الثورات العربية تعزّز ضرورة بلورة استراتيجية فلسطينية جديدة


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 3418 - 2011 / 7 / 6 - 07:10
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

كل الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية التي أطلق شبان وشعب تونس شرارتها الأولى في أواخر العام 2010 غيّرت بشكل جذري خارطة المنطقة العربية السياسية. وإن كانت عملية التغيير ما زالت في بداياتها.
فالنجاحات الأولية الهامة لثورتي تونس ومصر بهرت الشبان والقطاعات الشعبية عامةً في العديد من البلدان العربية الأخرى التي شهد عدد منها حركات إنتفاضية شعبية، بمبادرة من أوساط شبابية في معظم الحالات، أوجدت أوضاعاً، متفاوتة النضوج، ضاغطة بقوة على الأنظمة القائمة لإحداث تغيير جذري وصل الى حد المطالبة بإسقاط النظام القائم في عدد من البلدان، وفي بلدان أخرى، فرض على الحكومات والأنظمة إستجابات، جزئية في معظم الحالات، لما يتضح الآن انه تطلع شعبي واسع في عموم المنطقة العربية لإحداث إنعطافة كبيرة في أوضاع بلدان المنطقة وأساليب الحكم والسياسات الإقتصادية والإجتماعية المتبعة فيها.
وكان من الطبيعي أن تُحْدِث كل هذه الثورات والإنتفاضات والتغيرات تأثيراً كبيراً على الوضع الفلسطيني، في الأمد المباشر، والأهم في أمد لاحق، أي خلال السنوات القليلة القادمة. والصورة ستتضح على هذا الصعيد بعد تبلور هذه الخارطة السياسية الجديدة في المنطقة، وبعد اتضاح طبيعة وسمات وتوجهات الأنظمة الجديدة المنبثقة عن الثورات التي أنجزت هدفها الأول عبر الإطاحة برأس النظام السابق، وخاصة الثورتين التونسية والمصرية، وكذلك بعد اتضاح مآلات الإنتفاضات والثورات والتغيرات المحتملة الأخرى في سائر بلدان المنطقة. وهي عملية قد تستمر تطوراتها ومفاعيلها لأشهر وسنوات قادمة.
وللثورة الشعبية المصرية، خاصةً، دور هام بالنسبة للشعب الفلسطيني ولقضيته ونضاله الوطني من أجل إنهاء الظلم الواقع عليه منذ العام 1948 واسترداد حقوقه الوطنية. وذلك يعود، بالطبع، لكون مصر البلد العربي الأكبر، من حيث عدد السكان، والأكثر أهمية من حيث موقعه الجغرافي ودوره التاريخي، ومن حيث التأثير الكبير الذي كان، وسيكون، له في عموم المنطقة. علاوة على كونه بلداً متاخماً لفلسطين، وكان لفترة طويلة في قلب الصراع العربي- الإسرائيلي والمواجهة مع المشروع الصهيوني التوسعي على حساب الشعب الفلسطيني وشعوب الجوار العربية الأخرى. إلا ان النظام فيه ارتبط منذ أكثر من ثلاثة عقود بقيود اتفاقات فرضت على البلد قدراً كبيراً من الإنكفاء والتراجع عن دوره التاريخي على أكثر من صعيد.
وليس صدفةً أن يكون الجانب الإسرائيلي هو أول الأطراف التي أصابها القلق من التطورات التي جرت في مصر، والإحتمالات التي تفترضها وتحملها هذه العملية الثورية الهامة التي بدأها شعب مصر بشكل شامل منذ 25/1/2011، بعد أن كان البلد يشهد حراكات شعبية واسعة شبه متواصلة منذ عدة سنوات، لأسباب لها علاقة، بشكل رئيسي، بتفاقم الإستبداد والفساد السائدين، في وقت ازداد فيه تدهور الأوضاع المعيشية لغالبية المواطنين، خاصة مع تطبيقات سياسات "الليبرالية الجديدة" منذ مطلع التسعينيات الماضية وتزايد الهوة في المداخيل بين القلة الثرية والغالبية الساحقة الفقيرة، والتي تضاعف بؤسها في السنوات القليلة الماضية مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً، ثم مع اندلاع الأزمة الإقتصادية العالمية، بانعكاساتها المأساوية والسلبية على غالبية بلدان العالم، بما فيها بلدان المنطقة العربية.

