أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - من يزرع الرعب في بيوت المغاربة؟.. حقيقة تحذيرات 33 دولة من تخزين الغذاء والماء تحذيرات بعضها عمره عشر سنوات وأخرى مرتبطة بالحروب والزلازل والفيضانات تتحول إلى فزاعة عالمية.. والمغرب غير معني بإنذارات الآخرين، فمن يحاسب تجار الخوف والمتلاعبين بطمأنينة المواطنين؟















المزيد.....

من يزرع الرعب في بيوت المغاربة؟.. حقيقة تحذيرات 33 دولة من تخزين الغذاء والماء تحذيرات بعضها عمره عشر سنوات وأخرى مرتبطة بالحروب والزلازل والفيضانات تتحول إلى فزاعة عالمية.. والمغرب غير معني بإنذارات الآخرين، فمن يحاسب تجار الخوف والمتلاعبين بطمأنينة المواطنين؟


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 16:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من يزرع الرعب في بيوت المغاربة؟.. حقيقة تحذيرات 33 دولة من تخزين الغذاء والماء

تحذيرات بعضها عمره عشر سنوات وأخرى مرتبطة بالحروب والزلازل والفيضانات تتحول إلى فزاعة عالمية.. والمغرب غير معني بإنذارات الآخرين، فمن يحاسب تجار الخوف والمتلاعبين بطمأنينة المواطنين؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

لم يعد الخوف في زمن المنصات الرقمية يحتاج إلى حرب تندلع، أو زلزال يقع، أو مجاعة تضرب، حتى يتسلل إلى البيوت ويستقر في نفوس المواطنين. يكفي عنوان مثير، وصوت جهوري، وصور لمتاجر فارغة أو طوابير بشرية، مع عبارة من قبيل «33 دولة تحذر مواطنيها وتطالبهم بتخزين الغذاء والماء»، حتى يتحول الخبر إلى إنذار عالمي، وتتحول النصيحة الوقائية إلى نبوءة بكارثة وشيكة.
والأخطر من ذلك أن بعض صناع المحتوى لا يكتفون بنقل التحذيرات، بل يجردونها من تواريخها وأسبابها وسياقاتها الجغرافية والأمنية والمناخية، ثم يوجهونها إلى شعوب أخرى، كأن العالم كله يعيش الظروف نفسها، ويواجه الأخطار ذاتها، وينتظر المصير نفسه.

هكذا وجد المغاربة أنفسهم، خلال الأيام الأخيرة، أمام منشورات ومقاطع فيديو تتحدث عن دعوات حكومات عشرات الدول إلى تخزين الغذاء والماء والأدوية، وتوحي بأن هناك شيئاً خطيراً يجري التحضير له في الخفاء، وأن على الأسر المغربية أن تتصرف بسرعة قبل فوات الأوان.

لكن السؤال الذي غاب عن كثير من هذه المنشورات هو: من هي الدول التي أصدرت تلك التوصيات؟ ومتى صدرت؟ ولماذا؟ وهل أعلنت عن خطر جديد ومحدد، أم أنها تجدد تعليمات قديمة مرتبطة بالاستعداد للكوارث؟
والأهم: ما علاقة المواطن المغربي بهذه التحذيرات أصلاً؟

أولاً: الرقم 33 ليس بلاغاً دولياً موحداً

تعود موجة الاهتمام الأخيرة إلى تقرير نشرته المجلة الأمريكية «نيوزويك» يوم 28 أكتوبر 2026، تضمن خريطة لـ33 دولة توجد بها إرشادات حكومية بشأن الاستعداد للطوارئ والاحتفاظ بمخزون منزلي من المواد الأساسية.
غير أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الأمر لا يتعلق ببلاغ مشترك وقعته 33 حكومة، ولا بتحذير أصدرته منظمة دولية، ولا بإعلان متزامن عن خطر عالمي محدد.

إننا أمام تجميع صحفي لتوصيات صدرت في بلدان مختلفة، خلال سنوات مختلفة، ولأسباب مختلفة.
بعضها يعود إلى أكثر من عشر سنوات، وبعضها جرى تحديثه بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وبعضها يرتبط بالزلازل والأعاصير والفيضانات، وبعضها الآخر يتعلق بانقطاع الكهرباء والاتصالات أو بالهجمات الإلكترونية.

وهناك فرق شاسع بين القول إن 33 دولة لديها تعليمات للاستعداد للطوارئ، والقول إن 33 دولة حذرت شعوبها اليوم من كارثة عالمية وشيكة.
العبارة الأولى خبر قابل للتوثيق، أما الثانية فقد تتحول إلى تضليل عندما تُعرض باعتبارها إنذاراً جديداً موحداً.

