في مرحلة ما بعد صدور إعلان الإستقلال عام 1988: الحركة الوطنية الفلسطينية وتوجهاتها نحو الفلسطينيين في إسرائيل


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 3629 - 2012 / 2 / 5 - 18:59
المحور: القضية الفلسطينية     

كان العام 1988 عاماً مهماً في مسيرة الشعب الفلسطيني التحررية المعاصرة: فهو العام الذي شهد صعود الإنتفاضة الشعبية الفلسطينية الكبرى الأولى في الأراضي المحتلة عام 1967 وبلوغها ذروتها وذروة اتساع صداها العالمي... وهو العام الذي شهد خطوة متقدمة على طريق بلورة أهداف النضال الفلسطيني المعاصر من خلال إقرار وثيقة إعلان الإستقلال، التي أنضجتها هذه الإنتفاضة، وتحددت فيها أهداف هذه المرحلة التاريخية بصيغة أوضح من أية وثيقة سابقة.
وتتلخص هذه الأهداف في العمل على إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتُلّت في العام 1967 وإقامة دولة مستقلة عليها، مع الحرص على تحقيق حل ملائم لقضية حقوق اللاجئين الفلسطينيين ومعالجتها على أرضية قرارات الشرعية الدولية، باعتبارها قضية أساسية ودافعاً رئيسياً وراء انطلاقة حركة التحرر الفلسطينية المعاصرة في الستينيات الماضية. حيث تركّزت هذه الإنطلاقة بشكل خاص في أوساط هؤلاء اللاجئين، الذين كانوا وما زالوا يشكلون بمجملهم غالبية الشعب الفلسطيني، سواء داخل وطنهم المحتل أو خارجه. وهذه الصيغة للهدف المرحلي للنضال الفلسطيني المعاصر كان قد بُدأ بطرحها رسمياً بشكل أوّلي منذ أواسط العام 1974 في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، ثم اكتسبت في الدورات المتتالية اللاحقة مزيداً من الوضوح، وصولاً الى صيغة العام 1988 المشار إليها.
وأراضي الدولة العتيدة المستهدفة لترجمة مشروع الإستقلال الفلسطيني هي تحديداً تلك الأراضي التي كانت مسرح الإنتفاضة الشعبية، والتي أراد شعبها التخلص من الإحتلال، وكانت الهيئات الدولية الرئيسية، كما والغالبية الساحقة من دول العالم، تعتبر احتلالها غير مشروع، وترى في المطلب الفلسطيني مطلباً محقاً، وهو ما يفسر الإعترافات العالمية الواسعة التي تلت صدور إعلان الإستقلال.
وكان مفهوماً بالنسبة للذين عملوا على إصدار هذا الإعلان أن موازين القوى الراهنة في الصراع العربي- الإسرائيلي وتلك المتوقعة في المستقبل المرئي، بما في ذلك على أرضية ما راكمته الإنتفاضة الشعبية من تعاطف عالمي واسع، بعد جملة من المراكمات والإنجازات خلال مسيرة الشعب الفلسطيني النضالية المعاصرة طوال عقدين ونيف قبل ذلك، يصعب أن تعطي أكثر من ذلك، أي أكثر من دولة مستقلة في الأراضي المحتلة عام 1967 وصيغة ما لمعالجة قضية اللاجئين. هذا مع العلم بأن مسألة مدى نضوج شروط تغيير الموازين بما يسمح بقيام الدولة المنشودة كان موضوعاً خلافياً وجدلياً في الساحة الفلسطينية، وهو ما اتضح بشكل خاص أثناء نقاشات الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني في أيلول/سبتمبر من العام 1991، التي انعقدت في العاصمة الجزائرية بعد أشهر قليلة من تعرّض القوة العسكرية العراقية لضربة قوية من قبل تحالف واسع قادته الولايات المتحدة تحت شعار إخراج القوات العراقية من الكويت بعد احتلالها له في مطلع آب/أغسطس 1990، وهو ما نتج عنه تعزيز الحضور العسكري الأميركي المباشر في منطقة الخليج. كما انعقدت دورة المجلس الوطني الفلسطيني العشرون في المرحلة الأخيرة من تراجع دور وتماسك الإتحاد السوفييتي، القوة العالمية الكبرى الرئيسية الداعمة للمطالب والحقوق الفلسطينية والعربية في استعادة أراضيها التي احتلتها إسرائيل في العام 1967.
