أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - سعيد مضيه - التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية 3من 3















المزيد.....


التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية 3من 3


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 2188 - 2008 / 2 / 11 - 11:27
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


الحلقة 3 من 3
التوحش الرأسمالي يهدد البشرية بأكثر من خطر مهلك. ولم تعد القضية تأجيل التحديث لأعوام او عقود. فالبشرية، والشعوب العربية والإسلامية على وجه الخصوص، تواجه مخاطر كارثية تهدد بقاءها ولا تقتصر على مجرد تعطيل تقدمها وسلب إرادتها. ولنحدق في ما يعلن من مشاريع تخص شعوب المنطقة ولا تستشار بشأنها . فانتزاع الجماهير حقها في التحرر والتقدم والتنمية يعادل انتزاع حقها في البقاء كيانا حضاريا.
تعرف التنمية الاجتماعية بأنها الاندراج في عملية تراكمية تحسّن باضطراد من الظروف الاقتصادية والمعاشية والسياسية للمجتمع البشري. وهي تنطوي ضمن مركب التغيير التقدمي، على تنمية البشر مهنيا ومعرفيا وإبداعيا، وكذلك تنمية القيم والمعايير والمفاهيم بتحديثها، أي تخليصها من قيم العصر الوسيط، إلى جانب تنمية القوى المنتجة غير البشرية من خلال إدخال العلم في العملية الإنتاجية. ونظرا للموقع المركزي الذي يحتله الإنسان في عملية التقدم والتنمية بالذات، وحيث أن جوهر التغيير المطلوب ديمقراطي تحرري وتنموي في آن معا فإن قوته الضاربة هي الإنسان المزود بالثقافة الوطنية الديمقراطية، ومنطلقها الرئيس اكتساب قدرات التفكير المنطلق والإبداعي والامتدادي. بذا تكتسب الثقافة وصنوها التربية مكانة القوة الدافعة لعملية التغيير التقدمي. إذ من خلال نظام متقدم للتربية ومنظومة قيم ومعايير اجتماعية ومثال ملهم لقوى التغيير ينفتح أفق الخلاص أمام المجتمع المتخلف وتجاوز مأزق التقدم.
يجدر القول في هذا المقام أن التقدم، من خلال الاكتشاف والتمدد واتساع الأفق، يؤذن بثقافة المجتمع الصناعي والمغايرة لثقافة المجتمع الزراعي، ثقافة الدوران في دائرة مغلقة، ثقافة الفصول المتبدلة. التقدم، إذ يتميز بإدارة شئون المجتمع وفق مقتضيات العلم،يوسع حيز المعرفة المستنيرة بالعلم على حساب الشعوذة والخرافة والأوهام.
يفرض الوفاء التنويه في هذا المقام بأحد رواد التنوير في فلسطين ، هو خليل السكاكيني.
لم يقتصر السكاكيني لدى مقاومة المشروع الصهيوني على المواقف السياسية والمقاومة السلبية، بل أدرك الامتداد الحضاري والثقافي للمعركة التي رأى، ببصره الثاقب، أنها ستكون طويلة الأمد. لذلك كان الرجل رائداً في ميدانين ثقافيين تربويين، وبشكل علمي بعيد عن الصراخ. فمن الجهة الواحدة، آمن بأهمية فتح المدارس وتعميم الثقافة الوطنية، ووضع البرامج والمناهج التربوية المستمدة من واقع البلد العربي ومن ظروفه وتطلعاته، وكوّن رؤية متكاملة تدمج المدرسة بإ شكالية التحرر الإنساني. كان السكاكيني، الذي انخرط في ميدان التربية عام 1909، أحد كبار المربّين الفلسطينيين، تفوق على اللاحقين باستشراف الجوهر الإنساني للتربية، وربطه بالتخطيط للمستقبل في أكثر من ناحية.
باتت مسلمة أن وظيفة العملية التربوية في شتى المجتمعات والعصور تتمثل في تعزيز العلاقات الاجتماعية القائمة وتطبيع الأجيال عليها، وتدعيمها وتوطيد قيمها. لكن خليل السكاكيني توصل إلى وظيفة مغايرة ومفهوم متقدم للتعليم.
