الإستقلالية الفلسطينية... وأهمية دور المحيط العربي والدولي


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 3650 - 2012 / 2 / 26 - 21:39
المحور: ملف - القضية الفلسطينية، آفاقها السياسية وسبل حلها     

تحكمت القوى الخارجية برسم الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية المشرقية في أوائل القرن العشرين، وتحديداً بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية.
وكانت هذه المنطقة في أوائل القرن العشرين قد بدأت تكشف عن توفر مخزون هام من الثروة النفطية في أراضيها، مما زاد من شهية القوى الإستعمارية الرئيسية لمدّ نفوذها فيها. خاصةً وأن الحرب العالمية الأولى شهدت تطوراً ملحوظاً في استخدام مشتقات النفط في وسائل النقل والآليات العسكرية والسفن والغواصات الحربية، كما في سلاح الجو، الذي كان آنذاك في بدايات تطوره ودوره الهام، الذي سيتنامى لاحقاً، في الحروب.

النفط... عنصر هام في توجهات الدول الإستعمارية لرسم خريطة شرق المتوسط

وبين الدول الإستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية، كانت بريطانيا وفرنسا الأكثر اندفاعاً لوراثة مناطق السلطنة العثمانية المشرقية، فيما كانت الولايات المتحدة في تلك الحقبة تركّز اهتمامها على النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي القارة الاميركية، بشمالها ووسطها وجنوبها، إضافة الى بعض المناطق الآسيوية الشرقية التي تمددت إليها في أواخر القرن التاسع عشر، وفي المقدمة جزر الفيليبين. مع العلم بأن الولايات المتحدة وشركاتها النفطية قد ابدت إهتماماً متزيداً بنفط المشرق العربي والشرق أوسطي في تلك الحقبة، فعملت منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين على تأمين حصة لشركاتها في نفط العراق، وهو ما تحقق في أواخر العقد ذاته بعد عملية شد ومساومة مع بريطانيا، الطرف المسيطر آنذاك على العراق وعمليات استكشاف النفط في أراضيه. ومعروف أن واشنطن دخلت في الثلاثينيات والأربعينيات بقوة على المجال النفطي في شبه الجزيرة العربية، وخاصةً في المملكة السعودية، حيث سيطرت الشركات الأميركية فعلياً على استخراج النفط في أراضي هذه المملكة وتسويقه منذ وقت مبكر.
نورد هذه الإشارات بسبب كون توفر النفط، والغاز، كان عنصراً هاماً في حسابات القوى الإستعمارية الأوروبية، ولاحقاً الأميركية، لدعم إقامة الدولة اليهودية في فلسطين كموقع متقدم ونقطة ارتكاز للمصالح الغربية، من جهة، وللحؤول دون قيام دولة أو دول عربية قوية يمكن أن تهدد المصالح والهيمنة الغربية على مناطق النفط هذه.
وكما هو معروف، عملت بريطانيا وفرنسا، حتى أثناء الحرب العالمية الأولى وقبل حسم نتيجة الصراع فيها في أواخر العام 1918، على التخطيط لاقتسام المنطقة المشرقية العربية الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط غرباً وإيران شرقاً وبين تركيا الجديدة شمالاً وشبه الجزيرة العربية جنوباً، وهو ما تبلور في صفقة سايكس – بيكو الشهيرة المبرمة بين ممثلي الدولتين في العام 1916.
وهكذا تم رسم خارطة فلسطين الإنتدابية، كما وبلدان المنطقة الأخرى، من خلال مطامع وحسابات البريطانيين بدرجة رئيسية، والفرنسيين بالدرجة الثانية باعتبار أن فرنسا كانت المرشحة للسيطرة على المناطق المحاذية لفلسطين شمالاً وفي الشمال الشرقي، وهي المناطق التي تشكّلت لاحقاً كدولتي سوريا ولبنان.
والى جانب هاتين القوتين الإستعماريتين، كان هناك طرف ثالث له مشاريعه ومطامعه في هذه المنطقة آنذاك، وهو الحركة الصهيونية السياسية، التي تشكّلت في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، وتمكّنت، قبل زهاء العام من انتهاء الحرب العالمية، من استصدار تعهدٍ من الحكومة البريطانية يقضي بالتعاطي الإيجابي مع مشروع "إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين" وببذل الجهود لتسهيل تحقيقه، كما ورد في نص الرسالة الشهيرة التي وقّعها وزير الخارجية البريطاني آنذاك، آرثر بلفور، باسم الحكومة البريطانية، ووجهها لزعماء الحركة الصهيونية في بريطانيا وإيرلندا عبر إحدى الشخصيات اليهودية المحلية. وهو التعهد الذي صدر في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 1917 حتى قبل أن تسيطر القوات البريطانية فعلاً على الأراضي الفلسطينية أثناء الحرب مع قوات السلطنة العثمانية.
وكان البريطانيون، أثناء الحرب، يوزعون العهود والوعود بهدف تحقيق مصالح مباشرة في الحرب تساعدهم على كسبها، ثم هم يلتزمون بعد الحرب فقط بما يخدم مصالحهم اللاحقة ويؤمن تطلعاتهم الإستعمارية وأطماعهم الإقتصادية بالشكل الأكثر ملاءمةً لهم. ومن بين الوعود التي لم يتم الإلتزام بها ذلك الوعد الشهير الذي قُدم لشريف مكة، الحسين بن علي، بمساعدته على إقامة دولة عربية موحدة في المشرق العربي بعد زوال الحكم العثماني.

التصورات الأولى في فلسطين كانت في إطار وحدوي للمشرق العربي

وهكذا، وجد الشعب المقيم على الأراضي التي تحددت باسم فلسطين في خارطة ما بعد الحرب نفسه أمام وضع جديد تماماً ومثقل بالمخاطر، خاصةً بعد بدء ممارسة البريطانيين لسيطرتهم العسكرية ثم فرض نظام الإنتداب رسمياُ بعد انتزاعهم لقرار تشريعه من قبل عصبة الأمم، الهيئة الدولية التي تشكلت بعد الحرب. ولم تكن النخبة العربية الفلسطينية المسيّسة في بداية هذا الوضع الجديد قد بلورت توجهاتها بالنسبة لمستقبل البلد إلا في سياق التصور المأمول والموعود بقيام الدولة العربية الموحدة في المنطقة المشرقية.
ففي المؤتمر العربي الفلسطيني الأول الذي عُقد في القدس في مطلع العام 1919 بمبادرة من الجمعيات الإسلامية – المسيحية حديثة التشكل، كان أحد العناوين الرئيسية للمؤتمرين يتمثل في المطالبة بربط مصير فلسطين بمصير مجمل هذه المنطقة المشرقية، المطلوب تمتعها بالإستقلال وبقاؤها موحدة، على أساس ان فلسطين هي جنوب سوريا الكبرى المفترض تحررها من الإستعمار وتمتعها بالإستقلال. وقد برز هذا الشعار بشكل متكرر في الفعاليات الوطنية العامة والتظاهرات التي جرت في تلك السنوات الأولى من المرحلة الإنتدابية. وفي الدورات اللاحقة للمؤتمر العربي الفلسطيني في العشرينيات، جرت الإشارة الى استقلال فلسطين، ولكن دائماً في إطار صيغة وحدوية عربية أوسع.
وإثر توجه النخب في كل من سوريا ولبنان في السنوات اللاحقة الى السعي لتأمين الإستقلال الخاص لكلٍ من البلدين، بدأت تتبلور توجهات في فلسطين باتجاه المطالبة باستقلال البلد بحدوده المعروفة. ولكن الصيغة الأكثر وضوحاً على هذا الصعيد لم تتبلور على الصعيد المركزي الفلسطيني والعربي إلا لاحقاً. فعلى سبيل المثال، جرى أثناء مؤتمر لندن الذي انعقد في العام 1946 طرح فكرة تشكيل حكومة فلسطينية وإقامة دولة ديمقراطية موحدة في فلسطين. وكانت أطراف سياسية فلسطينية عدة قد طرحت صيغة كهذه منذ أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات. ولكن القيادة الفلسطينية التي تمثّلت منذ أواسط الثلاثينيات بـ"اللجنة العربية العليا" كانت قد تفرقت وغادر عدد من أعضائها فلسطين أو أُبعد بعضهم عنها بعد اندلاع ثورة 1936- 1939 الكبرى والقمع البريطاني العنيف لها، وأصبحت الدول العربية هي الطرف الأول المعني بالتعاطي مع البريطانيين والجهات الخارجية الأخرى بشأن مستقبل فلسطين وسكانها العرب، خاصة بعد تشكيل جامعة الدول العربية في منتصف الأربعينيات.
وقد تحقق استقلال سوريا وجلاء القوات الفرنسية عنها في العام 1946، بعد سنوات ثلاث على إعلان استقلال لبنان. كما شهد العام ذاته استقلال شرق الأردن الذي حمل اسم المملكة الأردنية الهاشمية. وبعد إعلان إقامة دولة إسرائيل يوم 14/5/1948 والحرب التي توسعت فيها الدولة الصهيونية خارج الحدود التي رسمها لها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام السابق، والمعروف باسم قرار التقسيم، لتشمل زهاء أربعة أخماس مساحة فلسطين الإنتدابية، عمدت الهيئة العربية العليا لفلسطين، التي تشكلت لتخلف اللجنة العليا، الى الدعوة لمؤتمر وطني فلسطيني في غزة في أوائل خريف العام 1948 تم فيه الإعلان عن قيام حكومة عموم فلسطين برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي. وهي الحكومة التي لقي إعلان تشكلها معارضة قوية من جانب المملكة الإردنية، وبقيت عملياً بعد حرب العام 1948 بدون صلاحيات فعلية، حتى في قطاع غزة، الذي أصبح بعد الحرب تحت السيطرة الإدارية المصرية. هذا في حين قام شرق الأردن بضم مناطق فلسطين الوسطى التي بقيت خارج المناطق المحتلة من قبل قوات الدولة الصهيونية الجديدة، وهي المناطق التي أصبحت تُعرف بعد ضمها باسم الضفة الغربية للأردن. حصل هذا الضم بعد أن شهدت مدينة أريحا، في شرقي الضفة الغربية، انعقاد مؤتمر لعدد من الزعامات التقليدية في الضفة الغربية في أواخر العام 1948، تم فيه توجيه الدعوة الى التوحد مع شرق الأردن تحت حكم الملك عبد الله، نجل الشريف حسين بن علي وشقيق الملك فيصل الذي كان أول ملوك العراق الجديد. وهو الضم الذي تم ترسيمه قانونياً في المؤسسات الأردنية في مطلع الخمسينيات.
