لا مكان لكم في اي حل! - حول تباكي اليسار القومي على كارثة غزة


عصام شكري
الحوار المتمدن - العدد: 7788 - 2023 / 11 / 7 - 18:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

ان الايديولوجيا القومية العربية المعارضة (والتي يزايد عليها الان اليسار الشعبوي-الانتي امبريالي ويحاول احياء جثتها من القبر) هي اكثر الايديولوجيات والسياسات التي تسببت في تدمير نضال وحقانية القضية الفلسطينية على مدى ال 75 سنة الماضية. ان هذه الايديولوجيا والميول القومية العروبية ادعت تمثيل هذه القضية ومثلتها وخنقت معها كل امكانية اخرى لحلها انسانيا. لا بل ان الحركة القومية العربية التي انسان انظمة في منتهى الوحشية علقت كل ممارساتها وقمعها ودمويتها ازاء شعوبها على شماعة القضية الفلسطينية.

من المسؤول عن الضياع التدريجي للحقوق الفلسطينية منذ 75 سنة وتحويلهم المتزايد الى لاجئين وتهجيرهم اكثر فاكثر وصولا الى حشرهم بالملايين في سجنين خانقين في الضفة والقطاع محاطين بالمستوطنات الاسرائلية المتطرفة اليمينية؟

الادعياء المزايدين يتحدثون عن حشر الفلسطينيين في غزة ويبررون لجريمة حماس متهمين اسرائيل وامريكا بالكامل بانها هي التي قامت بدلك لوحدها. ولكن لم لا يتحدثون عمن مثل القضية الفلسطينية في الصراع؟ لم لا يتحدثون عن فشل ذلك التمثيل وانه ادى الى المزيد والمزيد من ضياع الحقوق الفلسطينية وتعميق تحويل الفلسطينيين الى مهجرين تقضم اراضيهم بشكل مستمر؟ اليس الفاشيات العربية التي حكمت بالحديد والنار سنين طويلة؟ والان يلومون الغرب واسرائيل ومن يدري الاتحاد السوفييتي ايضا لو كان ما يزال موجودا (اول دولة اعترفت بدولة اسرائيل) ولا يلومون تاريخهم الدموي والقمعي والمدمر للقضية الفلسطينية وتراجعها المستمر على مدى كل هذه السنين؟

القوى القومية البائدة والنسخة الحديثة منها (القوى المدعية باليسارية والشيوعية التي تستخدم نفس الدعائية والدجل وتذرف الدموع المسرحية على اطفال فلسطين)، ليس لها اي دور في المعركة الحالية بين قوتين اساسيتين اليوم في المنطقة وهما اسرائيل وايران.

ان القوى القومية الفاشلة والمفلسة تظن انها بهذه الدعائية والسمسرة ستتمكن في الواقع من اعادة تسلقها للسلطة على ظهر القضية الفلسطينية. ان علس بروباكاندا “الامبريالية والصهيونية” وتوجيه النقد لامريكا وفرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا وكل حلفاء اسرائيل لا بل تنظيم التظاهرات ضدهم وليس ضد اسرائيل او ايران او حتى “خونة القضية” كما يسمونهم محمد بن سلمان او السيسي مثلا هي محاولات لاخفاء الدور الاجرامي ومسؤولية قوى القومية العربية في انتاج واعادة انتاج ماساة جماهير فلسطين. القوميون العرب وتحليلاتهم الجديدة(وان بشكل اكثر كوميدية بكثير من صدام والاسد وعبد الناصر) هم جزء من تاريخ ونكوص وانهيار هذه القضية. جزءا اساسيا.

الجماهير العربية والفلسطينية ليست غبية او بلا ذاكرة. وهي تعرف ان الايديولوجيا العربية القومية وفاشيتها كانت احد اسباب النكسة التي حلت بقضية فلسطين والتي ادت بالنتيجة تسليم مفاتيح هذه القضية الى قوى الاسلام السياسي البربرية والتي زادت مئات المرات من كارثة وضياع الحقوق الفلسطينية والمزيد من الدمار وانسداد الافاق واعادة مشاهد الدم والقتل . ان ذرف دموع التماسيح والتنافس على نشر الصور الاطفال الفلسطينيين القتلى او الجرحى او المباني المحطمة وبقية الديماجوجية هي سمسرة رخيصة معروفة.

القوى الاصيلة للصراع الان هو الجمهورية الاسلامية الايرانية وميليشياتها من جانب واسرائيل وحكومتها اليمينية وداعمتها امريكا من جانب اخر. دون تشخيص هذه الحقائق فان المزايدات الدعائية القومية والبعثية والناصرية ومحاولات استغلال دماء البشر في غزة والضفة ستظل معروضات دعائية في بازار القوى القومية واليسار الانتي امبريالي الديماجوجية لحصد “اللايكات” في وسائل التواصل الاجتماعي اكثر من استشراف لاي حل انساني لهذه القضية الانسانية.