كمال ناصر والنضال لتجاوز -المأزق الإستراتيجي-


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 4430 - 2014 / 4 / 20 - 20:08
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية     

(قدمت هذه القراءة في ندوة أقيمت في مدينة رام الله في الذكرى الحادية والأربعين لاغتيال كمال ناصر ورفيقيه ابو يوسف النجار وكمال عدوان، وعدد من المناضلين الآخرين. وكمال ناصر أصلاً من بلدة بيرزيت الواقعة في جوار رام الله):
#######
أثناء مراجعتي، في الأشهر القليلة الماضية، لوقائع السنوات الأولى لحركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة، في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات الماضية، مرت عليّ تصريحات وخطب للمناضل والأديب الراحل كمال ناصر مثيرة للإنتباه. وأحببت أن أبدأ بإيرادها في هذه المناسبة الإستذكارية للشهيد الكبير.
في خطاب له في مهرجان شعبي أقيم في الذكرى الثالثة والعشرين للنكبة في مدينة طرابلس اللبنانية الشمالية يوم 16/5/1971، قال كمال ناصر: "ولدت المقاومة الفلسطينية وهي تحمل بذور مأزقها الإستراتيجي. فالمقاومة ثورة تحرير شامل ورفض للعدوان والإحتلال الصهيوني، ولقد ثبت بالتحليل والممارسة أن مجموعة الأنظمة العربية، رغم تباين مواقفها من الإستعمار واختلاف نهجها في معالجة القضايا العربية، (...) رفضت أن تجعل من قضية فلسطين المحور الذي تخوض من خلاله معركة حريتها واستقلالها...".
وفي مؤتمر صحافي عقده، بصفته الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية، في بيروت يوم 1/6/1971، بعد زهاء الأسبوعين على مهرجان طرابلس، أعاد طرح الفكرة ذاتها بكلمات شبيهة: "...ان الثورة رفضت في الماضي وترفض أن تكون امتداداً لأي نظام عربي، وستكافح ضمن الواقع المؤلم الذي تعيشه للخروج من المأزق الإستراتيجي الذي تعاني منه".
وفي مقابلة مع أسبوعية "الصياد" اللبنانية، أجريت في الفترة ذاتها، ونشرت في عدد المجلة الصادر بتاريخ 3/6/1971، قال كمال ناصر: "وفي رأيي ان المقاومة الفلسطينية اليوم تقف أمام منعطف تاريخي خطير، فهي مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى الى الخروج من مأزقها الإستراتيجي الذي وُلد معها منذ أطلقت الرصاصة الأولى في الفاتح من كانون الثاني 1965".
فما الذي قصده كمال ناصر بحديثه عن "المأزق الإستراتيجي" للمقاومة الفلسطينية، وبماذا كان يفكر حين تحدث عن ضرورة السعي للخروج منه؟ بالصدفة، وكنت أراجع خطاباً، مكتوباً على ما يبدو، للقائد الراحل ياسر عرفات في افتتاح المؤتمر الشعبي والدورة العاشرة للمجلس الوطني الفلسطيني اللذين انعقدا في القاهرة إبتداء من يوم 6/4/1972، وردت نفس فكرة كمال ناصر في هذا الخطاب بصيغة قريبة جداً. قال ابو عمار في هذا الخطاب أمام أعضاء المؤتمر والمجلس الأربعمئة ونيف: "إن أزمة الثورة الفلسطينية... ولدت مع النكبة منذ البداية... فالقضية الفلسطينية على مدى أكثر من نصف قرن كانت تحمل معها تناقضات وتداخلات عربية ودولية...".
الفكرة تبدو هكذا أوضح بعض الشيء. وهي فكرة ينبغي أن نقر بأنها ما زالت تحتفظ براهنيتها وأهميتها الى اليوم، بعد مضي أكثر من أربعين عاماً على هذه الكلمات وعلى رحيل كمال ناصر ورفاقه.
