اليسار الفلسطيني: توحيد قواه... أم تفعيل دوره وحضوره؟


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 3824 - 2012 / 8 / 19 - 19:35
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

هذه المادة كتبت في سياق إجابة على أسئلة وجهتها مجلة "الهدف" الفلسطينية ودارت حول آفاق وحدة اليسار الفلسطيني:

أعتقد أن السؤال المهم الذي تفرضه المرحلة الراهنة يتعلق بتفعيل وتطوير دور اليسار في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية أكثر منه بإنجاز صيغة توحيد لأطره ومكوناته القائمة حالياً.

صحيح ان اليسار الفلسطيني كان له حضور ملموس ومؤثر في مسار العمل الوطني الفلسطيني خلال السبعينيات والثمانينيات. لكن هذا الدور تراجع في مطلع التسعينيات، من جهة، بسبب إنعكاسات انهيار تجربة الإتحاد السوفييتي للتحول نحو الإشتراكية، وهي انعكاسات لم تقتصر على الساحة الفلسطينية ولا الساحات العربية وحدها، بل شملت قوى اليسار في العالم كله تقريباً. ومن جهة أخرى، أوجد اتفاق أوسلو والإتفاقات والتفاهمات والممارسات اللاحقة المبنية عليه وضعاً جديداً تماماً في الساحة الفلسطينية، بحيث أدت هذه التطورات بمفاعيلها، خاصة بعد اتضاح انسداد آفاق الوصول الى إنهاء الإحتلال الإسرائيلي في أمد منظور، الى مأزق وطني شامل والى إحباطات واسعة على الصعيد الشعبي.
وهذه الإحباطات شملت تجمعات أقطار اللجوء والهجرة، حيث شعر الفلسطينيون هناك في وقت مبكر بتهميش قضيتهم وحقهم في العودة. كما شملت المقيمين في الوطن نفسه، خاصة مع استمرار وتشديد الإحتلال الإسرائيلي للقدس ومجمل الضفة الغربية وتزايد إجراءاته القمعية، كما وتكثيف الإستيطان في عموم هذه الأراضي المحتلة بوتائر غير مسبوقة. بحيث تضاعف عدد المستوطنين في القدس والضفة الغربية خلال السنوات العشر الأولى التي تلت إتفاق أوسلو. واستمرت وتيرة الإستيطان بشكل مضاعف بعد ذلك الى أن وصل عدد المستوطنين مؤخراً، حسب بعض المصادر الجادة، الى ما يقارب الثلاثة أرباع مليون مستوطن في القدس الشرقية ومجمل الضفة الغربية المحتلة عام 1967. ولا يبدو حتى الآن أن هناك نية لدى القوى السياسية الصهيونية المقررة، بمختلف تلاوينها، للتخلي عن هذه الأراضي في ظل موازين القوى الراهنة في المنطقة.

اليسار جزء من الحركة الوطنية، لكن لديه مهمات خاصة إضافية

طبعاً، مصير اليسار مرتبط بمصير مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية، التي هو جزء لا يتجزأ منها. ولكن لليسار مهمات إضافية الى جانب المهمة الوطنية المشتركة مع كل قوى التحرر الوطني الأخرى، وهي تتعلق بالدفاع عن مصالح القطاعات التي تتعرض للقدر الأكبر من الغبن في مجتمعنا، قطاعات الشغيلة والكادحين والمهمّشين في المدن والأرياف والمخيمات. مما يستدعي أن يبذل اليسار جهده لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنصاف والحياة الكريمة والعدالة الإجتماعية للمواطنين في ظل الظروف الراهنة، وإن كان الإحتلال وإجراءاته التعسفية تعيق حياة وتطور مجمل المجتمع والشعب بكل شرائحه.
فالمسألة الرئيسية بالنسبة لقوى ومكونات اليسار هي بالتالي العمل من أجل تفعيل وتنمية دوره وحضوره المجتمعي والوطني في إطار الوحدة الوطنية الضرورية في مرحلة التحرر الوطني.