وأكثر من ذلك، كان واضحاً لمن بلوروا وثيقة إعلان الإستقلال الفلسطيني أن المعطيات الراهنة ومحصلة النضال وموازين القوى الإقليمية والدولية إن سمحت بقيام هذه الدولة المستقلة، فهي على الأغلب ليست كافية للسماح بعودة لاجئي العام 1948 الى ديارهم مع أجيالهم اللاحقة التي ولدت ونشأت خارج الوطن، نظراً لعدم اعتراف إسرائيل وعدم استعدادها لتقبّل هذا الحق في العودة، رغم كونه معترفاً به دولياً، بحجة أن عودة اللاجئين تحدث اختلالاً في ميزان القوى الديمغرافي في إسرائيل بحدودها المعترف بها دولياً، أي حدود ما قبل حرب 5 حزيران/يونيو 1967. فعودة كهذه تحدث، في رأي القوى الإسرائيلية الرئيسية، تغييراً مؤثراً في الوضع الأغلبي لليهود في الدولة الإسرائيلية، وبالتالي في الطابع "اليهودي" الذي تفترضه المرجعية الصهيونية للدولة.
ومع انه كانت هناك بعض التوقعات الفلسطينية بالنسبة لإمكانية عودة النازحين عام 1967 ونسبة ما من لاجئي عام 1948، إلا ان التوقعات الأكثر إدراكاً لموازين القوى كانت ترى بأن الظرف التاريخي الراهن لا يتيح، في أحسن الأحوال، إلا عودة عدد محدود من لاجئي عام 1948 الى ديارهم الأصلية وعودة غالبيتهم، أو من يشاء منهم، الى الدولة الفلسطينية الموعودة، مع إمكانية حمل كل لاجئ، حتى من يبقى خارج وطنه، لجنسية الدولة الجديدة. ولاحقاً، طبعاً، تبين أن كل هذه التوقعات، بما فيها تلك الأكثر تواضعاً، لم تأخذ بعين الإعتبار درجة رفض القوى الصهيونية المقررة في إسرائيل لمبدأ عودة اللاجئين، بما في ذلك وفق الصيغة المتواضعة التي أقرتها قمة بيروت العربية في مطلع العام 2002، ناهيك عن الرفض الإسرائيلي للتخلي عن القدس الشرقية المحتلة عام 1967، وحتى عن معظم مساحة الضفة الغربية، وبالتالي رفضها الفعلي لإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة فعلاً، بمعزل عن التصريحات العلنية لهذا المسؤول الإسرائيلي أو ذاك.
أما موضوع فلسطينيي 1948، كما نسميهم، أو الفلسطينيين العرب في إسرائيل، فهو لم يكن مطروحاً على جدول أعمال الحركة الوطنية الفلسطينية كموضوع أساسي ملحّ يتطلب التعاطي قريب الأمد، إلا من زاوية التضامن والدعم المتبادل وتعزيز علاقات التكافل والإنتماء المشترك الى هوية واحدة، بما يعني أن شؤون فلسطينيي 1948 في المرحلة الراهنة هو شأن تقرره القوى والتيارات التي تمثله بشكل مباشر، وذلك حتى إشعار آخر. فالملحّ كان، بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية بعد العام 1988 وحتى منذ العام 1974 أو قبله بقليل، هو تجسيد الكيانية الفلسطينية في دولة مستقلة والتعامل بشكل ملائم مع قضية اللاجئين وحقوقهم.
ففي الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في الجزائر في أواخر العام 1988، لم يرد أي تخصيص واضح لهذا القطاع من الشعب الفلسطيني، أي فلسطينيي 48، في إعلان الإستقلال أو في البيان السياسي الصادرين عن هذه الدورة. وهو ما كان عليه الحال أيضاً في الدورة الحادية والعشرين للمجلس التي انعقدت في غزة في نيسان/أبريل 1996، اي بعد عودة الجسم القيادي المركزي الى الأراضي الفلسطينية. أما في الدورة العشرين التي انعقدت في الجزائر في أيلول/سبتمبر 1991، أي قبل زهاء الشهر من انعقاد مؤتمر مدريد، فقد وردت عبارة في البيان السياسي الصادر عن الدورة تتناول هذا القطاع من الشعب الفلسطيني تقول:
"يتوجه المجلس الوطني بالتحية النضالية لجماهير شعبنا الصامد في الجليل والمثلث والنقب والساحل، ويؤكد تقديره لنضالها دفاعا عن حقوقها ضد سياسات الاضطهاد والتمييز وإسنادها الفاعل للانتفاضة الباسلة" ....