نادى السكاكيني بتعليم يترك الطالب"يربي نفسه بنفسه ويعلم نفسه بنفسه، ويحل مشاكله بنفسه، فلا يلغي شخصية التلميذ إذ يلزمه بالحفظ والنقل والتقليد. فذلك أنسب مع الهدف الأسمى الذي آمن به السكاكيني، ألا وهو خلق متعلم مستقل قادر على مواجهة مشكلات الحياة ومعضلاتها."... إفهموا التلميذ، إنه من الهيئة الاجتماعية وإنه شيء له قيمته ومكانته. أيها المدرس احترم التلميذ ناده يا سيد، إياك أن تجعله يقف أمامك وقفة الخاضع الضعيف، أشعر التلميذ بأنك عادل، وانفخ فيه من روح الرجولة ما يجعله عاملا في المستقبل، ليست وظيفتك أيها المعلم أن تخرج للأمة دراويش مطأطئي الرؤوس! إياك أن تكون شديد المراقبة على التلميذ، أشعر بأنك تثق به وبشرفه. غض الطرف إن ظهر منه أي شيء! لا تقل له أنت كاذب، صدقه ولو كان كاذبا"( خليل السكاكيني بين الوفاء والذكرى ، مداخلة محمد حبيب الله،ص82.)
سعى السكاكيني إلى تجذير احترام الطفل في العملية التربوية الفلسطينية، لا يضرب ولا يهان. مارس التعليم تحدوه الرغبة في توظيفه لمصلحة تثوير الحياة لا مجرد تنويرها. فرصد نماذج للتعليم تعوّد الأجيال على الخنوع، وتستنسخ شخصياتهم واستبدادهم، فأشغل ذهنه بنموذج مغاير يدرب الأجيال منذ الصغر على ممارسة الحرية والحوار، يفتح وعي المتعلم على بؤسه وقضايا وطنه، يربط الذاكرة التاريخية، ويغرس في الأجيال نزعة التمرد على البؤس والاهتمام بمشاكل الوطن وهمومه وتاريخه. "هناك مبدأ طالما دعوت إليه وبشرت به، وإني لأفخر باني أول من دعا إليه وبشر به في هذه البلاد، اجتهادا مني لا نقلا عن أحد، وهو تحرير التلميذ وإحسان معاملته... لست أعني أنها(المدرسة) تهيئ طلابها لأن يكونوا أحرارا في المستقبل، لكنها تريدهم أن يكونوا أحرارا منذ اليوم، وإذا لم يكونوا أحرارأ منذ اليوم فلن يكونوا أحرارأ إلى الأبد ... عبودية المدرسة في الحاضر تصادر المستقبل قبل أن يأتي.... رأيت الجندي يخاف الضابط. والجندي الذي إن رأى ضابطه توقع لطمة إنما هو وليد المدرسة التقليدية"( نقله فيصل دراج، المثقف الحديث وصعوبات البحث عن الارتقاء، الكرمل، عدد 57، خريف 1998. )
.
المدرسة الحديثة لا تطبّع مع التقاليد والتخلف والمحافظة، ولا تهادن امتهان الإنسان واستلابه وقهره. و"المدرسة تخلق تلميذها الوطني حين تجعله يرى قضايا وطنه المشخصة وتحضه على أن يبحث لها عن حلول. تغتني الهوية الفلسطينية من خلال الاطلاع على القضايا التي تنمي في الإنسان حسه الإنساني، كي يكون مواطنا وتربط التعليم بالحاجات وتجعله يحاور قضايا الإنسان اليومية...لا يكون الإنسان إنسانا ما لم يكن مثقفا، أي إذا امتلك وعيا يبين له البؤس الذي هو فيه"(- المصدر السابق)
إذا أقرت البشرية التقدمية في نهاية القرن العشرين للعالم التربوي باولو فريري، من أميركا اللاتينية بالفضل في استحداث نهج " تعليم المقهورين" فقد استحدث خليل السكاكيني بهدوء في أوائل القرن مبدأ المدرسة الوطنية ونظام التعليم من أجل التحرر الإنساني والوطني. ولهذا وغيره اتفق الجميع على أن السكاكيني ظُلِم وأغمض حقه. أشار الباحث الفلسطيني الدكتور أنيس الصايغ في مقدمة كتاب "خليل السكاكيني" للدكتور يوسف حداد إلي الغبن الذي لحق بالرجل من جراء تجاهله أو الجهل به، عربياً وعالمياً.