وجاءت رصاصات القوات الخاصة الإسرائيلية التي أنزلت على شواطئ بيروت واقتحمت المبنى الذي كان يقيم فيه كمال ناصر ورفيقا شهادته ابو يوسف النجار وكمال عدوان، في منطقة فردان في بيروت الغربية، لتقطع عليهم إمكانية مواصلة المساهمة في إخراج الوضع الفلسطيني من هذا "المأزق الإستراتيجي". وهو المأزق الذي تفاقم بعد ضربة أيلول 1970 في الأردن وبعد الرحيل المبكر لجمال عبد الناصر، وسلسلة التحولات نحو اليمين التي توالت في المنطقة العربية بعد هذين الحدثين. فقد سقط القادة الثلاثة وعدد من حراس بنايتهم، في الساعة الواحدة من صباح يوم 10/4/1973، حسب بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، كما سقط، في الوقت نفسه، عدد آخر من المقاتلين الشجعان أثناء التصدي لمحاولة اقتحام أحد مقرات المقاومة (للجبهة الديمقراطية) في حي الفاكهاني من قبل مجموعة أخرى من القوات الخاصة الإسرائيلية. وشهدت بيروت في تشييعهم، يوم 12/4، أكبر تظاهرة شعبية في تاريخها.
فبعد أشهر قليلة من استشهاد القادة الثلاثة ورفاق الشهادة في اليوم ذاته، شهدت منطقتنا حدثاً كبيراً سيدفع الى مزيد من التحولات في المنطقة، هو حرب تشرين الأول/أكتوبر 73 على الجبهتين المصرية والسورية. وقد سرّع هذا الحدث في النقاشات الداخلية الفلسطينية التي كانت قد بدأت بشكل محدود منذ ما بعد أيلول 1970، ونقل هذا الجدل الى العلن. فباتت فكرة "السلطة الوطنية الفلسطينية في أي أرض يتم إزالة الإحتلال عنها" مطروحة على المستوى الشعبي الأوسع. وهي الفكرة التي تبلورت لاحقاً، وأصبحت، منذ أواسط السبعينيات، تترجم في ما عرف باسم البرنامج الوطني المرحلي لمنظمة التحرير والمقاومة، برنامج الدولة المستقلة وحق تقرير المصير وحق اللاجئين في العودة، وهو البرنامج الذي لا زالت الحركة الوطنية الفلسطينية تحمله حتى يومنا.
فهل كان يمكن أن يعتبر كمال ناصر، لو بقي حياً، هذا التوجه البرنامجي محاولة للخروج من "المأزق الإستراتيجي" الذي كان يتحدث عنه؟
قبل أشهر أو أسابيع قليلة من استشهاده، لا أذكر تماماً، التقيت به بالصدفة في أحد شوارع بيروت الغربية، ودار بيننا حديث قصير. ولمست في نبرته المرارة ذاتها التي طبعت تصريحاته منذ ما بعد أيلول 1970: فقد قال انه قد يأتي يوم يصبح فيه تحقيق قرار واحد من قرارات مجلس الأمن الدولي هدفاً بعيد المنال.
########
سمعت عن كمال ناصر لأول مرة في العام 1956، وكنت، آنذاك، طالباً في بداية المرحلة الثانوية، مقيماً مع الأهل في رام الله، وكان هو مرشحاً عن منطقة رام الله في الإنتخابات النيابية المنفتحة التي أجريت في الضفتين الغربية والشرقية في تشرين الأول من ذلك العام. لم أشاهده آنذاك، لكني سمعت عن كونه بالكاد بلغ السن القانوني المطلوب للترشح، وهو سن الثلاثين. وعلمت بعد ذلك انه نجح في هذه الإنتخابات، التي تقدم اليها كعضو معروف في حزب البعث العربي الإشتراكي، ونجح الى جانبه في حصة منطقة رام الله زميله في الحزب عبد الله الريماوي، فيما كان الثالث الناجح عن المنطقة هو المناضل الراحل فائق وراد، الذي كان معروفاً بعضويته في الحزب الشيوعي. وفي القدس المجاورة، التي كانت آنذاك على مسافة ربع ساعة أو عشرين دقيقة من رام الله، نجح شيوعي آخر، هو الطبيب يعقوب زيادين، الذي سيصبح لاحقاً المسؤول الأول للحزب في الأردن. لكن هذا المجلس النيابي المنتخب، والذي كان فيه ثقل ملموس لرموز التيارات الوطنية والتقدمية، لم يعمر طويلاً، وجرى حله في مطلع الربيع التالي. وعلمت لاحقاً ان كمال ناصر غادر الى سورية، حيث أمضى عدة سنوات هناك.
