ابراهيم زورو
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 20:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عندما يريد الكاتب أن يقول خلسةً إن قرّاءه أغبياء، عليه أن يعرف بأنه يكرّر الكلمات بمناسبة ودونها، ولا يمكن لكاتب أن يغامر لولا معرفته بالتجارب القديمة التي لم تكن كافية ليستفيدوا منها. ربما أضع هذا الموقف عنوةً في رقبة الكاتب وهو يكرّر ويشرح العقل! عندما يريد الكاتب أن يقول إنه يريد شيئاً ما، فهو يقترب من أذنه كي يهمس له بأن التكرار مفيد في حالة واحدة: عندما يعرف أن القارئ لا يحب الكتابة والمطالعة.هذا ما لمسته من الدكتور هاجار وهو يطرح تعريفات العقل برؤية متعددة، رغم أن أغلب قرّائه في عوالم أخرى قد قرؤوا ذلك منذ بداياتهم الأولى، وهي الخطوات الأولى في سلّم معرفته.ما الذي يريده الدكتور أن يوصلنا إليه سوى ذلك؟ سوف تقرأ مؤلَّفه الصغير الحجم، لكن لمضمونه قيمة علمية وأدبية ومعرفية جميلة. لقد حاولت أن أكتب عن جزء من كتابه: "المدرسة الفكرية تعلّم الفكر"، ولا أدّعي بأنني قد فهمتُه كله.
أرسطو: العقل أداة معرفية وأخلاقية، العقل هو جوهر الإنسان.
أفلاطون: الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة.
ابن رشد: يحلل ويفكر.
ديكارت: هو المصدر الوحيد الموثوق للمعرفة الحقيقية، علماً أنه يشك في كل شيء حتى يصل إلى حقيقة الأشياء.
إيمانويل كانط: أداة لتنظيم المعرفة وليس مصدراً للمعرفة.
سيغموند فرويد: لا يعدّ العقل مجرد آلية واعية بل يراه مكوّناً من صراعات داخلية بين الهو والأنا والأنا الأعلى.
إميل دوركهايم: لا يرى العقل كقدرة فردية خالصة كما يراه كل من كانط وأفلاطون، بل يفهمه في إطار اجتماعي ويتكون في إطار المجتمع، وهذا يعني أنه نتاج اجتماعي.ليس عبثاً أن يقدم لنا الدكتور هاجار كل هذه التعريفات للعقل في وضعنا الكردي رغم أنه يعرف بطريقة أو بأخرى أننا بحاجة ماسة إلى تفعيل العقل في واقعنا الذي هجره العقل نهائياً وبات اللاشعور هو المسيطر، رغم أننا نتبجح بأننا نملكه أكثر من الكل، وبهذا السياق يقول لنا إن تعريفات العقل كثيرة وربما علينا أن نختار ما يناسبنا كأفراد وأشخاص أو كمجتمع، وبذلك ينتقل إلى خطوة أهم وهي موضوعات العقل التي أشار إليها الدكتور بأنها: التموجات الفكرية + الأناقة العاطفية = القوة الجوهرية لمعنى الأشياء.باعتقادي الشخصي أن التموجات الفكرية تدل على حركية الواقع سواء أكانت بشكل الدوائر الداخلية ضمن المجتمع ذاته، وربما كذلك تدل على التموجات العمودية التي تذهب من المجتمع الخاص إلى العام، أو بالعكس من العام إلى الخاص، فإن ما قدمه الدكتور عن تعريفات العقل هو تموج خارجي إلى الداخل الكردي، لو قلنا إن الأنهار لا يمكن أبداً أن تتأثر بالتموجات الدائرية التي تذهب أو لا يمكن متابعتها ضمن تدافع المياه على بعضها، وهو الذي نشهده اليوم في واقعنا الكردي، حيث الكل يعانون من ارتطام الموج على شاطئ الوجود الكردي، فإذا لم يساعد ذلك على الاستيقاظ والانتباه فلا يمكن الحديث عن العقل أو موضوعاته. أما الأناقة العاطفية فلها شأن آخر، لو نظرنا إليها حسب المنطق الخارجي للأشياء، ربما نقول عن المثل العربي: "خضراء الدمن"، فالأناقة هنا شكلها جميل أما مضمونها فلا يمكن أن يرتقي بطريقة ذاتها، فبالتالي هناك خلل ما في هذا الإطار، الأناقة، العاطفة، فكلاهما يؤدي إلى الآخر، فلا يمكن أن تكون عاطفياً وعاطفتك ليست مرتبة وينقصها العقل، فأنت هنا بحاجة إلى ترتيب البيت الداخلي، فهنا باعتقادي الشخصي أن الأناقة صفة خارجية شكلية، بينما العاطفة فتدل على المنطق الداخلي للأشياء، فهما متلازمان معاً في هذا الإطار.فإذا قلنا إن التموجات عندما تتلاءم مع كتلة العاطفة وأناقتها فتظهر هنا شكل آخر من التزاوج بين كتلة التموجات والكتلة العاطفية، فيظهر شكل آخر هو القوة الجوهرية لمعنى الأشياء.يقول الدكتور في صفحة 17: "...ليس هناك فكرة من دون إدراك. ومن المهم الالتفات إلى أن إدراك الفكرة هو حاجتك لها: والمقصود بالحاجة ليست النفعية أو تغطية النقص، بل القدرة العقلية تنبّه الفكر اليقظ والحضور الدائم".