أي دور -خارجي- في الثورات والإنتفاضات الشعبية العربية؟


داود تلحمي
الحوار المتمدن - العدد: 3462 - 2011 / 8 / 20 - 09:01
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

بات الآن واضحاً أن الثورات والإنتفاضات الشعبية التي شهدها عدد من البلدان العربية منذ أواخر العام 2010، وأدت، خلال أقل من شهرين، الى الإطاحة بحاكمَي نظامين أمسكا بزمام السلطة في بلديهما بين عقدين وثلاثة عقود، شكّلت تطوراً نوعياً واستثنائياً في أوضاع المنطقة العربية، وربما على نطاق أوسع.
وكما يحدث مع العديد من الأحداث الإستثنائية غير المتوقعة، تنتشر في منطقتنا، كما في مناطق أخرى في حالات شبيهة، فرضيات بوجود أيادٍ خفية وراء هذه الأحداث. وغالباً ما تتجه أصابع الإتهام نحو الولايات المتحدة، وأحياناً حتى نحو إسرائيل، أو نحو هذه القوة الأوروبية أو الإقليمية أو تلك.
وقبل ستة عقود ونيّف من الزمن، كان أصبع الإتهام الأول في أي حدث أو تطور كبير أو مأساوي في مشرقنا العربي يتجه فوراً نحو بريطانيا، الدولة التي كانت عظمى قبل الحرب العالمية الثانية، وكانت تبسط نفوذها وشبكة سيطرتها على معظم بلدان المنطقة، من مصر الى فلسطين والأردن والعراق وبلدان الخليج، وحتى إيران، والى حد ما تركيا (لنستذكر حلف بغداد الشهير في الخمسينيات الماضية). هذا، بالإضافة الى سيطرة هذه القوة العظمى السابقة، آنذاك، على مناطق واسعة أخرى في العالم، يبرز بينها ذلك البلد- القارة، الهند، الذي كانت تعتبره "درة التاج البريطاني". وهو البلد الذي من أجل تأمين طرق المواصلات إليه، من بين أسباب أخرى، سيطرت بريطانيا على مصر، وعلى ممر قناة السويس الهام آنذاك، في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن يصبح نفط إيران، ثم العراق والخليج، سبباً إضافياً آخر لتعزيز هذا الوجود البريطاني في مجمل المشرق العربي. دون أن نغفل أهمية المشروع الإستيطاني الصهيوني في فلسطين في إطار هذه الإستراتيجية البريطانية للهيمنة آنذاك.
ومعروف أن فلسطين وقعت تحت السيطرة البريطانية في أواخر العام 1917 أثناء الحرب العالمية الأولى، تقريباً في نفس الفترة التي كان فيها وزير الخارجية البريطاني آنذاك، آرثر بلفور، قد أصدر، باسم حكومته، وعده الشهير بتسهيل إقامة "الوطن القومي" اليهودي في فلسطين. كما سيطرت بريطانيا في تلك الحقبة على العراق، الواعد آنذاك باحتمالات توفر الثروة النفطية، بحكم قربه من مناطق إيران الشرقية، المنتجة للنفط منذ وقت أبكر. كما سيطرت على مناطق أخرى في المشرق العربي بالتنسيق والتقاسم مع فرنسا، عملاً باتفاقية سايكس- بيكو السرية الشهيرة المعقودة بين البلدين الإستعماريين أثناء تلك الحرب.

تونس ... تطورات سريعة أدهشت وفاجأت حتى فرنسا والولايات المتحدة

لكن، وفق كل المعلومات والمصادر المتوفرة ومسارات الأحداث على الأرض، جاء اندلاع وتطور ثورة تونس، التي افتتحت سلسلة الثورات والإنتفاضات في منطقتنا منذ أواخر العام الماضي 2010، كمفاجأة كاملة للعالم كله، بما في ذلك للقوتين الخارجيتين الرئيسيتين المؤثرتين بشكل خاص في هذا البلد، فرنسا والولايات المتحدة، وكذلك حتى للشعب التونسي وللمشاركين في الثورة أنفسهم، على الأقل في الأيام الأولى للثورة.
فلا أحد توقع في تونس نفسها، قبل أو بعد إضرام المواطن محمد البوعزيزي النار بنفسه، أن تذهب الأمور الى حد تحول الحراك اللاحق الى ثورة شعبية عارمة، والى الإطاحة، يوم 14/1/2011، أي خلال أقل من شهر على تضحية البوعزيزي بنفسه، بنظام بوليسي استبدادي كان يمسك بالوضع التونسي بيد من حديد منذ وصول رئيسه زين العابدين بن علي الى السلطة في العام 1987، وحتى قبل ذلك عندما تم تعيينه وزيراً للداخلية ثم رئيساً للحكومة (وزيراً أول، وفق التعبير المستخدم في البلد) في أواخر عهد الرئيس التونسي الأول، الحبيب بورقيبة.
فالثورة الشعبية في تونس تطورت بشكل متدرج، والى حد كبير تلقائي، أي بدون وجود قيادة موحدة موجِّهة لها من قبل طرف أو مجموعة مؤتلفة من الأطراف داخل تونس نفسها، واتسعت وكبُرت بشكل متسارع ككرة الثلج الى أن أصبحت انتفاضة شعبية هائلة لم يعد بإمكان النظام وأجهزته الأمنية وضع حدٍ لها بالقمع وسفك الدماء.
