أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين - مهدى بندق - هل الفلسطينيون قادرون علي تجاوز عبثية الحياة ؟















المزيد.....

هل الفلسطينيون قادرون علي تجاوز عبثية الحياة ؟


مهدى بندق
الحوار المتمدن-العدد: 2265 - 2008 / 4 / 28 - 10:52
المحور: ملف: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين
    


في عام 1940، وفي غمرة الخراب الشامل للحرب العالمية، وتحت وطأة الاحتلال الألماني لفرنسا، كتب الفيلسوف الوجودي "ألبير كامو" مقا لا ً مطولا بعنوان "أسطورة سيزيف" اعتبره هو نفسه – رغم عدميته – دعوة للعيش في صميم صحراء الحياة وهجيرها الفظيع.
أما سيزيف هذا فقد كان رجلاً إغريقياً استطاع أن يخدع "ثاناتوس" إله الموت، بل وأن يقيده في السلاسل، ليشله عن القيام بوظيفته، فكان أن غضب "زيوس" كبير الآلهة غضباً شديداً فأمر بأن يرفع "سيزيف" صخرة ضخمة من أسفل التل إلى قمته، فلما رفعها أسقطها "زيوس" إلى أسفل آمراً "سيزيف" أن يعود ليرفعها، وكلما فعل ذلك "سيزيف" هوت الصخرة إلى القاع، وهكذا إلى الأبد.
ذلك هو العقاب الجدير بإله قاس مثل "زيوس"، أن يجعلك تعاين العبث L absurd في كل ما تفعل، حتى ليبدو لك الموت شافياً مما أنت فيه، رغم أنك ما عوقبت هكذا إلا لأنك حاولت أن تفر من الموت قدرك العبثى وكأنك تدور في حلقة مفرغة !
من هنا يستنتج "كامو" أن سؤال الفلسفة الأهم هو "هل تستحق الحياة أن تعاش رغم عبثيتها وخلوها من المعنى بله البهجة والسرور؟!"
قد يرى بعضنا أن هذا السؤال تجلٍّ من تجليات الفلسفة الغربية التي لا تؤمن بعالم آخر، إليه ينتقل "الشهيد" الذي يفجر نفسه ليضمن بذلك تدمير أعدائه، فهذا الشهيد لا يقصد إلغاء الذات، بل إلغاء الباطل، فإذا قتل في المعركة فإنه لا يموت، إنما ينتقل إلى حياة أخرى.. الحياة مع الله.
من وجهة نظر الثقافة العالمية – وليس الغربية فحسب – فإن شهيدنا يدعى انتحارياً، ليس لأنه يقتل نفسه فحسب، بل لأنه لا يفرق في معسكر أعدائه بين الجنود المحاربين وبين النساء والأطفال والشيوخ العزل، فكأنه بفعلته هذه يجبرهم على الانتحار دون إرادتهم، كأنه يجيب – نيابة عنهم – عن السؤال الفلسفي "هل تستحق الحياة أن تعاش؟" قائلاً: لا، ولأن إجابته تلك ليست مجرد تأمل ترفي، بل هي فعل إنساني عام تؤكده الحروب المتواصلة والمذابح الجماعية والمجازر المخططة؟ فلا شك في كونها إجابة جادة، مرعبة في جديتها، مخلصة من وجهة النظر الفلسفية، وليس من وجهة النظر الدينية فحسب، لأنها تدعونا إلى الالتفات إلى الجانب الآخر من الوجود ألا وهو العدم، إذ أننا بغير هذا الالتفات نحكم على أنفسنا بالتفاهة والسطحي والجهل بتمظهرات الكون الذى يحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم .
ربما تضيق هذه النظرة الإنسانية الشاملة من مساحة الخلاف بين المثاليين والماديين حول تسمية الشهيد بالانتحاري، أو العكس. فالعبرة ليست بالاسم بل بالمسمى. وصخرة سيزيف التي يحملها الفلسطيني من سفح اليأس إلى قمة الرجاء لكي تهوي منه في كل مرة، في تعبير رمزي عن العالم العبثي، لا معنى له ولا معقولية فيه.
بيد أن الذين يحبذون فعلته، ويستحسنون "لفرد" آخر أن يكررها، هؤلاء الذين لا يفعلونها بأنفسهم. يجيبون – على المستوى الاجتماعي – على السؤال الفلسفي بكلمة "نعم"! غير أنهم يستخدمون القائلين بـ"لا" ليحققوا لأنفسهم أغراضاً سياسية، هي جزء لا يتجزأ من قبولهم هم بالحياة. أولئك يصدرون عن نفاق واضح وغش مؤكد، والدخول معهم في حوار إخلال بشرط الصدق الذي لا يملكه إلا أصحاب الأفعال، أعني أبناء الشعب الفلسطيني ذاته، الملتزمين بفلسفة وأخلاقيات المقاومة الشرعية : القتال وليس القتل .
والحق أن الفلسطينيين هم أجدر الناس بالعيش حتى وإن كان في صميم الصحراء، وهجيرها اللاهب. فهم الذين يمنحون، بنضالهم المستمر، عالمنا العبثي هذا شيئاً من المعنى. يفعلون ذلك في ظروف إحباط ليس لها مثيل.