قلق الإسرائيليين، ومخاوف من إنعكاسات سلبية عليهم

في ندوة انعقدت في أواخر شهر آذار/مارس الماضي (30/3/2011 بالتحديد)، في مقر "مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، المعروفة بقربها من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، تحدث الجنرال احتياط ومسؤول الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، عاموس يادلين، في سياق مداخلة تناولت ما بات يُعرف باسم "الربيع العربي"، قائلاً: "إن الحدث له دلالة كبيرة... وهو، بكل تأكيد، أهم حدث في المنطقة منذ سبعينيات القرن العشرين"، مضيفاً: "ان تأثيره على إسرائيل سيكون كبيراً (استعمل، بالإنكليزية، تعبير: درامياً)... إلا ان التكهن بما سيفضي اليه يُعدّ سابقاً لأوانه".
وبمعزل عن استخلاصات يادلين اللاحقة في مداخلته هذه، وبعضها يدخل في مجال طمأنة الذات، إلا أن هذه العبارة الصغيرة التي جاءت في بداية المداخلة ذات أهمية كبيرة، وهي في الواقع صحيحة تماماً، بالنسبة للمنطقة العربية، وللوضع الفلسطيني أيضاً. وإن يكن، بالنسبة لنا، من زاوية مختلفة عن تلك التي نظر هو منها الى الأمور.
فعندما تحدث يادلين عن السبعينيات الماضية، أشار بالأساس الى حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 العربية – الإسرائيلية، والى ارتفاع أسعار النفط، كما أشار الى الثورة الإيرانية. لكنه لم يشر الى رحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر في العام 1970، أي أوائل ذلك العقد، وهو حدث لا يمكن التقليل من أهميته كمؤشر على تكريس الإنعطافة التي شكلتها نتائج حرب 1967 في خارطة المنطقة السياسية. كما هو لم يقف طويلاً عند ما جرى في العامين 1978- 1979، وتحديداً توقيع إتفاقات كامب ديفيد ثم المعاهدة الثنائية الموقّعة من قبل الرئيس المصري، الذي خلف عبد الناصر، أنور السادات، ورئيس حكومة إسرائيل آنذاك مناحيم بيغن، بحضور وإشراف الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. علماً بأن مصير هذه الإتفاقيات والوضع الناجم عنها على الجبهة المصرية، ليس فقط من الزوايا العسكرية والأمنية وإنما السياسية أيضاً، هو أول ما يشغل بال المسؤولين الإسرائيليين بعد ثورة 25 يناير المصرية، إن لم يكن في الأمد القريب، ففي أمد أبعد.
وكان توني بلير، رئيس الحكومة البريطانية الأسبق ومبعوث "الرباعية" الدولية لما يسمّى بـ"عملية السلام" في منطقتنا، قد قال في مقابلة مع إحدى شبكات التلفزيون البريطانية، شبكة سكاي، يوم 30/1/2011، أي بعد خمسة أيام على اندلاع الثورة الشعبية في مصر، ان هذه "التطورات" المصرية، على حد تعبيره، لها "إنعكاسات واسعة بالنسبة لدولة إسرائيل، وللفلسطينيين، ولوضع عملية السلام"، كما قال.
من جانبها، أعطت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية المحافظة عنواناً لمادة كتبها مراسلها في إسرائيل، توبياس بَك، ونُشرت في الصحيفة بتاريخ 21/4 الماضي، هو عنوان قليل الكلمات ولكنه بالغ التعبير: "الربيع العربي يثير القشعريرة لدى الإسرائيليين". واستند المراسل في مادته الى نتائج إستطلاعات إسرائيلية حول رأي الجمهور في انعكاسات الثورات العربية المحتملة على إسرائيل.
وفي مقالة لأستاذ السياسة في جامعة سيدني بأستراليا، جون كين، نُشرت على موقع جامعي إسترالي على شبكة الإنترنت في 1 أيار/مايو الماضي، استخلص، بعد استعراض ميّزات الثورات الشعبية العربية على ثورات، أو تغيير أنظمة، سابقة في أواخر القرن الماضي، كتلك التي حصلت في أوروبا الشرقية، بالقول: "إن الثورات العربية أوجدت فراغاً إقليمياً في النفوذ. وهي تشكل إنتكاسات كبيرة لإسرائيل، وللولايات المتحدة ولحلفائها". وينهي مقالته بالقول: "إن الصبر المفروض على الفلسطينيين لتحمل وضعهم البائس لا يمكن أن يستمر".
طبعاً، بالإمكان نقل العديد من الشهادات والتحليلات الأخرى الواردة من معلقين ومحللين إسرائيليين وغربيين ليسوا معروفين بمواقف عدائية أو سلبية تجاه إسرائيل تذهب بنفس الإتجاه، أي تعتبر ان إسرائيل متخوفة من موجة الإنتفاضات الشعبية العربية، وان الجمهور الإسرائيلي في غالبيته ينظر سلباً الى انعكاساتها المستقبلية على إسرائيل، وكذلك قادته، وإن يكن بعضهم قد حاذر التعبير عن ذلك علناً، لأسباب يسهُل فهمها.