ثانياً: أوروبا.. بين تعليمات قديمة ومخاوف أمنية حديثة

تضم القائمة المتداولة 17 دولة أوروبية، هي المملكة المتحدة، وإيرلندا، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وبولندا، والتشيك، والنمسا، وسويسرا، وكرواتيا.
لكن هذه الدول لا تتحدث بصوت واحد، ولا تتحرك انطلاقاً من الخطر نفسه.
فألمانيا، مثلاً، لم تكتشف ضرورة الاحتفاظ بالمؤونة المنزلية في أكتوبر 2026. إذ تعود إرشاداتها الخاصة بالاستعداد للطوارئ إلى سنوات طويلة، وقد تعززت سنة 2016، قبل أن يصدر المكتب الاتحادي للحماية المدنية والمساعدة في الكوارث دليلاً محدثاً يوم 13 أكتوبر 2025.
وتوصي السلطات الألمانية، قدر الإمكان، بالقدرة على الاكتفاء الذاتي لمدة عشرة أيام، مع التأكيد أن الاستعداد لثلاثة أيام يظل مفيداً، وأن الأمر يتعلق بتوصيات مرنة وليست التزامات قانونية.
أما السويد فقد نشرت في نونبر 2024 نسخة محدثة من دليلها الشهير للاستعداد للأزمات والحرب، ودعت السكان إلى توفير احتياجات أساسية تكفي نحو أسبوع، في سياق المخاوف الأمنية المتزايدة بمنطقة بحر البلطيق والحرب الروسية الأوكرانية.
وتتبنى النرويج توجهاً مماثلاً منذ تحديث إرشاداتها في ماي 2024، بينما أصدرت الدنمارك في يونيو من السنة نفسها توصيات للاستعداد لمدة ثلاثة أيام، تشمل الماء والغذاء والأدوية ووسائل الاتصال.
وفنلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ليست دولاً بعيدة عن التوترات الأمنية في شرق أوروبا. فهذه الدول، بحكم موقعها الجغرافي وتقديراتها للمخاطر، تولي أهمية خاصة لاحتمال النزاعات العسكرية والتخريب والهجمات الإلكترونية وانقطاع الخدمات الحيوية.

وفي بولندا، اكتسبت خطط الحماية المدنية أهمية متزايدة خلال سنة 2025، في ظل الحرب المستمرة على الأراضي الأوكرانية وتنامي المخاوف الأمنية الإقليمية.
لكن هل معنى ذلك أن المغرب، أو بلداً في غرب إفريقيا أو أمريكا الجنوبية، يواجه تلقائياً التهديد العسكري نفسه؟ بالتأكيد لا.
أما فرنسا، فتوصي سلطاتها بإعداد حقيبة طوارئ تكفي 72 ساعة، تحتوي على الماء والغذاء غير القابل للتلف والأدوية والوثائق الأساسية ووسائل الإضاءة والاتصال. وهي توصيات تشمل الفيضانات والعواصف وانقطاع الخدمات وغيرها من الأزمات.
وفي هولندا، تعززت حملات الاستعداد خلال نونبر 2025 لمواجهة احتمالات تعطل الكهرباء والماء والاتصالات، بما في ذلك الهجمات السيبرانية.
وأطلقت إيرلندا خلال غشت 2026 حملة جديدة للاستعداد للطوارئ، مع توزيع إرشادات على الأسر، لمواجهة العواصف والفيضانات وانقطاع الخدمات.
أما المملكة المتحدة، فقد أطلقت يوم 22 أكتوبر 2026 حملة «Be Ready»، لتشجيع الأسر على إعداد احتياجات تكفي ثلاثة أيام، تحسباً لانقطاع الكهرباء والماء والاتصالات وغيرها من الطوارئ.
وفي التشيك والنمسا وسويسرا وكرواتيا، تدخل الإرشادات الواردة في القائمة ضمن سياسات الاستعداد للكوارث واضطرابات الخدمات والإمدادات. ولا يصح اعتبار إدراج هذه الدول دليلاً على إصدارها جميعاً تحذيرات عسكرية جديدة في أكتوبر 2026.
وهنا نصل إلى حقيقة أساسية: الاتحاد الأوروبي نفسه أعلن يوم 26 مارس 2025 استراتيجية للاستعداد للأزمات، دعا من خلالها إلى تعزيز قدرة المواطنين على تدبير احتياجاتهم الأساسية لمدة 72 ساعة على الأقل.
فهل من المنطقي إعادة تقديم خطة معلنة منذ مارس 2025 باعتبارها سراً خطيراً اكتشفته مواقع التواصل في نونبر 2026؟

ثالثاً: أمريكا الشمالية.. الاستعداد للأعاصير والزلازل وليس إعلان المجاعة
.

