أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - هدية المجوس: حين يصبح الفقد امتلاكًا















المزيد.....

هدية المجوس: حين يصبح الفقد امتلاكًا


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 15:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُعدّ المحكيات أحد أهم روافد تشكيل السلوك الجمعي للمجتمعات البشرية، وترسم ملامح الشخصية عبر سِني التاريخ، وتظل محتفظة بجذورها وأثرها رغم تعاقب العصور والأشخاص. ورغم أنّ الذين رووها قد صاروا في عِداد الأموات، فإنها تظل أكثر حياةً في الإنسان من الأحياء.

ثمة حكايات لا تفقد قدرتها على ملامسة وجداننا مهما ابتعد بها الزمن؛ ليس لأنها تروي أحداثًا استثنائية، بل لأنها تكشف في الإنسان ما قد تحجبه عنه مشاغل الحياة وحساباتها. وقصة "هدية المجوس" واحدة من تلك الحكايات؛ فهي تعيد طرح سؤال قديم يتجدد باستمرار: ما الذي يجعل العطاء تعبيرًا عن الحب، ومتى يصبح التخلّي عن أعز ما نملك دليلًا على أنّ الإنسان أغلى من الأشياء؟

وقد جاءت قصتنا ضمن مجموعة قصصية أطلق عليها كاتبها اسم "الملايين الأربعة"، فراودني سؤال: لماذا اختار هذا الاسم؟ وهل اختاره لأنه يحتوي فعلًا على أربعة ملايين قصة؟ فوجدت إجابة صادمة؛ إذ كانت التسمية ردًّا على مقال صحفي افترض أنه لا يوجد سوى أربعمائة شخص في مدينة نيويورك يستحقون الذكر، في حين أراد الكاتب إبراز حياة ملايين الناس العاديين والبسطاء.

حينها تجاذبتني صفحات تلك القصص التي توقفت عندها عن التقليب، وتقاذفتني الأسئلة؛ سؤالًا تردفه أسئلة عنكبوتية الامتداد، ممتزجة الألوان. وكان أكثرها إلحاحًا سؤال أرّقني: لماذا لا يزال الموت يُرخِي سدوله على غزة؟ فأهلها كلهم في عِداد الموتى؛ فمنهم من يمشون على الأرض حيارى، وآخرون يرقدون في باطنها. ألأنه لا يوجد فيها سوى أربعين شخصًا يغتصبون المال والسلطان، وأربعة عشر فصيلًا يستحقون الحياة، بينما غدت حياة الناس وحجارتهم وقودًا لحرب لا نهاية لها، وباتت حياة الإنسان أرخص من أن تُصان؟ فغزة بضاعة مزجاة، فلا أبخسَ من أهلها وحجارتها وقودًا لحرب لا ناقة لهم فيها تطعمهم، ولا جَمل يُقلّهم في زمن التصحّر الإنساني.
سرَيت في ثنايا نفسي، علّني أجد ضالتي، وفجأة، تضرب رصاصةٌ حائطي المحطم الذي يأويني، فيجفّ القلم وتتناثر الصحف في ثناياي جزعًا واضطرابًا. وما هي إلا هنيهة حتى عدت ساريًا، خاليًا من الجزع والخوف، أُمسِك بما يخطّ كلماتي، فتناثرت من جديد في الفضاء، باحثة عن الأمل والمحبة والسكون.

بعد تلك اللحظات الممتزجة بالمشاعر المتباينة، سكن نفسي ليلٌ كموج البحر، يحمل ظلماتٍ يكابد بعضها بعضًا؛ فما كان لي من مأوى إلا العودة إلى حكايتنا؛ لا هروبًا من ثقل ما رأيت، ولا انفصالًا عن واقع يزداد قسوة، بل بحثًا عن معنى آخر للإنسان، في حكاية تكشف كيف يمكن للحب أن ينتصر على حسابات المنفعة، وكيف يصبح التخلّي عما نملك تعبيرًا عن قيمة من نحب. وبين واقع تُستباح فيه حياة الناس، وحكاية يُقدِّم فيها الإنسان أعز ما يملك من أجل الآخر، تتجدد الأسئلة حول معنى العطاء، وحدود التضحية، وما تبقى للإنسان من إنسانيته.

