الدعوات الصائبة للتوافق على مرشح يساري (وتقدمي) مشترك للرئاسة المصرية


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 3697 - 2012 / 4 / 13 - 17:13
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

من البديهي أن يكون موضوع الإنتخابات الرئاسية المصرية المزمع إجراء جولتها الأولى في أواخر أيار/مايو القادم موضوع اهتمام واسع لدى المواطنين المصريين، لكونها الإنتخابات الأولى من نوعها منذ ثورة 25 يناير 2011. ولكن من غير المستغرب كذلك أن تكون هذه الإنتخابات موضع اهتمام شعوب المنطقة العربية، وحتى شعوب أخرى في الجوار أو في أنحاء أبعد من العالم.
فمصير الثورة المصرية وسمات النظام المصري الجديد الذي سيتشكل على أرضيتها وفي مناخها ستؤثر على كل شعوب المنطقة وعلى مستقبلها، نظراً لوزن مصر البشري وموقعها الجغرافي وطاقاتها الإقتصادية الكامنة ودورها المركزي التاريخي في شؤون المنطقة العربية، وفي محيط أوسع بالتأكيد.
وإذا كان من الطبيعي أن نعتبر أن هذه الإنتخابات هي شأن الشعب المصري ونخبه الكبيرة المتقدمة وشبابه المقدام والمتقد بالحماس وبهمّ بناء وطنه وشأن كل مواطني مصر أولاً وبالأساس، بحيث لا يمكن، ولا يجوز، أن يقرر أحد غيرهم مصير ومسار هذه الإنتخابات ومجمل العملية الإنتقالية الجارية في مصر ما بعد ثورة 25 يناير، فإن شعوب المنطقة كلها، ومن بينها شعب فلسطين، الجار لشعب مصر والمتداخل تاريخه مع تاريخ مصر طوال قرون طويلة، هذه الشعوب معنية بما يجري في مصر وبالمسار الذي يمكن أن تتخذه الأحداث والتطورات هناك.
وإذا كان من غير الجائز أن يرى أحد منا، نحن العرب غير المصريين أو أبناء القوميات الأخرى في هذه المنطقة، أن من حقه أن يعطي الدروس لشعب مصر، الغني بالتاريخ والتجارب والكفاءات والقدرات، فإن من الطبيعي، خاصة في ظل اتساع مناخ الحرية والديمقراطية الذي أتاحته ثورتا تونس ومصر ومجمل المناخ الثوري في المنطقة، أن يكون لنا رأي، وذلك من موقع الأخوّة والحرص على نجاح ثورة مصر ووصولها الى تحقيق أهدافها الأساسية، بما في ذلك هدف تحقيق العدالة الإجتماعية وتطوير الأوضاع المعيشية للغالبية الفقيرة من السكان في المدن والأرياف.
وبما أن مهمة كهذه هي في صلب مهمات أي تنظيم أو تيار يساري وتقدمي، الى جانب مهمات تجذير ومأسسة الحريات الديمقراطية وضمان الحق في العمل والعيش الكريمين لكل مواطن، فإن من الطبيعي أن ننظر باهتمام الى ضرورة تحقيق مرشحي التيار اليساري والتقدمي المناهض للتبعية والحريص على استقلال مصر وكرامتها لنتائج مشرِّفة في انتخابات الرئاسة القادمة.
وفي نظرة أولية الى قائمة مرشحي الرئاسة قبل أن يتم تثبيت القائمة النهائية للذين استوفوا شروط الترشيح، يظهر واضحاً أن فرص نجاح أي مرشح يساري وتقدمي في الإنتقال الى الدورة الثانية للإنتخابات، أي لتحقيق أعلى الأصوات أو ثاني أعلى الأصوات في الدورة الأولى، غير مضمونة في حال بقي في السباق أكثر من مرشح واحد يمثل هذا التيار أو الخيار السياسي- الإجتماعي.
وذلك ما تؤكده استطلاعات الرأي التي نشرتها بعض وسائل الإعلام المصرية، وإن كان من الطبيعي أن نعتبر أن استطلاعات الرأي في بلد لم تتوفر فيه في الماضي حريات ديمقراطية جدية أو تراث في ممارسة المواطنين لحقهم الحر في التعبير عن آرائهم وخياراتهم السياسية ليست بالضرورة دقيقة في هذه المرحلة. ولكن مثل هذه الإستطلاعات ستتطور وتتحسن، بالتأكيد، مع الزمن ومع مراكمة التجربة ورسوخ ممارسة الحريات الديمقراطية من قبل مواطني البلد.
ومع ذلك، يمكن الإعتماد على استطلاعات الرأي التي جرت حتى الآن، أو تلك التي يمكن أن تجري في الأيام القادمة. ويمكن أيضاً، إذا كانت الإمكانيات العملية متاحة، أن يقوم المرشحون اليساريون والتقدميون المسجلون في السباق الإنتخابي بتنظيم استطلاع رأي خاص يظهر فرص كل واحد منهم في تحقيق أفضل النتائج في الجولة الإنتخابية الأولى. وعلى خلفية هذه النتيجة والتداول بين المرشحين والقوى السياسية التي تدعمهم بشأن مجمل العملية، من المفيد جداً أن يصل كل هؤلاء المرشحين الى صيغة توافقية على مرشح واحد للرئاسة من بينهم والى برنامج إنتخابي مشترك لكل هؤلاء المرشحين يتم التوافق عليه، بحيث يلتزم به المرشح الذي يبقى في السباق في حال نجاحه في الوصول الى الجولة الإنتخابية الثانية، وربما لاحقاً في حال نجاحه في الجولة الثانية، مهما كانت الفرص تبدو محدودة حتى الآن.