ويصعب، في هذا الصدد، نسيان حديث وزيرة الخارجية الفرنسية آنذاك، ميشيل آليو- ماري، أمام البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية)، يوم 11/1/2011، أي قبل ثلاثة أيام من رحيل بن علي عن تونس، عن إمكانية تسوية الوضع المضطرب في تونس من خلال "حسن التدبير، المعترف به في العالم كله، لقوانا الأمنية"، حسب تعبير الوزيرة الفرنسية.
والوزيرة لم تكن تفعل أكثر من التأكيد على سياسة حكومتها على الأرض، حيث كان قد تم إرسال "أربع شحنات من أدوات حفظ الأمن (الملابس الخاصة بقوى الأمن، وتجهيزات الحماية لها، والقنابل المسيلة للدموع) الى تونس، بموافقة من الحكومة الفرنسية، في كانون الأول/ديسمبر 2010 وكانون الثاني/يناير 2011"، وفق المصادر الإعلامية الفرنسية ("لوموند ديبلوماتيك"، عدد آذار/مارس 2011). وأشار المصدر ذاته الى أن هذه المساعدات الأمنية تدخل في إطار سياسة فرنسية قديمة للتعاون البوليسي مع العديد من دول العالم. حيث تشكل صادرات فرنسا في هذا المجال، أي أدوات ضبط الأمن الداخلي، مصدراً مهما ً من العائدات بالنسبة للصناعات المرتبطة بوزارة الداخلية الفرنسية.
ولو نجح نظام بن علي في قمع الثورة الشعبية بفضل المساعدة الفرنسية الموعودة، لكانت آليو- ماري بقيت في موقعها. وعندما فشل القمع، خلافاً لكل التوقعات في ذلك الحين، ورحل بن علي ونظامه، كان على آليو- ماري أن تدفع ثمن كلامها، وأن تترك موقعها في الحكومة.
وقد أقرّ وزير الخارجية الفرنسي الجديد الذي حل محلها، ألان جوبِّيه، بخطأ التقدير هذا، وقام بما يشبه النقد الذاتي في كلمة ألقاها في ندوة عقدها "معهد العالم العربي" في باريس تناولت "الربيع العربي"، حيث قال في كلمة له في ختام الندوة يوم 16/4/2011:
"لا بد من الإقرار، بالتأكيد، أنه، بالنسبة لنا جميعاً، كان هذا الربيع (العربي) مفاجأة. فقد اعتقدنا، لفترة طويلة، ان هذه الأنظمة السلطوية كانت القلاع الوحيدة ضد التطرف في العالم العربي. خلال فترة طويلة، رفعنا حجة التهديد الإسلاموي لتبرير شيء من التساهل مع هذه الحكومات التي كانت تدوس الحريات وتكبح تطور بلدانها".
إذاً، كان انفجار الثورة الشعبية التونسية وتصاعدها السريع حتى رحيل رأس النظام أمراً مفاجئاً وغير متوقع في البداية وحتى ما قبل الفصل الأخير، سواء بالنسبة للمعارضين والمنتفضين التوانسة في البلد نفسه، على الأقل في الأيام الأولى من الإنتفاض الشعبي، أو بالنسبة للقوى الخارجية التي لها تأثير ودور في البلد وعلاقات قديمة معه، وخاصة فرنسا، الدولة المستعمِرة السابقة.
والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة، الدولة الكبرى التي تزايد نفوذها في عموم المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، وفي تونس بشكل ملحوظ بعد وصول زين العابدين بن علي الى رأس هرم السلطة في العام 1987.
فكما فوجئت فرنسا بالثورة الشعبية في تونس، كذلك فوجئت إدارة وأجهزة الولايات المتحدة، البلد الأبعد من فرنسا جغرافياً عن تونس، ولكن ذي العلاقات القوية مع نظام بن علي، كما ذكرنا. وهذه العلاقة الخاصة والإستثنائية بين نظام بن علي والولايات المتحدة أكدها علناً، وبكثير من الوضوح، سفير سابق لفرنسا في تونس، كان يشغل هذا الموقع أبان انقلاب بن علي عام 1987 وإزاحته الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة بحجة اعتلال صحته وتقدم سنّه. وهذا السفير هو إريك رولو، الذي عمل لفترة طويلة في مجال الصحافة والكتابة، خاصة عن قضايا المنطقة العربية والصراع العربي- الإسرائيلي، قبل أن يعينه الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، في أواسط الثمانينيات الماضية، سفيراً في تونس، ثم، بعد بضع سنوات، في تركيا. فقد كتب رولو مقالة شديدة الوضوح تشير الى هذه العلاقة الوثيقة بين الأميركيين وأجهزتهم وزين العابدين بن علي، نشرتها شهرية "لوموند ديبلوماتيك" الشهيرة على الصفحة الأولى من عدد شهر شباط/فبراير 2011 تحت عنوان "ذكريات دبلوماسي".
وبالرغم من هذا النفوذ والحضور الأميركي في البلد، فقد كان الموقف الأميركي، في الأيام الأولى للثورة التونسية، مرتبكاً ومتردداً وغير واضح، لا بل متخوفاً من التغيير، الى أن أصبح جلياً أن الحركة الشعبية في تونس لم تعد قابلة للإيقاف، فتحوّل موقف الإدارة الأميركية باتجاه دعوة الرئيس التونسي السابق، في الأيام الأخيرة من حكمه، الى الرحيل، تفادياً لتفاقم الأمور.