هنا بيت القصيد، الحضور الدائم للآخرين على الوضع الكردي بمعنى ما ليس الحضور كردياً، لو أسقطناها على الواقع الكردي اليوم، الإدراك هو من المثير الخارجي أو حضور الآخرين، وبالتالي ليس هناك حاجة كردية كمجتمع إلى بلورة بين الفكرة والإدراك لها، وبالتالي الأمر كله يذهب إلى المنفعة الشخصية عكس ما طرحه الدكتور في السياق المشار إليه.ويختتم هنا بجملة جميلة جداً وهو يشير بذلك إلى أنك "كن العاشق الأول لعقلك، وامنح امتلاكه جلّ الأهمية والأولوية". لو نقلناها إلى مستوى آخر من الفكر الفرويدي الذي أورده في منحى تعريفات العقل وكان لفرويد نصيب منه، على أن العقل مكون بين الهو والأنا والأنا الأعلى، هنا ربما يشير إلى أن العاشق الأول ينتمي إلى مستوى الهو (اللاشعور) وكلنا نعلم ما هي ملابسات والمواد التي يتكون منها الهو، هو الامتلاك بطريقة عنفوانية. وهو أمر سليم في عالم السياسة، فبالعودة إلى التموجات الفكرية والتي لا يمكن أبداً أن نتخلص منها بين ليلة وضحاها، فهي موجودة في كل الأمكنة وفي الفراغ وفي أي مكان أو خيال سواء ترتاده بوجودك الحسي أو خيالك، وتعمل حتى وأنت نائم أو جائع أو أي شيء، لهذا يمكن أن نقربها من مشكلة ما وهو قول هيراقليطس بأن المرء لا يسبح في مياه النهر مرتين، باعتقادي هذا هو التموجات الفكرية، ترى السؤال الذي يطرح هنا، هل هناك تموجات فكرية خاصة بالكرد؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب أين العلاقة بين الفكرة والإدراك؟ لماذا الوضع الكردي في انكماش مستمر؟"لا توجد فكرة من دون إدراك" فالعلاقة بين الإدراك والفكرة هي علاقة الوجود؟ إذا لم أدرك فمعنى ذلك لا توجد الفكرة؟ لو أدركنا الفكرة وعملنا على إنكارها فما الذي يمكن الحديث عنه؟ عن الشخص فما هو توصيفه في أحسن الأحوال؟دعونا نطرح الموضوع بصيغة أخرى: الفكرة موجودة بمعزل عن المدرك (الفرد، الشخص) هنا إذا لم يدرك الفكرة، فالمشكلة هنا تنتقل إلى خيال أو ثقافة المدرك؟ وهو وضع نفسه في مكان المدرك دون أن يشعر بالتموجات الفكرية ولا يشعر بها ويحاول بعقله الصغير أن يتملص منها؟ لكي لا أقزّم الأفكار التي وردت في الكتاب على إسقاطات لا قيمة لها، أو هل قيمة الفكرة المكتشف عنها تعود إليه كشخص أم للمجتمع كما طرحها دوركهايم؟ما أريد قوله هنا هو: ارتباط الأفكار ببعضها، لنقل إن العاشق هو ضمن المجتمع كحالة الهو الذي سوف يرسو على المجتمع كفكرة دوركهايم، وكذلك التموجات تقربنا من فكرة هيراقليطس إذا حزمنا أمرنا لنقول إن الماء الذي ننزل فيه جديد دائماً وهو يشكل المجتمع برمته! أعتقد هنا أننا استطعنا أن نربط أفكار الكتاب مع بعضها بشكل جميل، ولكن يبقى السؤال الأهم: إن الكتاب لم يأخذ الوضع الكردي بعين الاعتبار في شكله الظاهري ولكنه حاول طرحه بشكل ضمني ويمكن أن نطلق عليه لاشعور هذا المؤلف - إذا جاز التعبير - هو الكرد ذاتهم، لعدة أسباب: أولها، التركيز على العقل بمختلف أشكاله، كيف يكون العقل موجوداً، وأي شيء يرتكز عليه العقل في حضوره، وكذلك المؤثرات الخارجية كلها تشي بأن الوضع الكردي كان موجوداً عبر قضية الحضور والغياب.طبعاً هنا لا أدعي أن ما قلته صحيح بل ربما فتحت باباً للتفكير في هذا المؤلف الجميل.
العلاقة التي يطرحها المؤلف بين الأناقة العاطفية والذكاء العاطفي، وذلك على قدر كبير من الأهمية فهي تعني تماماً بأن الأناقة هي بشكل من الأشكال تتجمل بالأفكار وتعتني بنفسك وتستند إلى جملة من الأسباب التي تجعلك على ما تظهر عليه، على مبدأ المساواة بين الشكل والمضمون، أما الذكاء العاطفي ربما يجعل العيش ممكناً في ظل التناقضات بين الشكل والمضمون! ويراعي إزالتها بطريقة علمية صائبة كي تظهر جودتها بطريقة جميلة.هنا يحيلني هذا الموقف على أن الشعب الكردي مشهور بعاطفته وأغانيه وهذه الأناقة ربما تشير إلى الشيء ذاته،
أفكار هذا المؤلف مكثفة ومقتضبة لا يمكن الإطاحة بها تماماً لأنه سوف يثقل كاهل القارئ، أو بكلام آخر ربما الكتابة عنها بكاملها يمكن أن تؤلف عنها كتاباً آخر نتيجة غنى أفكاره.
كل الشكر والتقدير للدكتور هاجار على هذه الهدية القيمة!
ننتظر منك أفكاراً أخرى ربما تساعدنا في فهم واقعنا بشكل أفضل وأجمل.
#ابراهيم_زورو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