وفي البند الخامس من استخلاصات الدورة، إستناداً الى تقرير لجنة الوطن المحتل والإنتفاضة في المجلس، ورد التالي:
"يوجه المجلس الوطني التحية والتقدير الى أبناء فلسطين في الجليل والمثلث والنقب وكل قرية ومدينة في مناطق 1948 (فلسطين المحتلة) ويثمّن الدور النضالي الذي يقومون به دعماً للانتفاضة والوقوف الى جانبها وحفاظاً على هويتهم الوطنية في وجه كل محاولات الطمس والتذويب".
ومن الواضح في هاتين العبارتين أن هناك تركيزاً على دور الشعب الفلسطيني في مناطق 48 في دعم الإنتفاضة ونضال سكان الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل التخلص من الإحتلال، بالإضافة الى دور الدفاع عن هويتهم الوطنية.
وكان الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس قد أوضح بدوره هذا التوجه في رده على سؤال بهذا الصدد أثناء مقابلة مع تلفزيون "معاً" أُجريت بعد إلقاء خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأيام، في خريف العام 2011، حين قال بأن المطلوب من الفلسطينيين في هذه المنطقة هو التجاوب مع الشعار الذي يرفعه أحد أبرز مكونات الحركة الوطنية هناك، وهو "السلام، والمساواة"، وهو أشار في هذا السياق الى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التي يقودها الحزب الشيوعي.
أما في دورات المجلس المركزي العديدة التي انعقدت منذ ما بعد دورة المجلس الوطني عام 1988 وحتى اجتماعه الأخير في تموز/يوليو من العام 2011، فلم ترد إشارات خاصة ملفتة للإنتباه الى هذا القطاع من الشعب الفلسطيني.
وما ينطبق على قرارات المجلسين الوطني والمركزي ينطبق على الوثائق الرسمية للتنظيمات الفلسطينية المنضوية تحت لواء منظمة التحرير، التي قلما أشارت وثائقها الى هذا القطاع من الشعب الفلسطيني، أو أشارت له بعبارات مقتضبة. وإن كانت القوى الرئيسية لحركة التحرر الفلسطينية لديها، الى جانب العلاقات الشاملة مع مختلف مكونات مناطق 48، علاقات خاصة مع واحدة أو أكثر من القوى السياسية هناك، إنطلاقاً من التلاقي السياسي أو الفكري الخاص. وهو ما ينطبق أيضاً على حركة "حماس".
ويمكن أن يفسّر ذلك انطلاقاً من اعتبار هذه القوى أن المهمة المطروحة في الأمد المباشر والقريب تتعلق بتسوية مع إسرائيل في ظل استمرار اختلال موازين القوى العامة لصالحها إقليمياً ودولياً، وليس بتسوية تُفرض على إسرائيل، كما قد يكون عليه الوضع لو كانت الموازين مختلة بالإتجاه الآخر، أو بتسوية متوازنة على قاعدة التكافؤ، غير المتوفر حتى الآن.
