أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم حسين صالح - المجتمع العراقي.. والكارثة الخفية















المزيد.....

المجتمع العراقي.. والكارثة الخفية


قاسم حسين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 1988 - 2007 / 7 / 26 - 11:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


* رأي استباقي بمسألة فيها نظر.
استبق الموضوع بشيء من نهايته فأقول :
إن المجتمع العراقي يختلف عن المجتمعات الأخرى بأنه شعب منتج لأصناف متضادة من البشر بمواصفات عالية الجودة .
فنحن منتجون لمبدعين ومفكرين وشعراء ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع ، وبالقابل نحن منتجون لقتلة ورعاع وغوغاء بمواصفات " عالية الجودة "، ولكم أن تستشهدوا بقتلة العائلة المالكة عام 58 والطواف بكفوف أيديهم في حشود هائجة بهستيريا الفاقدين لوعيهم الإنساني ، وقتلة عبد الكريم قاسم والشيوعيين والوطنيين وإذابتهم أحياء بالتيزاب عام 63، وقتلة البعثيين ووضع إطارات السيارات برقابهم وحرقهم وهم أحياء عام 91.
ونحن منتجون للطغاة .. نرفعهم الى السماء حين يكونون في السلطة ونمسح بهم الأرض حين يسقطون ، وبالقابل نحن منتجون لأبطال تشوى أجسادهم بالنار وما يتنازلون عن مبادئهم .
ونحن منتجون لمن يفلقون رؤوسهم بالحراب من أجل التاريخ والموت فداء لمن ماتوا ، ومنتجون لمعتقدين عن يقين بأن تاريخهم مزوّر وأسود ومعرقل للتقدم يجب غلق غلافه الأخير.
ونحن منتجون لمن يعرفون بالغيرة العراقية والأنفة ، ومنتجون أيضا لناهبين من طراز رذيل ، ولا أرذل من سلوك ينهب الناس فيه وطنهم ، حتى صيروا الفرهود شطارة يتسابقون إليه حيثما حلّت بالوطن محنة .
وعلى هذا الإيقاع الثنائي لك أن تضيف ما تشاء من المتضادات التي يكاد ينفرد بها الشعب العراقي عن باقي الشعوب من حيث مواصفاتها "عالية الجودة ".
* شارحة ..لمدخل
نرى ، نحن المعنيين بالعلوم الاجتماعية والنفسية ،أنه توجد في داخل كل إنسان " منظومة قيم " هي التي تحرّك سلوك الفرد وتوجهه نحو أهداف محددة بطريقة تشبه ما يفعله " الداينمو " بالسيارة . فكما أنك ترى السيارة تتحرك (وحركتها سلوك ) ولا ترى الذي حرّكها " الداينمو " كذلك فأنت لا ترى " المنظومة القيمية " التي تحّرك سلوك الفرد . وهذا يعني أن اختلاف الناس : ( رجل الدين عن رجل السياسة عن رجل الاقتصاد عن الفنان عن المنحرف عن الإرهابي ...) يعود إلى أن المنظومة القيمية تكون مختلفة لديهم نوعيا وكميا وتراتبيا وتفاعليا . فالمثقف – في سبيل المثال – تكون منظومته القيمية حضارية النوع غزيرة الكم متراتبة منطقيا وهارمونيا ومتفاعلة بانفتاح مرن ، فيما تكون المنظومة القيمية لدى المتعصب " لقومية ، مذهب ، معتقد .." تقليدية ومحدودة ومرصوفة ومتلاصقة وصلدة . والاختلاف بين الناس في منظوماتهم القيمية أحد ثلاثة أسباب رئيسة تؤدي إلى الاحتراب بين أفراد المجتمع الواحد . ومع أن تخلخل المنظومات القيمية لدى الناس وتهرؤ النسيج الأخلاقي للمجتمع قضية أخطر حتى من دمار وطن فإننا ، الحكومة والبرلمان ونحن ، لا نوليها من الاهتمام قدر اهتمامنا بالقضايا السياسية .
· إضاءة ..من عالم كبير
في كتابه الذائع الصيت " To Have or to Be " شخّص عالم النفس والناقد الاجتماعي الكبير " ايرك فروم " وضع الإنسان بأنه تحول إلى سلعة تحكمه قوانين العرض والطلب والبيع والشراء . وكان يقصد بذلك الإنسان في الدول الصناعية الكبرى ، وفي أمريكا تحديدا . وطرح في ذلك الوقت " نهاية سبعينات القرن الماضي " مفهوم ( الشخصية التسويقية ) ووصفها بأنها تقوم على ممارسة الشخص لذاته بوصفه سلعة ، ولقيمته " قيمة تبادلية " وليس " انتفاعية ". وأن الكائن البشري أصبح سلعة في " سوق الشخصيات " وأن معايير التقويم في هذا السوق لا تختلف عن نظيرتها في سوق السلع، في واحدة تعرض السلع للبيع وفي الأخرى تعرض الشخصيات للبيع أيضا . وصار نجاح الفرد متوقفا على كيفية عرضه لشخصيته بشكل يؤمّن له " صفة " مقبولة ، وأن يكون لا كما يريد هو أن يكون بل كما يريد له المشتري أن يكون حتى لو اقتضى الأمر أن يتجرّد من قيمه الإنسانية.
استنتاجات
في ضوء هذا التشريح العلمي نستنج الآتي :
· إن طبيعة الظروف الاجتماعية لها الدور الرئيس في تشكيل المنظومة القيمية للفرد.
· إن غالبية أفراد المجتمع تضطرها ظروفها إلى أن يتحولوا إلى " سلع " بحسب قوانين العرض والطلب .
· تتباين المنظومات القيمية للأفراد بتباين الظروف والضغوط في مجتمعاتهم .
· إن إعادة اعمار المنظومات القيمية للناس :" الأخلاق ، الضمير ، الجيره..." أصعب من إعادة اعمار وطن ، لاسيما إذا أنتهكت في المجتمع قيمتا ( الحياة والملكية ).