ويشار في صدد الوضع التونسي، الى أن كتاباً كان قد صدر في فرنسا في الشهر العاشر من العام 2009 تحت عنوان "عاهلة قرطاج"، من تأليف الكاتبين الفرنسيين كاترين غراسييه ونيكولا بو. وحمل الكتاب على غلافه صورة ليلى طرابلسي، زوجة بن علي، وتناول دورها في السيطرة على مفاصل الحكم والنفوذ في تونس، ومساعدتها لأفراد عائلتها وأقربائها ومعاونيها لوضع اليد على مرافق الإقتصاد والأعمال ومصادر الثروة في البلد. وكان هذا الكتاب، بالطبع، ممنوعاً من دخول تونس. لكن التونسيين المقيمين خارج تونس، وهم كثر، اطلعوا عليه. أما المواطنون داخل تونس، فكانت هناك وسائل أخرى لإيصال الكتاب، أو فحواه، لهم.
وبالرغم من أن قضايا الفساد المشار إليها في الكتاب كانت معروفة الى حد ما داخل البلد، فقد زادت المعلومات الموثقة في الكتاب من مفاقمة النظرة السلبية لدى القطاعات المثقفة والشابة في البلد تجاه النظام والعائلة الحاكمة، خاصة مع تدهور الأوضاع المعيشية لقطاعات متزايدة من السكان، والشبان منهم بشكل خاص، في السنوات الأخيرة، سنوات الأزمة الإقتصادية العالمية، وانعكاساتها السلبية على مختلف بلدان العالم.
وقد أجرت إحدى الفضائيات العربية، بعد رحيل الرئيس المخلوع من تونس بأيام قليلة، مقابلة مع كاترين غراسييه، إحدى مؤلفي الكتاب، وسألتها، في سياق المقابلة، إذا ما كانت تتوقع عند تأليف الكتاب أن تصل الأمور في تونس سريعاً الى هذه النتيجة، فأجابت بدون تردد: لا، إطلاقاً.
وهذه الصورة السلبية حول فساد العائلة الحاكمة في تونس أكدتها، بعد صدور الكتاب، تلك الرسائل الدبلوماسية الأميركية السرية التي نشرها موقع "ويكيليكس" على شبكة الإنترنت ووزعها مؤسسه الأسترالي جوليان أسانج، وبُدئ بنشرها علناً في أواخر العام 2010. ومن الممكن القول انه كان لتسريبات "ويكيليكس" دور ما في تسويد صورة النظام في تونس، وبالتالي هي ساعدت في التحريض على الإنتفاض عليه، وهو ما ينطبق أيضاً على ما جرى لاحقاً في مصر وبلدان عربية أخرى تناولتها الرسائل الدبلوماسية الأميركية السرية المسرّبة. ولكن من المؤكد انه إذا ما كان لهذه التسريبات أي دور في دفع الأمور نحو الإنفجار، فهو، بالتأكيد، دور ثانوي وغير رئيسي.
وهناك، طبعاً، تساؤلات في منطقتنا وفي مناطق عديدة أخرى من العالم شملتها تسريبات "ويكيليكس": هل كانت هذه التسريبات مؤامرة مقصودة من جهة معينة، من الأميركيين أنفسهم مثلاً، لتحقيق أغراض معينة؟
ليس هناك ما يدفع باتجاه التسليم بصحة هذه النظرية التآمرية، حتى إشعار آخر. حيث ان هذه التسريبات تسببت بالكثير من الإحراجات للإدارة الأميركية، وليس في منطقتنا فقط، وإنما في أنحاء العالم، بما في ذلك مع زعماء بلدان حليفة، مثل ألمانيا. حيث تناولت إحدى الرسائل الدبلوماسية الأميركية السرية من برلين، على سبيل المثال لا الحصر، المستشارة أنغيلا ميركِل بأوصاف غير إيجابية، وكذلك الأمر بالنسبة لرسائل دبلوماسية صدرت من السفارة الأميركية في باريس وتناولت الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بتوصيفات ليست إيجابية كذلك. وكلا الزعيمين الأوروبيين من الحلفاء المقربين جداً للإدارتين الأميركية، السابقة كما الحالية.
ولنتذكر أن تسريبات أخرى من "ويكيليكس" نفسها سبقت تسريبات مراسلات وزارة الخارجية الأميركية وممثلياتها في أنحاء العالم. وهذه التسريبات السابقة تناولت مجرى حربي العراق وأفغانستان. وكانت مصدر إزعاج أكبر للمسؤولين الأميركيين لعلاقتها بحربين ما زالت تفاعلاتهما وأحداثهما متواصلة، مما يؤثر بالتالي على مجمل السياسات والسلوكيات الأميركية الميدانية في البلدين وفي عموم المنطقة العربية – الإسلامية، كما وداخل الولايات المتحدة وبلدان حلف شمال الأطلسي الأخرى المشاركة في الحربين.

ورغم السابقة التونسية، كان زخم الحراك الشعبي في مصر مفاجأة لواشنطن

ونظرياً، كان من المفترض أن يتم التعاطي بطريقة مختلفة مع انفجار الوضع الشعبي في مصر، بعد بدء التحركات الشعبية الواسعة يوم 25/1/2011، اليوم الخاص بالشرطة في مصر. وذلك بعد أن بات واضحاً لكل متابع أن مناخ الثورة التونسية قد أثّر بقوة، من خلال وسائل الإعلام المرئية ووسائل الإتصال العصرية، على مناطق وبلدان عربية أخرى، بدءً بمصر، البلد العربي الأكبر، وحيث معدل دخل الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي أدنى منه بكثير من معدل دخل الفرد في تونس، وحيث الوضع المعيشي لغالبية المواطنين أسوأ والفساد أكثر وضوحاً.
