا بك، في العالم غير المدرك، وفي ذلك العالم لم يسبق الكلام السماع زد على ذلك، ان كلامه يسبق سماعك له في العالم الموضوعي للفيزياء، وسماعك يسبق اجابتك في العالم الذاتي للمدركات، واجابتك تسبق سماعه في العالم الموضوعي للفيزياء.

خلاصة
لقد كان "الشيء ذاته" عنصرا مربكا في فلسفة كانط، تخلى عنه اخلافه المباشرون الذين سقطوا بالتالي في شيء شبيه للغاية بنزعة الانطوائية. وكانت تضاربات كانط بحيث جعلت لا مفر للفلاسفة الذين تاثروا به من ان يتطوروا تطورا عاجلا اما في الاتجاه التجريبي أو الاتجاه المطلق. وقد مضت الفلسفة الالمانية، بالفعل، في الاتجاه الاخير (المطلق)، حتى وفاة هيجل.

نتيجة رقم 4-1-2
المكان والزمان "المطلقان" هما موجودان منطقيان، ولهما اساس في الواقع بعبارة "المكان والزمان المطلقان" نقصد هنا المكان والزمان كانت ميكانيكية نيوتن ونقدية كانط تفترضانهما، فان كانا قد اتخذا شكلا علميا دقيقا عند نيوتن فانهما مع ذلك يطابقان النزعة التجريبية البدائية التي تعطي صفة مطلقة للامتداد والمدة والتي تجعل المكان مثل محيط تتجمع فيه الاشياء، والزمان مثل محور الدائرة تتابع فيه الحوادث. ان مثل هذا التصور ينتج من اسقاط تخيلات على الواقع، فكما ان المثلث أو الدائرة ليس لهما وجود موضوعي خارج الاشياء المثلثة أو المدورة فكذلك الزمان والمكان ليس لهما وجود موضوعي خارج الاشياء. ومن هذه الناحية صح كانط عندما رفض ان يكون المكان والزمان حقيقتين قائمتين في ذاتها. غير انه اخطأ عندما استنتج ان مفهومي المكان والزمان ليس لهما اساس موضوعي، بل انهما مجرد نتيجة لاسقاط "صورتين قبليتين" في الواقع الغريب عنهما.
فان لم يكن المكان والزمان "المطلقان" موجودين حقيقيين، بقي ان لهما اساسا خارج الذهن، وهذا الاساس هو "الامتداد" و"المدة" وهما متجسدان في الاشياء، وهما من خواصها الموضوعية. انهما كائنان من نوع الكائنات الرياضية أو الهندسية مثل المثلث أو الدائرة.
لقد عبر ارسطو والقديس توما الاكويني عن هذه الحقيقة بقولهما بان المكان والزمان هما موجودان منطقيان لهما اساس في الواقع. وتعني هذه العبارة ان هذين الموجودين الذهنيين هما مجردان من الواقع (أي من الاشياء الممتدة والزمانية) وهما يعبران عن خاصيتين موضوعيتين للاشياء. فالمكان وجود "مبدأ" حقيقي عام يؤسس في الاجسام خارجيتها بعضها بالنسبة إلى البعض وايضا اتصالها واتحادها.
اما الزمان فانه يعبر عن شرط موضوعي اساسي لتطور الكائنات السائرة نحو تكملة امكانياتها.

نتيجة وخاتمة 4-1-3
عجز الانسان امام الزمان
ان المكان قابل للانعكاس، فنستطيع ان نسير فيه باتجاهات معاكسة ونستطيع الجوع إلى نقطة انطلاقنا، اما الزمان فلا ينعكس ولا نستطيع ان نقطعه الا باتجاه واحد، لا ان نعيش مرة ثانية ما عشناه في السنة الماضية، بل نستمر في الابتعاد عنه، وحتى ذكرياتنا له تتطور وتتغير. ان الزمان ياخذ معه كل شيء دون أي امل بالعودة.
ان عجزنا المأساوي اما عدم انعكاسية الزمان في خبراتنا "الوجودية" امام الماضي كم في خبراتنا امام المستقبل. فتأنيب الضمير مثلا يعبر عن عجزي تجاه الماضي، ففيما مضى قمت باختبار حر وكان لدى الامكانية بان اعمل شيئا اخر. ولكن اليوم لا استطيع تغيير ما حدث.
ومن ناحية اخرى فالزمان هو ايضا البعد الذي يسمح البناء والاعمار، البناء الذي هو اساسي في حياة الانسان. فالزمان لا يعبر فقط عن عجزنا، بل انه بعد التقدم.

