انتصار هام لقوى اليسار في بلد رئيسي آخر في أميركا اللاتينية


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 3388 - 2011 / 6 / 6 - 23:03
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

حقق المرشّح المدعوم من القوى اليسارية في انتخابات الرئاسة في بيرو (30 مليون نسمة تقريباً)، أويانتا أومالا، انتصاراً مهماً في الدورة الثانية من الإنتخابات التي جرت يوم 5 حزيران/يونيو 2011، متفوقاً على المرشحة المدعومة من قوى اليمين وأنصار "الليبرالية الجديدة"، كيكو فوهيموري، ابنة الرئيس الأسبق ألبرتو فوهيموري (1990-2000)، القابع الآن في السجن محكوماً لمدة 25 عاماً بتهم القتل والفساد.
في الدورة الأولى للإنتخابات، التي جرت في 10/4/2011، والتي جاء فيها أومالا في المرتبة الأولى بنسبة تقترب من 32 بالمئة من الأصوات، مقابل أقل من 24 بالمئة لفوهيموري، ونسب أدنى لمرشحي يمين الوسط البارزين الآخرين، كان أومالا، زعيم الحزب القومي البيروفي، مدعوماً من عدد من الأحزاب اليسارية الإبرز في البلد، وخاصة الحزب الإشتراكي والحزب الشيوعي والحزب الإشتراكي الثوري والصوت الإشتراكي للحركة السياسية. وبذلك احتُسب على اليسار، خاصة وأن برنامجه الإنتخابي كان يؤكد على الجانب الإجتماعي وتوزيع أكثر عدالة للثروة الوطنية، وضرورة الإهتمام بالقطاعات الأفقر في البلد والمناطق الأقل تطوراً، التي لا تصلها الماء ولا الكهرباء، على حد تعبيره. ومن الواضح من نتائج الإنتخابات أن هذا الجمهور الأفقر صوّت بكثافة لصالحه، خاصة في الأرياف.

رسائل "ويكيليكس" الأميركية وصفت أومالا بـ"الفاشية" والتبعية لتشافيس

وكان سبق لأومالا أن تقدّم بالترشح للإنتخابات الرئاسية في العام 2006، وجاء في المرتبة الأولى أيضاً في الدورة الأولى، لكنه خسر في الدورة الثانية لصالح الرئيس الذي تنتهي ولايته قريباً، ألان غارسيا. وقد تعرض أومالا في حينه لحملة شرسة لإسقاطه.
وبعض الرسائل الدبلوماسية الأميركية التي كشفها موقع "ويكيليكس" مؤخراً كانت قد وصفته في العامين 2005-2006 بـ"الفاشية"، مستخدمة هذه الكلمة تحديداً، وهي قليلة الإستعمال في الأدبيات السياسية الرسمية الأميركية المعاصرة.
كما "اتُهم" أومالا، في نفس هذه الرسائل الدبلوماسية الأميركية، بعلاقته الوثيقة مع الرئيس الفنزويلي أوغو تشافيس. وقد أدت الحملة الشرسة المعارضة له آنذاك، والتي كانت مدعومة بشكل علني من قبل إدارة الولايات المتحدة ووسائل إعلامها الكبرى، الى "شيطنته" ومن ثمّ إسقاطه لصالح رئيس أسبق كان قد حكم في الثمانينيات الماضية، وانتهى حكمه آنذاك بنتائج داخلية كارثية، حتى ان صورته الشعبية في بداية حملة 2006 كانت سلبية الى حد كبير. لكن حملات "التجميل" يمكن أن تشمل أيضاً المجال السياسي!
ومن الملفت للإنتباه أيضاً أن دبلوماسيي الولايات المتحدة، كما يظهر في رسائل سفارتها في العاصمة البيروفية ليما في هذين العامين 2005 و2006، كانوا يعتبرون بيرو أحد بلدين في أميركا الجنوبية تحظى فيهما الولايات المتحدة بشعبية ملحوظة (أكثر من 70 بالمئة من الآراء الإيجابية، وفق إحدى الرسائل السرية المنشورة)، خلافاً لبقية بلدان تلك القارة، التي تقف غالبية الجمهور فيها موقفاً سلبياً من واشنطن. والبلد الثاني في هذه الرسائل هو، بالطبع، كولومبيا، التي سبق واعتبرها الزعيم الفنزويلي تشافيس في أحد التصريحات الماضية بـ"إسرائيل أميركا الجنوبية"، نظراً لكونها حليفاً عسكرياً هاماً لواشنطن في عموم القارة، وتستقبل أراضيها العدد الأكبر من القواعد والقوات العسكرية الأميركية في المنطقة، تحت يافطة مواجهة عصابات تهريب المخدرات (الكوكايين) ومساعدة السلطة هناك في محاربة المعارضة اليسارية المسلحة. وهذه المعارضة المسلحة، كما هو معروف، هي الأخيرة المتبقية في أميركا الجنوبية المعاصرة.