ولكن المفاجأة لم تكن في بدء التظاهرات في مصر. فمصر كانت تشهد حراكاً شعبياً شبه متواصل منذ عدة أعوام، وخاصة منذ العام 2004، عندما بدأت حركات الإعتراض على المسألة التي عُرفت باسم التوريث، أي احتمال طرح فكرة تولي جمال مبارك الرئاسة بعد والده. ثم تلاحقت بعد ذلك جملة من التحركات ذات الطابع السياسي أو المطلبي، المعترض على تدهور الوضع المعيشي للسكان وعلى تطبيقات "الليبرالية الجديدة"، التي زادت فقراء البلد فقراً وهددت قطاعات متزايدة من الفئات المتوسطة بالوقوع في مصاف الفقر. بل جاءت المفاجأة بالزخم الذي اكتسبته هذه التظاهرات بسرعة هائلة نسبياً، بحيث أدت الى إسقاط رأس النظام في البلد في مهلة أقل من المهلة التي احتاجتها الثورة التونسية، بالرغم من الحجم الجغرافي الأكبر لمصر، وتعداد سكانها الذي يتجاوز السبعة أضعاف حجم سكان تونس.
وشملت المفاجأة حتى أولئك الشبان المبادرين للدعوة الى تحرك 25/1 أنفسهم، في القاهرة ومدن مصر الأخرى، حيث لم يتوقعوا حجم المشاركة الواسع، وفق تصريحاتهم العلنية اللاحقة، وحجم التصاعد المتزايد في الأيام اللاحقة لهذه المشاركة الشعبية، وخاصة منذ يوم 28/1، وكذلك الجاهزية الشبابية، والشعبية عموماً، لتحمُّل كلفة مواجهة قوات الأمن و"البلطجية" في البلد، الى أن تمت الإطاحة برأس النظام يوم 11/2.
صحيفة "ذي إنديبندنت" البريطانية كتبت مقالاً للمعلِّقة كاترينا ستيوارت في عدد يوم 29/1/2011 تحت عنوان بليغ: "قلة توقعت السرعة التي ازداد بها زخم الإحتجاجات". وكانت، بالطبع، تتحدث آنذاك عما يجري في مصر، وعما جرى تحديداً في يوم 28/1.
وكان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق والمبعوث الخاص للجنة الرباعية الدولية الى العملية التفاوضية الفلسطينية- الإسرائيلية، توني بلير، قد قال، في حديث أجرته شبكة "سي إن إن" التلفزيونية الأميركية معه في اليوم الأول من شهر شباط/فبراير الماضي، ونقلته صحيفة "ذي غارديان" البريطانية في عدد يوم 2/2/2011، في وصف الرئيس المصري حسني مبارك بأنه "بالغ الشجاعة، وقوة خير"، مشيداً، بشكل خاص، بدور مبارك في مساعدته في عملية التفاوض الفلسطينية- الإسرائيلية (ومن الواضح الآن أين وصلت هذه العملية!).
أما عضو مجلس الشيوخ الأميركي والمرشح الرئاسي الجمهوري المنافس للرئيس أوباما في انتخابات العام 2008، جون ماك كين، فقد اعتبر الثورات العربية، في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" الأميركية، يوم 2/2/2011، "فيروساً" يهدد إسرائيل، قائلاً: "هذه الثورات تنتشر في الشرق الأوسط مثل الفيروس...وهذه ربما أخطر مرحلة في التاريخ، في تاريخ انخراطنا كله في الشرق الأوسط، على الأقل خلال الأزمنة الحديثة...إسرائيل في خطر أن تصبح محاطة بدول هي ضد مجرد وجود إسرائيل، دولٍ محكومة بمنظمات راديكالية"، حسب تعبيره.
وكان جون ماك كين قد التقى بالرئيس الأميركي باراك أوباما، بمبادرة من الأخير، في اليوم ذاته، للتشاور حول الموقف من مصر تحديداً.
أما رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأميركي جون بينَر، فقد قال بشأن الثورة في مصر: "أعتقد أن ما جرى قد فاجأ الجميع، ولذلك ستجري عملية حقيقية لإعادة تقييم ذلك". وأضاف: "أعتقد أنني فوجئت. أعتقد أن (البيت الأبيض) قد فوجئ... إنه وضع معقد جداً". وهذا الكلام لرئيس الأغلبية نقله موقع صحيفة "واشنطن بوست" على شبكة الإنترنت بتاريخ 13/2/2011، أي بعد تنحي مبارك.
من جانبه، أقرّ جيمس كلابِر، مدير المخابرات القومية الأميركية والمسؤول الأول عن التنسيق بين كافة أجهزة الإستخبارات في الولايات المتحدة، في شهادة أمام مجلس النواب الأميركي يوم 10/2/2011، بأنه كانت هناك مئات التقارير خلال العام السابق حول التوترات وعدم الإستقرار في بلدان شمال إفريقيا، ولكن "العوامل المفجّرة المحددة لا يمكن معرفتها وتوقعها دائماً". وأضاف انه "حتى بن علي عندما ذهب الى مكتبه في ذلك الصباح لم يكن يعلم أنه سيكون على الطائرة لمغادرة تونس في المساء". وأضاف أنه اتخذ قراراً، مع رئيس وكاله المخابرات المركزية ليون بانيتا (الذي أصبح في ما بعد وزيراً للدفاع)، بتشكيل فريق من 35 عضواً لمتابعة أفضل للمشاعر الشعبية وقوة المعارضة ودور شبكة الإنترنت في هذه البلدان، على حد تعبيره، وفق ما نقله عنه موقع إحدى محطات التلفزيون الأميركية الرئيسية على الشبكة تحت عنوان: "كلابِر عن مصر وتونس: نحن لسنا مستبصرين". وهو استخدم كلمة "كليرفويانت"، بالإنكليزية، وهي بالأصل كلمة فرنسية، وتعني بتلك اللغة "بُعد النظر".