وفي واقع الحال، كما بات الآن واضحاً من خلال الوثائق والمعلومات الكثيرة المتوفرة، كانت الأطراف النافذة المعنية، وفي المقدمة بريطانيا، تعمل حتى قبل حرب 1948 على إلغاء أي وجود مستقل للشعب العربي الفلسطيني ومنع قيام أي كيان خاص به. وكانت إدارة هاري ترومان في الولايات المتحدة غير بعيدة عن هذا التوجه، خاصة مع تنامي نفوذ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة وتأثيرها المتزايد على القرار السياسي في البلد خلال الأربعينيات. وهذه الحركة كان يهمها ألا تبقى هناك جهة أخرى غير الكتلة اليهودية تطالب بحقوق لها في فلسطين. وهكذا كان السعي لمحو أي وجود مستقل للشعب العربي الفلسطيني مدخلاً للإدعاء اللاحق بأن إسرائيل لم تقم على أنقاض شعب آخر، وبالتالي لا مكان للتجاوب مع المطالبات الفلسطينية بحقوق على هذه الأرض تتجاوز الجانب الإنساني البحت. وهو جانب لم تكن إسرائيل نفسها معنية حتى به، حيث كانت ترفض باستمرار وبلا انقطاع منذ بدء تهجير المواطنين الفلسطينيين إثر قرار التقسيم أية عودة للفلسطينيين المشردين الى وطنهم وأراضيهم. في حين كان المناخ العالمي المسيطر، خاصة في منظمة الأمم المتحدة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، يتعامل مع المشكلة باعتبارها مجرد مشكلة إنسانية معيشية، مشكلة لاجئين.
وكان التغييب الكامل لذكر فلسطين وشعبها شبه شامل على الصعيد العالمي طوال الخمسينيات ومعظم الستينيات، وعملياً حتى ما بعد حرب العام 1967. وإن كانت الفترة التي تلت نكبة العام 1948 قد شهدت تحركات متصلة في منطقتنا قامت بها بعض النخب الفلسطينية، ومن بين أنشطها مجموعات الطلاب الجامعيين الفلسطينيين في بلدان المنطقة، التي عملت على إعادة إحياء الحضور الفلسطيني وركّزت على ضرورة استرداد الحقوق الوطنية المصادرة وعودة المشردين والمقتلعين من وطنهم الى أرضهم وديارهم. لكن الغلبة في صفوف هذا الحراك الأولي، كما في الصفوف الشعبية الفلسطينية الواسعة، كانت الى حد كبير، طوال العقدين الأولين بعد النكبة، للتيار القومي والوحدوي العربي، وللرهان والتعويل على دور الدول والجيوش العربية في إحقاق الحق وهزيمة المشروع الصهيوني وتأمين عودة المهجّرين الفلسطينيين الى ديارهم. وهو توجه تعزز بقوة بعد وصول الضباط الأحرار الى السلطة في مصر في صيف العام 1952 ثم بروز نجم جمال عبد الناصر، خاصةً إثر تحديه للقوى الإستعمارية الغربية وعقد صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا في العام 1955 وقيامه بشق طريق سياسة إستقلالية مصرية وعربية جديدة، وبشكل أشد وضوحاً إثر قرار القيادة المصرية بتأميم شركة قناة السويس ومواجهة رد الفعل العسكري البريطاني - الفرنسي – الإسرائيلي عليه في النصف الثاني من العام 1956.
وبعد فترة وجيزة من إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا في شباط/فبراير 1958، توجه الحاج أمين الحسيني، رئيس الهيئة العربية العليا، الى الرئيس جمال عبد الناصر يدعو فيها الى انضمام فلسطين الى دولة الوحدة إنطلاقاً من توجهات المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي انعقد في غزة في خريف العام 1948، وهي الهيئة التي رأى الحسيني أن من الممكن أن تجتمع باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني، وفق ما جاء في رسالته، لتقرّ هذا المطلب رسمياً. وراهنت القوى القومية وقطاعات شعبية واسعة في الساحة الفلسطينية على هذا المشروع الوحدوي العربي بين مصر وسوريا للإطباق على إسرائيل وفرض استعادة حقوق الشعب الفلسطيني.

النموذج الجزائري وفشل الوحدة بين مصر وسوريا يشجعان التوجه الإستقلالي

لكن فشل هذه التجربة وإنهاء الوحدة بين البلدين في أيلول/سبتمبر 1961 أحدثا خيبة أمل كبيرة لدى الأوساط الفلسطينية التي كانت تراهن عليها. فبدأت الأفكار الداعية الى أخذ زمام الأمور بأيدي الشعب الفلسطيني نفسه تتفاعل حتى في هذه الأوساط القومية العربية.
وكانت حركة "فتح"، التي تأسست في أواخر الخمسينيات، قد طرحت في وقت مبكر ضرورة تولي الشعب الفلسطيني لدوره الخاص كطليعة وكرأس حربة لعملية التحرير هذه، مستلهمةً بشكل خاص نموذج الثورة الجزائرية، التي كانت آنذاك في أوج معركة شعبها التحررية. ونشرت مجلة "فلسطيننا"، الناطقة باسم حركة "فتح" الوليدة، في تلك الفترة سلسلة من الكتابات بهذا الإتجاه داعيةً الى تشكيل "كيان فلسطيني ثوري" يعيد السيادة الى "القسم العربي المتبقي من فلسطين"، كما ومطالبةً جامعة الدول العربية بالإعتراف بالجنسية الفلسطينية وبهذا "الكيان الفلسطيني الثوري"(1).
وقد تعزز هذا التوجه الإستقلالي بشكل متزايد في أوساط الناشطين الفلسطينيين بعد تفكك دولة الوحدة المصرية- السورية. وزاد من تعزز هذا التوجه الوطني الفلسطيني الخاص، المتميز عن التوجه القومي الذي يعطي الأولوية للوحدة، تحقيق ثورة الشعب الجزائري لانتصارها التاريخي في أواسط العام 1962 بانتزاع إستقلال الجزائر وإنهاء الوجود الإستعماري والإستيطاني الفرنسي في البلد والذي دام أكثر من قرن وربع القرن. وبالرغم من استمرار غلبة التوجه القومي العربي في الساحة الفلسطينية مع استمرار هيبة وشعبية جمال عبد الناصر ووصول حزب البعث العربي الإشتراكي، القومي النزعة، الى السلطة في كل من العراق وسوريا في العام 1963 وتداول جملة من المشاريع الوحدوية بين هذه الدول، إلا ان السنوات القليلة اللاحقة ستجعل حتى الأحزاب القومية العربية تعتمد صيغة ما من البنية التنظيمية الفلسطينية المتميزة في إطارها.
واستجابة لهذا المناخ الآخذ في التعاظم لتفعيل الدور الفلسطيني الخاص وفي الوقت ذاته في محاولة لتأطيره، قام مؤتمر القمة العربي الأول في الشهر الأول من العام 1964 بإقرار مبدأ تشكيل منظمة تمثّل الشعب الفلسطيني وتؤطر حراكه الوطني، وهي المنظمة التي تشكلت في أيار/مايو من العام ذاته مع انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول في مدينة القدس. ولكن قيام هذه المنظمة والسياقات غير المتبلورة لتوجهاتها الأولية على الصعيد العملي جعلت عدداً من القوى الفلسطينية والقومية الفاعلة، بما في ذلك حركة "فتح" وحزب البعث العربي الإشتراكي، وحتى في المراحل الأولى حركة القوميين العرب، تتشكك في جدية المشروع الجديد وفي استقلاليته عن الأنظمة العربية وقدرته على تولي المسؤولية التاريخية، خاصةً في مرحلة الغليان الواسع الذي كانت تعيشه الأوساط الفلسطينية الشعبية.
وشهدت تلك الفترة جدلاً بين حركة "فتح"، التي كانت تعمل قيادتها النافذة على البدء المبكر بالعمل المسلح ضد إسرائيل وباشرته بالفعل منذ مطلع العام 1965، وحركة القوميين العرب والأطراف القومية العربية الأخرى حول جدوى ومخاطر العمل الفلسطيني الإنفرادي بمعزل عن الأطراف العربية المؤثرة، وخاصة مصر. وتحدثت بعض هذه الأطراف المنتقدة عن مخاطر "توريط" الدول والجيوش العربية في حروب ومواجهات قبل إستعدادها الكافي للتعامل مع ردة الفعل الإسرائيلية المحتملة.
***
وأثبتت التطورات اللاحقة، عشية حرب حزيران/يونيو 1967 وبعدها بشكل أكبر، صحة توجه حركة "فتح" في عنوانين بارزين لنهجها:
# التركيز على استقلالية العمل الوطني الفلسطيني وإبراز الشخصية الوطنية المستقلة للشعب الفلسطيني.
# الدعوة الى تجاوز صيغ التبشير وقصر النشاط على التحركات الدعاوية والسياسية واستمرار الإنتظار والتعويل على التحرك العسكري العربي الموعود، وذلك من خلال الشروع في عمليات فدائية مسلحة ضد المواقع الإسرائيلية. وقد شهد العام 1966 التفافاً متزايداً حول هذا التوجه من قبل تيارات وتنظيمات فلسطينية عدة بدأت تشارك بدورها في مثل هذه العمليات، وهو التفاف تضاعف بعد احتلالات العام 1967، وبشكل أكبر وعلى نطاق جماهيري واسع بعد معركة الكرامة الشهيرة في آذار/مارس 1968.