وفي واقع الحال، وبالرغم من الكسب المعنوي والسياسي الذي حققته الإنتفاضة الشعبية الكبرى لقضية الشعب الفلسطيني، تتويجاَ لأكثر من عقدين من النضال الفلسطيني المتواصل متعدد الأشكال، فإن الظروف الإقليمية والدولية لم تكن إيجابية بنفس الدرجة، إن لم تكن قد بدأت تتزايد إختلالاً منذ العام 1988، خاصة مع تواصل تراجع قوة وفعالية دور الإتحاد السوفييتي، السند الدولي الأقوى للنضال الفلسطيني، ومع استمرار التزام مصر، دولة الطوق العربية الأكبر، في ظل نظام حسني مبارك، بقيود اتفاقيات كامب ديفيد التي تستبعدها من الإنخراط في مواجهة، حتى غير عسكرية، مع الإحتلال، ومع عجز دول الجبهة الشرقية العربية عن تحقيق قدر من التوازن البديل، أو حتى تأمين الحد الأدنى من التنسيق والتوافق في ما بينها في التعاطي مع إسرائيل وأية تسوية تجري لاستعادة الأراضي العربية المحتلة من قبلها، كما ظهر بجلاء ابان مؤتمر مدريد والمفاوضات المنبثقة عنه في واشنطن، وعواصم ومدن عالمية أخرى. وهي معطيات إقليمية ودولية ستتفاقم في الأشهر والسنوات القليلة التالية، مع الإنهيار النهائي للإتحاد السوفييتي، ومع الحرب على العراق وضرب قوته العسكرية، ومع الإنقسام الواسع في الصفوف العربية الرسمية الذي أحدثته أزمة احتلال الكويت والحرب اللاحقة التي قادتها الولايات المتحدة تحت شعار "تحرير الكويت"، والتبعات السياسية والمالية السلبية التي تعرضت لها منظمة التحرير في سياقها. كل هذا علاوةً على الثمن الكبير الذي دفعه فلسطينيو الكويت وبعض فلسطينيي دول الخليج الأخرى بفعل هذه الأزمة وتردي علاقات المنظمة مع هذه الدول، ومع استمرار الأوضاع الصعبة للفلسطينيين في لبنان بعد عقد من المجازر إثر غزو إسرائيل عام 1982 ومن ثم حروب المخيمات في أواسط الثمانينيات واستمرار الظروف المعيشية القاسية المفروضة في القوانين اللبنانية على المواطنين الفلسطينيين في البلد.
وفي مناخ هذه التطورات الإقليمية والعالمية، والهموم المباشرة التي تتعلق بقطاعات معينة من الشعب الفلسطيني في الوطن وفي أقطار اللجوء، جرى التعاطي مع الشعب الفلسطيني في مناطق 48 من زاوية طاقته على دعم الأهداف المباشرة وقريبة الأمد للحركة الوطنية الفلسطينية في هذه المواقع، وفي الوقت ذاته التأكيد على التضامن مع نضاله داخل الدولة الإسرائيلية من أجل تأمين الحقوق المدنية والسياسية المعبر عنها من قبل القوى الوطنية العربية الفلسطينية الناشطة في هذا القطاع.
وفي هذا السياق، كان التركيز من قبل القوى الفلسطينية العاملة في إطار منظمة التحرير، وخاصة الطرف المركزي المقرر، على تأمين ما يمكن من أشكال الدعم للإنتفاضة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة، من جهة، وتأمين الدعم السياسي للجهود الفلسطينية الجارية لتثمير هذه الإنتفاضة ومجمل النضال الفلسطيني. وبالطبع، كانت المواقف الفلسطينية متباينة حول سبل تحقيق هذا التثمير وإمكانية ترجمته على الأرض، كما وحول الرهانات على المسارات التفاوضية المطروحة آنذاك، والتي بدأت بمسار مؤتمر مدريد وما انبثق عنه من مفاوضات في واشنطن ومواقع أخرى، وانتهت الى مسار أوسلو عام 1993.
ويمكن القول أن التيار "المركزي" المقرر في منظمة التحرير كان يهمه، في تلك الآونة، أن يكون للقوى الفلسطينية في مناطق 48 دور مؤثر، بما هو متاح، في الوضع الداخلي الإسرائيلي لدعم خيارات هذا التيار في العملية التفاوضية. وهو ما برز بشكل واضح في الأسابيع التي سبقت انتخابات الكنيست الثالثة عشرة التي جرت في تموز/يوليو 1992، حين قررت الإجتماعات القيادية في تونس إجراء اتصالات غير معلنة مع القوى العربية المشاركة في هذه الإنتخابات لدعم التيارات الإسرائيلية الأقل تعنتاً، وتحديداً آنذاك حزب العمل وحزب ميريتس، علاوة على دعم وزن القوائم "العربية" نفسها (وتعبير "العربية" هنا يشمل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التي هي في الواقع قائمة مشتركة عربية- يهودية). وقد جرت لقاءات في هذا السياق في القاهرة بين وفد قيادي من تونس وممثلي التيارات "العربية" في إسرائيل. واعتُبر انتخاب اسحق رابين وغلبة تيار العمل- ميريتس، مدعوماً من الأصوات الخمسة للكتل العربية، في الكنيست الجديد، على حساب الأحزاب الصهيونية الأكثر تشدداً ويمينية، وخاصة حزب الليكود، إنجازاً في هذا السياق.