***
وفي كل الأحوال، وكما سبق وذكرنا، لا يمكن تفسير الثورة التونسية أو الثورة المصرية فقط من خلال التسريبات الإعلامية حول الفساد الواسع القائم في قمة هرم النظامين المنهارين. فهناك أسباب عديدة أخرى وتراكمات طويلة في البلدين، كانت مرئية وواضحة جداً في مصر، خاصة بعد بدء تطبيقات "الليبرالية الجديدة" منذ مطلع التسعينيات الماضية، ومن ثمّ تصاعد الحراك الشعبي الإحتجاجي، في السنوات السبع الأخيرة خاصة، كما سبق وذكرنا.
وجاءت الأزمة الإقتصادية العالمية التي انفجرت علناً في الولايات المتحدة في الثلث الأخير من العام 2008، بانعكاساتها شديدة الوقع على غالبية بلدان العالم، بما في ذلك على تونس ومصر وبلدان عربية وغير عربية أخرى، لتوصل هذه التراكمات الى مستوى "القشة" الشهيرة التي "قصمت ظهر البعير".

الإدارة الأميركية تستدرك، وتسعى، مع دول أوروبية، الى التأثير اللاحق

بالطبع، وكما هي عادة إدارات الولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم وفي مراحل مختلفة سابقة، فهي تتمسك بـ"حلفائها" في "العالم الثالث" الى أن يصبح وضعهم الداخلي صعباً على المستوى الشعبي، الى حد لا يمكن تغطيته وتمريره أمام الرأي العام العالمي، وحتى أمام الرأي العام الأميركي نفسه، فتضطر، في ذلك الحال، وبالسياسة البراغماتية المعهودة لديها، ليس فقط للتخلي عن هؤلاء "الحلفاء"، وإنما تذهب، حين يتلكأون، الى حد مطالبتهم علناً بمغادرة السلطة، والبحث عن ملجأ لهم، حتى في الولايات المتحدة إذا لزم الأمر، إذا كانوا يرغبون بذلك ولا يضرّ ذلك بالمصالح الأميركية اللاحقة.
وهذا ما حدث في الفيليبين مع فرديناند ماركوس في العام 1986، بعد 21 عاماً أمضاها في سدة الرئاسة في هذا البلد الآسيوي الكبير نسبياً (أكثر من 90 مليون نسمة حالياً)، حيث سمح له الرئيس الأميركي آنذاك، رونالد ريغن، باللجوء الى جزر هاواي الأميركية.
وهذا ما حدث بعد ذلك في العام 1998 في إندونيسيا، البلد الأكبر حجماً والرابع في العالم من حيث عدد السكان (حوالي 240 مليون نسمة حالياً)، مع الجنرال سوهارتو، بعد أن أمضى 31 عاماً في الحكم، إثر انقلاب، في أواسط الستينيات الماضية، على مؤسس إندونيسيا الحديثة ورئيسها الأول أحمد سوكارنو، دعمته وكالة المخابرات المركزية الأميركية، كما بات معروفاً ومعلناً، بهدف القضاء على نفوذ الشيوعيين في إندونيسيا، وعلى شخوصهم، حيث كانوا قوة رئيسية ومؤثرة في هذا البلد الكبير سكانياً. فقد شهدت تلك الفترة تصفية جسدية لمئات الآلاف من الشيوعيين أو "المتهمين" بالتعاطف معهم، في هذا البلد الإستراتيجي القريب جغرافياً من فييتنام. وكان هذا البلد الأخير، أي فييتنام، يشهد في تلك الفترة تصعيداً واسعاً لحرب عنيفة متزايدة الحدة في جنوبه، المسيطَر عليه من قبل الأميركيين، وضد شماله المستقل، خاضتها إدارة ليندون جونسون بثقل عسكري، تصاعد بشكل متسارع في النصف الثاني من الستينيات، في مناخ "الحرب الباردة" والصراع الغربي المحتدم في ذلك الحين مع الإتحاد السوفييتي و"البلدان الشيوعية" الأخرى، مثل الصين، التي كان الحزب الشيوعي في إندونيسيا قريباً من نهج الحزب الشيوعي الحاكم فيها. وكان ذلك قبل أن تحدث الإنعطافة الأميركية في مطلع السبعينيات، ابان إدارة نيكسون- كيسنجر، بالإنفتاح على الصين الشعبية، في مناورة للإستفادة من الخلاف الصيني- السوفييتي في ذلك الحين. هذا، مع العلم بأن الزعيم المخلوع سوهارتو لم يغادر إندونيسيا بعد الإطاحة به، وبقي فيها حتى وفاته في السنوات الأولى من القرن الجديد.