الكارثة الخفية
تتوافر الآن عوامل الكارثة الخفية في المجتمع العراقي ، نحدد أهمها بالآتي :
أولا / إن أكثر من 50% من أفراد المجتمع العراقي ولدوا في حرب ونشئوا في حرب ويعيشون الآن أكثر من حرب . هذا يعني أن جيل الشباب بعمر 35 سنة فما دون يمتلك منظومات قيمية تختلف عن المنظومات القيمية لجيل الكبار . وأن الحروب (التي بطبيعتها تخلخل القيم وتفسدها خاصة إذا كانت طويلة ومتلاحقة وكارثية ) والفقر والشعور بضياع العمر واليأس من المستقبل والخوف من المجهول ، شكّلت لديهم شبكة منظومات تتصدرها قيم الصراع من أجل البقاء والأنانية وتحليل ما يعد ّحراما أو غير مقبول في المعيار الأخلاقي للمجتمع العراقي . والذي يرجّح اكتمال الكارثة أن جيل الشباب قوة تتنامى حجما وفاعلية فيما جيل الكبار قوة تتآكل حجما وينحسر تأثيرها بتقدم الزمن .
ثانيا / أحدث النظام السابق تخلخلا كبيرا في تركيبة المجتمع العراقي بأن أعاد توزيع الثروة وخلق تباينا حادا بين طبقتين : أقلية غنية مستحدثة وفقيرة كبيرة ابتلعت الطبقة الوسطى بكل مثقفيها وموظفيها بمن فيهم أساتذة الجامعة . ففي دراسة ميدانية لكاتب هذا الموضوع أجراها عام 1997 تبين منها أن مكانة الأستاذ الجامعي التي تحتل المرتبة الرابعة في قمة الهرم الاقتصادي للمجتمع العراقي ( مع الطبيب والتاجر والمهندس ) تراجعت إلى المرتبة الرابعة والعشرين بعد مصلّح الراديو والتلفزيون! وجاء المعلّم بعد الحمّال في رتبته بالهرم الاقتصادي ! ومعروف أن التخلخل في الهرم الاقتصادي للمجتمع يفضي إلى تخلل في منظوماته القيمية .
ويحدث ألان ما يباعد أكثر في التباين الاقتصادي ، فمعظم التجار ورجال الأعمال اضطروا إلى أن يهاجروا أو يوقفوا أعمالهم بعد انهيار الصناعة العراقية ، وهجر البلد أكثر من أربعة ملايين ، وهجّر في داخله قرابة المليون.ومع أن رواتب الموظفين تحسنت بعد التغيير وانعكست إيجابيا" على وضعهم الاقتصادي ولكن ما حدث في السنتين الأخيرتين أنهم " أكلوا " الإيجابي ولم يعدهم إلى طبقتهم الوسطى " .
مقابل هذا ظهرت فئة قليلة مستحدثة أيضا تتجه نحو الثراء بشهية مفتوحة ممثلة بالحكومة وأعضاء البرلمان الذين وعدوا الفقراء بالرفاهية فزادوهم فقرا". فراتب رئيس البرلمان مثلا" أكثر من ستين مليون دينار بالشهر فيما المهجّرون لا يجدون قوت يومهم وقسم منهم ينامون مع أطفالهم في الحدائق العامة في حرّ تموز وآب اللهاب . وصار عدد الأرامل والأيتام والجياع والثكالى والمهاجرين أكثر بأضعاف مما كانوا عليه في حروب صدام وحصاره . ومع ذلك تجد السياسيين من المعممين والافندية يتباهون بان الخلاص من الدكتاتورية لا يساويه ثمن حتى لو دمّرت بغداد وصار الوطن كله يتحنى بدماء أبناءه كل يوم ولأجل غير مسمى . وإذا صار معظم من يفترض فيهم أنهم القدوة والنخبة " بعمامة أو بدونها " منافقين .. اعني يمتدحون الواقع المعاش مع أن كل ما فيه كارثة ، فأن النفاق بأصوله ومشتقاته سيكون قيمة مشاعة التداول بين الناس ، بل أنه صار أمرا" عاديا" كما السرقة والاختلاس!.
ثالثا / إن الذين بيدهم أمور الناس يمتلكون منظومات قيمية فيها من عوامل التضاد والتناشز أكثر مما فيها من عوامل التماثل والانسجام . ولهذا تأثيران سلبيان خطيران ، الأول: تفكيك المجتمع في استقطابات من القيم المتصلبة ، والثاني : اضطرار الفرد إلى أن يعرض نفسه سلعة في سوق السياسة الذي يجبره على التخلي عن قيمه الإنسانية والعمل بما يأمره به مصدره السياسي .
رابعا"/ إن الوضع العام بالعراق طارد للذين يمتلكون منظومات قيمية صحية ، بخاصة العلماء والمفكرين والمتدينيّن المتنورين والمثقفين والفنانين . وهذا يعني أن صراع القيم بالمجتمع العراقي سيكون بين المنظومات القيمية التي تؤكد على حاجات البقاء والاحتماء والمصالح البراجماتية والقيم الأنانية على حساب القيم الأخلاقية والإنسانية الرفيعة .