وإذا كان هذان التوجهان صائبين وحققا هذا الإمتداد السريع لحركة المقاومة الفلسطينية في تلك الحقبة، فقد كان هناك غموض أكبر في الرؤية الإستراتيجية لعملية التحرر وفي تحديد أهداف النضال الفلسطيني، كما في تقدير أبعاد دور وقدرات الطرف الفلسطيني وحده على هزيمة المحتلين وتحقيق هذه الأهداف. وللإنصاف، فإن الأطراف الفلسطينية الرئيسية كانت مدركة الى حد ما لهذه النواقص أو الغموض، وهو إدراك تزايد مع الزمن ومع التجارب المتراكمة بعد اتساع العمل المقاوم.
وفي هذا السياق، بدأت في العام 1968 تُطرح من قبل حركة "فتح" فكرة قيام دولة فلسطينية ديمقراطية في كل فلسطين كهدف للنضال، دولة تتساوى فيها حقوق كل المواطنين المقيمين فيها بغض النظر عن أديانهم، وذلك طبعاً بعد إنجاز عملية التحرير. وهي صيغة قدمت قوى يسارية فلسطينية تطويراً لها في العام التالي من خلال الحديث عن دولة ديمقراطية موحدة يتم فيها حلً المسألتين الفلسطينية والإسرائيلية. كما كان هناك تصور لدى كافة القوى الفدائية الفلسطينية، بأشكال وصيغ مختلفة، على دور لاحق مكمل من قبل الشعوب والقوى العربية في معركة التحرير هذه، حيث من المفترض، في تصور هذه القوى، أن تتحول الحرب الفدائية الى حرب عصابات، ثم الى حرب تحرير شعبية.
وكان هناك مناخ واسع في تلك البدايات، وخاصة في مرحلة التواجد العلني في الأردن بين العامين 1967 و1970، يرى بأن الثورة الفلسطينية ستلعب دور العنصر المفجّر (الصاعق) للحراك الثوري العربي، سواء باتجاه تفعيل الدعم العربي لمساندة نضال شعب فلسطين من أجل التحرير أو من أجل إنجاز الوحدة العربية، وهو ما تلخّص في حينه في طرح شعار "تحرير فلسطين هو طريق الوحدة" بديلاً عن الشعار السابق الذي كان سائداً في الأوساط القومية العربية والقاضي بكون "الوحدة هي طريق التحرير".
وكان مؤسس "فتح" الأبرز ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير منذ مطلع العام 1969، ياسر عرفات، يكرر الحديث في خطاباته في تلك الحقبة عن "ممر الماراثون" في إشارة الى المعركة الشهيرة ضد الفرس في تاريخ اليونان القديم في القرن الخامس قبل الميلاد، موحياً بهذا المعنى، أي بأن الفلسطينيين يقومون بخوض المعركة نيابةً عن الشعوب العربية، في رهان برأيه ان هذا الكفاح سيساهم في استنهاض الوضع العربي. وقد أورد أحد كراسات التثقيف الداخلي في حركة "فتح" نُشر في أيلول/سبتمبر 1967 بالفعل انه "بعد فشل تجربة الوحدة أصبحت قضية فلسطين هي "القضية الحدية" القادرة على استنهاض القوى الثورية العربية، ولم يعد بالإمكان تحقيق الوحدة عن طريق آخر غير طريق فلسطين"(2).
ومن الواضح أن الكثير من الرومانسية الثورية كان يشوب هذا الرهان على قدرة الفعل الفلسطيني المقاوم وحده على استنهاض وتثوير الوضع العربي للعمل باتجاه التحرير والوحدة. وربما كانت الحماسة الشعبية العربية الواسعة للفعل الفلسطيني المقاوم، خاصة في مناخ هزيمة العام 1967 ومن ثم نموذج المقاومة الشجاعة ابان معركة الكرامة في العام 1968، عنصراً يصب في تعزيز مثل هذا الرهان. لكن التطورات اللاحقة في المسيرة الفلسطينية ستظهر أن هذا التقدير يغفل جوانب أخرى من الصورة، سواء ذلك المتعلق بشراسة واتساع نشاط الأطراف المعادية للعمل الفلسطيني المقاوم ومجمل المسيرة التحررية الفلسطينية، أو على ذلك الجانب الخاص بالعوامل المتعددة القادرة فعلاً على إستنهاض القطاعات الشعبية العربية، ومن بينها وفي مقدمتها عوامل داخلية في كل بلد.
وها نحن نشهد الآن في ثورات العام 2011 العربية الدور المركزي لعوامل كهذه، وهي العوامل المتعلقة بتطلع المواطنين للتخلص من استئثار قلة مستبدة وفاسدة بالسلطة ووضع حد لتغييب هذه القلة لدور الشعب في البلد المعني في القرارات السياسية والمصيرية وفي حل مشاكل المواطنين الحياتية المستعصية، وتحديداً على الصعيد الإقتصادي- الإجتماعي.
كما كان هناك الكثير من التبسيط في الرهان على دور الشعب الفلسطيني بمفرده ودور الكفاح المسلح الذي يخوضه في تحقيق الأهداف المرجوة، وخاصة هدف تحرير فلسطين، وفي توقع تفعيل الدور الشعبي العربي في إطار صيغ مثل "الجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية"، أو لاحقاً ما أُطلق عليه تعبير "الجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية"، وهي الصيغة التي تم اعتمادها في مطلع السبعينيات في لبنان بتنسيق مع الحركة الوطنية اللبنانية، وهي صيغة لم تكن في الواقع تختلف كثيراً عن صيغة "المساندة" التي تعتبر الدور الفلسطيني وحده هو المركزي في هذا النضال، بالرغم من تنامي فعالية ودور القوى الوطنية في لبنان في المجال المسلح خلال الحرب الأهلية التي سيشهدها البلد منذ العام 1975. وحتى الحديث في أدبيات القوى الفدائية في سنواتها الأولى عن التطوير المتدرج للعمل الفدائي، بحيث يتحول الى حرب عصابات، ثم الى حرب تحرير شعبية، بما يوفر شروط اندفاع لاحق للقوى العسكرية العربية للإنخراط في المواجهة، لم يكن ليوفّر بديلاً عن أهمية بلورة رؤية استراتيجية أشمل لمقتضيات المسيرة النضالية الفلسطينية ومتطلبات إنجاز أهدافها.
وهذه العناصر لم تكن غائبة تماماً عن قيادات فلسطينية رئيسية. ولكنها فرضت حضورها وحقيقتها بشكل أوضح في المراحل اللاحقة للنضال الفلسطيني المعاصر وعلى أرضية المراكمة الملموسة للخبرة والتجربة.

صعود حركة التحرر الفلسطينية... في ظل تراجع عام في الوضع العربي

وإذا كان الوضع العربي بقي في مرحلة ذهول وترقّب إنتقالية بعد الضربة الهائلة التي شكلتها حرب إسرائيل واحتلالاتها في حزيران/يونيو 1967، دخل عليها بعض الإنتعاش والأمل في الفترة القصيرة اللاحقة مع تنامي العمل الفدائي الفلسطيني ومع مواجهات حرب الإستنزاف على الجبهة المصرية في أواخر الستينيات، فإن العام 1970 سيشهد تحولاً سلبياً كبيراً عبر تطورين كبيرين:
# الأول ضربة أيلول/سبتمبر في الأردن وبدء خسارة القاعدة الهامة التي شكلتها الضفة الشرقية للأردن بعد حرب 1967، وهي الخسارة التي ستصل الى مداها الأقصى في صيف العام التالي 1971 بالإخراج الكامل لقوات المقاومة من الأردن.
# والتطور الثاني كان رحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، كمؤشر أول بارز على عملية تراجع واسعة في المنطقة بدأت بفعل حرب 1967 وكان مخططاً لها أن تقود الى محاصرة وتحجيم، وحتى هزيمة، حركة التحرر العربية، وفتح المجال أمام استعادة زمام المبادرة بالكامل في المنطقة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، سواء إسرائيل، من جهة، أو الأنظمة والتيارات المحافظة واليمينية العربية التي كانت تناصب عبد الناصر وقوى وتيارات حركة التحرر العداء والخصومة. وبات معروفاً الآن وموثقاً أن واشنطن، التي كانت على علم مسبق بنية إسرائيل تنفيذ حربها في أوائل حزيران/يونيو عام 1967، أعطت ما يشبه "الضوء البرتقالي" لها للمضي في هذه الحرب، وفق التعبير الذي استخدمه المؤرخ والأستاذ الجامعي الأميركي ويليام كوانت، المتابع لشؤون المنطقة في إطار عمله سابقاً في عدد من الإدارات الأميركية، ومنذ عقود طويلة كذلك في مجال العمل البحثي والأكاديمي. وقد أضاف هو نفسه في كتابه "عملية السلام" في توضيح تعبيره هذا بالقول انه، بالنسبة لغالبية سائقي العربات، فالضوء البرتقالي يوازي عملياً ضوءً أخضر(3).
***
ومن بين تقييمات قادة التنظيمات الفلسطينية بعد الخروج من الأردن، يلفت الإنتباه كلام للراحل صلاح خلف (ابو إياد)، أحد أبرز قادة "فتح" التاريخيين، في مقابلة أُجريت معه في أواخر العام 1971، قال فيها "ان الحاجات المالية للمقاومة فرضت التركيز على العلاقة مع الأنظمة العربية على حساب الجماهير العربية"، مضيفاً: "إذا استمر هذا الوضع أعتقد انه سيؤدي الى انهيار كامل لأن هناك تناقضاً حقيقياً بين الثورة الفلسطينية والعديد من الأنظمة العربية، إن لم يكن كلها"(4).
وبغض النظر عن التعابير التي استخدمها ابو إياد في حديثه هذا، والتي انطبعت بمناخ ما بعد الخروج من الأردن، إلا ان هذا الحديث يثير الإنتباه عندما يتم نقله في الزمن الى بداية التسعينيات وظروف انقطاع الدعم المالي الخليجي عن منظمة التحرير بعد اجتياح القوات العراقية للكويت، وأكثر من ذلك بعد الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في مطلع العام 1991 لإخراج العراق من الكويت وضرب قوته العسكرية، وهي المرحلة التي لم يكن مقدّراً للراحل صلاح خلف أن يعيشها ويتابع تفاعلاتها اللاحقة.