أعجب أيّما عجب من مفارقة يفقد فيها الإنسان حياته، في عالم كان أقصى ما يمكن أن يقدّمه فيه لمن يحب التخلّي عن أعزّ ما يملك ليمنحه الحياة؛ فمن يشتري الحياة للحياة؟

فليس الحب أن نتمسك بما نحب حتى النهاية، بل أن ندرك أحيانًا أنّ قيمة من نحب تفوق قيمة الاحتفاظ بما نملك. ففي جوهر القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام، يتجاوز العطاء حدود ما يبقى في أيدينا، ليكشف عما نكون مستعدين للتخلي عنه من أجل الآخر؛ فالإيثار ارتقاء بالذات حين يصبح الآخر حاضرًا في وعينا إلى الحد الذي نرى فيه سعادته امتدادًا لسعادتنا، وربما مقدَّمة عليها.

ولعل هذا المعنى ظلّ أحد أكثر الموضوعات حضورًا في الوجدان الإنساني، وتجلّى في أدبنا العربي بصور مختلفة؛ ففي حكاية قيس وليلى، نرى عاشقًا تجاوز حدود المألوف، حتى غدا الحب لديه عالَمًا قائمًا بذاته، تضاءل أمامه ما عداه. وفي شِعر عنترة، تحول حب عبلة إلى قوة تستنهض الشجاعة وتستدعي التضحية، وتجعل من احتمال الخطر والبذل تعبيرًا عن الوفاء. وفي التجربتين نلمح كيف يمكن للحب أن يدفع الإنسان إلى تجاوز حساباته الشخصية، وأن يجعل من التنازل عن بعض ما يعتز به تعبيرًا عن قيمة الآخر في حياته.

وقد تناول علم النفس التطوري هذه الظاهرة بالتشريح والتحليل، مستخدمًا مفهوم "الإشارة المكلِفة" لتفسير بعض صور التعبير عن الالتزام؛ فالتصرف الذي ينطوي على كلفة حقيقية قد يكون أكثر قدرة على إظهار صدق النوايا من الأقوال التي لا يترتب عليها ثمن. ومع ذلك، لا تكفي كلفة التضحية وحدها للحكم على صدق الحب؛ إذ تتحدد دلالتها بسياق العلاقة وطبيعة الاختيار. فالتضحية التي تنبع من حرية الإنسان ووعيه بقيمة الآخر تختلف عن تلك التي تُفرض عليه أو تدفعه إلى إلغاء ذاته.

ومن هذا المعنى الإنساني تنطلق قصة الكاتب الأميركي أو. هنري (O. Henry) "هدية المجوس"، التي نُشرت قبل ما يزيد على قرن من الزمن، وضُمّت لاحقًا إلى مجموعته القصصية "الملايين الأربعة". وهي حكاية قصيرة في أحداثها، لكنها واسعة الدلالة في ما تطرحه من أسئلة عن الحب والعطاء وقيمة الأشياء.

في غرفة متواضعة، ضيَّقها الفقر واتّسع فيها الحلم، عاش جيم وديلا. لم يكن لديهما من الدنيا إلا القليل، لكنهما امتلكا ما بدا لكل منهما أثمن من المال: ساعة ذهبية ورثها جيم عن أبيه وجده، وشَعر طويل كانت ديلا تعتز به، حتى بدا جزءًا من جمالها وهويتها.

اقترب عيد الميلاد، وأرادت ديلا أن تقدم لزوجها هدية تليق بحبهما، لكنها لم تكن تملك سوى دولار وسبعة وثمانين سنتًا. جلست أمام المرآة، تتأمل شعرها الطويل، ثم تنظر إلى ما في يدها من نقود قليلة. وبين ما تحب أن تحتفظ به وما تتمنى أن تمنحه، اتخذت قرارها.