نقطة تحوّل هامة في الوضع العربي، والفلسطيني، منذ السبعينيات الماضية

وبالنسبة للشعب الفلسطيني، شكّلت الثورة المصرية، ومجمل ثورات وانتفاضات المنطقة، نقطة تحول هامة في مسيرة هذا الشعب التحررية المعاصرة الصعبة منذ السبعينيات الماضية، فعلاً.
فاتفاقات كامب ديفيد والمعاهدة الثنائية المصرية- الإسرائيلية التي تم توقيعها بالتتالي في العامين 1978- 1979 أدت الى إخراج مصر الكبيرة من حلبة الصراع، وتركت عملياً وواقعياً بقية أطراف الصراع العربية على الجبهات الشرقية والشمالية وحدها. وهي وضعت الشعب الفلسطيني تحديداً في وضع بالغ الصعوبة، بعد كل الإنجازات التي كان قد حققها في أواسط السبعينيات، عبر الإعتراف العربي الرسمي في قمة الرباط عام 1974 بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، ثم الإعتراف الدولي الواسع الذي رمز له حضور رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عرفات جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر العام 1974 وإلقاؤه خطابه الشهير، أمام ترحيب واسع من غالبية ممثلي دول العالم، ثم اعتماد تمثيل منظمة التحرير بشكل دائم للمشاركة في أعمال المنظمة الدولية.
وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات، المعروف بـ"هواه المصري"، كما كان يردد هو نفسه دائماً، والذي كان حريصاً في تصريحاته العلنية على عدم توتير العلاقات مع الحكم في مصر، حتى بعد التوقيع على هذه الإتفاقات، قد قال في ندوة داخلية لطلاب حركة "فتح" في بيروت في الشهر الأخير من العام 1977، أي بعد زيارة أنور السادات للقدس، وذلك وفق ما نقله الكاتب والأستاذ الجامعي الفلسطيني يزيد صايغ، الذي شارك في هذا اللقاء، وفق ما أورده في كتابه الرئيسي التوثيقي عن تاريخ المقاومة الفلسطينية، في سياق حديثه، أي حديث عرفات، عن الوضع المستجد: "لقد كنتُ على رأس الجبل، ورمى بي السادات الى الوادي"(صفحة 602 من الكتاب بنسخته العربية).
وكان موشيه دايان، الذي كان آنذاك وزيراً للخارجية في حكومة مناحيم بيغن، قد قال، قبل أسابيع من زيارة السادات للقدس المحتلة في تشرين الثاني/نوفمبر 1977 وقبل الإعلان عنها، وذلك في معرض تبريره لسعي حكومة إسرائيل لعقد صفقة منفردة مع مصر، بدلاً من الحل الشامل الذي كان من المفترض أن يجري السعي لتحقيقه في إطار مؤتمر دولي مباشرةً بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973: "إن المستقبل هو مع مصر. إذا كنتَ ستنزع عجلة عن سيارة، فالسيارة لن تسير". والمعنى واضح تماماً.
ولم يقل دايان، وإن كان يعلم ذلك طبعاً، ان العجلة التي يتم نزعها هي العجلة الأكبر والأهم في السيارة العربية التي كان يفترض أن تسير باتجاه إنهاء إحتلال إسرائيل لكافة الأراضي التي استولت عليها في حرب العام 1967 وإنجاز الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وفق ما كان متعارفاً عليه بين الأطراف العربية المعنية قبل الحرب، وما كان مقرّاً في القمم العربية.
ومن هنا الأهمية الكبرى لهذه الثورات التي شهدتها منطقتنا العربية منذ أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي، وخاصة هذه الثورة المصرية. فالعجلة الكبرى التي كانت معطّلة أو منزوعة، الى حد كبير، طوال ثلاثة عقود ماضية، على الأقل على المستوى الرسمي، في المواجهة التي واصلها الشعب الفلسطيني وبقية شعوب الجبهة الشرقية- الشمالية لاسترداد أراضيها وحقوقها المصادرة، هذه العجلة مرشحة الآن للعودة بقوة الى مكانها الطبيعي، حتى وإن كان ذلك بصيغة تدرجية ومن مداخل وعبر وسائل عمل مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في الستينيات وأوائل السبعينيات الماضية. وهو، بالطبع، ما سيشكّل سنداً كبيراً وهاماً لنضال الشعب الفلسطيني وشعوب الجبهة الشرقية والشمالية الأخرى لاسترداد أرضها وحقوقها.
ولا يعني ذلك أن مصر الجديدة ستقوم، بالضرورة، بإلغاء إتفاقيات كامب ديفيد والمعاهدة الثنائية مع إسرائيل والدخول في حرب جديدة مع إسرائيل. فذلك ليس وارداً، على الأقل في الأمد القريب. وليست الحرب، بالمفهوم الكلاسيكي السابق، هي السلاح الوحيد المتوفر لدى الشعب المصري، ولدى الشعوب العربية الأخرى.
فالمهم، بالنسبة للفلسطينيين، هو أن شعب مصر قد اقتحم مسرح الفعل السياسي في وطنه بقوة وشجاعة فائقتين، وفرض إرادته وحضوره، وأصبح عنصراً فاعلاً ومؤثراً في توجيه الأحداث والقرارات في بلده. وإن كانت المسيرة في بناء مصر الجديدة ما زالت في بداياتها، وما زالت هناك مهمات كثيرة أمام شعبها بعد النجاح الأولي للثورة.
ولن تكون الأشهر والسنوات القادمة خالية، بالطبع، من محاولات القوى المتضررة من هذا التحول الهائل، سواء أكانت قوى داخلية، أو قوى خارجية، وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة وإسرائيل، لمحاصرة هذا الحدث، ومحاولة تقنينه وتقزيمه وحتى حرفه عن مساره، إذا تمكنت من ذلك.
لكن من الواضح، حتى الآن، أن الجمهور في مصر انتقل الى مستوى أعلى من الفطنة واليقظة والإستعداد للنهوض المتجدد دائماً لمنع محاولات إجهاض إنجازاته الأولية، وتلك التي يمكن وينبغي أن تتحقق في الفترة القادمة على صعيد بناء مصر الجديدة، القوية سياسياً واقتصادياً، والمتمتعة بقدر عالٍ من الإستقلالية عن التأثيرات والضغوط الخارجية، وبالتالي المتمكنة من الفعل في المحيط وعلى المسرح العالمي، بصورة أفعل وتختلف تماماً عما كان عليه الحال منذ السبعينيات الماضية.
والفلسطينيون يعرفون تمام المعرفة ماهية مشاعر شعب مصر ومواقفه تجاه قضيتهم الوطنية ومعاناتهم، حتى بعد التزام السلطة المصرية الحاكمة في أواخر السبعينيات الماضية بإخراج مصر من الصراع، واتخاذ بعض أوساط هذه السلطة ورموزها لمواقف إما سلبية من الشعب الفلسطيني، خاصة في الفترة الأولى التي أعقبت التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد، وإما غير فاعلة أو متساهلة، وهي كلمة مخففة، مع التجاوزات والإعتداءات الإسرائيلية التي تلت تلك الإتفاقيات واستمرت طوال العقود الثلاثة الماضية.
كان ذلك واضحاً، سواء أثناء الإجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 وحصار بيروت الغربية، ومحاولات القضاء على منظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية هناك، ثم المذبحة التي تعرض لها سكان مخيمي صبرا وشاتيلا بعد خروج قوات المنظمة من بيروت. حيث وقف شعب مصر بقوة الى جانب الشعب الفلسطيني، وعبّر عن غضبه تجاه من كانوا ينكلون به.
واستمرت هذه المشاعر الشعبية المصرية تعبّر عن نفسها خلال المراحل اللاحقة من التحديات التي واجهها الشعب الفلسطيني بعد ذلك، سواء في حروب المخيمات في لبنان في أواسط الثمانينيات الماضية أو محاولات تبديد وتهميش منظمة التحرير التي رافقتها، أو في مرحلة الإنتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى التي انطلقت في أواخر العام 1987، أو في المواجهات اللاحقة مع الإحتلال قبل وبعد إتفاق أوسلو، وخاصة ابان الإنتفاضة الثانية في مطلع القرن الجديد، وحتى اليوم. فقد كان شعب مصر، بغالبية ساحقة من شرائحه وقطاعاته الشعبية ونخبه الواعية والمثقفة وفنانيه المبدعين، يقف بقوة مع الشعب الفلسطيني، ويدين بقوة ممارسات المحتلين الإسرائيليين تجاهه. وكم كان مؤثراً مشهد كبار فناني مصر يجتمعون في أنشودة مهداة الى روح الفتى الفلسطيني الشهيد محمد الدرة في بدايات الإنتفاضة الكبرى الثانية، وهي أنشودة تضامن وتعاضد مع شعب فلسطين وانتفاضته وقضيته حملت عنواناً معبّراً: "القدس حترجع لنا".
والآن، بعد أن عاد شعب مصر الى الواجهة، واقتحم المشهد، بمبادرة شبانه الشجعان، من الواضح أن مسيرة شعب فلسطين التحررية قد دخلت مرحلة جديدة وهامة، وأن عموم المنطقة تشهد انعطافة كبيرة، تنفتح خلالها آفاق واسعة أمام شعوبها.
ومهما كان مآل الثورات والإنتفاضات المتلاحقة التي شهدتها عدة بلدان عربية بعد الثورتين التونسية والمصرية، حيث رأينا أشكالاً مختلفة من تعاطي الأنظمة الحاكمة مع التحركات الشعبية، بعضها ذهب الى حد المواجهة القمعية الدموية الشاملة مع الشعب، فإن المنطقة العربية برمتها دخلت مرحلة جديدة. وستشهد كل بلدان المنطقة، سواء بأنظمتها القائمة أو بأنظمة جديدة تقوم مكانها، تغيّرات كبيرة، ولو على مراحل وعلى أمدية زمنية مختلفة بين بلد وآخر، تجسّد هذه الإنعطافة الكبيرة في تاريخ المنطقة، وهذا الحضور الشعبي القوي في مسرح أحداثها وفي تقرير مصيرها ومستقبلها. وهو ما يصبّ، بالتأكيد، لصالح كل شعوب المنطقة، بما في ذلك لصالح الشعب الفلسطيني وتطلعاته وكفاحه من أجل حقوقه الوطنية.
***
وينبغي، بالطبع، ألا يتولد لدينا الوهم بأن كل شيء سيتغير بسرعة وبعصا سحرية، حتى في مصر وتونس اللتين أطاحتا برأسي النظام فيهما حتى الآن. فالعملية ستأخذ وقتاً، وتشهد صراعات وعمليات مد وجزر، ولكن المسيرة ستستمر، مع الإصرار الشعبي، والشبابي خاصة، على إثبات الحضور الدائم والرقابة المتواصلة على الأوضاع والأحكام وتطوراتها.

"الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" تُصاب بالذعر من نهوض الشعوب!