لقائي الأول به كان في فرنسا، بعد عشر سنوات تقريباً من تلك الإنتخابات، حيث جاء الى باريس ليمضي عدة اشهر هناك، ربما للإبتعاد عن جو الصراعات الداخلية الحادة التي كان يشهدها حزب البعث في سورية بعد عامين ونيف على وصوله الى السلطة في ذلك البلد في مطلع العام 1963. وكنا، رغم الفارق في السن وفي التجربة، نمضي أوقاتٍ طويلة معاً ومع زملاء آخرين من القلة القليلة من الطلاب الفلسطينيين المهتمين بالشأن الوطني الذين كانوا آنذاك في فرنسا، الى جانب بعض الناشطين العرب الآخرين. وما زلت أذكر بعض ملاحظاته حول المفارقة بين وضع هذا المجتمع الأوروبي المستقر والمرتاح والوضع القاسي للشعب الفلسطيني وللمحيط العربي إجمالاً. ولمست منذ ذلك الحين كم كان يجمع كمال ناصر في شخصيته اللطيفة المعشر بين هواجس وهموم المناضل الملتزم ورهافة حس الأديب والفنان.
وقد تجلى ذلك الى حد ما في لقاء، جرى بالصدفة أثناء وجوده في باريس، مع الأديب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي رغب في لقاء فلسطينيين، في سياق سعيه لإخراج عدد خاص من مجلته الدورية "الأزمنة الحديثة" يخصص للصراع العربي – الإسرائيلي، ويعطي فيه الكلام لطرفي النزاع. وقد ذهبنا، كمال ناصر وأنا وزميلان أو ثلاثة آخرون، على ما أذكر، لنلتقي بسارتر في الشقة التي كان يسكنها في حي مونبارناس الباريسي. وقد عبّر كمال ناصر بصوت عال، وباللغة العربية طبعاً، عن انطباعه المباشر من المظهر الخارجي للفيلسوف بمجرد دخوله علينا، وعن المفارقة بين عن هذا المظهر الخارجحي والقامة الأدبية والثقافية العالية التي كان يتمتع بها آنذاك، ليس في فرنسا فقط، وإنما في أنحاء العالم، بما في ذلك في منطقتنا العربية، حيث كان عدد من كتبه قد ترجم.
وكان سارتر معروفاً بمناصرته لقضايا شعوب العالم الثالث، بما في ذلك شعب فييتنام وشعب الجزائر، وغيرهما من الشعوب المستعمرة. وكاد سارتر أن يتعرض للإعتقال أثناء حرب فرنسا الإستعمارية في الخمسينيات بسبب دعمه لنضال جبهة التحرير الوطني الجزائرية. ولكنه كان معروفاً عنه الكثير من الإلتباس في الموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. وبعد تداول لاحق في ما بيننا إثر اللقاء معه، وبعد اتصالات مع بعض الأوساط الفلسطينية في الوطن العربي، قررنا الدعوة للإمتناع عن المشاركة في العدد الخاص من مجلة سارتر. خاصة واننا علمنا بأن المشرف الرئيسي على المجلة، واسمه كلود لانزمان، وهو من المقربين جداَ من سارتر، هو صهيوني ملتزم. عموماً، صدر هذا العدد الخاص بعد حرب حزيران 1967 بقليل، وتضمن مقالات لإسرائيليين ولعرب، أعتقد ان معظمهم كان من المصريين، كما ومقالة مثيرة للمستشرق الفرنسي البارز مكسيم رودنسون، اليهودي المناهض للصهيونية، حملت عنوان "إسرائيل، واقع استعماري؟". وكان سارتر قد قام، قبل حرب حزيران بأشهر قليلة، بجولة في منطقتنا، زار خلالها قطاع غزة والتقى بعض قيادات منظمة التحرير هناك، وكان رئيسها آنذاك الراحل أحمد الشقيري. وأدلى، أثناء جولته، بتصريحات علنية أثارت استياء واسعاً في الأوساط الفلسطينية والعربية، مما عزز قناعتنا في حينه بالإمتناع عن المشاركة في العدد الخاص من مجلته.