قصّت شعرها وباعته، واشترت بثمنه سلسلة بلاتينية أنيقة لساعة جيم. لم تكن تبيع خصلات من شعرها فحسب، بل تتخلى عن شيء يحمل جانبًا من صورتها عن نفسها، لتمنح زوجها ما يليق بأغلى مقتنياته.

وحين عادت إلى المنزل، لم تكن تحمل هدية فحسب؛ كان في صدرها قلق من رد فعله، وخشية من ألّا يرى في تضحيتها ما أرادت أن تقوله بها. فالعطاء، حين يمسّ شيئًا عزيزًا فينا، يجعلنا أكثر انكشافًا أمام الآخر؛ نضع بين يديه شيئًا من ذواتنا، وننتظر أن يفهم المعنى الذي لا تستطيع الأشياء وحدها التعبير عنه.

عاد جيم، ورأى ديلا بشعرها القصير؛ توقف أمامها، وغلبت عليه الدهشة. لم يكن ما يراه مجرد تغيير في مظهرها، بل مفاجأة لم يكن يتوقعها. ثم كشف لها أنه باع ساعته الذهبية ليشتري لها مجموعة أمشاط فاخرة من صدف السلحفاة، كانت تتمنى اقتناءها لشعرها الطويل.

وهكذا، في مفارقة لا تخلو من سخرية الحياة الرقيقة، باع كل منهما ما يملكه ليشتري للآخر ما لم يعد يستطيع الانتفاع به، فكأن كليهما لم يشترِ هدية للآخر، بل فقد كلٌّ منهما أثمن ما يملك. ديلا تخلّت عن شعرها لتزيّن ساعة لم تعد موجودة، وجيم تخلّى عن ساعته ليزيّن شعرًا لم يعد كما كان.

هنا تتبدل دلالة الهدية؛ فقيمتها تتجاوز وظيفتها أو ثمنها، لتتصل بالفعل الذي سبق تقديمها، وبالمعنى الذي حملته. لقد خسر جيم ساعته، وفقدت ديلا شعرها، لكن كليهما اكتشف أنّ الآخر كان مستعدًا للتخلي عن شيء ثمين من أجله. وما بدا فقدًا في ميزان الأشياء صار امتلاكًا في ميزان العلاقة؛ لأنّ كل واحد منهما رأى في تضحية الآخر اعترافًا بمكانته في قلبه، وإدراكًا بأنّ كلًّا منهما يمتلك قلب الآخر.

ومن هنا نفهم عنوان القصة؛ فالمجوس المقصودون هنا هم حكماء المشرق الذين تروي الأناجيل أنهم قدموا الهدايا للمسيح عند مولده، وليس المجوس بالمعنى الديني المتداول بين العرب وغيرهم. يستحضر أو. هنري هذه الحكاية ليمنح بطليه صفة الحكمة التي لا تقاس بالقدرة على اقتناء الأشياء، وإنما بمعرفة ما يستحق أن يُمنح. فكما حملت هدايا حكماء المشرق معنى يتجاوز قيمتها المادية، حملت هديتا جيم وديلا معنى يتجاوز المنفعة المباشرة؛ إذ تجلّت الحكمة في إدراك قيمة من تُقدَّم إليه الهدية.

ولا ينبغي أن نفهم من القصة تمجيد التضحية لذاتها، أو اعتبار كل تخلٍّ عن شيء عزيز دليلًا على الحب. فثمة فارق بين تضحية يختارها الإنسان بحرية ورضا، تعبيرًا عن المحبة، وبين تضحية تتحول إلى استنزاف أو إذابة للذات تحت ضغط الخوف أو الشعور بالذنب أو اختلال العلاقة. وفي العلاقة الناضجة يجد الإنسان مساحة يمنح فيها الآخر من دون أن يتنازل عن كرامته أو يهمل احتياجاته؛ فالعطاء يكتسب قيمته حين يكون تعبيرًا عن إرادة حرة، لا ثمنًا يُدفع لاستمرار العلاقة أو ضمانًا لاستحقاق المحبة.