إمرأة نائبة أولى للرئيس الجديد، والعربي الأصل شحادة نائباً ثانياً

وجدير بالذكر أن أومالا، الذي هو، كما يشير اسمه، من نسل شعوب البلاد الأصليين، المعروفين خطأً باسم "الهنود الحمر"، اختار إمرأة نائبة أولى للرئيس، هي الصحافية ماريسول إيسبينوسا، ورجل قانون من أصل عربي، هو عمر شحادة، كنائب ثانٍ للرئيس. وصيغة النائبين هذه هي صيغة خاصة بالبيرو.
وكان والد أومالا محامياً يسارياً، حيث كان ينتمي الى الحزب الشيوعي- الوطن الأحمر، لكنه كان يركّز اهتمامه على الجانب الإثني، وكان المفكّر البارز للحركة القومية البيروفية التي تهتم بجذور شعوبها الأصلية، وخاصة شعب كيتشوا المحلي. وهو فكر يبدو أن الرئيس البيروفي الجديد يشاطره، الى حد ما.
وكان أومالا عسكرياً حتى فترة قريبة، ووصل الى رتبة مقدم. وكان قد شارك في محاولة إنتفاضة عسكرية على الرئيس الاسبق فوهيموري في العام 2000، لكن المحاولة فشلت وتم الحكم عليه بالسجن. لكن أُفرج عنه من قبل الهيئة التشريعية بعد الإطاحة بالرئيس فوهيموري في العام ذاته. ومن هذه الزاوية وهذا الماضي العسكري، جرت المقارنة بين أومالا وزعيم فنزويلا اليساري تشافيس. لكن أفكار أومالا اليسارية أقل وضوحاً من أفكار تشافيس. وهو، في كل الأحوال، عمل في الحملة الإنتخابية الأخيرة على إبعاد "تهمة" العلاقة مع تشافيس وأفكاره ونمط حكمه عنه، ولجأ الى تشبيه مشروعه السياسي بمشروع الرئيس البرازيلي السابق لولا داسيلفا (2002-2010)، اليساري المعتدل، الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في بلده وباحترام عالمي واسع.
وبعد الجولة الأولى للإنتخابات، عمل أومالا بدأب على استقطاب قطاعات الوسط السياسية التي صوتت للمرشحين الآخرين الذين تم استبعادهم بعد هذه الجولة، وأبرم تحالفاً مع الرئيس الأسبق أليهاندرو توليدو (2001-2006) الذي كان أيضاً مرشحاً هذه المرة، وجاء في المرتبة الرابعة، حيث حصل على نسبة تقترب من 16 بالمئة من الأصوات. والإتفاق بين الطرفين يقضي بمشاركة إئتلاف توليدو (الذي يتم تصنيفه سياسياً في الوسط الليبرالي) في الحكومة القادمة، التي تشكل في حال فوز أومالا في الدورة الثانية. وهو ما يعني أن أومالا أجرى بعض التعديلات على مضمون برنامجه السياسي والإقتصادي، مع استمرار التركيز على المجال الإجتماعي، أي محاربة الفقر. وقد التزم فعلاً، عشية الدورة الثانية، بعدم تعديل الدستور بحيث يسمح له بالترشح مرة أخرى للرئاسة، وهو ما لا يجيزه الدستور الحالي. كما أقسم علناً بالإلتزام بكل مبادئ الديمقراطية، والتزم بإبقاء إتفاقات التجارة الحرة المختلفة القائمة مع عدة بلدان، وآخرها تم توقيعه مع اليابان من قبل الرئيس المنتهية ولايته ألان غارسيا عشية الإنتخابات. وهو ما يعني أنه سيمارس، على الأغلب، سياسة أقرب فعلاً الى السياسة التي اتبعها "لولا" في البرازيل، العملاق الجنوب – أميركي والقوة الإقتصادية العالمية الصاعدة في السنوات الأخيرة.
وكان أومالا مضطراً، كما كان حال "لولا" في حينه، الى إجراء مثل هذا التحالف كي يتمكن من الحكم، لأن التحالف الذي كان يقوده لم يحصل على أغلبية المقاعد في المجلس النيابي، بالرغم من انه جاء في المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد، حيث حصل على 47 مقعداً من أصل 130. ولكنه، مع الإئتلاف الذي يقوده توليدو، والذي حصل على 21 مقعداً، تكون لديه أغلبية مطلقة من المقاعد.
وبيرو، التي تقع على المحيط الهادئ الى الغرب من البرازيل، والتي تزيد مساحتها على المليون وربع المليون كيلومتر مربع، أي أكثر من مساحة مصر في منطقتنا، هي حالياً الإقتصاد السادس في أميركا اللاتينية، بعد البرازيل والمكسيك والأرجنتين وكولومبيا وفنزويلا. وقد شهدت في السنوات الأخيرة تنمية إجمالية متسارعة، حيث تدفقت الإستثمارات الخارجية عليها، مما جعل نسبة النمو لديها من أعلى النسب في المنطقة. لكن هذه التنمية لم تنعكس على غالبية السكان الفقيرة إلا بشكل محدود، وهو ما يفسّر النجاح الذي لقيه البرنامج الإجتماعي للمرشح أومالا. هذا، في حين كانت أوساط كبار الرأسماليين في البلد والجهات الخارجية المستثمرة تدعم علناً المرشحة المنافسة له، وكذلك الحال بالنسبة لغالبية وسائل الإعلام المحلية في بيرو المملوكة في معظمها لهذه القطاعات.