نتيجة وخاتمة 4-1-4
الهندسات اللااقليدية وفرضية كانط للمكان
بالمعنى الحرفي هي كل الانظمة الهندسية التي تختلف عن النظام الهندسي الاقليدي. ومع ذلك فالمقصود بالهندسات اللااقليدية هنستا لوباتشفسكي وريمان ومن وجهة نظر البناء المنطقي فان لهندسة لوباتشفسكي نفس مسلمات هندسة اقليدس، فيما عدا المسلمة عن المتوازيات، اذ تقبل هندسة لوباتشفسكي انه يمكن من نقطة معينة لا تقع على خط مستقيم ارسم خطين مستقيمين على الاقل موازيين وتختلف النظريات لهذه الهندسة عن النظريات الرياضية لهندسة اقليدس، مجموع زوايا المثلث اقل من 180°. اما هندسة ريمان فتفترض ان أي خط مستقيم على سطح مستو يتقاطع مع أي خط اخر على نفس السطح (أي انه لا توجد خطوط مستقيمة متوازية). وتلعب الهندسات اللااقليدية دورا هاما في علم الطبيعة النظري المعاصر (النظرية النسبية-وميكانيكا الكم). كذلك فان لاكتشافها دلالة فلسفية. لانها تعزز فرضية "كانط" عن طبيعة قبلية (اولية) لمفهوم المكان، والرأي الميتافيزيقي عن المكان باعتباره جوهرا غير قابل للتحول، وتبرهن الهندسات اللااقليدية على مجه النظر الجدلية في المكان باعتباره شكلا لوجود المادة قادرا على التغير معها.

نتيجة وخاتمة 4-1-5
الزمان، المكان، الحركة
ان ايا من الموجودات المتناثرة نظما في هذا الكون الفسيح يكون لها حجم مادي معين وايضا مكان حاو معين. واذا كان ذاك الموجود أو الجرم السماوي محدودا بجزئه ماديا ومكانيا. وان الزمان متطلب شرطي من مقومات هذا الخلق. اذن فان جميع الموجودات إذا حدت ماديا ومكانيا فانها ايضا تحدد مكانيا.
بما ان المادة مرئية والزمان لا مرئي. اذن فان الزمان لا كون مظهرا من مظاهر المادة. فلا يجوز ان عكس اللاظاهر إلى الظاهر. واذن فان الزمان ليس مظهرا من مظاهر المادة وانما متطلب شرطي مستقل ومتداخل لها ليس الا.
هذا من جانب والجانب الاخر إذا كانت المادة حقا تمتلك صفة اللامرئي فانه يتوجب علينا ان نثبت ذلك من خلال وجودها المحسوس فالزمان لو كان كذلك لوجب ان نتحسسه بالمعنى العياني بدلا من ان نشعر به فقط. وشتان بين المعنيين، وبما ان ذلك لا يمكن ان يكون. اذن فان المادة تبقى محسوسة لكونها في مرئية. واللامرئي كالزمان يبقى تحسسه شعوريا، ومصدر هذا الاحساس اللامرئي وابداعه العظيم في خلق المادة المحسوسةإذا كان المكان والزمان ثابتين بالمعنى العام للوجود حيث المكان الذي لا يحويه مكانا الا نفسه. اما الزمان فسائر بالوجود. وان التغير الذي يحدث ليس منهما. وانما من المادة القابلة للتغير والانتقال. الا ان المادة لا تقوم بذلك لولا الحركة فيها. والحركة ايضا لا تقوم لولا المادة واذن فهما المغيران سوية دائما. وعليه ان اختلف هذا المكان عن ذاك المكان والذي يؤدي بنفس الطريقة ايضا والحركة، حيث ان المكان الحاوي للكل بالكل واحد ايضا والزمان الساري بالجميع واحد.