وقد تتالت الضربات لحركة التحرر العربية وقواها الوطنية بعد رحيل جمال عبد الناصر بهدف تحقيق المزيد من الإضعاف لها. وحتى حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وبالرغم من الإنجاز الجزئي الذي حققه المقاتلون العرب فيها على الأرض، فقد تم اختطاف نتائجها الجزئية هذه من خلال تدخلات وزير الخارجية الأميركي آنذاك، هنري كيسنجر، ومن خلال سياسات التهاون والتراجع والإستعجال التي اتبعها الرئيس المصري أنور السادات، الذي خلف جمال عبد الناصر، بحيث تم تبديد إنجازاتها، لتتواصل بعد ذلك تراجعات حركة التحرر العربية في إطار توجه أميركي استراتيجي لإحكام السيطرة المنفردة على المنطقة من خلال تكثيف الحضور السياسي، ولاحقاً العسكري، لواشنطن، ومن خلال إضعاف وتحجيم حضور الإتحاد السوفييتي والقوى والدول المتحالفة معه أو الصديقة له في المنطقة، بما في ذلك إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية الصاعدة.
وقد ذهب أنور السادات في حديث ثنائي له مع رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحيم بيغن في أواخر العام 1977 بعد زيارته الشهيرة لإسرائيل، وهو حديث كشفته وبثته إذاعة إسرائيل في مطلع العام التالي، الى حد القول ان "زعماء منظمة التحرير هم عملاء للإتحاد السوفييتي". وهي رواية نقلها، من موقع المتابع المباشر للدبلوماسية المصرية آنذاك، وزير خارجية مصر الأسبق محمد إبراهيم كامل، الذي تولى هذه المهمة في أواخر 1977 واستقال منها أثناء مؤتمر كامب ديفيد في أيلول/سبتمبر 1978 اعتراضاً على إدارة أنور السادات للمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي (5).
وكان من بين نتائج إخراج المقاومة الفلسطينية من الأردن في صيف 1971، ثم طرح الملك حسين لمشروع "المملكة العربية المتحدة" في آذار/مارس من العام 1972، تنامي الإقتناع في الساحة الفلسطينية بضرورة تحديد الأهداف بشكل أوضح وأكثر قابلية للتأثير في الواقع الفعلي وفي موازين القوى القائمة. فكانت حرب 1973 فرصة لطرح أوضح للتوجهات البرنامجية الجديدة في سياق مرحلي، وهي توجهات تبلورت بشكل متدرج وفي سياق مخاض صعب واجه معارضة واسعة في بداياته. وبالملموس، استدعت هذه التطورات تأكيد الإستعداد الفلسطيني عبر منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، كما أقرت بذلك قمة الرباط العربية في أواخر العام 1974، لتولي المسؤولية عن قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، في حال إنهاء الإحتلال الإسرائيلي لهذه الأراضي. وكانت هناك رهانات من قبل معظم القوى الفلسطينية قبل ذلك، وحتى لفترة وجيزة بعد ذلك، على إمكانية العودة للعمل في الأردن وعلى إمكانية تغيير المعطيات القائمة فيه لصالح الحركة الوطنية الأردنية وتشكيل جبهة وطنية فلسطينية – أردنية تسمح بعودة نشاط المقاومة الفلسطينية من الأردن. وهي رهانات لم تشق طريقها للتحقق.
وكانت التوقعات الفلسطينية بعد حرب العام 1973 متباينة حول احتمالات تحقق تسوية سياسية متوازنة في المنطقة اعتماداً على الإنجازات الجزئية لهذه الحرب وتأثيراتها الكبيرة على الوضع الداخلي الإسرائيلي، تسوية يمكن أن تشمل معالجة القضية الفلسطينية واستعادة الأراضي التي احتُلّت في العام 1967. فكان هناك من يرى أن الإمكانية قائمة لتحقيق هذه الأهداف المرحلية اعتماداً على الجهد العربي المشترك والتعاطف العالمي المتسع وعلى دعم الإتحاد السوفييتي، القوة العظمى المواجهة والموازِنة للولايات المتحدة، الحليف القوي لإسرائيل. وكان هناك، بالمقابل، من يرى أن هذه الإمكانية غير قائمة وأن ميزان القوى الراهن على الأرض لا يسمح بها في المستقبل القريب. كما كان هناك من يرى أن الموقف الفلسطيني ينبغي أن يكون مؤثراً في طرحه السياسي بحيث يساهم الجهد المبني على هذا الموقف في تحقيق التغيير المطلوب في ميزان القوى للوصول الى تحقيق هذه الأهداف المرحلية في أمد مرئي.
وفي نهاية المطاف، كانت هناك غلبة في الساحة الفلسطينية للمناخات التي كانت تدعو الى تولي منظمة التحرير المسؤولية عن المطالبة بالضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين وعدم ترك أية ثغرة أو التباس بهذا الصدد، خاصةً في حال انعقاد المؤتمر الدولي الموعود، والذي كان الإتحاد السوفييتي يدعو إليه بشكل خاص، في حين كانت الولايات المتحدة تعمل على تجاوزه، وترفضه إسرائيل بشكل كامل، متمسكة بالمفاوضات المباشرة مع كل طرف عربي على حدة، إستناداً الى اختلال ميزان القوى المحلي، والذي سيعكس نفسه في مفاوضات كهذه لصالحها.
وفي واقع الحال، ذهبت التطورات اللاحقة بالإتجاه الذي ترغب به الولايات المتحدة وإسرائيل، بدءً من إتفاق فصل القوات الأول بين مصر وإسرائيل في 18/1/1974، والذي عُقد بناءً على اتفاق سريّ رعاه هنري كيسنجر بين الطرفين المصري والإسرائيلي أثناء الإنعقاد القصير لمؤتمر جنيف في 21/12/1973، والذي لم يحضره من الجانب العربي سوى مصر والأردن، ولم يبحث في القضية الأساسية التي تتعلق بالإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. وهذا التطور، بعد سلسلة من السلوكيات للرئيس المصري أثناء الحرب، أدخل الشكوك بإمكانية بقاء الجبهة العربية التي شاركت في حرب 1973 متحدة لفرض تسوية تشمل كافة الجبهات، كما ومعالجة القضية الفلسطينية. وترسّخت هذه الشكوك بعد اتفاق فصل القوات الثاني بين مصر وإسرائيل في سيناء، والذي تم توقيعه في الرابع من أيلول/سبتمبر 1975. ووصلت الأوضاع الى منعطفٍ مفصليٍ عند زيارة انور السادات لإسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 1977، ثم عقده اتفاقيات كامب ديفيد الثنائية معها برعاية أميركية حصرية في أيلول/سبتمبر من العام التالي وتوقيعه المعاهدة المنفردة مع إسرائيل في آذار/مارس 1979.
هذه التطورات المتلاحقة أكدت كل الشكوك حول عدم رغبة الإسرائيليين (والأميركيين) بتحقيق تسوية شاملة على كافة الجبهات، وسعي الجانبين للاستفراد بكل طرف عربي على حدة، بدءً بالعمل على استبعاد الإتحاد السوفييتي من أي دور فعّال يوازن الدور الأميركي الداعم لإسرائيل. وهذا التوجه كان في جوهر سياسة هنري كيسنجر التي عُرفت باسم "الخطوة خطوة"، والتي استهدفت، بأفق إستراتيجي واضح، إخراج الإتحاد السوفييتي تدريجياً من الشرق الأوسط ومن المشاركة في رعاية التسوية بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي. كما وعملت إسرائيل بإصرار متواصل على استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية من التسوية واستبعاد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وبالتالي حقه في الإستقلال على أرضه. وهو موقف وجد تأييداً كاملاً من الجانب الأميركي من قبل الإدارات المتعاقبة.
وبالرغم من وجود بعض الفروقات بين مواقف حزب العمل الإسرائيلي وحزب الليكود وحلفائه اليمينيين الذين وصلوا الى السلطة لأول مرة في العام 1977 وحافظوا عليها منذ ذلك الحين باستثناء فترات قصيرة من عودة حزب العمل منفرداً مع حلفائه (1992- 1996، ثم 1999-2001) أو بالشراكة مع الليكود (1984- 1990)، إلا ان القطبين الرئيسيين في السياسة الإسرائيلية كانا متفقين على هذه الخطوط: الإصرار على المفاوضات المباشرة مع كل طرف عربي على حدة، ورفض المؤتمر الدولي الفاعل والمؤثر، واستبعاد أي دور للإتحاد السوفييتي، ورفض التعامل مع منظمة التحرير أو مع ممثلين للشعب الفلسطيني خارج الأراضي المحتلة، وحتى رفض أي تمثيل لفلسطينيي القدس الشرقية في المفاوضات (إلا، بالنسبة لحزب العمل، إذا تمت الإستجابة لشروط معينة لا تمس باستمرارية السيطرة الإسرائيلية الكاملة على القدس الشرقية وبقرار ضمها للدولة الصهيونية، وهو قرار اتخذته حكومة يقودها حزب العمل، مباشرة بعد حرب 1967).
وكان من الطبيعي أن يعتبر الفلسطينيون هذا التفسيخ للحل واندفاع السادات نحو الحل المنفرد إضعافاً لهم ولفرص تحقيق حل مرحلي متوازن على الجبهة الفلسطينية، وهي فرص ربما كان يمكن أن تتوفر لو بقي الموقف العربي متماسكاً وموحداً أثناء حرب 1973 وبعدها، واستمر ضاغطاً على الموقفين الأميركي والإسرائيلي للمدة اللازمة، بأشكال وأدوات مختلفة، بما في ذلك عبر مواصلة استخدام الدول العربية النفطية لسلاح وقف ضخ النفط أو التحكم بتوزيعه. ولكن، مع توجه السادات لترتيب وضعه الخاص مباشرة بعد الحرب وللإعتماد الكامل على الجانب الأميركي، ومع سعيه هو أيضاً من جانبه لاستبعاد الإتحاد السوفييتي، خاصة وانه سبق وقام بإخراج خبرائه العسكريين من مصر حتى قبل الحرب، منذ صيف العام 1972، أصبح واضحاً ان الأمور كانت تتجه نحو هذا الحل المنفرد. وأصبحت بعد ذلك إمكانية تحقيق تسوية تشمل كافة الجبهات في مهب الريح وخارج أي احتمال.