ولكن سرعان ما تبين، في جولات التفاوض التي جرت في واشنطن في النصف الثاني من العام 1992 بعد تشكل حكومة إسحق رابين، أن هذه الحكومة لم تغيّر جوهرياً الموقف التفاوضي للحكومة السابقة، وحتى لم تغيّر رئيس الوفد التفاوضي مع الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك، إلياكيم روبنشتاين، بينما تغيّر رئيس الوفد التفاوضي مع سوريا. مما حدا بالإجتماعات القيادية التي جرت في تونس بعد الجولة الثامنة لمفاوضات واشنطن لمطالبة الأحزاب "العربية" وقائمة ميريتس في الكنيست للضغط على حكومة رابين لتغيير موقفها، وفق ما أورده القيادي الفلسطيني الراحل ممدوح نوفل في كتابه "الإنفجار". وهذا الإحباط الناجم عن عدم حصول التغيير المنشود، كما عن فشل إدارة جورج بوش الأب في انتخابات الرئاسة لصالح مرشح الحزب الديمقراطي المعتبر آنذاك أكثر قرباً من إسرائيل، كان وراء الإندفاع اللاحق لدى مركز القرار الفلسطيني لدعم القناة السرية في العاصمة النرويجية والتوصل الى الإتفاق الذي بلورته في صيف العام 1993.
وتكررت محاولات التأثير على الناخبين العرب الفلسطينيين في إسرائيل عشية انتخابات الكنيست الرابع عشر في أيار/مايو 1996، بعد أن كانت القيادة الفلسطينية المقررة قد انتقلت الى الأراضي الفلسطينية إثر إبرام اتفاقي أوسلو والقاهرة. ولكن نتيجة الإنتخابات كانت هذه المرة مختلفة: حيث عاد اليمين الصهيوني المتشدد الى واجهة الحكم في إسرائيل، ودخلت عملية أوسلو والتسوية المنبثقة عنها في أزمة عميقة بعد ذلك، استمرت بلا انقطاع، حتى خلال الفترة القصيرة من عودة حزب العمل الى السلطة بين عامي 1999 و2001 بقيادة إيهود باراك.
وجاء فشل لقاءات كامب ديفيد في صيف العام 2000 بإشراف الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ومن ثم الإنتفاضة التي انطلقت في خريف العام ذاته، ليضعا علامات استفهام حتى في أوساط القيادة المقررة في منظمة التحرير حول آفاق العملية السياسية الجارية، مع وجود اجتهادات عدة بين أطرافها، وبينها وبين تلك القوى التي كانت معارضة بالأساس لاتفاق أوسلو أو للرهان على العملية التي بدأها مؤتمر مدريد.
وشهدت السنوات التالية تطورات عززت وجهة النظر الأكثر تشاؤماً بالنسبة لهذه العملية السياسية، مع هجمة آريئيل شارون لإعادة السيطرة الأمنية على مناطق "أ" في الضفة الغربية ومواصلة تكثيف الإستيطان الإسرائيلي في القدس الشرقية ومجمل الضفة الغربية، مما زاد من الشكوك في وجود أي احتمال، في ظل موازين القوى الراهنة، لانسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وبالتالي من قيام دولة فلسطينية مستقلة فيها، وفي قطاع غزة، الذي أخلى شارون داخله من المستوطنين والوجود العسكري الإسرائيلي ليحكم الحصار الشامل عليه، من جهة، وليعزز، من جهة أخرى، السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، كما أوضح ذلك مستشاره الشهير دوف فايسغلاس في مقابلته المثيرة المنشورة في صحيفة "هآرتس" في 7/10/2004.
وهو استخلاص تعزز في أوساط المركز المقرر في السلطة الفلسطينية مؤخراً مع الإمتناع عن مواصلة التفاوض قبل وقف التوسع الإستيطاني في القدس والضفة الغربية المحتلتين والإعتراف الإسرائيلي بالحق الفلسطيني في الدولة المستقلة على حدود 1967.