***
ولكن بعد ما جرى في تونس، ومن ثم في مصر، وحتى قبل انهيار النظامين السابقين فيهما، بدأت واشنطن وعواصم أوروبا الأخرى تدرك أن شيئاً كبيراً آخذٌ بالتفاعل في عموم المنطقة العربية، وأنه من غير المستبعد أن تشهد دول المنطقة ظاهرة "الدومينو"، أي إنجراف بلدانها، الواحد تلو الآخر، في عملية تغيير شبيهة، متأثرة بالنموذجين التونسي، ثم المصري.
وإذا كانت تونس بلداً صغيراً نسبياً (حوالي 11 مليون نسمة) محدود الموارد الطبيعية، خاصة في مجال مصادر الطاقة، ولا يحتل موقعاً مؤثراً جداً في إطار استراتيجية الولايات المتحدة في عموم المنطقة، فالأمر يختلف كثيراً بالنسبة لمصر، البلد الكبير (أكثر من 80 مليون نسمة) والمركزي والمؤثر على عموم المنطقة، والمرتبط باتفاقات ومعاهدات وصيغ من التعاون متعدد الأشكال مع الولايات المتحدة، ومع إسرائيل، خاصة بعد إتفاقيات كامب ديفيد في العام 1978 والمعاهدة المصرية- الإسرائيلية في آذار/مارس من العام التالي. هذا، الى جانب كونه بلداً أقرب الى مركزي الإهتمام الرئيسيين لواشنطن في المنطقة، منابع النفط الخليجية وممراته، والدولة الإسرائيلية.
فلم تكد الحركة الشعبية المصرية تستعرض قوتها في ساحات القاهرة والمدن المصرية الأخرى، خاصة يومي 25/1 و28/1، حتى سارع أحد المقربين جداً من البيت الأبيض ومركز القرار في واشنطن، عضو مجلس الشيوخ ورئيس لجنة العلاقات الخارجية فيه والمرشح السابق للرئاسة، جون كيري، الى نشر مقال في عدد يوم 31/1/2011 من صحيفة "نيويورك تايمز" تحت عنوان ملفتٍ للإنتباه: "لنتحالف مع مصر القادمة". وهي دعوة واضحة للتخلي عن رأس النظام المصري، وبدء فتح الخطوط مع الحركة الواسعة المناهضة لحكمه في مصر، أو مع الأطراف الأخرى في النظام، وتلك ذات الحضور الشعبي في مصر. فقد أنهى جون كيري مقالته بالكلمات التالية: "لثلاثة عقود، اتبعت الولايات المتحدة سياسة دعم لمبارك، والآن علينا أن ننظر لما بعد عهد مبارك ونبلور سياسة مصرية جديدة".
وهي دعوة لم تلبث أن تلتها دعوات على مستوى أعلى وبصيغ لا تقل وضوحاً، تطالب حتى بتنحي مبارك عن الحكم. ووصلت الدعوات الى مستوى الرئيس باراك أوباما نفسه، الذي بدأت إدارته بالإتصال مع الأطراف المختلفة في الإدارة المصرية، لدفع الأمور باتجاه مخرجٍ لا يزيد الأمور تعقيداً، ولا يدفع حركة الشارع في اتجاهات أكثر تجذراً.
وكانت أوراق "ويكيليكس" قد نقلت تساؤلات دبلوماسيي الإدارة الأميركية في القاهرة، قبل التطورات العاصفة الأخيرة في مصر، حول احتمالات تطور الوضع في البلد بعد وصول حسني مبارك الى سن متقدم، حيث كانت إحدى رسائل سفيرة واشنطن في القاهرة، مارغريت سكوبي، الموجهة الى وزارة الخارجية الأميركية في أيار/مايو 2009، قد توقعت أن يبقى رئيساً مدى الحياة. وكان ذلك قبل أقل من عامين على اضطراره للتنحي عن الحكم.
أما في إسرائيل، الحليف الرئيسي لواشنطن في المنطقة، فبعد التطمينات الذاتية الأولية لبعض السياسيين هناك، والمؤكِدة لسيطرة نظام مبارك على الوضع واستبعاد تكرار التجربة التونسية في مصر، بدأت تسريبات وإشارات واضحة تفيد بحجم القلق الذي ينتاب الأوساط الإسرائيلية النافذة من عواقب رحيل نظام مبارك وخروج المارد الشعبي المصري من قمقمه.
فقد نقلت محطة "سي إن إن" الإخبارية الأميركية يوم 29/1/2011 عن الوزير الإسرائيلي السابق بنيامين بن إليعيزر، وهو من حزب العمل، ومن أصل عراقي، وكان على اتصال مستمر مع الرئيس المصري حسني مبارك خلال فترة الإنتفاضة الشعبية في مصر، قوله للتلفزيون الإسرائيلي ان مبارك أكد له في اتصال هاتفي أن القاهرة ليست "لا بيروت ولا تونس"، وأن "السلطات المصرية تعرف ما يجري وأنها جهّزت الجيش مسبقاً".
وفي حديث لاحق يوم 3/2/2011 مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، قال بن إليعيزر عن مبارك: "انه وقف الى جانبنا طوال 30 عاماً، كان قائداً قوياً، وحافظ بكبرياء على التزامات السادات وواصل السير على دربه". وأضاف: "هناك شيء واضح، وهو انه، من وجهة نظرنا، هذه خسارة هائلة". وكان بن إليعيزر يعقّب على حديث مبارك الأولي عن إمكانية مغادرته السلطة في وقت لاحق من العام 2011، حيث كان من المفترض أن تجري الإنتخابات الرئاسية.