من جانبهم، فإن قادة الإحتلال الإسرائيلي وأصحاب القرار فيه، الذين أصيبوا بصدمة كبيرة لما جرى في مصر وما يجري في عموم المنطقة العربية، بعد أن "خرج الجنيّ من الزجاجة"، كما عنون الصحافي الإسرائيلي المستنير أوري أفنيري إحدى مقالاته في أواخر الشهر الثاني من العام الحالي، باتوا الآن يعيدون رسم استراتيجياتهم لمواجهة الإحتمالات، غير المعهودة سابقاً، بعد الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية، والتغيرات المتوقعة في مصر بشكل خاص.
فبعد أن كان هؤلاء المسؤولين والدعاة الإسرائيليين يروجون في العالم لمقولتهم المضللة بأن "إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، ها هم الآن يشعرون بالذعر عندما تخرج شعوب المنطقة المحيطة "من الزجاجة" لتطالب بحرياتها وبديمقراطية حقيقية وبعدالة إجتماعية مفقودة في مجتمعاتها، وفي نهاية المطاف لتدعو لوضع حد لعربدة إسرائيل وتجاوزها لكل المبادئ والشرائع والقوانين والقرارات الدولية، وانتهاكها الفظ لحقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المحيط العربي الأخرى.
ورطة زعماء إسرائيل اليوم تتمثل في كونهم ليس فقط لن يستطيعوا تكرار هذه الإسطوانة المشروخة حول "الديمقراطية الوحيدة في المنطقة"، إلا ربما أمام الكونغرس الأميركي، الذي كان يمكن أن يصفّق ويهلل لبنيامين نيتينياهو "حتى إذا قرأ دليل الهاتف أمامهم"، كما كتب أحد المعلقين المتنورين المناهضين للإحتلال بعد الخطاب الأخير لرئيس الحكومة الإسرائيلية أمام الهيئة التشريعية الأميركية. بل إن أصحاب القرار في إسرائيل كشفوا، وإن لم يقرّوا بذلك علناً دائماً، بأنهم يفضلون التعامل مع طغاة يتخذون القرار من فوق رؤوس شعوبهم على التعامل مع أنظمة ذات شرعية شعبية، لعلمهم بمشاعر الشعوب العربية، وبأن هذه الشعوب، خلافاً للطغاة، لن تخضع لسياسات الترهيب والإبتزاز التي كانت ولا زالت تمارسها حكومات إسرائيل في منطقتنا لمواصلة استهتارها بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية واتفاقية جنيف الرابعة، وحتى بالإتفاقيات الثنائية والجزئية التي تعقدها مع بعض الأطراف العربية.
مشهد مرعب يشكّله هذا المشهد الجديد بالنسبة لهؤلاء الذين راهنوا على أبدية خضوع الشعوب العربية للطغيان الداخلي، وللترهيب الإسرائيلي، ولابتزاز وضغوط الإدارات الأميركية ومؤسساتها التشريعية الخاضعة لأموال ونفوذ اللوبي الإسرائيلي.
وكان الزعيم الأميركي السابق لإحدى المنظمات اليهودية البارزة في الولايات المتحدة، هنري سيغمان، والذي اتخذ منذ سنوات مواقف نقدية حادة لسياسات حكومات إسرائيل تجاه الأراضي المحتلة وتجاه الشعب الفلسطيني، قد أبرز في إحدى مقالاته المنشورة في إحدى الصحف الأميركية يوم 22/3 الماضي، هذا التناقض الصارخ بين إدعاءات سابقة لحكومات إسرائيل المتعاقبة حول صعوبة عقد سلام حقيقي مع الفلسطينيين والعرب بسبب غياب الديمقراطية لديهم، كما كانوا يقولون، وبين مقولات زعماء إسرائيل الحاليين حول المخاطر التي يجرّها على إسرائيل تحكّم الشارع العربي بالقرار السياسي وتأثيره على المواقف تجاه إسرائيل، وحول عدم استقرار الأنظمة العربية، مما يدعو إسرائيل، برأيهم للإمتناع عن تقديم أية "تنازلات" جديدة. وهو موقف يرى فيه سيغمان تضليلاً وخداعاً باتا مكشوفين، وينبغي ألا يبقى أحد بعد اليوم في أي مكان في العالم خاضعاً لهذا التضليل حول حقيقة هذا الإحتكار الإسرائيلي المزعوم لـ"الديمقراطية" في منطقتنا.

المقاومة الفلسطينية المعاصرة صعدت في مرحلة تراجع في المحيط العربي

لقد صعدت المقاومة الفلسطينية المعاصرة في أواخر الستينيات الماضية في مرحلة تراجع عام في الوضع العربي المحيط، رمزت له وكثّفته الضربة الإسرائيلية الكبيرة التي تم توجيهها للبلدان والشعوب المحيطة في حزيران/يونيو 1967.
ثم تواصل هذا التراجع العام مع الهجمات والتطورات اللاحقة التي أدت الى مواصلة إضعاف وتفكيك الوضع العربي، حتى بعد الإنجاز الأولي الهام الذي تحقق في بدايات حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وأحدث، في حينه، زلزالاً حقيقياً في إسرائيل، لكن سرعان ما تمت محاصرته وتحجيمه وإجهاضه، بمساعدة مركزية ودور نشط من قبل الإدارة الأميركية، وخاصة من قبل وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسينجر، صاحب نظرية "الخطوة خطوة" وفصل الجبهات العربية عن بعضها البعض. وقد رأينا أين انتهت هذه السياسة وما أدت إليه من إخراج مصر والإستفراد اللاحق بالأطراف العربية الأخرى في الجبهة الشرقية والشمالية، كما سبق وذكرنا.
لقد صمدت المقاومة الفلسطينية في ظل كل هذه التراجعات العربية، وسعت للحفاظ على وحدة مسيرة الشعب، وأعادت توضيح أهدافه في سياق يستقطب التفهم والإعتراف والدعم الخارجي، خاصة بعد الإحتمالات الأولية التي فتحتها حرب تشرين/أكتوبر 1973. وهي الأهداف التي جرى طرحها أولياً في العامين 1973- 1974، ثم جرى توضيحها بصورة أكبر عبر وثيقة إعلان الإستقلال في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشرة التي انعقدت في الجزائر في أواخر العام 1988.
وحصل ما حصل بعد ذلك في الساحة الفلسطينية مما هو معروف لنا، بما في ذلك اتفاق أوسلو الذي كان موضوع خلاف داخلي كبير. هذا، في حين تواصلت قبل وبعد هذا التطور عمليات إضعاف وإنهاك وتفتيت الساحات العربية المحيطة، من الحرب الداخلية- الإقليمية- الدولية في لبنان (1975- 1990)، الى الحرب العراقية- الإيرانية الرهيبة التي استنزفت بشكل هائل كلا البلدين والشعبين بين العامين 1980 و1988، الى التطورات الضخمة التي نجمت عن اجتياح الكويت والحرب على العراق في أوائل التسعينيات، ثم الحصار الخانق الذي تم فرضه على هذا البلد، والذي انتهى باحتلاله في العام 2003، وتكثيف الحضور العسكري الأميركي والأطلسي في عموم منطقة الخليج.
وشكّلت إنتفاضات الشعب الفلسطيني الواسعة، وخاصة الإنتفاضة الكبرى الأولى في أواخر الثمانينيات الماضية، الى جانب صعود المقاومة اللبنانية الشجاعة وإنجازاتها الكبيرة في إرغام المحتلين على مغادرة الأرض اللبنانية التي احتلتها منذ العام 1978، باستثناء مناطق محدودة بقيت تحت الإحتلال، كما في هزيمة الحرب الإسرائيلية الشرسة على لبنان في صيف العام 2006، علامات مضيئة في هذه المسيرة الصعبة لشعوب المنطقة. وها هي الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية، وفي المقدمة الثورتان المصرية والتونسية، تحوّل هذه العلامات الى ضوء ساطع يمكن أن يفتح آفاقاً واسعة لعموم شعوب منطقتنا العربية.