الفلسطيني إذن بهذه التحديات التاريخية هو البطل التراجيدي لعصر العولمة، فهل قدر عليه أن يموت والسيف في يده، مثل هاملت، بما يؤكد عبثية الوجود؟ لحسن الحظ أن المجتمع السياسي ليس فرداً "هاملتياً" يملك صيغة تراجيدية يمارس بها ترف التأمل الفلسفي، ومن ثم فإن سؤال الانتحار الجماعي ليس مطروحاً على أجندته. فلا جرم أن تكون "نعم" هي بداية إجابة الشعب الفلسطيني، بغض النظر عما يفعله بعض الأفراد، أو بعض التنظيمات في الاتجاه المضاد.
إن أصحاب الإجابة بـ"نعم" من الصادقين، لا ريب يدركون مغزى مقولة الجنرال النمساوي الأشهر "كارل كلاوزفيتز": الحرب هي السياسة بوسائل عنيفة. وهم يعرفون أن الحرب إذا تعذرت بسبب الخلل الاستراتيجي في موازين القوى؛ فالأحرى بالطرف الأضعف أن يعكس المعادلة، لتصبح "السياسة هي الحرب بغير وسائل عنيفة" وهو شعار يختلف جذرياً عن الشعار الذائع "إن اختيارنا للسلام اختيار استراتيجي". وآية ذلك أن اللهاث خلف سلام مع عدو آيته العنف والغطرسة إنما هو استسلام لا غش فيه.
لندع الآن سؤال الفلسفة عن معنى الحياة، ومعه صخرة سيزيف "ملطوعين" على سفح التل، ولننطلق نبحث في السهول الفسيحة عن إجابة لسؤال السياسة: كيف يمكن للشعب الفلسطيني بما هو متاح، أن يحقق أهدافه المشروعة ، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة؟ حينئذ سيجد الفلسطينيون الإجابة موجودة بالفعل بين أيديهم. إنها "الديمقراطية" بما هي فكر وممارسة Praxis في آن. إنها فكر ينبذ الثيوقراطية بكل أشكالها ( = إيديولوجية حماس ) وممارسة ٌ سياسية علي رأس أجندتها مقاومة فساد سلطة الحكم (في الضفة الغربية) بالتوازي مع النضال ضد العدو الإسرائيلي : تفاوضا ً علي أرضية قرارات الشرعية الدولية، وقتالا بالضد علي جند احتلاله ، وليس قتلا لمدنييه ..
ذلك أن الشعب الفلسطيني هو أكثر الشعوب العربية مقاربة لمعنى هذه الكلمة – فلسفة العصر – عناصرها تكاد تكون مكتملة لديه، فهو جماعة سياسية متجانسة بالفعل، لا يعكر على تجانسها اختلاف أديان، أو يعتورها تنابذ طوائف . معظم أعضائها مشتغل بدرجة امتياز بالشأن العام، أناس عركتهم المحن فصمدوا للكوارث، وأنضجتهم المعاناة فاستبانوا جبروت العدو وضعف الصديق.
وفي هذا السياق لابد وأن يدرك هذا الشعب أن أعدي أعدائه هو من يزين له حل مشكلته مع الحصار المضروب حوله رهن بهجرة أرضه إلي أرض الغير ( بذريعة أن هذا الغير أهل وسكن وصديق ! ) لأنه إن فعلها خسر الصديق وحقق بالضبط مراد العدو .. والأخطر فإنه يكون بذلك قد نبذ الديمقراطية ، التي هي حكم الشعب نفسه بنفسه علي أرضه ، وساعتها لن يكون ثمة لوم علي العالم المعاصر إذا قال للفلسطينيين : وداعا ً !
ساعتها أيضا ً سوف يبكي ألبير كامو في قبره يأسا ً من قدرة البشر على تجاوز عبثية الحياة .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- النقد الذاتي وسيلة المصريين لتخطي محنتهم التاريخية
- اليسار العربى في مفترق طرق
- كيف تصبح مصر دولة ثقافة ؟
- إعدام الراهب سافونا رولا : شفرة دافنشى الحقيقية
- عرض لكتاب - يساريون في عصر اليمين-
- اضمحلال أمريكا وعلم المستقبليات
- حوارات مهدى بندق -9 - مع المفكر الفلسطينى الراحل هشام شرابى
- إعلان إسرائيل دولة يهودية استدراج للمسلمين إلى الحرب
- هل الإنسان مسير أم مخير؟!
- نظام الحكم الدينى يعذب حتى المتدينين
- الجديد في كتاب المصطلحات الدرامية لمحمد عنانى
- الفرصة التاريخية لأقباط مصر
- لبنان إمارة فارسية فهل تصبح دول الخليج ولايات أمريكية؟!
- قصيدة : مقام الفراق
- بيروت : طائر الفينيق الذى يحترق لينهض
- تعليق ثقافى على الحكم بسجن مواطنة قبطية
- الشاعر العربى يبحر نحو المستقبل - قراءة فى شعر خالد البرادعى ...
- الحوار المتمدن : استجابة رائدة لتحديات العصر
- المشروع الحداثى لجابر عصفور إلى أين
- وماذا بعد أن تسقط أمريكا ؟