يسند للتربية مهمة إنجاز التغيير التقدمي، وبات يطرح على عاتق المدرسة والجامعة توظيف العملية التربوية في تنوير عملية التغيير الديمقراطي، بحيث تغدو العملية التربوية إحدى العتلات الأساس لإحداث التغيير الاجتماعي. لا يقتصر الأمر على تدريس العلوم. فعلى سبيل المثال عندما يدرس التاريخ تتابع عهود حكام أو"إنجازات" أسر حاكمة تنغرس في أذهان الناشئة والأجيال مسلّمة توهم أن الفرد يملك قوة الحسم في التاريخ، وأن الحكام هم أصحاب الفضل بناة الحضارات، ومن حقهم لذلك الاستئثار بالثروات الوطنية، ومن واجب الجماهير الولاء لهم بالطاعة. بالمقابل يتولد انطباع نقيض حين تقدم مظاهر العمران والحضارات حصيلة جهد المنتجين ممن يحركون عجلة الإنتاج ويطورون القوى المنتجة حيث يتطور العلم والمعرفة وتزدهر القيم الروحية وتتحقق القوة المادية. حينذاك تنغرس مسلّمة أن عمل الكادحين وتطوير القوى المنتجة البشرية والمادية، هو القوة الدافعة للتحولات الاجتماعية. في العصور القديمة سيطر الحكام على مجمل الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية، فحافظوا على شمولية الحكم. وفي العصر الحديث احتفظ الحكم بالسيطرة على شئون التربية والإعلام وسخرهما لتعزيز المحافظة الفكرية والسياسية والثقافية. وظف الحكم العملية التربوية من أجل إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة، وفي سبيل تثبيت وترسيخ قيم العصر الوسيط في الوعي الاجتماعي.
في عصر العولمة يسند للجامعة دور مواجهة التحدي. يؤكد الدكتور حامد عمار في دراسته التربوية"التعليم والثقافة في تحدي العولمة"(القاهرة 2006) "في ظروف العولمة غدا التعليم الجامعي عاملاً في تكوين المواطنة وإعداد القوة البشرية. بينما يشهد حاضرنا هجرة جماعية للعقول طلباً لمداخيل أعلى وأكثر ديمومة". ثم يمضي إلى القول " وإلى جانب التوسع الأفقي ينبغي التركيز على التحول النوعي للدراسة الجامعية للتركيز على البحث العلمي وإنتاج المعرفة. وهذا يفرض ضرورة التغيير في الأنظمة المالية والإدارية باتجاه المزيد من الاستقلالية، وتوسيع مواقع اتخاذ القرار. كما يتوجب التركيز على تكوين الذهنية العلمية بمقوماتها في التوجه النقدي والتجريبي والتحليل والتركيب والمنطق والبناء والتأمل والتقييم والإبداع، وكلها مقومات المنهجية العلمية. و" تنطوي المنهجية العلمية على الاهتمام بمناهج التشابك والرؤية المنظومية والعلاقات الدينامية والتفاعلية لدى دراسة الموضوعات ".