أهمية الإلتزام بالعمل على كسر طوق التبعية السياسية والإقتصادية للخارج

وبالطبع، فإن الأشقاء المصريين المناصرين للخيار اليساري والتقدمي ونهج التخلص من التبعية هم الذين يستطيعون البت بهذه المسألة والوصول الى الصيغة المناسبة لاختيار المرشح المتفق عليه بينهم. وربما يرى بعضهم أن هناك ضرورة لتوسيع المجال بحيث يشمل مرشحين آخرين من غير التيار اليساري، ولكنهم يدعون أيضاً الى كسر طوق التبعية وضمان استعادة إستقلالية مصر السياسية والإقتصادية وتوفير درجة معينة من العدالة الإجتماعية وتوفير الحياة الكريمة لأوسع القطاعات الشعبية.
والأسماء الأولى التي تحضر الى الذهن للمرشحين الذين يمكن تصنيفهم في خانة التيار اليساري والتقدمي من بين المرشحين الـ23 الذين تقدموا بترشيح أنفسهم للإنتخابات حتى يوم إغلاق الترشيح في 8/4/2012 هي أسماء المرشحين: أبو العز الحريري، وحمدين صباحي، وهشام بسطويسي، وخالد علي. وربما هناك أسماء أخرى لا نعرفهم بين المرشحين يمكن أن يُعتبروا ضمن هذا التيار: وهذا ما يعلمه الأشقاء المصريون، بالطبع، أفضل منا.
وفي كل الأحوال، سنبقى، من موقع التضامن والحرص، نتابع مجريات هذه العملية الإنتخابية التاريخية ومتابعة وجهات نظر كفاءات ومواطني مصر، بكل اهتمام وتحفز، آملين أن ينجح شعب مصر الكبير في خياره في هذه المرحلة الإنتقالية الدقيقة لشق طريق إنجاز أهداف الثورة الشعبية. بحيث يكون الرئيس المنتخب الناجح في الإنتخابات هو الأقدر على تلبية تطلعات الغالبية الساحقة من المواطنين، وخاصة أولئك الذين راهنوا على ثورتهم المجيدة من أجل بناء مصر جديدة، حرة وديمقراطية تؤمن للمواطنين كافةً حقوقهم وكرامتهم والحد الأدنى من العدالة الإجتماعية، مصر التي من حقها أن تسعى لتصبح واحدة من دول العالم الأكثر تقدماً ورخاء وعدالةً في عالم القرن الحادي والعشرين.
فبنجاح مصر الجديدة هذه ترتفع فرص كل المنطقة العربية للعودة الى التاريخ وإغلاق هذه الصفحة المؤلمة التي دامت زهاء الأربعة عقود من الزمن "خرج خلالها العرب من التاريخ"، على حد تعبير أحد المثقفين العرب، بحيث تستعيد شعوب المنطقة العربية مكانتها بين شعوب العالم السائرة على طريق التقدم والتطور واحترام حقوق المواطن وحرياته الديمقراطية وكرامته وحقه في العيش الكريم.