خاصةً وأن التحضيرات لاتفاق فصل القوات الثاني على الجبهة المصرية ترافقت مع إشتعال الحرب الأهلية في لبنان وما نتج عنها من إشغال واستنزاف لمنظمة التحرير ولمجمل الوضع العربي المعارض لخيار الحل المنفرد على الجبهة المصرية. كما ان إتفاقات كامب ديفيد والمعاهدة المصرية- الإسرائيلية تزامنت مع تصعيد عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان خاصةً منذ العام 1978، انتهى بالوصول الى اجتياحٍ واسعٍ للبلد في أواسط العام 1982 في إطار توجه إستراتيجي لتطويع البلد من قبل إسرائيل وإلحاقه بعملية كامب ديفيد، وقبل ذلك لضرب منظمة التحرير الفلسطينية فيه وإلغاء دورها ومجمل وجود حركة التحرر الفلسطينية، كما كان يأمل مهندس الحرب، آريئيل شارون. وبالرغم من الصمود الكبير للمقاومة الفلسطينية وحلفائها الوطنيين اللبنانيين طوال أكثر من شهرين، انتهت الحرب، كما هو معروف، بخروج قوات منظمة التحرير وتشتتها في عدة بلدان، وهو ما فتح أبواب مرحلة من الإنقسامات والإرباكات في الساحة الفلسطينية.
وفي هذا المناخ، تم الإعلان عن مبادرة الرئيس الأميركي رونالد ريغن في مطلع أيلول/سبتمبر من العام 1982 لمعالجة مصير الأراضي المحتلة، وهي المبادرة التي عٌرفت باسمه، واستهدفت إعطاء ترضيات محدودة للجانب العربي وامتصاص النقمة الشعبية في المنطقة على حرب لبنان، وفي الوقت ذاته الإلتفاف على الحقوق الفلسطينية وعلى منظمة التحرير ومشروعها للإستقلال الوطني، عبر التركيز في المبادرة على أولوية الدور الأردني في مفاوضات استعادة الأراضي المحتلة، مع ترضيات لفظية للشعب الفلسطيني تتحدث عن معاناته وعن حقوق عامة غير محددة له، وآلية حكم ذاتي في الأراضي المحتلة عام 1967 مشتقة من الصيغة المعتمدة في اتفاقات كامب ديفيد. وهي مبادرة لقيت، على أية حال، رفضاً إسرائيلياً فورياً لها، ولم تشق أي طريق لها في السنوات القليلة اللاحقة. لكنها أثارت إشكالات وشكوكاً ومخاوف في الساحة الفلسطينية، التي خرجت من حرب 1982 مثخنة بالجراح. كما أعطت المبادرة الأميركية دفعة قوية لإعادة إحياء ما كان يطلق عليه الإسرائيليون تعبير "الخيار الأردني".
فبالرغم من الرفض الحكومي (الليكودي) الإسرائيلي لمشروع ريغن، كما ذكرنا، تواصلت بعد الحرب محاولات الإلتفاف على التمثيل الفلسطيني المستقل، خاصة بعد أن عاد حزب العمل الإسرائيلي ليشارك في حكومة إئتلافية مع الليكود إثر انتخابات الكنيست التي جرت في العام 1984. حيث تولى شمعون بيريس، زعيم حزب العمل آنذاك، رئاسة الحكومة حتى العام 1986 ثم وزارة الخارجية حتى العام 1988، وهي فترة تواصلت خلالها المساعي، من جانبه خاصةً، للتركيز على إعادة إحياء دور الأردن في التعاطي مع مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة، بصيغة إلحاق التمثيل الفلسطيني بالأردن، إستناداً الى الصيغة الواردة في مشروع ريغن. وفي الفترة ذاتها أيضاً وبعد الإنقسامات التي شهدتها حركة "فتح" ومجمل الساحة الفلسطينية، اندلعت حروب المخيمات في لبنان في صيف العام 1985، على خلفية محاولات سورية لتحجيم الدور الفلسطيني المستقل ولإلحاقه بسورية في سعيها لجمع الأوراق وتدعيم موقعها التفاوضي تجاه إسرائيل بعد خروج مصر من معادلة الصراع.
وكادت كل هذه الجهود لإعادة إلغاء الإستقلالية الفلسطينية أن تحقق بعض النتائج في أواخر العام 1987، مع انعقاد القمة العربية في عمان وتهميش الحضور الفلسطيني فيها، لولا اندلاع الإنتفاضة الشعبية الكبرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بعد هذه القمة بأسابيع قليلة، وهو الحدث الذي أدى الى تراجع مناخات التهميش هذه، والى إعادة الإعتبار لإستقلالية التمثيل الفلسطيني وللدور القيادي لمنظمة التحرير. كما وضع حداً عملياً لحروب المخيمات في لبنان ولمحاولات وراثة منظمة التحرير والسيطرة على "الورقة الفلسطينية"، كما ولجهود أنصار "الخيار الأردني" في إسرائيل.
وستشهد المرحلة التالية، بالرغم من ذلك، تحركات محمومة من قبل الإدارة الأميركية، ترافقت مع حملات القمع الإسرائيلية الشرسة للإنتفاضة، استهدفت بمجملها إيجاد مدخل لوقف الإنتفاضة، وما كانت تشكله من ضغط معنوي وسياسي متزايد على إسرائيل، مقابل ترضيات محدودة للجانب الفلسطيني. وهو ما ظهر في مشروع وزير الخارجية الأميركي جورج شولتس الذي طُرح في 4/3/1988 وتضمن اختزالاً للمهل الزمنية المحددة في اتفاقات كامب ديفيد المصرية – الإسرائيلية لتطبيق مشروع الحكم الذاتي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهنا أيضاً لقيت المبادرة الأميركية الجديدة رفضاً إسرائيلياً، في حين اعتبرتها الهيئات الفلسطينية المقررة قاصرة عن الإستجابة لمتطلبات الوضع الجديد. لكن محاولات استدراج منظمة التحرير تواصلت بعد ذلك، حتى بعد دورة المجلس الوطني في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته، والتي أصدرت إعلان الإستقلال والبيان السياسي المرافق له، وبعد الإعترافات الدولية الواسعة بإعلان دولة فلسطين، ثم بعد تحدي غالبية ساحقة من دول العالم الرفض الأميركي للسماح لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عرفات بالحضور الى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، عبر إقرار هذه الغالبية لنقل جلسة الجمعية العامة الى مدينة جنيف للسماع لكلمته. حيث مورست ضغوط عديدة في تلك الفترة على قيادة منظمة التحرير من قبل وسطاء متعددين للقبول بالشروط الثلاثة الشهيرة للحوار الأميركي مع المنظمة، والتي التزمت واشنطن لإسرائيل باثنين منها في ملحق سري لاتفاق سيناء الثاني لفصل القوات مع مصر في العام 1975 وأضافت لها هيئتها التشريعية شرطاً ثالثاً في أواسط الثمانينيات يتعلق بنبذ الإرهاب.
وكان واضحاً أن الهدف الأميركي الرئيسي من كل هذه التحركات هو وضع حد للإنتفاضة الشعبية الفلسطينية، وهو ما كان يستشعره الراحل ياسر عرفات في الإجتماعات الداخلية. حيث نقل عنه القيادي الراحل ممدوح نوفل في كتابه "البحث عن الدولة" قوله بعد إحدى جلسات الحوار الفلسطيني مع السفير الأميركي في تونس في آذار/مارس من العام 1989: "الحوار مع الأميركان يدور في حلقة مفرغة، والأميركان منحازون للمواقف الإسرائيلية، وهمهم الرئيسي إجهاض الإنتفاضة" (6). وهو استخلاص تناغم معه نائب وزير الخارجية السوفييتي (بولياكوف) في لقائه مع وفد قيادي فلسطيني زار موسكو في 28/3/1989، وفق محضر نُشر في الكتاب ذاته، حيث قال المسؤول السوفييتي لضيوفه الفلسطينيين ان الأميركيين يريدون "مبادلة الإنتخابات (يقصد انتخابات الحكم الذاتي في الأراضي المحتلة) بالإنتفاضة" (7).
واستمرت هذه المساعي الأميركية حتى بعد قرار واشنطن قطع الحوار مع منظمة التحرير في حزيران/يونيو 1990 بذريعة قيام مجموعة من فدائيي جبهة التحرير الفلسطينية بمحاولة النزول في زورق مطاطي للقيام بعملية بالقرب من تل أبيب في أواخر شهر أيار/مايو السابق، علماً بأن الزورق وفدائييه جرى اعتقالهم قبل القيام بالعملية.
وشهدت مساعي الولايات المتحدة زخماً أكبر بعد الحرب التي قادتها واشنطن في مطلع العام 1991 لإخراج القوات العراقية من الكويت وضرب القوة العسكرية العراقية، وهي المرحلة التي شهدت تمزقاً كبيراً للصفوف العربية وإضعافاً للقوى المعارضة لاتفاقات كامب ديفيد كما ولمجمل الوضع العربي. وجرى ذلك في مرحلة كان فيه الإتحاد السوفييتي قد دخل في طور التفكك والإنهيار، مما أدى الى فقدان منظمة التحرير لحليف دولي رئيسي يوازن، الى حد ما، الإنحياز الأميركي الكامل لإسرائيل. وهو انحياز تواصل حتى في ظل إدارة جورج بوش الأب، الذي كان يسعى لإعطاء الإنطباع، مع وزير خارجيته جيمس بيكر، بأن هذه الإدارة أقل اندفاعاً لدعم إسرائيل ومشاريعها الإستيطانية من إدارة رونالد ريغن التي سبقته. خاصةً وان هذه الإدارة الأميركية كانت تسعى لضمان حضور سياسي وعسكري فاعل في المنطقة العربية، وخاصة منطقة الخليج الإستراتيجية ومحيطها، بعد تفرد الولايات المتحدة بالنفوذ الكوني إثر انهيار الإتحاد السوفييتي، واستباقاً لتنامي أية قوى أخرى يمكن أن تنافس الولايات المتحدة على المستوى العالمي، وفق ما أفصحت عنه وثائق تسربت في تلك الفترة من وزارة الدفاع الأميركية.