وبعد أن تنحى مبارك فعلاً، يوم 11/2/2011، خرج بعض المعلّقين الإسرائيليين بكتابات وتصريحات كانت تدخل أيضاً في مجال طمأنة الذات، لتؤكد على أن شبان وشابات ميدان التحرير في القاهرة وميادين وشوارع المدن المصرية الأخرى ركّزوا على مطالب تتعلق بالوضع الداخلي المصري وبالحرية والديمقراطية، ولم يرفعوا شعارات مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة. وهي طمأنة ذاتية لم تعمّر طويلاً، بعد أن بدأت تظاهرات التضامن مع الشعب الفلسطيني في القاهرة ومدن مصرية أخرى ترفع أعلام فلسطين، وتطالب بإنهاء وجود السفارة الإسرائيلية من القاهرة.

التعامل "الخارجي" اللاحق على الإطاحة بنظامي تونس ومصر

أما الدول الأوروبية، التي تأخرت أيضاً في اتخاذ مواقف حاسمة لصالح مطالب المنتفضين المصريين، ومعظمها كان له مصالح ويقيم علاقات قوية مع نظام مبارك، فقد وجدت في بدء الحركة الإنتفاضية في ليبيا، بعد أيام قليلة من تنحي حسني مبارك في مصر، وردة فعل العقيد معمر القذافي العنيفة والدموية على هذه الحركة، فرصتها للتعويض عن تلكؤها في استيعاب أبعاد ومآلات الإنتفاضات الشعبية في تونس ومصر.
خاصة وأن العقيد القذافي، بالرغم من كونه قد قدّم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية بعد اجتياح العراق في الشهر الثالث من العام 2003، تحسباً من التعرض للمصير ذاته في مناخات إدارة جورج بوش الإبن و"محافظيه الجدد" الهجومية في المنطقة، يعدّ خصماً سهلاً بالنسبة لبلدان الغرب بسبب سياساته السابقة في المنطقة وخارجها، واتهامه في الماضي بدعم المنظمات والعمليات "الإرهابية"، بما في ذلك في أوروبا، ومواقفه المتقلبة باستمرار في العديد من القضايا. ولم تكن مفاجأة كبيرة، بالتالي، أن يكون الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، المعروف بنزعته اليمينية وقربه من مدرسة "المحافظين الجدد" الأميركيين، أول رئيس غربي يستقبل وفداً من المعارضة الجديدة للنظام الليبي في قصر الإيليزيه، ويذهب الى حد المبادرة بالإعتراف الرسمي، يوم 10/3/2011، بالمجلس الوطني الإنتقالي الذي شكّلته هذه المعارضة في مدينة بنغازي. وهو اعتراف سبق كافة الدول الأخرى، حتى العربية منها (كانت قطر أول دولة عربية تعترف بالمجلس، وكان ذلك يوم 28/3).
***
فهكذا، فيما كانت الثورة الشعبية التونسية مفاجأة كاملة للعالم الخارجي، وكذلك النجاح السريع للثورة الشعبية المصرية في الإطاحة برأس النظام، أصبح واضحاً بعد ذلك للعالم كله أن هناك ريحاً واسعة تهب على المنطقة العربية، وليس فقط على تونس ومصر، وهي ظاهرة أطلقت عليها بعض وسائل الإعلام الغربية وبعض المسؤولين هناك تعبير "الربيع العربي"، كما ذكرنا، بحيث بات متوقعاً أن تمتد لتشمل بلداناً عربية أخرى. وهو سرعان ما حدث مع ليبيا منذ أواسط شباط/فبراير، كما رأينا، ثم مع اليمن والبحرين وسوريا، وكذلك، بأشكال ودرجات متفاوتة وسقف مطالب مختلف بعض الشيء من بلد لآخر، مع كل من عُمان والجزائر والمغرب والأردن، وحتى العراق.
وبدأت التشبيهات ترد في تقارير صحافية أو كتابات لمؤرخين مع ما حدث في أوروبا الشرقية والإتحاد السوفييتي بين العامين 1989 و1991، وحتى مع الثورات القومية التي شهدها عدد من بلدان أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر، وتحديداً في العام 1848. وذلك بعد أن كان أحد المؤرخين الفرنسيين قد شبّه الثورة الشعبية التونسية في مراحلها الأولى، وقبل تفجر الثورات العربية الأخرى، بالثورة الفرنسية الكبرى التي انفجرت في أواسط العام 1789، أي قبل تلك الثورات القومية الأوروبية بأكثر من نصف قرن.
وجاءت ردود الفعل على المستوى الشعبي في أنحاء العالم مرحبةً ومتعاطفة على نطاق واسع، وأحياناً الى حد الإنبهار بهذا النمط الجديد من التحرك الشعبي الجارف الذي قادته أفواج الشبان في بداياته، ليتحول بعد ذلك الى حراك شعبي واسع في العديد من البلدان العربية.
وهذا المناخ الشعبي العالمي دفع بعض الحكام الغربيين الى التعاطي الإيجابي اللاحق، في الخطاب الرسمي على الأقل، مع هذه الثورات والإنتفاضات العربية. وهو ما عكسه، مثلاً، خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الشهير في مقر وزارة الخارجية الأميركية يوم 19/5 الماضي، حيث استعاد بعض الكلمات والشعارات المؤثرة بالنسبة للرأي العام الأميركي، مثل الحرية والديمقراطية والكرامة. لكن كل هذه الصيغ الخطابية والتصريحات الرسمية في العديد من الدول الغربية، وغير الغربية، لم تستطع أن تخفي بعض إشارات القلق لدى الأوساط الحاكمة وأصحاب الشركات والمصالح الكبرى العالمية في منطقتنا، خاصة وأن الثورات بدأت تقترب من مناطق حساسة بالنسبة لمصالح هذه الدول وللإقتصاد العالمي بشكل عام، وتحديداً مناطق النفط والغاز الطبيعي في الخليج.