المزيد.....




- بوتين يشكر ترامب لتوفيره معلومات حالت دون هجوم إرهابي
- كاميرات المراقبة ترصد حادث سيارة طريفا من نوعه
- ترامب لا ينوي إقالة المحقق روبرت مولر الذي يقض مضاجعه
- أضخم غواصة في العالم تحتفل بعيد ميلادها الـ 35
- غارات إسرائيلية ليلا على مواقع حماس في غزة
- ترامب يعلن اليوم استراتيجية الأمن القومي الأمريكي وموقفها من ...
- قتلى وجرحى في الفلبين نتيجة العواصف والفيضانات
- رياح كاليفورنيا تساعد على مواجهة الحرائق
- أكبر بورصة أمريكية تبدأ في تداول -بيتكوين-
- دول جوار ليبيا تؤكد دعم اتفاق الصخيرات


المزيد.....

- -دولتان أم دولة واحدة؟- - مناظرة بين إيلان بابه وأوري أفنيري / رجاء زعبي عمري
- رد عادل سمارة ومسعد عربيد على مداخلة سلامة كيلة حول الدولة ا ... / عادل سمارة ومسعد عربيد
- الدولة الديمقراطية العلمانية والحل الاشتراكي - مناقشة الصديق ... / سلامة كيلة
- مناقشة نقدية في حل -الدولة الديمقراطية العلمانية- / عادل سمارة ومسعد عربيد
- ماركس وحده لا يكفي لكنه ضروري - تعقيب على رد الصديقين عادل و ... / سلامة كيلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين - مهدى بندق - هل الفلسطينيون قادرون علي تجاوز عبثية الحياة ؟