وجرى، إنطلاقاً من هذا التوجه الأميركي، ترتيب عقد مؤتمر مدريد في أواخر العام 1991 بصيغة تمثيل فلسطيني في إطار وفد أردني- فلسطيني مشترك، تقتصر المشاركة الفلسطينية فيه على ممثلين من الأراضي المحتلة عام 1967، دون القدس الشرقية، وبغطاء دولي شكلي للمؤتمر، الذي تم تصميمه في الواقع ليتحول بعد الإفتتاح الى مفاوضات ثنائية مباشرة مع إسرائيل يشارك فيها كل طرف عربي على حدة، بما في ذلك الطرف الأردني- الفلسطيني، الذي سيتوزع لاحقاً الى وفدين مترابطين.
ولكن كل هذه المفاوضات لم تقد الى نتيجة تذكر، حتى بعد وصول حزب العمل الإسرائيلي الى السلطة في أواسط العام 1992. وهو الوضع الذي دفع مركز القرار الفلسطيني الى الإتجاه في أواخر العام ذاته للتفاوض السري في قناة خلفية، انتهت، كما هو معروف، بالتوصل الى اتفاق أوسلو والمرحلة الجديدة التي دشنها، عبر بدء تطبيق صيغة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة وانتقال الثقل القيادي الفلسطيني المقرر الى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو وضع ما زال قائماً حتى الآن، مع بعض التطورات المحدودة، مثل إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج قطاع غزة وحوله في العام 2005، وقبل ذلك في العام 2002 إعادة احتلال الجيش الإسرائيلي للمدن والمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية التي كانت مصنّفة ضمن مناطق "أ" وفق اتفاق أوسلو-2، بالإضافة الى إستمرار حكومات إسرائيل المتلاحقة كافة في مواصلة تهويد القدس الشرقية ومضاعفة الإستيطان في معظم أرجاء الضفة الغربية طوال السنوات التي تلت اتفاق أوسلو.
وما يلفت الإنتباه في الفترة التي تلت انتخابات الكنيست الثالثة عشرة في أواسط العام 1992، ان رئيس الحكومة الجديد إسحق رابين اتجه في الأشهر الأولى لولايته الى التركيز على قناة التفاوض مع سوريا، في رهان، على الأغلب، بأن تقود أية صفقة مع سوريا الى مزيد من إضعاف الجانب الفلسطيني الذي يبقى هكذا عملياً وحده، نظراً لكون القضايا المتعلقة بأي حل مع الطرف الفلسطيني هي قضايا أكثر صعوبةً وحساسيةً بالنسبة للناخب الإسرائيلي من قضية الجولان. خاصة وأن هناك إجماعاً صهيونياً على عدم التخلي عن القدس الشرقية وعن مساحات إستيطانية واسعة في بقية الضفة الغربية، ورفض الإنسحاب الكامل، بالتالي، من الضفة الغربية، بالإضافة طبعاً الى رفض أي التزام بقرار الأمم المتحدة الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.
وبعد أن تعثرت القناة التفاوضية السورية في الأشهر الأولى لحكومة رابين- بيريس، استجاب رابين لدعوات وزير الخارجية بيريس ونائب الوزير يوسي بيلن لاعتماد قناة أوسلو السرية التي كانت قد شهدت بدء الإتصالات الإسرائيلية شبه الرسمية مع الجانب الفلسطيني فيها منذ أواخر العام 1992، في سياق إستطلاعي أولي في ذلك الحين. وجرى بعد ذلك الدفع باتجاه عقد صفقة إعلان المبادئ والسعي لتطبيق صيغة الحكم الذاتي المعروفة، وكل التطورات اللاحقة التي تلتها.
وكان رابين قد سرّب رسالة الى الجانب الفلسطيني عبر وزير الخارجية المصري آنذاك عمرو موسى، الذي كان قد زار إسرائيل في أوائل خريف العام 1992 حاملاً معه جملة من الإستفسارات من القيادة الفلسطينية، منها استفسار يتعلق بالقدس الشرقية. فقد نقل عضو القيادة الفلسطينية ومسؤول لجنة متابعة المفاوضات فيها آنذاك محمود عباس في كتابه "طريق أوسلو"، الصادر عام 1994، عن الوزير المصري الذي التقاه يوم 9/10/1992 بعد عودته من زيارته الإسرائيلية، تعليق رابين على إثارة موضوع القدس من الجانب الفلسطيني، بقوله: "أتمنى على الفلسطينيين أن يتفاوضوا معي بجدية ولا يتمسكوا بالقشور، وقبل ذلك فلن أبحث في هذه القضايا. فقد ظهر لي ان السوريين أكثر جدية من الفلسطينيين"... مضيفاً: "من جهتي، فانني لن أتحرك أذا بقي الأمر هكذا. وإذا كانوا جادين وجديين فأنا على استعداد لمساعدتهم" (8).
ولم يكتفِ رابين بهذه الرسالة الواضحة المغزى والغرض للجانب الفلسطيني، بل عمل بشكل ملموس، كما ذكرنا،على تنشيط القناة التفاوضية مع سوريا. حيث استبدل منذ بداية ولايته رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض مع سوريا في محادثات واشنطن بشخصية أقرب الى مواقف حزب العمل، وهو الأستاذ الجامعي إيتامار رابينوفيتش، في حين احتفظ برئيس الوفد المفاوض مع الجانب الأردني - الفلسطيني السابق بدون تغيير، وهو إلياكيم روبنشتاين، الذي كان سبق وعيّنه إسحق شامير منذ بدء مفاوضات مدريد وواشنطن في العام 1991.
والمهم هنا أن سياسة الإستفراد بكل طرف عربي على حدة بقيت هي السائدة بين عهدي الليكود وحزب العمل، مع فارق أن الليكود لم يكن يرغب بالتقدم والوصول الى أية نتيجة، كما أوضح إسحق شامير نفسه بعد فشله في انتخابات 1992، في حين ان حزب العمل بقيادة رابين كان مستعداً للوصول الى صفقات محدودة تخدم مصالح إسرائيل، وتستغل مرحلة الضعف الشديد التي كان يمر بها الوضع العربي بعد الإحتلال العراقي للكويت وبعد الحرب التي أعقبته ضد العراق، وبعد التفرد الأميركي بالنفوذ الكوني والإقليمي إثر انهيار الإتحاد السوفييتيي والتمركز العسكري الأميركي في الخليج. ورابين، بتوجهه أولاً لاعتماد القناة السورية وإشارته للجانب الفلسطيني بشأن جدية السوريين مقارنة بهم، عمل بشكل واضح على استخدام فقدان الثقة بين الطرفين الفلسطيني والسوري لتسعير التنافس بين الطرفين والتلويح للجانب الفلسطيني خاصةً، الذي كان وضعه الأضعف بحكم ترتبات حرب الخليج الثانية وحجب الأموال الخليجية عنه، بأنه، إذا لم يكن "جدياً"، أي إذا لم يستجب لمتطلبات الصفقة التي يمكن أن تكون مقبولة لإسرائيل، فإنه سيجد نفسه في حال وقوع صفقة مع سوريا في وضع أكثر ضعفاً وعزلة.
وما جرى بعد ذلك بات واضحاً وحسم الكثير من الجدل حول الرهانات والتوقعات المعلّقة في مطلع التسعينيات، في ظل اختلال كبير في موازين القوى، لا يقارن إطلاقاً بالوضع الفلسطيني في أواسط السبعينيات الماضية. فمجمل التطورات التي جرت منذ اتفاقي فصل القوات بين مصر وإسرائيل ثم اتفاقات كامب ديفيد وحربي الخليج وانهيار الإتحاد السوفييتي كلها صبت باتجاه إضعاف المواقف العربية، وخاصة الموقف الفلسطيني، تجاه إسرائيل والولايات المتحدة.
ومع الأخذ بعين الإعتبار ضرورة قراءة أية أحداث ماضية في سياقها التاريخي وليس بأعين اليوم، بإمكاننا القول أن وجهة نظر شخصية وطنية بارزة مثل د. حيدر عبد الشافي، وهو الذي قاد الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد ومحادثات واشنطن، بشأن اتفاق أوسلو، كانت تتلمس حقيقة الوضع واحتمالاته منذ اللحظات الأولى للتوقيع على الإتفاق. ففي مقابلة أجرتها معه "مجلة الدراسات الفلسطينية" ونشرتها مباشرة بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، أوضح تحفظاته الأساسية على الإتفاق. فقال في ما قال: "أعتقد اننا قمنا بتضحيات مخيفة في مقابل إتفاقية تشتمل على عيوب كثيرة". وأضاف: "إن أول وأهم عيب هو ان الإتفاقية لا تعالج المطالبة الإسرائيلية غير القانونية بالأراضي المحتلة"... و"لا يوجد في الإتفاقية ما يشير الى ان النشاط الإستيطاني سيتوقف"... و"يمكن لإسرائيل أن تستشهد بصمتنا على أنه قبول ضمني" بفكرة كون الأراضي متنازعاً عليها... وينتهي الى القول:"في اعتقادي انه لا نية لدى إسرائيل للسماح بقيام دولة أبداً" (9).
ومن الواضح أن التطورات، بمعزل عن حدث اغتيال رابين اللاحق، تصب لصالح تقديرات د. عبد الشافي. فحتى إسحق رابين، لم تصدر عنه إطلاقاً أية إشارة الى إمكانية قبوله بفكرة الإستقلال الفلسطيني. وهو أوضح مباشرة بعد التوقيع على اتفاق طابا (أوسلو-2) في خريف العام 1995 أن رؤيته للحل النهائي تقوم على أساس كيان فلسطيني محاطٍ بدولتي إسرائيل والأردن، بحيث يكون هذا الكيان "أقل من دولة"، حسب تعبيره، ويبقى منزوع السلاح وتحتفظ إسرائيل بسيطرتها على "القدس الموحدة" وبالمستوطنات الكبرى القريبة من حدود 1967، مع وجود عسكري لها في وادي الاردن، كما جاء في خطابه أمام الكنيست في سياق طرح الإتفاق الجديد على التصويت في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1995، أي قبل شهر من اغتياله.