نتيجة وخاتمة 4-1-6
الزمن والسرعة
"اينشتاين" تحت الاختبار
ما دمنا نتكلم عن الزمن فلا بأس ان تعرفوا ان الزمن الذي فيه حياتكم هو نسبي لكثير من العوامل، ونحن نعرف بان زمننا الموضوعي هو نسبي مع دوران الارض والاهتزاز الذري، نضيف ان الزمن هو نسبي ايضا مع الفضاء الكوني والسرعة. وهنا يكمن الاكتشاف الكبير الذي حققه اينشتاين، بعد حسابات كثيرة التعقيد وسنوات من التفكير قضاها على منضدة عمله، فقد استطاع هذا العالم ان يقيم علاقة دقيقة بين الزمن والسرعة، اعلنها في صياغته المشهورة للنظرية النسبية.
واراد العلماء الذين لا يقتنعون الا بالملاحظة، ان يحققوا تجربة عملية يختبرون بها هذه العلاقة النظرية بين الزمن والسرعة:
ففي يوم الثلاثاء، 5 تشرين الاول (اكتوبر) 1971، اقلع عالمان امريكيان على متن طائرتي بوينغ 747 في اهم طيران حدث في الميدان العلمي حتى الان. كان هدف الرحلة تطبيق نظرية اينشتاين النسبية عمليا. حمل كل عالم معه إلى الطائرة ساعة فلكية وزنها 30 كغم، ودقتها في قياس الوقت عينه في بداية التجربة، وجعلناهما تدوران حول الارض باتجاهين متعاكسين، فان كل ساعة ستظهر بعد عدة دورات اختلافا بينها وبين الساعة الاخرى. وبين ساعة ثالثة بقيت على الارض كساعة شاهدة، فالتي اتمت دوراتها في اتجاه عقارب الساعة ستؤخر، والتي دارت بعكس اتجاه عقرب الساعة ستفدم. ويمكن ان نفهم هذا اعتمادا على دوران الارض. فان احدى الساعتين تدور عكس اتجاه الارض، والاخرى تدور وفقه.
ماذا حدث؟
حدث ان الطائرتين فارقا بينهما وبين الساعة التي ظلت على الارض، قدره 300 على مليار من ثانية، مع العلم ان الزمن يمر على الارض بسرعة اكبر من مروره في الفضاء. ولو قام بعض رواد الفضاء برحلة طويلة بين الكواكب، فمن المنطق ان يعودوا إلى كوكبنا بعد عدة سنوات وهو اكثر شبابا بثلاث أو اربع مرات من اسرتهم التي تركوها على الارض، أي ان اب الاسرة الذي غادر الارض يعود اليها وهو اصغر من ابنائه.