نحو استراتيجية نضالية وسياسية جديدة

ولا بد بالنسبة للشعب الفلسطيني، على ضوء كل هذه التطورات الكبيرة في المحيط، من السعي الى بلورة رؤية جديدة، واسترتيجية نضالية وسياسية جديدة، تستنهض عناصر القوة في الوضع الفلسطيني، وتتسلح بالإنجاز الكبير الذي حققته الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية، وخاصة الثورة في مصر، وتسعى لتثمير وتنمية التعاطف والتأييد والدعم في أنحاء العالم لتكثيف الضغوط على إسرائيل، بحيث تتوفر شروط إنجاز الأهداف والحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وخاصة إنهاء الإحتلال عن مجمل الأراضي التي جرى اجتياحها في العام 1967، أي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وضمان الحقوق المشروعة للاجئين والمشردين من شعب فلسطين في العودة الى وطنهم واستعادة حقوقهم فيه.
خاصةً وأنه، بعد عقدين من الزمن على انعقاد مؤتمر مدريد بمبادرة من إدارة جورج بوش الأب في أواخر العام 1991 تحت عنوان الإستفادة من "نافذة الفرص" التي وفّرتها الضربات التي وُجّهت للعراق في مطلع العام ذاته، وفق تعبير بوش الأب نفسه في خطاب له في واشنطن بعد تلك الحرب مباشرة... وبعد أقل من عقدين على التوقيع على اتفاق أوسلو، وأكثر من عقد على الإنتهاء المفترض للمرحلة الإنتقالية التي حددها ذلك الإتفاق، أي يوم 4 أيار/مايو 1999... وبعد مضاعفة أعداد المستوطنين الإسرائيليين في القدس والضفة الغربية طوال العقود الماضية... بات من الحتمي الإستخلاص بأن الجانب الإسرائيلي، بكافة قواه الرئيسية المقررة والمؤثرة حالياً، لا يفكّر إطلاقاً في التخلي عن سيطرته على هذه المناطق المحتلة، لا بل هو يسعى الى تغيير متسارع للواقع الديمغرافي لترسيخ بقائه فيها.
ومن الضروري الإقرار، بالتالي، بأن تغيير الموقف الإسرائيلي هذا يحتاج الى جملة من العوامل الضاغطة التي ينبغي على الشعب الفلسطيني، وأشقائه وحلفائه، العمل على توفيرها في سياق استرتيجية جديدة، تنطلق، أولاً، من الإقرار بأن مضاعفة الإستيطان الإسرائيلي، بالصورة التي جرى بها خلال العقدين الماضيين، أي بالرغم من الإتفاقات المعقودة، أغلقت الباب أمام أي حل يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني في أي أمد قريب في ظل موازين القوى الحالية. ومن هنا، فإن أية استراتيجية فلسطينية جديدة يجب أن تنطلق من رؤية طويلة النفس، ولا تقع في وهم إمكانية تحقيق حل سريع أو حدوث معجزة طارئة، سواء بالنسبة لتحقيق هدف الدولة المستقلة، أو بالنسبة لإنجاز حق العودة للاجئين، والذي هو أصعب بكثير.