وكان رابين قد ذكر قبل ذلك في مقابلة مع صحيفة "دافار" نشرت بعد أيام على توقيع اتفاق أوسلو (10): "أنا شخصياً أعارض قيام دولة فلسطينية بيننا وبين الأردن". وكان مندوبه لرئاسة وفد المفاوضات مع الجانب السوري في واشنطن إيتامار رابينوفيتش قد أكّد قبل ذلك بأيام في مقابلة مع الصحيفة ذاتها "دافار" ان "الفلسطينيين سيسعون لإقامة دولة خاصة بهم، وندرك أيضاً أننا نعارض ذلك، ونؤمن بقدرتنا على منع قيام دولة فلسطينية... ولا يستطيع أحد ليّ ذراعنا وإرغامنا على توقيع اتفاق لا نريده" (11). كما أورد المؤرخ والأستاذ الجامعي الإسرائيلي المقيم في بريطانيا آفي شلايم تقديراً مشابهاً حين ذكر في كتابه "الجدار الحديدي" ان "رابين كان يعارض دولة فلسطينية مستقلة، ولكنه كان يميل الى كونفدرالية أردنية- فلسطينية" (12).

لا تغيير في مواقف الولايات المتحدة وإسرائيل بدون تغيير في موازين القوى

وهكذا يبدو واضحاً ان الموقف الإسرائيلي، وكذلك الموقف الأميركي، لا يمكن أن يتغيرا بما يسمح بتحقيق هدف الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967 بدون ضغوط كبيرة تمارس على الطرفين. وهذه الضغوط لا يكفي أن تكون ضغوطاً فلسطينية، لمحدودية قدرات وأوراق الجانب الفلسطيني تجاه الحلف الأميركي- الإسرائيلي، خاصة بعد خروج مصر من المواجهة وبعد التطورات اللاحقة السلبية في المنطقة العربية وفي العالم.
وفي هذا الصدد، أوضح إسحق رابين نفسه في المقابلة ذاتها مع صحيفة "دافار"- 29/9/1993- نظرته الى التأثير "الأمني" للفعل الفلسطيني على إسرائيل قائلاً: "الفلسطينيون لم يشكلوا قط ولا يشكلون ولن يشكّلوا خطراً على أمن وجود إسرائيل. الفلسطينيون شكّلوا ويشكلون وسيشكلون خطراً على الأمن الشخصي لجزء من مواطني إسرائيل بواسطة العنف والإرهاب..."، على حد تعبيره في المقابلة (13).
وبغض النظر عن مدى دقة تحليل رابين في مقابلة صحافية كانت لها وظيفة آنية في حينه، وهي طمأنة جمهوره الإسرائيلي لمحدودية الخطر الجديد الذي يمكن أن ينشأ بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، فهو كرجل عسكري كان دائماً يرى القضايا السياسية من منظاره "الأمني" في المقام الأول، فإن واقع إختلال موازين القوى بين الشعب الفلسطيني والدولة الإسرائيلية هو أمر لا يمكن نفيه. ولولاه لسارت الأمور بشكل مختلف.
وعموماً، كانت القيادات الفلسطينية ترى بان الكفاح المسلح الذي انطلق في أواسط الستينيات الماضية كان يستهدف بالدرجة الأولى إعادة إبراز الحضور المستقل والهوية الفلسطينية الخاصة وتعبئة وتوحيد مشاعر وتطلعات وفعل الشعب الفلسطيني، والعمل على الإستنهاض اللاحق لقوى المحيط العربي لتحقيق التوازن الضروري مع الدولة الصهيونية.
وإذا كان هذا الكفاح الفلسطيني من المفترض أن يقوم بدور "الصاعق" الذي يستنهض الموقف العربي والدولي، فهذا الكفاح تنامى وتطور منذ أواخر الستينيات الماضية في مناخ كان يشهد تراجعاً متواصلاً في هذا الوضع العربي كما في ميزان القوى الدولي المؤثر على الوضع الفلسطيني، على الأقل حتى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
وإذا كان صحيحاً أن المناخ الدولي قد استمر، بالرغم من خسارة الحضور السوفييتي، في تعاطفه مع الحقوق الفلسطينية، وإن كان حصل شيء من التراجع في بعض الحالات، فإن العامل الدولي بمفرده يبقى غير كافٍ لحسم الموقف. خاصة وان الدولة الوحيدة التي لها تأثير جدّي على القرار الإسرائيلي، وهي الولايات المتحدة، في غير وارد الضغط على إسرائيل أو تخفيف إنحيازها لها، في ظل غياب ضغط محلي وإقليمي مؤثر يمارس عليها.
ومن حيث المبدأ، يمكن التفكير بتنمية ضغط داخل الولايات المتحدة نفسها كما حصل ابان الحرب الفييتنامية وفي مرحلة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. لكن الأمر أصعب بكثير في الموضوع الفلسطيني والصراع العربي- الإسرائيلي نظراً للتأثير الكبير للوبي المؤيد لإسرائيل، خاصة في المؤسسات التشريعية الأميركية ومجمل العمليات الإنتخابية في البلد، كما في وسائل الإعلام والدعاية، الى جانب تنامي تيارات دينية داعمة لإسرائيل، والأهم التداخل الأكبر بين المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة وخارجها. وإن كانت هذه الصعوبة ينبغي ألا تحول دون السعي الدؤوب لتغيير هذا الواقع عبر العمل على توفير الشروط ومراكمة الضغوط الضرورية لتحقيق ذلك، مهما طال الزمن.
ومن الضروري التوضيح بأن بعض المقارنات التي سيقت مراراً في بدايات الثورة الفلسطينية بين النضال الفلسطيني ونضالات شعوب أخرى مثل الشعب الجزائري والشعب الفييتنامي هي مقارنات تحتاج الى تمحيص أكبر. فإذا كان صحيحاً أن يأخذ الشعب الفلسطيني زمام أمور قضيته بأيديه، كما فعل في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، محققاً النجاحات المعروفة على صعيد تثبيت الإعتراف العالمي الواسع به وبحقوقه، فإن حسم الصراع لصالح الحقوق الفلسطينية يتطلب أكثر من الجهد الفلسطيني وحده، العسكري وغير العسكري.
والمقصود ليس فقط الجهد العربي، وخاصةً جهد الدول المحيطة بفلسطين، على أهمية ومركزية هذا الجهد، وإنما جهود دول نافذة أخرى في المحيط الإقليمي وعلى الصعيد الدولي، توفّر بشكل جماعي الضغط المطلوب على الولايات المتحدة، من جهة، لدفعها لرفع تغطيتها السياسية والعملية لسياسات العدوان والتوسع الإسرائيلية، كما على إسرائيل نفسها، من جهة أخرى، لدفعها للقبول بحل متوازن غير تلك الحلول الإسرائيلية التي دأبت على طرحها منذ مشروع ألون في العام 1967 وحتى مشاريع الحكم الذاتي التي طُرحت أولاً من قبل حكومة الليكود الأولى في أواخر العام 1977. فالحل المرحلي الذي يأخذ بعين الإعتبار مصالح الشعب الفلسطيني وتطلعاته الراهنة بحدها الأدنى، والتي أوضحها إعلان الإستقلال الفلسطيني عام 1988، يتطلب تغييراً ملموساً في موازين القوى ويحتاج، بالتالي، الى نفس طويل وبلورة استراتيجية نضالية وسياسية تسعى الى تأمين شروط تحققه.
ويجدر هنا أن نشير الى ما نقله مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية د. جورج حبش عن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر أثناء لقائه به في العام 1964، حين قال الأخير لضيفه الفلسطيني: "ان مواجهة إسرائيل تعني القتال ضد الولايات المتحدة، وهو وضع يختلف عن وضعي اليمن والجزائر"، وفق ما نقله الصحافي جورج مالبرونو على لسان "الحكيم" في الكتاب الذي صدر باللغة الفرنسية قبل أيام قليلة من رحيله في مطلع العام 2008 (14). وهو قول يشير بوضوح الى مستوى إدراك القائد المصري الراحل لحقيقة تعقيد الصراع في المنطقة وأبعاده الإستراتيجية.
أما في مجال المقارنة التي طُرحت في الستينيات مع فييتنام، فيجدر القول أن هناك فارقين كبيرين، بين فروقات عديدة، بين التجربتين: فمن جهة، شعب فييتنام هو شعب كبير عددياً (حالياً أكثر من 90 مليون نسمة) مقارنة بالشعب الفلسطيني الذي هو أصغر عدداً من شعوب عدة في المنطقة المحيطة بفلسطين. ومن جهة أخرى، توفرت لدى الشعب الفييتنامي، خاصة بعد انتصار الثورة الصينية في العام 1949، قاعدة خلفية قوية وكبيرة، بالإضافة الى قاعدة أهم وأقوى وراءها، هي الإتحاد السوفييتي، الذي كان بإمكانه إرسال المعونات لفييتنام عبر الصين وحدها، أو عبر البحر من الشواطئ الآسيوية للإتحاد السوفييتي.
والأمر سيكون مختلفاً لو كانت المشكلة في منطقتنا تتعلق ببلد بحجم مصر. ومن المؤكد أن خروج مصر من الصراع ولجوء الرئيس المصري أنور السادات الى الحل الثنائي المنفرد قادا عملياً وفعلياً الى إبعاد مصر عن الصراع والتخلي في صفقة كامب ديفيد عن القضية الفلسطينية وترك إسرائيل تتصرف بها، في مواجهة غير متكافئة ليس فقط مع الشعب الفلسطيني وإنما مع كل شعوب ودول الجبهة العربية الشرقية. وهو ما اكتشفه المسؤولون السوريون أنفسهم، حين بدأوا بالحديث بعد اتفاقات كامب ديفيد عن تأمين "التوازن الإستراتيجي" مع إسرائيل، وانتهوا بعد العام 1987، وبشكل أكثر وضوحاً بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 وانهيار الإتحاد السوفييتي، بالحديث عن "خيار السلام كخيار وحيد"... دون أن يصلوا بعد أكثر من أربعين عاماً من الإحتلال الى استعادة أرضهم التي احتُلت في حرب العام 1967.