وكان كمال ناصر قد غادر باريس قبل حرب 1967. ويبدو انه عاد الى الضفة الغربية في تلك الفترة، وكانت له نشاطات ومواقف ضد الإحتلال، أدت الى إبعاده من جديد عن أرض وطنه، فانتقل الى شرق الأردن. والتقيت به مرة أخرى في باريس في العام 1968، حين أتى ضمن وفد فلسطيني- أردني داعم للمقاومة الفلسطينية لإجراء اتصالات مع الأوساط الفرنسية المختلفة. حيث رافقت الوفد في بعض هذه اللقاءات. ومن بين أعضاء هذا الوفد الآخرين، كان المناضل عيسى مدانات، القيادي في الحزب الشيوعي الأردني آنذاك. وبعد ذلك بأشهر، في مطلع شباط 1969 تحديداً، قرأنا أن كمال ناصر أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في القاهرة وافتتحها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتولى في ختامها الراحل ياسر عرفات، لأول مرة، رئاسة اللجنة التنفيذية.
وأصبح كمال ناصر ناطقاً رسمياً باسم القيادة الفلسطينية الجديدة المنبثقة عن حركة المقاومة الناهضة في ذلك الحين. وبقي كذلك، كما تولى مسؤولية دائرة الإعلام والتوجيه القومي، كما كانت تسمى، حتى استشهاده. التقيته ثانية في عمان خاصة أثناء اجتماعات الدورة الإستثنائية للمجلس الوطني التي انعقدت هناك في أواخر آب 1970، قبل فترة وجيزة من انفجار الوضع في الأردن. كما التقيته لاحقاً في بيروت، وكان قد انتقل اليها ، وكنت بدوري قد انتقلت اليها في أواخر أيلول 1972 للعمل في مركز الأبحاث الفلسطيني.
وكان كمال ناصر، قبل ذلك، قد أشرف، بصفته مسؤول الإعلام في منظمة التحرير، في أواسط العام 1972، على تأسيس المنابر الإعلامية الموحدة للمنظمة. فهو الذي أشرف على تأسيس وكالة الأنباء الفلسطينية وفا، التي صدرت نشرتها الأولى يوم 5/6/1972، في الذكرى الخامسة لعدوان 67، كما أشرف على إصدار مجلة منظمة التحرير المركزية "فلسطين الثورة"، التي صدر عددها الأول مؤرخاً ليوم 28/6/1972، وقد دأب على متابعة تحريرها وكتابة افتتاحيتها الأسبوعية بانتظام حتى استشهاده. كما أدار المجلس الأعلى للإعلام، الذي شاركت فيه مختلف التنظيمات الفلسطينية عملاً بقرار الدورة العاشرة للمجلس الوطني. وأشرف أيضاً على الإعداد لتأسيس الإتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، الذي عقد مؤتمره الأول في مطلع أيلول 1972 في بيروت، وانتُخب كأول رئيس له المناضل والكاتب الراحل ناجي علوش، الذي كان، للصدفة طبعاً، أيضاً من بلدة بيرزيت نفسها، و كذلك عضواً سابقاً في حزب البعث.
##############
بقي أن أشير في هذه المناسبة الإستذكارية الى كلمات عثرت عليها مؤخراً أيضاً لرفيق كمال ناصر في الشهادة القائد الراحل ابو يوسف النجار، في سياق حديث أجرته صحيفة "لوريان لوجور" اللبنانية، الفرنسية اللغة، معه ومع القائد الراحل صلاح خلف/أبو إياد، ونشر في عددها الصادر يوم الأول من شباط 1973، وردّا فيه على سؤال طرحته الصحيفة جاء فيه: "ألم تتعبوا من القتال؟ ألا تبدو لكم الطريق طويلة، وأنتم تتقدمون فيها بخطوات صغيرة جداً؟"، فأجاب أحدهما (والمصدر لا يحدد من منهما تحدث هنا): "حين انطلقت حركتنا عام 1965، كنا نعلم ان جيلنا لن يصل الى البحر. نحن ننثر البذور، وسوانا يحصد... والأرجح أننا سنموت كلنا مقتولين، لأننا نواجه عدواً ضارياً. لكن الشباب سيأخذون مكاننا".