في ضوء هذه الوظيفة السياسية بامتياز بات موضع اتفاق بين المثقفين الوطنيين على أن إعادة صياغة المنظومة التعليمية يشكل إحدى ضرورات الأمن القومي، الاجتماعي والاقتصادي. وبذا لم تعد قضايا التربية حصرا مهمة التربويين وحدهم، إذ النظام التعليمي " أوسع فضاء اجتماعي للتنافس والصراع بين القوى الاجتماعية "، على حد تعبير الدكتور حامد عمار. كذلك، وحيث أن النظام التعليمي رصيد للمجتمع فلا يجوز أن يترك أمر تنظيمه أو إصلاحه لحركة السوق وحدها. وضمن هذا السياق يغدو إنتاج العلم والتقاني جزءاً عضويا من وظيفة الجامعة. وهذا ما تحْجم عنه الجامعات الخاصة لأنها تجارية. كما تقضي النظريات التربوية الحديثة التركيز على وظائف الاختيار الحر والنقد والإبداع للعملية التعليمية منذ الصغر. ويظل السعي لتأكيد ملامح النقد والإبداع وتربية الشخصية المستقلة المبادرة في العملية التربوية مطالب جوهرية في التجديد التربوي. إشاعة الديمقراطية وتنمية طاقات الأفراد وتسريع التنمية الاقتصادية عملية موحدة عضويا و تستهل بتغيير أسلوب تربية الطفل. المنهجية العلمية بأوسع رحابها تقارب العملية التعليمية من مكتشفات علم الأعصاب وعمل الدماغ وآلية النفسية الاجتماعية كما تغلغل في تخومها علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التربوي وشتى علوم الطبيعة والمجتمع. إن تكوين المنهج العلمي في عملية التعليم والتعلم أهم من اكتساب المعلومات ذاتها، حيث المنتج النهائي للعملية هو القدرة على الوصول إلى مصادر المعلومات وإعمال الفكر فيها وتوظيفها بالشكل الأمثل في حل المشكلات أو إنتاج معارف جديدة

1- القاعدة الذهبية لعملية التربية تستند إلى قناعة علمية بأن كل طالب لديه القابلية للتعلم. وبات مستهجنا القول أن طالبا يعتبر الرياضيات مادة صعبة ، وأن اللغة عصية على الفهم. فقد طور اليابانيون أساليب متبعة في الإفهام والتدريب والفهم. والمثابرة ضرورية لدى كل من المعلم والمتعلم في تلمس الطرق والوسائل لبلوغ المستوى المطلوب. والمطلوب في جميع الحالات استخدام وسائل التعليم المناسبة والتبسيط والتدرج في معالجة الضعف والقصور. هذا إلى جانب الصبر والأناة والإصرار .
2- كما أن القول بمحدودية الذكاء، وتوقف نموه أو اقتصاره على بعد واحد هي من مخلفات نظريات التعلـّم التي أفرزها العصر الصناعي والطبقي والاستعماري العنصري في الغرب. وهي للأسف مسيطرة على فكر المدرســـة والجامعة في بــــلاد العــــرب، مع أن البحوث والدراسات الجــــــديدة تثـــبت أن الذكـــــاء متعدد الأوجه Multiple Intelligence Theory ، وأن المخ ينمو ويزداد وزنه وحجمه وتزداد عدد التشابكات العصبية فيه كلما اكتسب المرء الحرية والثقافة الغنية. ويترتب على هذه الحقيقة العلمية أن نظام التعليم العربي الذي يعتمد الفرضية الرجعية المشار إليها آنفا يهدر المواهب والقدرات والقابليـــــات الكثيرة في النـــــشء.
3- الثقة قاعدة تربوية تنطوي على أهمية بالغة لمواصلة النمو في العملية التعليمية. ثقة المعلم بنفسه وبالطالب، وثقة الطالب بالمعلم وبنفسه، وثقة الطرفين بالقدرة على النمو المعرفي من خلال التعاون المتبادل والعقلية النقدية. العقلية النقدية تربي الشخصية المستقلة، بعكس التعليم التلقيني يربي الشخصية التابعة والمستلبة. العقلية النقدية نهضت على أنقاض البلادة الفكرية والنقل الاتباعي. فهي لا تأخذ أي شيء على علاته‏,‏ وإنما تبحث وتدرس وتقارن وتختار ما يلائمها‏,‏ وترفض ما لا يتفق مع خصوصياتها الحضارية والدينية‏.‏ وكان الفيلسوف العربي ابن رشد قد تميز بموقفه النقدي من الأشياء وعنه اخذ غاليليو منهج النقد. فقد قرر أن الاطلاع علي ما لدى الآخرين يعد واجبا شرعيا‏,‏ ثم أضاف قائلا‏:‏ "ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم‏,‏ فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه‏,‏ وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم‏.‏" إن رفض الأخر بصورة إطلاقية لا يعني استقلالية الشخصية، حتى ولا استقلالية الفكر.