الروائي فارغاس يوسا (نوبل 2010): من معاداة أومالا الى اعتباره أهون الشرّين

ولفت الإنتباه، بعد الدورة الأولى للإنتخابات، أن الروائي البيروفي الحائز على جائزة نوبل للعام 2010، ماريو فارغاس يوسا، وصف الخيار بين المرشحين المنتقلين الى الدورة الثانية للإنتخابات الرئاسية الأخيرة كالخيار بين "الإيدز، والسرطان المستفحل"، على حد تعبيره مباشرة بعد الدورة الأولى.
والمعروف أن فارغاس يوسا، الذي كان يسارياً في شبابه، تحوّل نحو اليمين لاحقاً. وكان قد تقدم بالترشح للإنتخابات الرئاسية في العام 1990 وفق برنامج يميني على الصعيد الإقتصادي، يدعم كافة خيارات "الليبرالية الجديدة" الإقتصادية، وجاء في المرتبة الأولى للمرشحين في الدورة الأولى. لكنه هُزم في الدورة الثانية من قبل ألبروتو فوهيموري، الياباني الأصل.
إلا ان فارغاس يوسا غيّر موقفه قبل الدورة الثانية للإنتخابات الأخيرة بأسابيع قليلة، وأعلن وقوفه بقوة ضد المرشحة كيكو فوهيموري، التي كان من المتوقع أن تقوم، في حال نجاحها، بإطلاق سراح والدها من السجن. وموقف فارغاس يوسا، وكذلك عدد كبير آخر من المثقفين والعلماء والمهنيين، شكّل دعماً مهماً في الأوساط المثقفة البيروفية للمرشح المنافس أومالا.
وذهب فارغاس يوسا، المقيم معظم وقته في مدريد باسبانيا والذي ينشر مرتين شهرياً مقالاً في صحيفة "إل باييس" اليومية الرئيسية هناك، يُعاد نشره في إحدى صحف بيرو "إل كوميرسيو"، الى حد الطلب من الصحيفة الأخيرة التوقف عن نشر مقالاته، لشنها حملة واسعة لصالح المرشحة فوهيموري، وبث الإشاعات الكاذبة المسيئة للمرشح الآخر، وفق رسالة منشورة له بعثها من مدريد.
كل هذا الدعم من قطاعات متنوعة كان مفيداً للمرشح أومالا في الفترة الأخيرة قبل الدورة الثانية. حيث بقيت استطلاعات الرأي تتأرجح بين المرشحين حتى الأيام القليلة التي سبقت هذه الدورة، التي فاز بها أومالا بفارق محدود عن غريمته، بحدود 3 بالمئة من الأصوات.