4-1-7 نتيجة وخاتمة
نسبية الزمن
تاريخ الارض وتاريخنا
اليكم مثلا على نسبية الزمن: نحن نشعر ان الالفي عام التي انقضت منذ ولادة المسيح هي زمن كبير، لكننا لو قارنا هذه الفترة بزمن تاريخ الكون العام، للاحظنا ان الالفي سنة تكاد ان تكون لا شيئا. ولكي نكون فكرة عن هذا الامر. لنتصور ان الـ13 مليار سنة في خيالنا ونجعلها تنكمش في سنة هي اشبه بسنة قدرتها 365 يوما، ففي هذا التصور الخيالي تكون الحياة قد ظهرت على الارض في شهر تشرين الاول (اكتوبر)، أي ان عشرة شهور انقضت والكون خال من الحياة ولا شيء سوى المعادن والمواد الجامدة.
• في اوائل تشرين الاول (اكتوبر)، تكونت بكتريات في احد المستنقعات، انه ظهور الحياة.
• في 22 كانون الاول (ديسمبر)، ظهر الجهاز العصبي والحيوانات الفقرية.
• في 29 كانون الاول (ديسمبر)، الساعة الرابعة بعد الظهر، ظهرت الثدييات.
• في 31 كانون الاول (ديسمبر)، الساعة 21.20 دقيقة تقريبا ظهر الانسان، أي لم يظهر الانسان على الارض الا منذ ساعتين في تاريخ الكون الذي تصورناه.
• في 31 كانون الاول (ديسمبر)، الساعة 23 والدقيقة 59 والثانية 55، ولد المسيح بتصورنا فالالف سنة التي بيننا وبين المسيح ليس هما الا خمس ثوان في تاريخ الكون الذي ضغطناه بتصورنا 365 يوما. وحين يقال ان المسيح افتتح نهاية الازمنة، يمكننا ان نفهم ذلك وفقا لما قلناه قبل قليل.
اعطيكم مثلا اخر: لنفترض ان تاريخ الكون كتب في موسوعة من 13 مجلد. وكل مجلد يعني مليار السنين ويحوي الف صفحة. وفي كل صفحة مائة سطر وفي كل سطر عشر كلمات ففي هذه الحالة:
• يأتي ذكر الحياة في بداية المجلد الحادي عشر: "اليوم ظهرت الحياة".
• ويكون ظهور الحيوانات الفقارية في المجلد الثالث عشر، وفي صفحة رقم 700.
• ويكون ظهور الثدييات في المجلد الثالث عشر، وفي اول الصفحة رقم 997 "اليوم ظهر الانسان".
• ويكون مجيء المسيح في الصفحة رقم 1000 من المجلد الثالث عشر. واذا تتبعت الاسطر اجد انه كتب في السطر الاخير: "اليوم جاء المسيح". والكلمة الاخيرة من السطر الاخير في الصفحة الاخيرة من المجلد الاخير تمثل كل ما حدث منذ مجيء المسيح إلى يومنا هذا.
ان ما قلناه الان يجعل ادراكنا للزمن نسبيا، ففي بعض الاحيان، تبدو لنا مدة الف سنة كبيرة جدا. ولكنها ليست الا نقطة تافهة ولا تمثل شيئا بالنسبة إلى تاريخ الكون. وهذا ما يذكرني بقول الكتاب المقدس "ان الف سنة هي عند الرب كيوم واحد".

4-1-8 خاتمة ونتيجة كل شيء حاضر
ما هو الحاضر؟ انه مستقبل لم يأت بعد وفي صدد ان يصبح ماضيا ولا وجود له، إذا كل شيء يبدو في زوال ولا يترك وراءه الا الفراغ.
هل الحاضر هو حقا هذه اللحظة الهاربة التي لا ثبات لها ولا قوام، والتي تهرب منا بلا انقطاع لكي تتحلل بلا رجعة؟
كل شيء حاضر- قلنا ليس للحاضر وجود
ليس للحاضر كيان
ليس للحاضر حقيقة
اريد ان اقدم الان ازاء هذا شعارا اخر يعاكسه تماما (الاب هنري بولاد)
الحاضر وحده هو الموجود
ليس هناك الا الحاضر
الحاضر هو الحقيقة الوحيدة
وهو الحقيقة الوحيدة التي لا تزول لان كل شيء يتم فيها، أي ان الحاضر يتميز عن "الزائل" الذي لا كيان له، فانه يركز الزمن على نفسه، وفيه يتحقق الماضي والمستقبل، وقيل ان يتجه لهم المستقبل نحو امام غير محدد، يغوص في هذا "الان" الذي يتم فيه كل شيء وهو اصل كل شيء.
الحاضر هو هذه الحقيقة التي تجمع الماضي والمستقبل لتضفي عليها معنى وقيمة. ولان الحاضر يركز على الزمن نفسه، فهو يقع بشكل ما خارج الزمن وفوقه فيشبه الابدية بذلك.

واخيرا
هل يمكن ان نسأل ما هو الزمان والمكان؟ واي رأي من بين الفلاسفة هو الاصح؟ وما هو الحاضر والماضي والمستقبل؟ وهل الزمن نسبي؟ وكيف نتعامل معه؟ وهل الانسان عاجز امام الزمان؟ هل اخطأ كانت عندما استنتج ان مفهومي المكان والزمان ليس لهما أي اساس موضوعي؟ هل لدينا مكانان: ذاتي وموضوعي؟
كل هذه الاسئلة تدور في ذهننا والاجابة عليها تتوقف على مدى تاريخ حياتنا وحتى نعرف الزمان وكيف عشناه يجب ان نبقى خارجه مثل السمكة إذا سألنا ما هو الماء؟ فلا يمكن ان تجيب على السؤال لانها تعيش في قلب الماء! وكذلك نحن لا يمكننا ان نجيب بشكل مطلق على ما هو الزمان والمكان الا إذا اصبحنا خارج عنهما؟! أي الابدية.