خامسا / إن العراق واقع تحت الاحتلال الأمريكي ، وأن جورج بوش الأب كان قد قال في أوائل التسعينات : " إن القرن القادم ( يقصد الحالي ) ينبغي له أن يكون أمريكيا ". وقبله قال الرئيس نيكسون :" يجب على أمريكا أن تقود العالم ". وهو امتداد لقول الرئيس روزفلت في الأربعينيات :" إن قدرنا هو أمركة العالم ". ولست معنيا هنا بالأمر السياسي للاحتلال إنما بالمجال الأخلاقي والقيمي ،لأنني أرى أن الأمراض النفسية والاختلال في القيم والأخلاق التي شخّصها فروم في المجتمع الأمريكي انتقلت إلى المجتمع العراقي بعد أن صارت النوايا التي لمّح أو صرّح بها الزعماء الأمريكيون السابقون حقائق واقعة في العراق ، فضلا عن أن الاحتلال هو بحد ذاته كارثة أخلاقية .
سادسا/ أن العراق سيكون بوابة الشرق الأوسط الأوسع للعولمة وآلية جديدة للتصرف بثروات الشعوب، النفط والغاز. ولست معنيا" هنا بالبعدين السياسي والاقتصادي للعولمة وما يكون لهما من إيجابيات بل فيما ستحدثه العولمة من تدمير أو تخريب أو اهتراء بالنسيج الأخلاقي ، ليس بسبب ما تحمله العولمة من سلبيات بل أيضا" لأننا نتعامل معها في ظرف استثنائي وحالة نفسية غير مستقرة قد تفقدنا التفاعل الإيجابي معها. وهناك مؤشرات وأدلة تفيد أن العولمة قد زادت من وتيرة سلعنة القيم بالمجتمع وجعلت كل شيء معروضا" للبيع مقابل اجر معلوم بما فيها الذمم والضمائر والأجساد البشرية.
تدارك الحال
إن عوامل الكارثة الاجتماعية والأخلاقية تتفاعل الآن وتعمل بشكل خفي في المجتمع العراقي كما السرطان ، وليس لإيقاف انتشارها سوى إجراءين :
الأول / أن تتولى أمور الناس حكومة يحمل وزراؤها منظومات قيمية صحية بكفاية مهنية عالية وحزم عادل ، يعمل أعضاؤها بانسجام وتكامل يولّد القناعة لدى الناس بأنهم يخدمونهم حقا .
والثاني / وهو الأهم . إن نسبة كبيرة من الناس يعظّون الآن أصابعهم ندما على إعطاء أصواتهم في الانتخابات السابقة لمن ظنوا أنهم يخدمونهم فخذلوهم . وأنهم يتطلعون إلى بديل يمنحونه أصواتهم في الانتخابات القادمة . وأفضل بديل هو أن يتوحد التكنوقراط والمثقفون في قائمة باسم ( قائمة التكنوقراط والمثقفين ) تظم أشخاصا يجمعهم الانتماء للعراق وبرنامج علمي وعملي لخدمة الناس واعمار الوطن ، وعليهم من الآن التعريف بأنفسهم وبرنامجهم .
وبدون هذين الإجراءين فأن النخر في المنظومات القيمية ،التي تلقت ضربات موجعة من النظام السابق والاحتلال والحكومات الثلاث ، سيأتي على ما بقي قائما من أعمدتها ليبقى إعلان الكارثة عن اكتمالها ( انهيار القيم والأخلاق وتهّرؤ النسيج الاجتماعي ) مسألة وقت ليس إلا.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- تصنيف الأكتئاب وعلاجه
- أنا أنافق ..إذن أنا موجود!
- التوحّد- القسم الثاني -د
- التوحّد- القسم الاول
- لماذا يحصل هذا للعراق والعراقيين ؟!
- أستاذ ( مجنون ) يحصل على جائزة نوبل !
- العراقيون ..وسيكولوجية الاحتماء
- الرهاب ( الخوف المرضي )
- الاضطرابات النفسية الجسمية ( السيكوسوماتك )
- لسيكولوجية الفتنه...قوانين !
- العرب .. أكثر المجتمعات تعرضا- للاصابه بالشيزوفرينيا
- العربي..والهوس بالسلطة
- الحول الإدراكي...في العقل العربي
- أحقا... أننا خير أمّة ؟
- روح فهمّه للديج!
- الهوس والاكتئاب
- الاضطرابات الانشطارية ( التفككية ) أو ( التفارقية )
- فلسفة التعليم العالي في العراق وأهدافه إشكاليات وأفكار
- لو تكاشفتم ...ما تدافنتم !
- الانتحار...أسبابه ... ومشاهير انتحروا