4- ضرورة إسناد عملية التعليم على قاعدة الأسلوب الحواري حيث نكتشف مواضع الغموض من خلال الحوار والإضافة لما قدمه المدرس. وقد تأكدت هذه الحقيقة على يد الفيلسوف والفقيه أبو حيان التوحيدي، إذ قال: بالحوار تتقادح النفوس وتتلاقح العقول وتتفاتح الألسنة. من الضروري الإقلاع نهائيا عن أساليب التلقين وتربية الحافظة، والحرص بدل ذلك على تربية ملكة التفكير والإبداع وروح المبادرة والنقد. وعلى المدرس أن يعرف أن ما يقدمه من معرفة لا يستوعبه الطلبة ينفس المستوى، وإنما يتفاعل مع الخبرة المكتسبة سابقاً لكل طالب. وهنا تبرز أهمية أن يناقش المدرس ويشجع على الحوار ويعطي الطلبة الفرصة لعرض خبراتهم وأن يتفهم المدرس أخطاء الطالب ويستقبلها بروح التسامح.
كما يساعد على تنشيط الإبداع تنوع المدارس الفكرية في الرؤى المعرفية والمقارنات المنهجية. ومن شأن التعددية الفكرية أن تفسح مجالا لإثراء المعرفة والتعليم، ويدرك الطالب أن ليس هناك نص وحيد للمعرفة مطلقا وقطعيا، وأن ثمة هناك وجهات نظر في تفسير الحقائق وتوظيفها. وبهذا أيضا تتولد المرونة الذهنية والانفتاح العقلي للمتغيرات والتحولات والاجتهادات. وهذا يحول الجامعة إلى ملاذ ديمقراطي تتفاعل داخله الرؤى ومختلف الوحدات داخل الجامعة حول محور الكفاءة العلمية والإنتاج العلمي المتجدد. ويفترض في الطالب قدرة الفرز والإدراك والنقد والانتقاء، والتحسب والبصيرة في التعامل مع المعلومات من أجل توظيفها في عمليات التعليم والبحث.

5- استخدام المعلم لكل الطرق الجاذبة للاهتمام وان يقف وسطا بين التجهم والتبذل ويكون صديقا للطلبة، لطيفاً معهم، لا قاهرا لهم. تدعو نظرية باولو فريري التربوية" تعليم المقهورين" إلى أن هناك تعليم للمقهورين كي يتحرروا أو تعليم من أجل القهر. التعليم للقهر تتجلى وسائله في القهر من خلال عملياته كافة، وفي المناهج والمدرسة والعلاقة بين المدرس والتلميذ وفي عمليات الامتحان وفي بيروقراطية الإدارة والكتب المدرسية، وفي نظام توزيع الطلبة على مختلف التخصصات وفي تدني قيمة التربية الفنية وفي أساليب العقاب والثواب، وبالدرجة الأولى في اقتصار التعليم على التلقين وإجهاض ملكات التفكير المبدع والخيال الحي. وكل ذلك من شأنه تهيئة الأجيال لتقبل استبداد الحكم وتسلط البيروقراطية.
6- ومن قواعد التعليم اتباع النظام والتنظيم الجماعي في التعليم. والتعليم في الأقطار العربية فردي تنافسي، وينبغي أن يقوم على أسس التعاون وروح الفريق وجماعية الأداء، ذلك أن الأنشطة الإنسانية المختلفة تنجز بكيفية أفضل إذا قامت على التعاون وعمل الفريق. ويعني هذا التعويد على قواعد السلوك الجماعي والالتزام بها دون تمييز بين الطلبة. تناول أخطاء الطلبة بالأناة المطلوبة وتدابير الوقائية العلاجية غير العقابية. داخل المدرسة والصف قد تبرز حالات احتقان لدى طالب او أكثر، والعنف الكلامي او المادي يؤدي إلى نتيجة عكسية تزيد السلوك العدواني كبتا فانفجارا.