أية سياسات خارجية لإدارة بيرو الجديدة؟

يبقى أن نرى كيف سيمارس عملياً فريق أومالا سياساته الداخلية والخارجية. ولكن، من الواضح، على ضوء المواقف المعروفة من قبل أوساط الحكم والنفوذ المالي الأميركية تجاهه، أن هذه الأوساط كانت تفضّل نجاح المرشحة الأخرى. حتى وإن كان رصيد والدها في الرئاسة غير مشرّف، حتى على صعيد الحريات الديمقراطية، حيث قام بإنقلاب دستوري بعد انتخابه بعامين، أي في العام 1992، من أجل تغيير الدستور والبقاء في السلطة. ولولا التمردات التي واجهته في العام 2000، وخاصة الحركة الشعبية في الشارع في أواخر العام، لكان بقي لدورة ثالثة بعد ذلك.
ومن الطبيعي توقع سياسة خارجية أكثر قرباً من تلك التي تمارسها البرازيل، مثلاً، على صعيد العلاقة مع القوى الصاعدة في العالم وبلدان "العالم الثالث"، بما في ذلك المنطقة العربية. وربما يكون الموقف من المسألة الفلسطينية أكثر وضوحاً من موقف الإدارة السابقة، التي قامت بالإعتراف بدولة فلسطين في مطلع العام الحالي، تماشياً مع المناخ السائد في القارة في الأشهر الأخيرة، ولكن اعترافها لم يتضمن إشارة واضحة الى حدود عام 1967 كما في اعترافات البلدان اللاتينية ذات التوجهات اليسارية. ومعروف أن تشيلي فعلت الشيء ذاته، أي ان اعترافها بدولة فلسطين لم يُشر الى حدود 1967.
وسيكون مهماً معرفة علاقات بيرو القادمة مع جيرانها في أميركا الجنوبية. فالعلاقة مع البرازيل من الطبيعي أن تكون متميزة، خاصة وأن رئيستها الحالية، ديلما روسيف، تنتمي الى نفس تيار الرئيس السابق لولا داسيلفا. لكن هناك بلدين أصغر حجماً اختارا طريقاً أكثر جذرية يقعان الى الجنوب من بيرو (بوليفيا)، والى الشمال منها (إكوادور). أما الجار الآخر الجنوبي، تشيلي، والذي يحكمه حالياً رئيس ينتمي الى يمين الوسط مع العلم بأن البلد لديه مجتمع مدني متطور ويسار حيوي، فهناك إشكالات حدودية معه من قبل بيرو وبوليفيا على حد سواء. أما الجار الشمالي الآخر، كولومبيا، فهو يبقى بذلك القلعة الأخيرة للنفوذ التقليدي لواشنطن في أميركا الجنوبية من خلال التواجد العسكري المباشر، كما سبق وأشرنا. وإن كان رئيسه الجديد يحاول أن يهدئ التوترات مع الأنظمة اليسارية المجاورة.
ذلك ان المناخ العام في أميركا الجنوبية وعموم أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي ما زالت تسوده روح التكافل والتضامن التي نشرتها على نطاق واسع أنظمة اليسار التي تعزز حضورها في القارة منذ أوائل القرن الجديد.