المزيد.....




- مجلس الأمن يبحث الخميس الوضع في ميانمار
- صحف عربية تحذر من -تمزق العراق- بعد استفتاء كردستان
- الخارجية الأمريكية تعرب عن خيبة أملها إزاء استفتاء كردستان
- 14 نائبا من أصل تركي ببرلمان ألمانيا الجديد
- وزير يمني يتهم الحوثيين بقتل 12 ألفا
- الكويت: لم نفشل في أزمة الخليج.. ومتفائلون دائما
- البيت الأبيض يكشف عن شروطه لبدء التفاوض مع كوريا الشمالية
- المغرب.. إصابة 11 شخصا في عملية دهس بمدينة مراكش
- عون يطالب بعودة السوريين الى بلادهم بعد أن أوشكت الحرب على و ...
- تركيا.. القضاء يفرج عن صحافي معارض


المزيد.....

- الفن والاخلاق -نظرة عامة / رمضان الصباغ
- الديموقراطية والموسيقى / رمضان الصباغ
- سارتر :العلاقة بين الروايات .. المسرحيات .. والدراسات النقدي ... / رمضان الصباغ
- المقاومة الثقافية عند محمد أركون / فاطمة الحصى
- الموسيقى أكثر رومانتيكية من كل الفنون / رمضان الصباغ
- العدمية وموت الإله عند نيتشه / جميلة الزيتي
- فى التمييزبين المواقف النقدية والابداعية / رمضان الصباغ
- الرغبة والسياسة في فلسفة جيل دولوز / وليام العوطة
- مقالاتي_الجزء الأول / ماهر رزوق
- موقف اشفيتسر من الحضارة / ابراهيم طلبه سلكها


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم حسين صالح - المجتمع العراقي.. والكارثة الخفية