7- جماعية التعليم والتدريب والمعايشة قضية هامة في التربية. في مرحلة الطفولة تراعى مهمة التنمية المتكاملة لمختلف طاقات الطفل البشرية، البدنية والعقلية والاجتماعية والروحية والجمالية والمهارية. ولعل المحصلة النهائية لكل عمليات التعليم ومضامينها هي "ما يترسب في عقل المتعلم ووجدانه وسلوكه من توافر ديناميات الحركة في مجتمعه مؤثرا ومتأثرا فاعلا ومنفعلا، مرسلا ومستقبلا، مكيفا ومتكيفا، معطيا وآخذا، مبدعا ا وناقدا" حسب تعبير الدكتور عمار. تنطوي على أهمية تربوية عظيمة تنسيق العلاقة بين الفرد والمجتمع. عملية النضج والتناسق في مركب الذات / الغير في بناء الشخصية من أهم مقومات التربية المدنية بغية تحقيق التماسك المدني. باختصار يظل الهدف تنمية الإنسان الكلي المركب بكل قدراته وإمكانياته.
الطفل يعرف العالم من خلال ذاته. لكنه يكبر وينفتح على العالم من حوله. إن تكوين الثقافة الأساسية المشتركة وتنمية مشاعر الانتماء وسلوكياته إنما تبدأ من التنشئة الأولى للطفل في الأسرة، ويجري ذلك من خلال التجربة المباشرة. وتتسع دوائر الثقافة المشتركة حين يمتد تعامل الطفل مع الأقران والأنداد موصولة في مراحل تالية من خلال مؤسسة التعليم والنادي ومؤسسات العبادة. خلال هذه التجارب قد يتولد لدى الفرد مع استيعاب الرموز والمؤشرات الثقافية قدرات على النقد والتغيير. تتسع محاور نمو قدراته الذهنية والوجدانية والبدنية، وتظل القدوة والواقع العياني والفعل الممارس والخبرة المكتسبة أقوى أثرا في الفرد. اما في حالة التثبت النفسي الذي يجد فيه الفرد طمأنينته في الوحدات الاجتماعية الضيقة فقد يضعف الانتماء لوحدات أوسع مثل الوطن والعروبة أو معاني الإنسانية الشاملة.
وفي حال التشبث الطفولي في التمحور حول الذات (التثبت النفسي Psychological Fixation)، وهي نتاج التفاعل مع ظروف أسرية وغيرها من المؤسسات والمواقف الحياتية، يعتريه موقف انا طاغية تتجه به للانعزال عن المجتمع. وإذا غدا التثبت حول الذات ظاهرة في المجتمع تتسرب التشوهات داخله وتهتز قيم التماسك والتكافل الاجتماعي ويتنامى عدم الاكتراث بما يحدث خارج الفضاء الذاتي، و تشيع عادة "يصطفلو".
8- العملية التربوية تتطور وتغتني بالخبرات ونتائج البحوث وتقنيات التعليم. وعلى المدرس مواكبة التطور ومواصلة القراءة. كما ينبغي تحفيز المعلمين والموجهين على تقويم المقررات الدراسية في مختلف المواد ورفع النتائج إلى المراجع العليا.