وجدير بالتأكيد أن القيادات الفلسطينية الأساسية لم تكن غافلة عن هذا المعطى. ففي فترة ما بعد الخروج من لبنان واندلاع الأزمات الداخلية الفلسطينية في مطلع الثمانينيات، عبّر عدد من قادة اليسار الفلسطيني عن تقديراتهم بهذا الصدد. فأحد قادة اليسار قال ان السياسة الصائبة تجاه مسألة الإستقلالية الفلسطينية "يجب أن تستوعب الخصوصية الوطنية وتجمع بعلاقة جدلية خلاقة بين ما هو وطني وما هو قومي، وعلى قاعدة الأخوة والمساواة الديمقراطية في تقرير كل ما يمس الحقوق والمصالح القومية المشتركة العليا" (15). وقال قائد لتنظيم يساري آخر ان الثورة الفلسطينية "لا تستطيع أن تحقق أهدافها إلا من خلال ترابط جدلي بين الثورتين الفلسطينية والعربية" (16). في حين ذكر قيادي في تنظيم يساري ثالث ان "جبهة أعداء الشعب الفلسطيني هي من الإتساع والقوة بحيث لا يستطيع التصدي لها بنجاح بقواه الخاصة بمعزل عن نضال الشعوب العربية، ولا سيما المجاورة" (17). ولم يكن هذا المعطى غائباً في وعي قادة "فتح" الأبرز حتى في بدايات عملها المسلح، حيث وردت في أحد كراسات "فتح" الأولى في أواخر الستينيات هذه الكلمات: "إن إمكانات الشعب الفلسطيني وحده لن تكون قادرة على حسم معركة صعبة وطويلة مع عدو يفوقه كثيراً في الإمكانات والقدرات" (18).
ولكن التعامل مع الواقع المتغيّر هو دائماً أكثر تعقيداً من المواقف النظرية والمبدئية، ويحتاج الى طاقات وقدرات عالية والى تقييم دقيق لمعطيات الواقع في كل لحظة ومحطة، والى رؤية واضحة لموازين القوى في ساحة المواجهة المباشرة، كما ولطبيعة العلاقة المركّبة والمتفاعلة بالإتجاهين بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فهذه العلاقة بين الحليفين ليست مجرد علاقة تبعية لطرف تجاه الآخر، كما كان يرى بعض المسؤولين العرب والفلسطينيين في مراحل معينة، وخاصة خلال السبعينيات والثمانينيات، حين راهنوا على ان استمالة الولايات المتحدة، أو الإنحياز لها، سيقود الى تجاوب إسرائيل مع المطالب العربية بتأثير واشنطن عليها. كما ان إسرائيل والحركة الصهيونية، اللتين لهما تأثير كبير داخل الولايات المتحدة، ليستا أخطبوطاً يهيمن على كل شيء في هذا البلد الكبير، كما يتصور بعض أصحاب نظرية النفوذ اليهودي الكوني المهيمن، وإن كان من الصحيح أن التأثير الصهيوني ليس بسيطاً أبداً في مجال السياسة الشرق أوسطية للولايات المتحدة، كما أظهر ذلك بالتفصيل الأستاذان الجامعيان الأميركيان ستيفن والت وجون ميرشايمر في كتابهما الذي صدر قبل سنوات قليلة حول اللوبي الموالي لإسرائيل.
وهكذا، فإن التعامل البراغماتي والعملي مع الوقائع المتطورة والمتغيرة ليس خطأ من حيث المبدأ، ولكنه يكون كذلك عندما لا ينطلق من معرفة عميقة للوقائع والمعطيات، ولا يرى الصورة بمختلف جوانبها وتعقيداتها الفعلية وليست المتصورة أو المسطّحة والمبسّطة.
***
ولكن هل يعني ذلك أن يجلس الشعب الفلسطيني ويتخلى عن النضال من أجل حقوقه الوطنية والإنسانية؟
بالطبع لا. فخيار الشعب الفلسطيني حالياً، بعد ما آلت إليه الأمور بعد عقدين على مؤتمر مدريد وأقل قليلاً على اتفاق أوسلو، هو الحفاظ على تماسكه حيثما وجد وعلى صمود كل مكوناته على أرض وطنه لمنع تنفيذ "ترانسفير" إسرائيلي صامت، تدريجي ومتواصل، وعدم الرضوخ للتطبيق الزاحف لنظام "البانتوستانات" أو "المعازل" كأمر واقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. كل ذلك الى جانب مواصلة مواكبة عمليات نهوض الوضع العربي والإقليمي المحيط والتفاعل معها، والإستفادة من أي تطور وتحسن في الوضع الدولي لإعادة تأمين جبهة داعمة، عربية وإقليمية ودولية، توفر القدر الضروري من الضغط لإرغام إسرائيل على حل متوازن، وعلى الأمد الأطول، لإيجاد حل جذري لكافة جوانب القضية الفلسطينية والصراع في المنطقة في سياق يراعي مصالح ومتطلبات كل سكانها.
ومن المشروع في هذا السياق توقع تطورات إيجابية في مستقبل غير بعيد على خلفية الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية التي حققت إنجازاتها الأولى الهامة خلال العام 2011، وخاصة ثورة شعب مصر، البلد العربي الأكبر والأوسع تأثيراً في ساحة الصراع العربي – الإسرائيلي، والذي شكّل خروجه من الصراع في أواخر السبعينيات الماضية ضربةً قوية لمسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني، والعربي عامة. وهي ثورات وانتفاضات من المتوقع أن تتواصل وتتعمق في الأعوام التالية، لتحقيق نقلة نوعية في وضع المنطقة العربية، ستنعكس بالضرورة إيجاباً على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
وتكمن أهمية هذا الحدث في اندفاع القطاعات الشعبية العربية لتولي زمام الأمور في بلدانها مكان الطغم والشرائح الحاكمة المستبدة والفاسدة التي لم تكن تتمتع بأية شرعية جدية لدى شعوبها، واعتمدت وتعتمد القمع والإرهاب لإدامة بقائها، كما استندت في حالات عديدة الى الدعم الخارجي، تحديداً من قبل القوى المعادية لمصالح شعوب المنطقة، كل ذلك بهدف الحفاظ على سلطتها ومواصلة قهر شعوبها وليس لتلبية مصالح هذه الشعوب واحترام حقوقها.
وليس لدى الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية ما يخسرانه في هذا التغيير الذي بدأ وسيتواصل. بل لديه الكثير مما يكسبه من استعادة شعوب المنطقة العربية لزمام الأمور والقرار في بلدانها. فأي شعب لا يمكن أن يتعامل مع شعب شقيق آخر، كالشعب الفلسطيني، كـ"ورقة" في المساومات والتسويات تُباع وتتم مقايضتها مقابل مكاسب معينة للحكام المعنيين، كما فعلت وكانت تحاول أن تفعل تلك الطغم الحاكمة التي وصلت في هذه الحقبة الى مرحلة تصفية الحساب الشعبي معها.
ومع هذا "الإحتلال" الشعبي العربي لمسرح الفعل والقرار بعد عقود طويلة من تغييب هذه الشعوب عنه، بإمكان الشعب الفلسطيني أن يرى أفقاً مستقبلياً أفضل يحافظ فيه على استقلاليته الضرورية، من جهة، ويتقدم، من جهة أخرى، على طريق تحقيق هدفه في استعادة حقوقه الوطنية، بالإستناد الى هذا الجدار الهائل الذي يمكن أن تشكّله الشعوب المدافعة عن مصالحها ومستقبلها المشترك. وهو الجدار الهائل الذي استندت إليه القيادة الفييتنامية طوال العقود الثلاثة التي خاض فيها شعبها حربين كبيرتين في مواجهة قوتين من بين القوى الأعظم في تاريخ العالم وخرج منهما منتصراً.

الهوامش:

1)- أنظر ما أورده د. ماهر الشريف عن هذه المواقف الأولية من قبل حركة "فتح" في كتابه "البحث عن كيان- دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908- 1993"، الصادر عن مركز الأبحاث والدراسات الإشتراكية في العالم العربي، نيقوسيا- قبرص، عام 1995، صفحة 90 .
2)- ماهر الشريف، "البحث عن كيان"، صفحة 116.
3) – ويليام كوانت، "عملية السلام- الدبلوماسية الأميركية والصراع العربي- الإسرائيلي منذ 1967"، صادر عن مؤسسة بروكينغز ودار نشر جامعة كاليفورنيا، بالإنكليزية، عام 2005، صفحة 41.
4) - مجلة "شؤون فلسطينية"، الصادرة عن مركز الأبحاث الفلسطينية، بيروت، العدد الخامس، تشرين الثاني/نوفمبر 1971، كما ورد في كتاب ماهر الشريف.
5)- محمد إبراهيم كامل،"السلام الضائع- في اتفاقيات كامب ديفيد"، دار طلاس، دمشق، 1984، صفحة 96.
6)- ممدوح نوفل، "البحث عن الدولة"، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان (الأردن)، عام 2001، صفحة 320.
7)- المصدر نفسه،صفحة 330.
8)- محمود عباس (أبو مازن)، "طريق أوسلو"، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، بيروت (لبنان)، 1994، صفحة 105.
9)- مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 16 (خريف 1993)، صفحة 86.
10)- "دافار"، 29/9/1993، مترجمة في العدد ذاته من مجلة الدراسات الفلسطينية، صفحة 92.
11)- "دافار"، 15/9/1993، في العدد ذاته من مجلة الدراسات الفلسطينية، صفحة 108.
12)- آفي شلايم، "الجدار الحديدي- إسرائيل والعالم العربي"، باللغة الإنكليزية، دار نشر نورتون وشركاه في نيويورك ولندن، عام 2001، صفحة 517.
13)– مترجمة في مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 16 للعام 1993، صفحة 94.
14)- "الثوريون لا يموتون أبداً"، كتاب حواري مع د. جورج حبش أجراه الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو، وصدر باللغة الفرنسية في مطلع العام 2008، الصفحة 58.
15)- كتاب ماهر الشريف المذكور أعلاه، "البحث عن كيان"، صفحة 340.
16) - المصدر نفسه، صفحة 339.
17) – المصدر ذاته، صفحة 340.
18) - المصدر ذاته، صفحة 118.
* * *
# هذه المادة قدمت كورقة دراسية في المؤتمر الأول للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية "مسارات"، الذي انعقد قبل فترة وجيزة في مدينة أريحا بالضفة الغربية المحتلة.