لعل هذا هو المعنى الذي يمنح "هدية المجوس" خلودها؛ فحكماء المشرق قدموا هداياهم تعبيرًا عن التقدير، أما جيم وديلا فقد قدّما أعز ما يملكان تعبيرًا عن الحب. وهكذا يلتقي الطرفان في حكمة واحدة: أنّ قيمة العطاء لا تُقاس بما يصل إلى أيدي الآخرين، وإنما بما يكشفه من مكانتهم في قلوبنا. لقد أصبح جيم وديلا، في حكايتهما، حكيمين من حكماء العطاء والتخلّي.

فسلامٌ على الذين أدركوا أنّ أثمن الهدايا ليست تلك التي تصل إلى أيدينا، بل تلك التي تكشف لنا كم نحن أعزاء في قلوب الآخرين؛ وسلامٌ على من أدرك قيمة الإنسان فأجلّها، وتخلّى من أجلها عن الأنويّة المتضخمة والاستكبار وادّعاء الأفضلية.

وسلامٌ على أيامنا القاسية التي نحياها، وسلامٌ علينا يوم نموت، وسلامٌ علينا يوم نُبعث أحرارًا بين يدي السلام، وسلامٌ علينا ونحن ننتظر طائر السلام ليُلقيَ علينا المحبة والسلام.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- واشنطن وتل أبيب: من العرج الانتخابي إلى شراكة استراتيجية جدي ...
- من بنغازي إلى البحر الأحمر: التوازن الإقليمي في بيئة دولية س ...
- مقايضات بلا صفقات: التخادم في زمن السيولة الاستراتيجية
- عودة بوب ساغيت: الجِدّ بالهَزْل
- بكلمة ونص: السياسة في قبضة الازدواجية
- الحياة في قبضة الصورة
- بعد ألف يوم ويزيد... أكتوبر بين مساءلة القرار ومسؤولية المست ...
- بعد ألف يوم ويزيد... أكتوبر بين مساءلة القرار ومسؤولية المست ...
- يوم نصركم... يناديكم
- سفينة مصر... متصدقش
- حين لا تصمت الحرب... صوت خلف العاصفة
- حين تسقط الأوراق... لا تموت
- بين طوفانين... الغائب الحاضر
- مؤدِّب الكاذبين... -هلووووو... مين بتكلَم-.
- اليسار الفلسطيني: من إرث التحرر إلى مظلّة الانقسام
- طيف الأمان
- بين الشراكة والإصلاح… المساءلة أولًا
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الثانية: مَن يصنع ما بعد الكارثة؟
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الأولى: المعرفة التي سبقت الانفجار
- التفاوض استراتيجية وجود


المزيد.....




- الحرس الثوري يعلن انفجار واحتراق 3 ناقلات نفط بمضيق هرمز.. و ...
- القوات المسلحة الإيرانية تعلن فشل الضغوط الأمريكية وتؤكد أن ...
- حريق بناقلة نفط في مياه عمان
- إعلام: قتلى وإصابة باشتباكات في مخيم صبرا وشاتيلا
- -حزب الله-: الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية لن تغيّر مواقف ...
- بيان مدارس الرياض لأولياء الأمور بعد تفعيل خطط الإغلاق الآمن ...
- زاخاروفا: ملجأ ماكرون السري لحمايته من مواطنيه وليس من تهديد ...
- انقطاع الكهرباء الخارجية عن محطة زابورجيه النووية
- كاتس يؤكد أن المهمة مع إيران لم تنته ويدعو للوحدة والاستعداد ...
- الإكوادور.. حرب خفية


المزيد.....

- جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب / زياد الزبيدي
- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - هدية المجوس: حين يصبح الفقد امتلاكًا