المصادر

1 قصة الفلسفة- ول ديورانت- مكتبة المعارف/ بيروت.
2 الموسوعة الفلسفية- م. روزنتال- ي- يودين- دار الطليعة/بيروت.
3 فلسفة الطبيعة- ملزمة الاب روبير/ كلية بابل للفلسفة واللاهوت/الفلسفة.
4 الزمان الوجودي- عبد الرحمن بدوي- طبعة ثالثة- مكتبة النهضة المصرية 1955.
5 تاريخ الفلسفة الغربية- برتراند رسل- الكتاب الثالث- الفلسفة الحديثة 1977.
6 الانسان وسر الزمن- الاب هنري بولاد- منشورات كلية بابل/34 نصوص محاضرات القيت في الاسكندرية.
7 الله والوجود والانسان- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- عماد الدين الجبوري






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,715,550,691
- مبدأ السيادة الوطنية والاتفاقيات الدولية
- القوش بستان التاريخ
- وطنية الأقليات سبب انتهاك حقوقهم
- الاشتراك الجرمي والفاعل الاصلي وحقوق شهدائنا
- لسنا مع اعدام قاتل الأسقف -رحو-
- صباح ياقو توماس / عَرفتُ نفسي بعد الخمسين
- حقوق الإنسان وتصاريح لدخول كنائسنا
- مؤتمر مدريد لحوار الاديان تحت المجهر
- القوش مع القدر رقم 17
- المساواة في العراق مجرد فكرة
- غرف المحادثة بين الثقافة وتعميق التنافر الديني
- السيد سركيس آغا جان / الحق لا يعلو عليه
- الكنيسة ليست ملك لأحد مع الحب
- العدالة والمساواة وحقوق الانسان / المسيحية نموذجاً
- الأخ حبيب تومي / الصراخ لا يكفي
- الفقر والدين وثقافة الموت / العراق نموذجاً
- المطران لويس ساكو ... تكريمكم وسام على صدورنا
- الأقليات والقانون ودستور الدولة
- قرار الإعدام لقتلة الشهيد - رحو - ناقص قانوناً
- زج الأطفال في النزاعات المسلحة


المزيد.....




- مبادرة جديدة لتفعيل اتفاق المصالحة بين حماس وفتح
- ازدياد مبيعات الطائرات بدون طيار للاستعمال التجاري
- مجلس النواب اليمني يمنح بالإجماع الثقة لحكومة خالد بحاح
- الأردن.. زكي بني أرشيد أمام القضاء بعد انتقاده للإمارات
- تونس.. داعش يتبنى اغتيال بلعيد والبراهمي
- رأي عن المصلحة الاسرائيلية في سوريا (الجزء الثاني)
- بوتن: سنتخذ تدابير عاجلة لمواجهة الصعوبات.. والأزمة قد تستمر ...
- نصف مليون يورو غرامة -قيادة- على ريوس
- مؤشرات بورصة موسكو ترتفع مع تعافي الروبل
- ميركل تدعو للحفاظ على أمن أوروبا بالاشتراك مع روسيا


المزيد.....

- -المادية التاريخية- : فصل من كتاب -منهجية علم الاجتماع بين ا ... / أحمد القصير
- اِنْتِهَاكَاتٌ: فصليةٌ إلكترونية في عددها الصفر تُعَرِّفُ با ... / مجموعة من الباحثين والمترجمين العرب
- القضايا المعرفية للظاهرة الاجتماعية: فصل من كتاب -منهجية علم ... / أحمد القصير
- فلسفة العلم و منطق البحث العلمي / الدكتور محمد محمود الكبيسي
- اشكالية معيار قابلية التكذيب عند كارل بوبر / ماهر اختيار
- الخير والشر / طارق أحمد حسن
- التفكير الواضح... منطق لكل انسان / المفكر الانجليزي ا. اي. ماندر
- الفلسفة الماركسية جذورها و ماهيتها / ثيودور اويزرمان
- الفلسفة الماركسية جذورها و ماهيتها / ثيودور اويزرمان
- نظرية الأوتار الفائقة من منظور الفلسفة العلمية / رائف أمير اسماعيل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سمير اسطيفو شبلا - الزمان والمكان عند كانط