ومن منطلق متناقض مع هذه الأوساط، ذهب أحد الفلاسفة الفرنسيين اليساريين المشهورين عالمياً، ألان بوديو، الى حد الحديث عن الأهمية التاريخية بالنسبة للعالم لهذه "الريح الآتية من الشرق"، في مقالة له نشرت في صحيفة "لوموند" الفرنسية بتاريخ 18/2/2011، وحملت عنوان "تونس، مصر: عندما يقوم ريح من الشرق بكنس العنجهية الغربية".
من جانبه، عَنْوَن أستاذ السياسة في جامعة سيدني بأستراليا، جون كين، مقالة نشرها موقع أسترالي على شبكة الإنترنت في 1/5/2011، بالكلمات التالية: "العالم العربي: نموذج جديد لثورة حضارية". وجاء فيه: "إذا أجرينا مقارنة، فإن التمردات الشعبية في العالم العربي قد أخذت روح عام 1989 للتمردات "المخملية" غير العنيفة في وسط وشرق أوروبا الى مستوى أرقى". ويضيف: "إن الثورات العربية أوجدت فراغاً إقليمياً في النفوذ. وهي تشكل إنتكاسات كبيرة لإسرائيل، وللولايات المتحدة ولحلفائها"..."إن عدم نجاعة مفاوضات الإتحاد الاوروبي لوضع حد لسياسة إسرائيل المتشددة في وضع اليد على الأرض بات واضحاً كما هو الصمت المدوي لإسرائيل حول كيفية تعاطيها مع هذه التطورات غير الواضحة الجديدة". وانتهى الى القول: "إن الصبر المفروض على الفلسطينيين لتحمل وضعهم البائس لا يمكن أن يستمر".
وهكذا، فإن مشاهد الجموع العربية المتدفقة على الساحات، وخاصة على ميدان التحرير الواسع في القاهرة، في مواجهة آلة قمع رهيبة استمر فعلها، في الماضي، لعقود طويلة، ألهمت العديد من الشبان والقطاعات الشعبية، ليس فقط في المنطقة العربية، وإنما في بلدان ومناطق أخرى من العالم، من أذربيجان، الجمهورية السوفييتية السابقة الواقعة شمالي إيران، الى إسبانيا، البلد العضو في الإتحاد الأوروبي، وحتى الى ولاية ويسكنسن الأميركية، ومؤخراً حتى، وإن بسقف مطلبي محدود دون أي بعد سياسي، الى إسرائيل نفسها.
***
لكن، كما ذكرنا، تنبهت القوى الخارجية النافذة لهذه العاصفة الكبرى التي هبّت على المنطقة العربية. وهي سعت، بعد ذلك، من جهة، الى التأثير على تطورات الوضع الناشئ عن الإطاحة بالنظامين الحاكمين سابقاً في تونس ومصر، ومن جهة أخرى، الى استباق مثل هذه التطورات في بلدان عربية، أو غير عربية، أخرى، بحيث يتم التأثير على الوضع في كل حالة باتجاه لا يضرّ بمصالح الدول الخارجية المعنية، سواء عبر دعم قوى معينة في الحركات الإنتفاضية والسعي لتنمية دورها على حساب قوى وتيارات شعبية أخرى أكثر جذرية، أو عبر دعم الأنظمة القائمة عبر إقناعها ودفعها لمحاولة امتصاص جزئي لغضب المنتفضين، وخاصة من خلال إجراء بعض التجميل في النظام السياسي القائم وبعض التخفيف لتأزم الوضع المعيشي للسكان، وخاصة في البلدان الحليفة لتلك القوى الخارجية، والغربية منها بشكل محدد.
وقد تحدثنا عن التدخل الغربي في ليبيا لمناصرة ودعم قضية المنتفضين. وهناك، بالمقابل، تدخل دول خليجية في البحرين بالإتجاه الآخر، أي باتجاه إخماد التحرك الشعبي. كما هناك محاولات تدخل أميركي وخليجي في اليمن لضمان عدم فلتان الوضع في بلد فقير، لكنه مجاور لبلدان النفط الرئيسية في المنطقة ويقع في منطقة استراتيجية للممرات المائية. وفي بلدان أخرى، مثل سوريا، اتجهت السلطات القائمة الى مواجهة عنيفة للحراك الشعبي. وهذه التطورات كلها حكمتها أوضاع وحسابات مختلفة عما كان الحال عليه في ثورتي تونس ومصر. فمن جهة، تنبه الحكام العرب الآخرين الى "نقاط ضعف" نظامي تونس ومصر، ومن جهة أخرى، دخلت القوى الخارجية على خط مباشر من الفعل والتأثير، لم يكن متاحاً لها بنفس القدر في التطورين الخاطفين في تونس ومصر.

** - هذه المادة هي تطوير لجزء من مادة طويلة تم إنجازها منذ بضعة أسابيع للنشر في إحدى الدوريات الدراسية الفلسطينية حول "الأبعاد الخارجية للثورات والإنتفاضات الشعبية العربية".