مضاعفة عدد المستوطنين الإسرائيليين في القدس والضفة منذ اتفاق أوسلو

ولإعطاء صورة عن تطور الإستيطان الإسرائيلي هذا، من المفيد إيراد بعض الأرقام:
# في العام 1972، أي بعد خمس سنوات على احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وأراضٍ مصرية وسورية، كان عدد المستوطنين اليهود الإسرائيليين في القدس الشرقية ومجمل الضفة الغربية أقل من عشرة آلاف مستوطن.
# وفي العام 1977، عام وصول مناحيم بيغن والليكود اليميني المتطرف الى الحكم لأول مرة، بلغ عددهم حوالي الأربعين ألفاً.
# وفي العام 1983، كان العدد قد بلغ أكثر من الضعف، ووصل الى حوالي المئة ألف مستوطن، وكان ذلك بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد والمعاهدة الثنائية، والإنتهاء من مراحل إنسحاب قوات ومستوطني إسرائيل من صحراء سيناء، باستثناء جيب طابا.
# وفي العام 1993، بعد ست سنوات على انطلاق الإنتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى وعامين على مؤتمر مدريد، بلغ عدد هؤلاء المستوطنين حوالي 265 الفاً.
# وفي العام 1995، أي بعد التوقيع على اتفاق أوسلو وأثناء حكم حزب العمل والثنائي اسحق رابين وشمعون بيريس، تجاوز عدد المستوطنين الثلاثمئة ألف، وبعض المصادر مثل "فاونديشن فور ميد إيست بيس" تعطي رقم 347 ألفاً. أي ان حكومتي رابين وبيريس لم تلتزما بـ"عدم إجراء تغييرات على الأرض تؤثر في محصلة المفاوضات على الوضع النهائي"، كما يفترض اتفاق أوسلو، ولم تلتزما بالتعهد الشفهي الغائم الذي تم تقديمه للطرف الفلسطيني في الإتفاق بعدم التوسع في الإستيطان.
# ثم تواصل التوسع الإستيطاني بوتائر عالية بعد فشل بيريس وحزب العمل في انتخابات العام 1996 وعودة الليكود للحكم، كما في السنوات اللاحقة، حيث بلغ عدد المستوطنين في القدس الشرقية والضفة الغربية في العام 2005، وهو العام الذي شهد سحب المستوطنين، القلائل، من قطاع غزة، وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج القطاع، أكثر من 440 ألف مستوطن.
# ويصل حالياً عدد المستوطنين الإسرائيليين في هاتين المنطقتين المحتلتين عام 1967 الى رقم يقترب من الستمئة ألف مستوطن بشكل متسارع. وكل العالم يسمع عن هجمة مصادرة الأراضي والمنازل والأبنية العربية في القدس الشرقية، وعملية التهويد المتواصلة للمدينة المحتلة، ويسمع أقل عن تكثيف التوسع الإستيطاني في مختلف أرجاء الضفة الغربية الأخرى، والهدم المنهجي للمنازل الفلسطينية، خاصة في المنطقة "ج" التي تحددت في اتفاق أوسلو-2 (أيلول/سبتمبر 1995) وتبلغ مساحتها أكثر من 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية بدون القدس التي جرى فصلها عنوةً عن بقية الضفة.
فهل حكومات إسرائيلية كهذه تريد فعلاً حلاً مع الشعب الفلسطيني، وإقامة دولة مستقلة، أو حتى شبه مستقلة، في الأراضي المحتلة عام 1967؟ ولم نكن بحاجة للتأكد أكثر من ذلك من نوايا هذه الحكومات، وخاصة الحكومة الحالية، بعد الرفض المعلن للعودة الى حدود العام 1967، وللتخلي عن القدس الشرقية وضواحيها المنتزعة من الضفة الغربية لضمها للدولة الإسرائيلية، وبعد الإصرار على إلغاء حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى وطنهم وديارهم.
***
من هنا، فإن الشعب الفلسطيني هو حالياً أمام ضرورة إعادة النظر ببعض الفرضيات التي كانت قائمة قبل عقدين من الزمن، وخاصة أمام فرضية إمكانية الوصول في أمد زمني قصير الى ما سمّي في حينه بـ"تسوية تاريخية"، أو "حل وسط تاريخي" مع إسرائيل في ظل موازين القوى الحالية، المختلة بقوة لصالح إسرائيل. خاصة وأن ميزان القوى الداخلي في إسرائيل إزداد ميلاً، خلال العقود والسنوات الأخيرة، نحو اليمين الأكثر تطرفاً وعدوانيةً وتعصباً دينياً سلفياً.
هذا، الى جانب استمرار الإدارات الأميركية المتعاقبة، قبل، وبشكل أكبر بعد، حرب العام 1967، في العمل على ضمان التفوق العسكري والإستراتيجي المطلق لإسرائيل على كافة الأطراف العربية، وفي تقديم الحماية والغطاء السياسي لها على المسرح الدولي وفي كافة المحافل والهيئات العالمية، بما في ذلك في مجلس الأمن الدولي. حيث أدمنت هذه الإدارات، وخاصةً في السنوات الأخيرة، على استخدام إجراء النقض (فيتو) لحماية إسرائيل من أية محاسبة دولية على تجاوزاتها.
وحتى عندما تمتنع الولايات المتحدة عن التصويت على قرار لمجلس الأمن الدولي، مثل القرار رقم 478 الذي يدين صدور "قانون القدس" عن الكنيست الإسرائيلي في 30/7/1980، والذي كرّس اعتبار مجمل القدس، بما فيها القسم الشرقي المحتل عام 1967 والأراضي المحتلة الأخرى المحيطة التي تم انتزاعها وضمها الى حدود المدينة، اعتبارها "عاصمة أبدية لإسرائيل"، وهو "قانون" أُضيف بهذا الإجراء الى القانون الأساسي الإسرائيلي، الذي يقوم مقام الدستور في إسرائيل، لا تجد إسرائيل أي حافز أو ضغط خارجي جدي عليها للخضوع لقرار كهذا. والأمر نفسه ينطبق على قرارات عديدة أخرى لمجلس الأمن، سابقة ولاحقة لهذا القرار، ناهيك عن قرارات مؤسسات الأمم المتحدة الأخرى والقوانين الدولية المتعارف عليها، بما في ذلك إتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بالتعامل مع المناطق الخاضعة للإحتلال. وكذلك الحال على تعامل إسرائيل مع الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في لاهاي في أواسط العام 2004 والقاضية بعدم شرعية الجدار التوسعي الإسرائيلي في الضفة الغربية ومجمل المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة عام 1967، والداعية بالتالي الى إزالتها.