وحدة اليسار لا تتحقق بإجراءات إدارية

وفي كل الأحوال، فإن توحيد القوى والتيارات والأفراد المنتمين الى الخيار اليساري لا يمكن أن يتحقق بإجراءات إدارية أو بمجرد الرغبة في تحقيقها لدى طرف أو أكثر من هذا التيار. وقد أظهرت كافة التجارب والمحاولات التوحيدية التي تعاقبت منذ مطلع الثمانينيات الماضية، وخاصة منذ خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982، أن ذلك غير ممكن عملياً لأسباب لا تتعلق كلها بالساحة الفلسطينية حصراً.
فالأمر نفسه ينطبق على ساحات عربية، مثل الساحة المصرية أو الساحة التونسية، وساحات غير عربية أخرى. وقد رأينا في الساحة اليونانية، على سبيل المثال لا الحصر، تعددية قوى اليسار وتنامي بعض أطرافها دون غيرها في مناخ الأزمة الإقتصادية والإجتماعية المتفاقمة الراهنة هناك، دون أن يكون هناك مجال لوصول هذه القوى بمجملها حتى الى صيغ من التوافق والتنسيق، ناهيك عن التوحيد في ما بينها.
إن تفعيل وتطوير الدور الوطني لليسار الفلسطيني يرتبطان بقدرة أي طرف يساري، قائم أو يمكن أن يقوم، على شق طريق فعلي على الأرض يحمل طابعاً مبدعاً وإنقاذياً على صعيد القضية الوطنية وقضايا وهموم القطاعات الشعبية الكادحة في الوطن وأقطار اللجوء والهجرة. وهنا يكون المعيار الوحيد للنجاح هو درجة استجابة هذه القطاعات الشعبية لطروحات أو مبادرات كهذه وتلمسها لنتائجها.
فالبرامج المبدئية والنظرية، وهي متوفرة لدى القوى اليسارية الرئيسية في الساحة الفلسطينية، لم تعد وحدها كافية لإقناع الناس واكتساب، أو إستعادة، المصداقية في وسطها. فالمهم بالنسبة للجمهور الفلسطيني المعني هو ما يمكن أن يراه على الأرض وما ينعكس مباشرة على مسيرته النضالية لاستعادة حقوقه وحريته، كما على حياته اليومية وظروف عيشه، حتى في ظل الإحتلال، أو التشرد والهجرة.
وتبدو تجارب اليسار في أميركا اللاتينية مهمة على هذا الصعيد. مع فارق بديهي يتمثل في كوننا لسنا في وضع بلدانه المستقلة سياسياً، كما إننا نعيش كابوس الإحتلال والتشويه الذي يُلحِقه بمجمل الوضع الإقتصادي- الإجتماعي وما ينتجه ذلك من تبديد لفرص العمل الكريم والحياة الطبيعية لدى المواطنين. ناهيك عن استمرار المحتلين في نهب الأرض ومحاصرة المناطق الزراعية والتنكيل بالمزارعين وتدمير أشجارهم ومزروعاتهم ومصادر رزقهم، وملاحقتهم في أنحاء الضفة الغربية في محاولات من المستوطنين والنظام الإحتلالي لدفعهم لترك أراضيهم والبحث عن مصدر عيش آخر بعيداً عن الأرض، داخل الوطن، أو خارجه. وهذا "الترانسفير" الزاحف للمواطنين الفلسطينيين خارج وطنهم هو الهدف الإستراتيجي لسياسة الإضطهاد الصهيونية هذه.