9- تتكامل قضية تربية الطفل بمحتوى اللغة. وقد تناول الدكتور شكري عياد في كتابه " "مدارس بلا تعليم وتعليم بلا مدارس" مشكلة تعليم اللغة الأم. ويشير إلى أن الطفل في المدرسة الابتدائية يستمتع برموز اللغة. ويفضل هذا الباحث الانتقال التدريجي بالطفل من اللغة المحكية (العامية) إلى اللغة الثقافية، وذلك بإحلال كلمة "ثقافية" بدل كلمة محكية، ثم جملة بدل جملة أو صيغة محل صيغة أو تركيب محل تركيب، مع تأكيد أولوية القراءة على السماع. لكن الاقتصار على كتاب واحد في القراءة يؤدي إلى هبوط مستوى الإتقان والاستمتاع بمهارات اللغة، إذ يجب إضافة منوعات الأناشيد والأشعار والآيات القرآنية والأحادبث. إن عشق القراءة وتكوين الإنسان القارئ فيما بعد لا يتحقق إلا من خلال توفير كتب وقصص متنوعة وممتعة، ومناسبة لسن التلميذ. وفي هذه السن تغرس بذور هواية القراءة التي يكون لها مردود مباشر وغير مباشر على سلامة التفكير والتعبير كتابة ومحادثة. ويرى الدكتور عياد أن "النحو والإعراب مهما يسرناه او أكثرنا من التدريب عليه فالنشاط اللغوي العملي أهم منه". وفي هذا الاتجاه أشار السكاكيني. فقد نصح بالتخلي عن تعليم القواعد جافة منزوعة من النصوص؛ وألح على أسلوب تحفيظ النصوص المتضمنة للمبادئ النحوية. ويعود الدكتور شكري عياد ليؤكد، في أكثر من موضع، النشاط اللغوي العملي تعبيراً في تصوير موقف للمحادثة بين الطلاب، او عن طريق التمثيل والخطابة والمناظرة، أو في العمل المشترك لإصدار صحيفة حائط. وهذه النشاطات تمارس في حصص تعليم اللغة ولا تقتصر على ما يعرف بالنشاط المدرسي. وينصح المؤلف أن تشمل كتب المطالعة موضوعات علمية لكي تظل اللغة العربية لغة ثقافية حية، إذ أن حاجة مجتمعنا إلى العلوم الطبيعية والبيولوجية لا تقل عن حاجتها إلى العلوم الإنسانية. وكلا المجالين يدخل في صياغة النظرة العلمية التي تشكل روح الثقافة والتاريخ العربي الحديث شاهد على تزاوج الأدب والعلم، وعلى إغناء الثقافة الوطنية بالترجمات عن اللغات الحية.
10- غدت مهمة التربية تكوين عقل متجدد نحو تنظيم مجتمع متجدد في عالم متجدد. وأهم الوسائل لتحقيق الهدف هي مؤسسات التعليم والثقافة، ويمكن اختزالها في تنمية التفكير العلمي ومناعة الهوية الثقافية. التعليم والثقافة عنصران مهمان في التنمية البشرية وهما من أهم عناصرها. إن بناء البشر وإنضاج قدراتهم المختلفة هو معيار البقاء والنماء متغلبا على الثروات المطمورة وقوة السلاح. وفي قلب التغيرات الثورية في مجال العلم والتقاني يكمن دور المعرفة العلمية والتطبيقية في حياة الناس والمجتمع. وغدا إنتاج المعرفة من البحث العلمي والتكنولوجي من أعلى الأنشطة الإنسانية تكلفة، كما أن توظيفها في قطاعات إنتاج السلع والخدمات قد أصبح أكثر عوامل الإنتاج عائداً.
لا أود مغادرة موضوع التربية دون تقديم واحد من أكثر العقول التربوية وأجرأها ممن مدوا إلى أوسع مدى الرسالة التحريرية للتربية. إنه الفيلسوف من أمريكا اللاتينية باولو فريري، الذي تدين لأفكاره التربوية النهضة السياسية والاجتماعية الراهنة التي تجتاح القارة .

اعتبره النقاد أهم مفكر تربوي في القرن العشرين "لما لكتاباته من أثر في حقبتنا المعاصرة". إن فلسفته إنسانية، نظرا لانطلاقها من ضرورة تحرير إرادة الإنسان، وأساس ذلك مكافحة موات الصمت المفروض من قبل أنظمة القهر. وفلسفة فريري التربوية هي،ثانياً، فلسفة الديمقراطية لأنها تعتمد على الحوار في توعية المقهورين من خلال التعليم وتشدد على ضرورة مساهمتهم في صنع القرار, وهي، ثالثا، فلسفة التغيير التقدمي، تفعل في الواقع لتحركه وتغير بنيته الاجتماعية.

ترسخ لدى فريري أن الديمقراطية مؤسسات ومشاركة جماهيرية يطلق حركتها تعليم يشحذ الوعي بذوات المقهورين، ويكسبهم القدرة على الفعل والتأثير. وبذلك تشابكت أفكاره التربوية بالعمل السياسي، واعتبر التعليم وجهاً آخر للسياسة. وكان لا بد أن تضعه محاولاته لتبديد ثقافة الصمت والأسطورة والجبرية التي أكسبته تعلق الفلاحين علي القائمة السوداء للعسكريين الذين وصلوا الحكم بانقلاب دموي عام 1964. سجن واتهم بنشر أفكار " خائنة للمسيح وللشعب البرازيلي فضلاً عن كونه جاهلاً وأميا". وفي السجن شرع يحرر أحد كتبه " التعليم كمنهج لممارسة الحرية"، وفيه طرح أسلوب التعليم المؤدي إلى تحرير الإنسان وتغيير أوضاعه.