وبات من الواضح الآن، سواء بالنسبة للذين، في الحركة الوطنية الفلسطينية، كانوا يعتبرون الدولة المستقلة ومجمل الصيغة المقرة في العام 1988 حلاً نهائياً للمسألة الفلسطينية وللصراع مع الهجمة الإسرائيلية، أو للذين كانوا يرونها حلاً مرحلياً، لسنوات قد تطول، حتى تتوفر شروط حل كامل وناجز للصراع في المنطقة وللقضية الوطنية الفلسطينية، ان موازين القوى الراهنة تحتاج الى تغيير حتى يتحقق أي هدف من أهداف النضال الفلسطيني. وبالتالي، لا مناص من إعادة النظر في الإستراتيجية السياسية المعتمدة حتى الآن لتحقيق هذه الأهداف.
وأولئك الذين يرون الدولة المستقلة حلاً مرحلياً، وبعضهم ينتمي الى اليسار، كما هو حال الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وبعضهم ينتمي الى حركة "فتح"، كما يمكن اعتبار ان محصلة موقف حركة "حماس" حول ما تسميه "هدنة" طويلة الأمد مقابل إنهاء احتلال الأراضي المحتلة عام 1967 ضمن هذه الرؤية المرحلية، كل أصحاب الرؤية المرحلية هؤلاء ينظرون الى وضع الفلسطينيين في مناطق 48 باعتباره مؤجلاً في مهمات الحركة الوطنية الفلسطينية، الى المرحلة التالية، أي مرحلة النضال لتحقيق الحل الإستراتيجي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، والذي من المبكر تصور كيفية شق الطريق نحوه. باعتبار أن قيام الدولة المستقلة، إذا تحقق، يمكن أن يخلق ظروفاً وديناميات جديدة تطرح الوضع بشكل مختلف، وإذا لم يتحقق، تخلق ديناميات أخرى لمواجهة نظام التمييز العنصري الذي يسود، بأشكال ومستويات مختلفة، كلا تجمعي الشعب الفلسطيني، في مناطق 48 وفي مناطق 67. وهذه الحسابات والتصورات الفلسطينية ليست غائبةً، بالطبع، عن ذهن القيادات الصهيونية، التي ما زالت، في الواقع، ترفض فكرة الدولة المستقلة، ناهيك عن مبدأ حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، وحتى، في ظل الموازين الراهنة، عودة النازحين عام 1967 الى الأراضي التي احتلت في ذلك العام، وتعتبر أن العامل الفلسطيني هو عامل يهدد، في تجلياته الكيانية وحتى في بروز هويته الخاصة، مجمل المشروع الصهيوني.
وليس هنا مجال الخوض في مناقشة الخطوط العريضة لهذه الإستراتيجية المنشودة، فهذا خارج الموضوع المطروح. ولكن من الجلي أن هناك دوراً لكل تجمع من تجمعات الشعب الفلسطيني في نضال المرحلة الراهنة والمراحل اللاحقة، وان تحديد هذا الدور لا يمكن أن يكون إلا محصلة نقاش بين مكونات كافة هذه التجمعات، بما في ذلك ممثلي الشعب الفلسطيني في مناطق 48.
وهكذا، بالإضافة الى الموقف المبدئي العام المتعلق بضرورة تلبية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بمجمله، بما في ذلك حق اللاجئين في العودة وحق الشعب الفلسطيني في مناطق 48 بالتمتع بكامل حقوقه كجزء من الشعب الفلسطيني، وكمواطنين أصيلين وليسوا ضيوفاً في بلدهم، هناك مهمات عملية تتعلق بالراهن وقصير الأمد، والتي لا بد من اتخاذها بالتفاعل والتدارس داخل كافة هذه المكونات وفي ما بينها، بما يؤمن صمود الشعب الفلسطيني على أرض وطنه، حيثما تواجد، والحؤول دون تنفيذ شكل من أشكال "الترانسفير" المتدرج والصامت، وذلك عبر العمل على توفير مقومات العيش الكريم لكل الفلسطينيين، حيثما تواجدوا، بحيث يصب كل تطوير جزئي وقطاعي في المهمة الأكبر والأبعد مدى، مهمة تحقيق الحل الناجز للصراع.
# قدمت هذه المادة في المؤتمر السنوي الذي عقدته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية المحتلة قبل فترة وجيزة، وتناول تاريخ وآفاق العلاقة بين الحركة الوطنية الفلسطينية وفلسطينيي 48(الفلسطينيين العرب في إسرائيل).