ولم يكن ابو يوسف النجار يعلم، طبعاً، ان هذا التوقع بالشهادة سيتحقق بهذه السرعة، بالكاد بعد عشرة أسابيع على هذا الحديث، حيث سيسقط برصاص هذا العدو الضاري. وهو كان أحد المستهدفين الرئيسيين في الهجوم الإسرائيلي. فيما كان رفيقه ابو إياد مستهدفاً رئيسياً آخر في العدوان ذاته، وكانت له شقة في البناية ذاتها، لكنه لم يكن متواجداً فيها. وسيسقط شهيداً بعد زهاء العقدين من الزمن، في ظروف أخرى، وفي مدينة أخرى.
##############
وهنا، لا بد من تسجيل كلمة الى الأجيال الفلسطينية التي جاءت بعد ذلك الجيل من مؤسسي حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة، الذي نستذكر اليوم بعض أبرز رموزه، وخاصة الأجيال الشابة الحالية: إن المسيرة الوطنية الفلسطينية لم تبداً في الستينيات، بل هي تجددت في تلك المرحلة بعد عقود طويلة من المواجهة مع الهجمة الإستعمارية الإستئصالية الصهيونية. وهي مسيرة ستستمر حتماً لعقود طويلة أخرى، لا أحد يستطيع الآن توقع مداها. فالظلم والإجحاف اللذان لحقا بالشعب الفلسطيني ما زالا مستمرين.
وللإنصاف، فإن كل الأجيال السابقة من شعبنا أعطت، بدرجة أو بأخرى، ما تستطيع من جهد، في ضوء الإمكانيات التي توفرت لها، لتواجه هذا العسف الذي لحق بعموم الشعب. وهذه الأجيال السابقة ربما أخطأت هنا أو هناك، وربما قصّرت عن رؤية هذا الجانب أو ذاك من هذا الصراع المعقد، وتلمس ضرورة التعاطي مع هذا الإستعصاء الإستراتيجي، كما أسماه كمال ناصر، بأشكال خلاقة. لكن قطاعات واسعة من هذه الأجيال المتلاحقة سعت، بإخلاص وتفان، لأداء واجبها في الدفاع عن قضية الشعب وحقوقه في ارضه، ولمواصلة هذه المسيرة وإبقاء القضية حية، خاصة بعد النكبة الكبرى عام 48، في ظل اختلال هائل في موازين القوى، ومستجدات عربية ودولية لم تكن كلها لصالح النضال الفلسطيني خاصة منذ مطلع السبعينيات الماضية. والمهم في كل مرحلة وزمن، استخلاص دروس المراحل والتجارب السابقة، والإستفادة من الأخطاء والنواقص لمواصلة المسيرة، وحمل مسؤولية قضية شعب استُضعف وتعرضت مختلف مكوناته لمعاناة وعذابات هائلة، بغير مبرر وبدون ذنب اقترف من قبله. وهو وضع لا يمكن الإستسلام لبقائه.
هذه القضية هي، بالتأكيد، عادلة ومحقة. والصراع من أجلها صعب ومعقد. والأفق ما زال ملبداً وضبابياً. ولكن الراية التي حملها كمال ناصر وابو يوسف النجار وكمال عدوان ورفاق التضحية في ليلة التاسع - العاشر من نيسان/أبريل 1973، وحملها، قبلهم بربع قرن بالضبط من ذلك اليوم، القائد المناضل عبد القادر الحسيني، وقبلهم وبعدهم جميعاً آلاف وعشرات آلاف كثر آخرون، هذه الراية ينبغي ان تبقى مرفوعة، جيلاً بعد جيل، مهما تطلب ذلك من زمن ومن تضحيات ومن صمود ضروري على هذه الأرض، الى أن تتوفر شروط إنهاء هذه الصفحة المظلمة من تاريخ منطقتنا، وينتهي الغبن اللاحق بأي إنسان، هنا، كما في كل بقاع الأرض.