ومن أجل تحرير فئات المقهورين من ثقافة الصمت والاغتراب أعطى فريري للمقهورين حق الثورة والعنف بمختلف الوسائل، لكنه تراجع ليركز على النشاط الإنساني السلمي. ذلك أن القهر يرسب في ضحاياه ازدواجية تتأرجح بين الاستئناس والإذعان للقهر وبين غليان وانفجار، فليس من سبيل للخلاص من هذه الازدواجية غير إثارة الوعي لدى المقهورين وتنظيمهم للعمل الديمقراطي السياسي.
وفي كتابه " تعليم من اجل الأمل" رفع راية العلم والتربية بوجه تيار الفساد والجريمة المنظمة والجشع والضياع الذي يكاد طوفانه يغمر البشرية. والإنسان المحاصر بتلاوين الظلم والقهر والتهميش بحاجة دفقات من الأمل ، كي يقهر بالنقد والوعي الظلام المدلهم تحت وطاة القهر والتجويع والحروب العدوانية.
أكد فريري أن التعليم عمل سياسي بامتياز، إما أن يكرس لإعادة إنتاج الوضع القائم أو يعمل على تغييره.







الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,618,166
- اكتوبر شمس لا تغيب - مبادئ أكتوبر شبكة الإنقاذ من وحشية العو ...
- التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية حلقة2
- التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية
- دلالات سياسية لتقرير فينوغراد
- إسرائيل لا تتازم وخياراتها مفتوحة
- غطاء لجرائم الحرب بتفويض أمريكي
- مشاكل التقدم في المجتمعات التابعة
- حكم الشوكة والأمن القومي
- صوت التوحش المتقحم من أدغال الليبرالية الجديدة
- هل تدشن زيارة بوش مرحلة تفكيك المستوطنات؟
- فهلوة مرتجلة
- جردة حساب عام ينقضي
- بؤرة التخلف الاجتماعي
- العجز عن الارتقاء
- منبرللتنوير والديمقراطية ومناهضة العولمة
- إشهار أخلاقية النضال التحرري وتحديث الحياة العربية
- أخلاقية النضال التحرري وتحديث الحياة العربية
- بعض ظاهرات الإعاقة في الحياة العربية
- إسرائيل : وقائع التاريخ تنقض الإيديولوجيا
- نظام شمولي محكم يسود الولايات المتحدة الأمريكية


المزيد.....




- استقالة الحكومة في مالي
- الجيش الليبي يرسل تعزيزات عسكرية جديدة إلى غربي البلاد
- بومبيو يلتقي نظيره الإماراتي
- ليبيا: فايز السراج رئيس الحكومة المعترف بها يدين -صمت- الحلف ...
- سيناريوهات معركة طرابلس.. حسم أم تسوية أم استمرار للصراع؟
- الدعاية الإعلامية.. الوجه الآخر لحرب حفتر على طرابلس
- مؤسسات دولية تدعو لإنشاء مرصد لمراقبة تطبيق القانون الدولي
- اشتباكات عنيفة في مدينة غريان بين قوات الجيش الليبي وعناصر ت ...
- -أنا مسلم.. أنا مارينز-
- نوتردام.. كاميرا قد تكشف سبب الحريق


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين
- لدليل الإرشادي لتطبيق الخطط الإستراتيجية والتشغيلية في الج ... / حسين سالم مرجين - مصباح سالم العماري-عادل محمد الشركسي- محمد منصور الزناتي
- ثقافة التلاص: ذ.محمد بوبكري ومنابع سرقاته. / سعيدي المولودي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - سعيد مضيه - التعليم قد يؤدي دور أداة التقدم والديمقراطية 3من 3