واستراتيجية فلسطينية- عربية تستند الى إنجازات الثورات الشعبية

وإذا كان من الضروري، بالتالي، رسم استراتيجية نضالية وسياسية فلسطينية جديدة على أرضية هذه المعطيات، فإن الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية، وخاصةً الثورة المصرية، التي غيّرت وستستمر تفاعلاتها وامتداداتها في تغيير خارطة المنطقة بشكل جذري، تفتح المجال أمام إعادة الإعتبار لأهمية وضع استراتيجية فلسطينية- عربية مشتركة، تُدخل في الحسبان ذلك التأثير الكبير الذي يمكن أن يحدثه في ميزان القوى هذا التحول الهائل الذي حققته تلك الثورات، وخاصة ثورة شعب مصر، للأسباب التي سبق وذكرناها. حيث من المتوقع أن يتزايد وزن مصر الدولي بشكل متصاعد في مرحلة ما بعد الثورة، مع إعادة بناء البلد واقتصاده وتفعيل وتطوير دوره الإقليمي والعالمي على قاعدة صلبة، تعكس مصالح وإرادة شعبها أولاً، وليس مصالح قلة صغيرة من أثريائه ومصالح قوى كبرى، وخاصة الولايات المتحدة، وحساباتها المتمركزة، أولاً، على حماية إسرائيل ودورها في المنطقة، في سياق رؤيتها الإجمالية لحماية مصالحها الإقتصادية والإستراتيجية في مناطق النفط العربية، والخليجية خاصة.
وهذه الرؤية الإستراتيجية الأميركية لدور إسرائيل في المنطقة قابلة للتغيير طبعاً، ولكن ليس على أمد قريب. فذلك يتطلب تبلور الوضع العربي الناجم عن الثورات الشعبية وتحول المنطقة العربية الى كتلة ذات حضور ووزن واستقلالية وتأثير حقيقي على المستوى العالمي. كما يتطلب تغييرات ضرورية داخل الولايات المتحدة نفسها، وخاصة في ما يتعلق بأنظمة تمويل الحملات الإنتخابية، وهيمنة الكتل الإقتصادية الكبرى على وسائل الإعلام والدعاية والتأثير الشعبي.
***
ويمكن تلخيص الخطوط العامة لهذه الإستراتيجية الجديدة بالعناوين التالية، مع انه من الحيوي والضروري، وانسجاماً مع مناخ سيادة الدور الشعبي الذي أشاعته الثورات والإنتفاضات العربية، أن تتضح معالم هذه الإستراتيجية كمحصلة لحملات نقاش شعبي واسعة تشمل كافة مكونات وأماكن تواجد الشعب الفلسطيني، في الوطن المحتل بكافة أرجائه، وفي أقطار اللجوء والمهاجر المختلفة، ومشاركة الشعوب الشقيقة:
# ان المهمة الملحة الأولى الآن بالنسبة للشعب الفلسطيني هي ضمان صمود وبقاء الشعب الفلسطيني في كافة أنحاء الوطن، في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وكذلك في مناطق 48، على أرض وطنهم، وتفادي إضطرارهم لمغادرة الوطن تحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة نتيجة التضييقات والإجراءات التعسفية والترهيبية الإسرائيلية المتواصلة في كافة هذه المناطق، وبأشكال وصيغ مختلفة من منطقة الى أخرى. فما يجري في كل هذه المناطق، وليس فقط في القدس الشرقية المحتلة، أو الضفة الغربية، هي عملية "ترانسفير" صامتة يضطر فيها بعض المواطنين، بمن في ذلك العديد من الكفاءات والأخصائيين في مجالات العمل المختلفة، الى البحث عن خلاص بأية طريقة، بما في ذلك من خلال مغادرة الوطن وإيجاد عمل أو مكان عيش آخر، في الخليج أو في مهاجر عربية وأجنبية أخرى. وضمان الصمود هذا يتطلب إيجاد شروط حياة وعمل وسكن لائقة للمواطنين في كافة هذه المناطق، والسعي الى توفير شروط احتفاظهم بمنازلهم وأراضيهم بكل السبل المتاحة، خاصة في القدس المحتلة ومناطق "ج" في الضفة الغربية، كما والعمل على استنهاض كل أشكال الدعم العربية والدولية، السياسية والمادية والعملية، الممكنة لتوفير شروط هذا الصمود والبقاء.
# والمهمة الملحة المترافقة مع هذه المهمة، كمهمة أولى أيضاً، هي العمل على استعادة فعلية لوحدة الشعب الفلسطيني وتوطيدها، من خلال إشراك كل قطاعات الشعب، أينما وجد، في صياغة الإستراتيجية الوطنية الجديدة بحيث تأخذ بعين الإعتبار مصالح وتطلعات وحقوق كافة هذه القطاعات، في الأمد الأبعد، كما في الأمد المباشر والقريب. مما يتطلب العمل، مثلاً، على تأمين شروط عيش وحياة كريمة لكل المواطنين الفلسطينيين في أقطار اللجوء والمهاجر، بما في ذلك أولئك المقيمين في المخيمات، التي لا زال بعضها يعاني من البؤس وظروف الحياة غير الإنسانية. فعلى سبيل المثال، لا زال سكان مخيم نهر البارد في شمال لبنان ينتظرون إعادة إعماره منذ العام 2007 بعد تدميره في مواجهة بين الجيش اللبناني وبعض الفرق المتطرفة التي كانت متحصنة داخل المخيم، مما أدى الى تهجير معظم سكانه.
# أما عملية تغيير موازين القوى وتوفير الضغط الضروري لإحداث التحول المطلوب في الموقف الإسرائيلي، فهي ينبغي أن تخاض على كافة المستويات، باستنهاض واستجماع كافة عناصر القوة لدى الشعب الفلسطيني أولاً، ثم بالعمل الفلسطيني – العربي المشترك المنسق والمخطط له، بدءً بالعمل مع مصر ما بعد ثورة 25 يناير، الى جانب كافة القوى الشعبية العربية والهيئات والأنظمة المعبرة عن مصالحها وتطلعاتها، وكذلك طبعاً على المستوى الدولي من خلال الدور الفلسطيني والدور العربي المشترك على المسرح الدولي:
** فعلى الصعيد الفلسطيني، هناك ضرورة لتطوير كافة أشكال التصدي للإحتلال، والتي برز من بينها في السنوات الست الأخيرة ذلك الشكل المميز الذي افتتحته قرية بلعين في قضاء رام الله- البيرة في الشهر الثاني من العام 2005، أي قبل إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج قطاع غزة. وهو نموذج اتسع الآن الى أكثر من قرية ومنطقة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهناك طبعاً المقاومة الشعبية المتواصلة للهجمة الإستيطانية وحملات سرقة المنازل والأحياء التي تجري في القدس المحتلة. وفي مجمل هذه الفعاليات، هناك مشاركة رمزية، ولكنها هامة ومؤثرة وذات قيمة معنوية كبيرة، للمتضامنين الأجانب ولعدد من المناهضين الإسرائيليين للإحتلال والعسف. وهناك أشكال نضالية أخرى يمكن أن تلعب الأجيال الشابة دوراً مبادراً مهماً في ابتداعها، على غرار إبداعات شبان تونس ومصر والثورات والإنتفاضات الشعبية العربية الأخرى. ويمكن أن تكون هذه الأشكال موضع نقاش فلسطيني جماعي في الوطن وخارجه. وهناك، طبعاً، مجالات العمل السياسية والدبلوماسية والدعاوية وغيرها من المجالات الأخرى.
** على صعيد الدور العربي، هناك، كما ذكرنا، هذا الثقل الجديد لمصر ما بعد 25 يناير والخارطة الجديدة التي يمكن أن تنشأ في عموم المنطقة بفعل مجمل الثورات والتحولات الجارية والمستمرة في المنطقة. وهذا الوضع الجديد يمكن أن يفسح المجال أمام تحرك عربي واسع منسق على عدة مستويات وفي عدة مجالات، للضغط على إسرائيل، من جهة، لوقف توسعها الإستيطاني وسياساتها التعسفية أولاً، وفي النهاية لإنهاء احتلالها ودفعها للرضوخ لقرارات الشرعية الدولية، ومن جهة أخرى، للتحرك على الصعيد الدولي للدفع بهذا الإتجاه، وخاصة للضغط على الإدارات الأميركية لوقف تغطيتها للسياسة الإسرائيلية المستهترة والمتعارضة مع الشرعية الدولية. وهي مهمة غير سهلة. ولكن أوراق العرب، خاصة بعد الثورات والإنتفاضات الشعبية وإعادة بناء بلدانها على قواعد صلبة، ليست بسيطة أيضاً، وإن كان الأمر يحتاج الى وقت غير قصير لإحداث هذا التغيير، كما سبق وأشرنا.
** وعلى الصعيد الدولي، هناك أهمية طبعاً لحملة المقاطعة وفرض العقوبات وسحب الإستثمارات الخارجية، ولدور لجان التضامن التي تقوم بها مجموعات فلسطينية وعربية وصديقة في مختلف البلدان لتكثيف الضغط على دولة الإحتلال، وصولاً الى مرحلة شبيهة بتلك التي واجهها النظام العنصري في جنوب إفريقيا في السبعينيات والثمانينيات الماضية. وهناك أهمية ملموسة، في هذا السياق، لتوسيع نطاق الإعترافات الرسمية من قبل أكبر عدد ممكن من الدول في أنحاء العالم بسيادة شعب فلسطين على أرضه المحتلة وللإعتراف الواضح بدولة فلسطين على حدود 4/6/1967. وبالرغم من أن الولايات المتحدة، وربما بعض الدول الأخرى، ستواصل جهودها، حتى إشعار آخر، لمنع ترجمة هذه الإعترافات على الأرض أو في مجال التمثيل الرسمي لدولة فلسطين في منظمة الأمم المتحدة، فإن لحجم الإعترافات هذه أهمية معنوية كبيرة ضاغطة على المحتلين، وعلى الإدارة الأميركية.
وربما يحتاج موضوع التأثير الداخلي على مراكز القرار والتأثير في الولايات المتحدة تحديداً الى حيز واسع من الإهتمام والتركيز، ولكنه موضوع مهم. خاصة عندما نتذكر كيف تغير موقف الولايات المتحدة الرسمي في الثمانينيات، أبان إدارة رونالد ريغن، تحت ضغط الرأي العام العالمي، والداخلي في الولايات المتحدة نفسها، باتجاه إلزام الإدارة ورئيسها، المتعاطف آنذاك مع النظام العنصري، بالمشاركة في مقاطعة هذا النظام في جنوب إفريقيا، وصولاً الى توفير شروط إسقاطه في مطلع التسعينيات الماضية.
أما آليات إحداث التغيير الداخلي في الولايات المتحدة، فتحتاج الى كل الجهود العربية والصديقة، بما في ذلك وخاصةً تلك الجاليات العربية والمسلمة والقوى التقدمية والإنسانية المستنيرة داخل البلد لتغيير نظام تمويل الإنتخابات الذي يعطي حالياً وزناً كبيراً للوبي الإسرائيلي بحكم قدراته الإستثنائية على جمع الأموال وتوظيفها في التأثير على العمليات الإنتخابية، سواء الرئاسية أو التشريعية أو غيرها، ولإيجاد آليات مناسبة للعمل من أجل الحد من سيطرة الشركات واللوبيات المناصرة لإسرائيل والمعادية للعرب وحقوقهم على وسائل الإعلام والتأثير والدعاية الكبرى، كما ذكرنا.
وهنا نستحضر إستطلاع معهد بروكينغز الأميركي الذي أُجري في الشهر الرابع من العام الحالي، والذي أظهر تعاطفاً شعبياً أميركياً واسعاً مع انتفاضات الشعوب العربية من أجل الحرية والكرامة. هذا، في حين أن المواقف الفعلية لأصحاب القرار والنفوذ والمصالح الأميركية والغربية في منطقتنا تنطلق من اعتبارات مختلفة، تتعلق بمدى تأثير هذه الثورات على هيمنتها وسيطرتها على اقتصادات وسياسات المنطقة وعلى مناطق النفط والغاز الطبيعي، والتحكم بأسعاره وحجم إنتاجه وتأمين طرق نقله. ومن هنا مساعيها المحتملة والمحمومة لمحاصرة هذه الثورات ومحاولة تقنين أهدافها وتحجيم تأثيرها وحتى حرفها عن مسارها الأساسي، عبر الحد من الدور الشعبي الرقابي فيها، وصولاً الى منعه من الإستمرار، إذا أمكن ذلك. وينبغي، طبعاً، إفشال هذه المحاولات.