أهمية التنسيق والعمل المشترك في العمليات الإنتخابية والحملات الإجتماعية

وإذا كان هناك من جهد يمكن أن يكون مفيداً في هذا المجال في الأمد المباشر والقريب، فهو ينبغي أن يتركز، برأيي، على بناء صيغ تنسيق وعمل مشترك بين مكونات اليسار الفلسطيني، خاصة في العمليات الإنتخابية، ذات الطابع الوطني أو المحلي أو النقابي، بما في ذلك انتخابات الجامعات والكليات، وفي الحملات المتعلقة بالقضايا الإجتماعية والإقتصادية، كما في قضايا الدفاع عن الحريات والحقوق الديمقراطية. ومن الممكن في المجال الأخير أن تشارك قوى وتيارات أخرى حريصة على هذه الحريات. وحيثما أمكن، من المفيد التنسيق والعمل المشترك في الحملات المتعلقة بالشأن الوطني العام. فمثل هذا التنسيق والعمل المشترك، إذا ما تحقق، سيكون خطوة كبيرة الى الأمام، خاصة إذا ما لمست القطاعات الشعبية المعنية لمس اليد ثمار هذا العمل المشترك وهذا التنسيق.
***
ولا شك أن هناك تقاطعات واسعة في المهمات والعمل الوطني المباشر بين مكونات اليسار وبين مجمل مكونات حركة التحرر الفلسطينية التي تعمل من أجل إنهاء الإحتلال وإنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية في هذه المرحلة التاريخية. ولكن هناك مجالات عمل ونشاط لليسار يمكن أن يختلف فيها مع هذا الطرف أو ذاك في الساحة الوطنية أو في المجتمع الفلسطيني. وبالتأكيد، هناك وسائل للتحكم بهذه الإختلافات بحيث لا تؤثر على علاقات التحالف الوطني الواسعة في مرحلة التحرر، وفي الوقت نفسه لا تجعل اليسار يتخلى عن مهماته التاريخية في الدفاع عن مصالح قطاعات الشغيلة والكادحين والمهمّشين من الشعب.
وليس الأمر مقتصراً هنا على المصالح الإستراتيجية وطويلة الأمد لهذه القطاعات التي تشكل الغالبية الكبرى من الشعب، بل على المصالح الآنية وقصيرة الأمد، والتي يمكن أن تدخل في نطاق ضمان الحد الأدنى من العدالة الإجتماعية والحياة الكريمة وتقاسم العبء والتضحيات بشكل شبه متوازن بين قطاعات الشعب المختلفة، حتى في مرحلة التحرر الوطني.
فليس صحيحاً أن يقال أن القضايا الإجتماعية والحياتية مؤجلة لما بعد التخلص من الإحتلال أو ان من الضروري التضحية بها بحجة أولوية العمل الوطني ضد الإحتلال. ومرة أخرى، يتعلق الأمر بتقدير متوازن للمصالح الآنية للقطاعات الشعبية بحيث لا تمس، وهي عادة لا تمس، بالمصالح العامة الإستراتيجية وطويلة الأمد لقضية التحرر والخلاص من الإحتلال. لا بل ان ضمان هذه المصالح الآنية وهذه الحياة الكريمة يجعل هذه القطاعات الشعبية أكثر التحاماً بحركة النضال الوطني وأكثر قدرةً على مواصلة الصمود والمشاركة في العملية الكفاحية من أجل إنجاز الأهداف الوطنية لكل الشعب.
***
ولا يتعلق الأمر طبعاً لا بشق طريق التحول الإشتراكي ولا بفرض كافة خيارات اليسار ونهجه على مجمل الشعب في هذه المرحلة التاريخية. وذلك، بالطبع، غير ممكن في ظروف الإحتلال وفي الوضع المحيط حالياً بمناطق التواجد الفلسطيني. وهو غير مطلوب وغير واقعي. لكن هناك فرق كبير بين استبعاد هذا الطموح الإرادوي الطوباوي وبين التخلي عن الدفاع عن قضايا القطاعات الشعبية المغبونة والمستغَلة وإنصافها النسبي في الأمد المباشر والمرئي.
ولجيلنا الذي عاش مراحل صعود قوى اليسار وحركات التحرر الوطني التقدمية في العالم في الربع الثالث من القرن العشرين، يمكن القول ان الحنين للماضي وحده لا يحل المشكلة ولا يُخرج اليسار الفلسطيني، والعربي عامةً، من حالة التراجع والإنكفاء التي يعيشها. فالأوضاع العالمية والإقليمية ومعطيات الصراع في ساحتنا اختلفت كثيراً عما كانت عليه في تلك الحقبة التاريخية. وهو اختلاف ليس بالضرورة كله باتجاه سلبي.
واليسار الذي يحقق النجاح هو ذلك الذي يقدم الإجابات الناجعة على الواقع الذي يعيشه شعبه في المرحلة المعنية. ولذلك، وعلى ضوء متابعتنا لبعض التجارب الرائدة في عالمنا المعاصر، وخاصة، كما سبق وذكرنا، في أميركا اللاتينية، بإمكاننا أن نقول ان الإبداع في العمل على الأرض وفي الإجابة العملية على المعضلات المطروحة راهناً هو الذي يعيد الإعتبار لقيم وطروحات وخيارات اليسار في ساحتنا. والإبداع هنا لا يعني مجرد تغيير في التعابير اللغوية أو الخطاب المستعمل، أو مجرد تطوير في البرامج المكتوبة أو المطروحة شفهياً. بل، كما سبق وأشرنا، هو إبداع في الممارسة الفعلية والمرئية من الناس المعنية بطروحات اليسار، وهي، كما ذكرنا، غالبية كبيرة من الشعب.
أما إذا كان شق مثل هذا الطريق سيقود بعد ذلك الى توحيد اليسار، فتلك مسألة نظرية، وبرأيي غير جوهرية بحد ذاتها. فمن الممكن أن تحقق الممارسة وحدة جزئية أو كاملة لمكونات اليسار عبر العمل المشترك، ومن الممكن ألا تحقق وحدة شاملة وتبقى بعض المكونات اليسارية متعايشة في ما بينها، وهذا ليس أمراً مأساوياً بحد ذاته. فقد رأينا، مثلاً، في تجربة فنزويلا الراهنة، ان الحزب الإشتراكي الموحد الجديد تمكن من جمع العديد من القوى والمكونات، في حين حرصت بعض القوى اليسارية القائمة على البقاء مستقلة، وإن متحالفة مع الحزب الجديد، ولم يؤثر ذلك لا على التجربة اليسارية بمجملها في البلد ولا على وضع الأطراف اليسارية نفسها.
وفي كل الأحوال، فإن زمن القهر والإرغام والإرادوية البيروقراطية قد ولّى، وزمن الحزب الواحد والزعيم الأوحد والحقيقة الواحدة بات في ذمة التاريخ، حتى في منطقتنا العربية التي كانت تبدو، حتى العام الماضي، عصية على تجاوز هذه المرحلة من الإستبداد والتفرد في الحكم والهيمنة على مصير البشر. ومرة أخرى، لا جدوى من الحنين الى بعض هذه الصيغ الماضية من الحكم والمشاريع اليسارية، ولا فائدة من مواصلة إدعاء احتكار الحقيقة وامتلاك خارطة الطريق الصائب، وهي كلها صيغ ومفاهيم كانت في النهاية من بين أسباب إخفاق عدد من التجارب اليسارية الماضية، في العالم كما في منطقتنا. ولا أعتقد أن أحداً من المتمسكين بقيم ومبادئ وتطلعات اليسار يسعى الى تكرار ما أثبت التاريخ أنه غير مجدٍ، ولا يقود في نهاية المطاف الى تحقيق الهدف المأمول.