لا شيء سيكون بعد هذه التطورات العاصفة كما كان قبلها في منطقتنا

إن الأوضاع الجديدة التي نشأت في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي المحيط العربي والإقليمي والدولي تتطلب السعي الى أشكال مبدعة من العمل، خاصة في ظل موازين القوى وتطور أشكال القمع والحصار الإسرائيلية. فإذا كانت الإنتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في أواخر العام 1987 عملاً إبداعياً بامتياز، فالإحتلال استخلص الدروس هو أيضاً، ووضع أشكالاً مختلفة من الردود يجعل تكرار نفس الأساليب أقل مردودية وفعالية. فإذا كانت هناك، بالفعل، ضرورة لتحرك شعبي فلسطيني فاعل في مواجهة الإحتلال، بصيغه ومواقعه المختلفة، فإن أشكال هذا التحرك النضالي من المفترض أن تتطور لتستبق أشكال الرد المتوقع للإحتلال. وأهمية ثورتي تونس ومصر أنهما كانتا، من هذه الزاوية، ثورتان مبدعتان، اعتمدتا أشكال تعبير وتأثير جديدة، ليس فقط لمنطقتنا، وإنما أيضاً بالنسبة للعالم.
وليس صدفةً أن تعتمد مثل هذه الأشكال حركات الإحتجاج الجديدة على تردي الوضع الإقتصادي - الإجتماعي في إسبانيا، وهي الحركات التي تُطلق على نفسها اسم حركات "الغاضبين" أو "الحانقين"، والتي تجد لها الآن صدى في بلدان أخرى من جنوب أوروبا، مثل اليونان، وربما بلدان أخرى في القارة الأوروبية تعاني من أوضاع إقتصادية صعبة ومن شروط تقشفية قاسية مفروضة عليها، ويتم تحميل العبء الأكبر في تحملها للقطاعات الشعبية الأفقر والأدنى دخلاً.
***
وفي الخلاصة، ان الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية، وفي مصر بشكل خاص، تفتح آفاقاً جديدة أمام نضال الشعب الفلسطيني من أجل إنجاز حقوقه الوطنية وأهدافه في استعادة أرضه ووطنه. ولكن الأمر يحتاج الى نفس طويل وإنضاج لعملية كفاحية طويلة نسبياً. ولكن إنجازات شعبي مصر وتونس وبقية الشعوب العربية تكسبها زخماً وتدفعها بقوة الى الأمام.
وإذا كان الشعب الفلسطيني في الوطن وأقطار اللجوء قد عبّر عن استعدادات نضالية للتجاوب السريع مع المناخ الإنتفاضي الشعبي العربي من خلال التحركات التي جرت داخل الوطن المحتل، كما على حدود جنوب لبنان والمنطقة المحتلة من الجولان في ذكرى النكبة واحتلالات العام 1967، فهو يحتاج، بالضرورة، للإستعداد لمواجهة متعددة الأشكال أطول مدىً مع احتلال شرس، قد يزداد شراسة في المراحل الأولى كرد فعل على التطورات الشعبية العربية العاصفة. لكن العديد من أفراده، وخاصةً نخبه الأكثر وعياً، بدأوا يشعرون بأن مرحلة جديدة تماماً قد انفتحت في المنطقة، وأن لا شيء بعد الآن سيكون كما كان قبل ذلك.
**
# هذه المادة صياغة مطورة مشتقة من ورقة عمل تم تقديمها في يوم دراسي نظمه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية، وعُقد في مطلع تموز/يوليو 2011 في مدينتي رام الله وغزة في آن واحد، عبر الفيديوكونفرنس،