تضم القائمة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.
وفي الولايات المتحدة، تصدر الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، المعروفة اختصاراً بـFEMA، إرشادات دائمة تدعو المواطنين إلى الاحتفاظ بالماء والغذاء والأدوية والمستلزمات الأساسية لعدة أيام.
وهذه التعليمات مرتبطة أساساً بتاريخ طويل من الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات والزلازل وانقطاع الكهرباء.
أما كندا، فقد جددت خلال أسبوع الاستعداد للطوارئ في ماي 2026 التوعية بضرورة توفر الأسر على مؤونة لمدة 72 ساعة، خصوصاً لمواجهة الكوارث المناخية وانقطاع الخدمات.
وفي المكسيك، تندرج حقيبة الطوارئ ضمن ثقافة الوقاية من الزلازل والأعاصير والفيضانات التي تتعرض لها البلاد بشكل متكرر.
فما العلاقة المباشرة بين أسرة مغربية تعيش في مدينة بنسليمان أو الرباط، وبين تعليمات موجهة إلى سكان مناطق أمريكية معرضة للأعاصير، أو مناطق مكسيكية مهددة بالزلازل؟
قد يستفيد الجميع من ثقافة الوقاية، لكن لا يجوز نقل طبيعة التهديد من بلد إلى آخر دون دليل.

رابعاً: أمريكا الجنوبية.. الجغرافيا والمناخ يفسران الكثير

تشمل القائمة أربع دول في أمريكا الجنوبية: تشيلي وكولومبيا والأرجنتين والبرازيل.
فتشيلي من البلدان المعرضة للزلازل القوية وموجات التسونامي والنشاط البركاني، ولذلك تكتسي فيها الاستعدادات المنزلية والإجلاء أهمية خاصة.
وتواجه كولومبيا مخاطر الزلازل والفيضانات والانهيارات الأرضية، بينما تتعامل الأرجنتين مع العواصف والفيضانات وغيرها من الحالات المناخية الطارئة.
أما البرازيل، فتعرف مناطق منها فيضانات وانهيارات أرضية متكررة، وتصدر سلطات الدفاع المدني فيها إرشادات تتعلق بإعداد حقائب الطوارئ والاحتفاظ بالمستلزمات الأساسية.
ولا تتوفر أدلة موثوقة على أن هذه الدول الأربع أعلنت، في وقت واحد خلال أكتوبر 2026، حالة تأهب غذائي بسبب تهديد عالمي جديد.
إن جمعها في قائمة واحدة مع دول قلقة من الحروب قد يخلق لدى القارئ انطباعاً خاطئاً بأن الجميع يستعد للسبب نفسه.

خامساً: آسيا.. بين زلازل اليابان وتهديدات الحرب في تايوان

تضم القائمة اليابان وتايوان وإسرائيل والهند والفلبين وسنغافورة.
وفي اليابان، أعلنت السلطات خلال أكتوبر 2026 تعزيز توصيات الاستعداد للكوارث، بالتزامن مع ترتيبات مؤسساتية جديدة دخلت حيز التنفيذ في بداية نونبر، وشجعت الأسر على الاحتفاظ باحتياجات تكفي ثلاثة أيام على الأقل، ويفضل أسبوعاً إن أمكن.
والسبب الأساسي هنا واضح: اليابان بلد معرض للزلازل الكبرى والتسونامي والنشاط البركاني، وليس الحديث عن مخزون منزلي أمراً استثنائياً أو جديداً في ثقافتها.
أما تايوان، فقد عززت خلال شتنبر 2025 إرشادات الاستعداد للأزمات في سياق التوترات العسكرية مع الصين، إضافة إلى مخاطر الكوارث الطبيعية.
وفي إسرائيل، ترتبط الاستعدادات المدنية بالتهديدات الصاروخية والنزاعات المسلحة، إلى جانب أخطار أخرى كالزلازل.
أما الهند والفلبين، فتحتلان مكانة بارزة في خرائط المخاطر الطبيعية، بسبب الأعاصير والفيضانات والزلازل وغيرها من الكوارث.
وفي سنغافورة، تندرج إرشادات حقيبة الطوارئ ضمن منظومة الدفاع المدني والاستعداد للحرائق وتعطل الخدمات وحالات الإخلاء.
والفرق هنا بالغ الأهمية: دولة تستعد لزلزال، وأخرى لاحتمال مواجهة عسكرية، وثالثة لانقطاع الكهرباء، لا يمكن اعتبارها جميعاً أطرافاً في إنذار واحد.

سادساً: إفريقيا وأوقيانوسيا.. حتى الإرشادات المحلية تحولت إلى تحذيرات وطنية

تضم القائمة جنوب إفريقيا وحدها من القارة الإفريقية، إلى جانب أستراليا ونيوزيلندا من منطقة أوقيانوسيا.
لكن المثال الجنوب إفريقي يكشف إحدى المشكلات الأساسية في طريقة تقديم الخبر.
فمن بين الإرشادات التي استندت إليها التغطيات، تعليمات صادرة عن مدينة كيب تاون، تدعو السكان إلى الاستعداد للكوارث الطبيعية وانقطاع الخدمات، والاحتفاظ باحتياجات تكفي ثلاثة أيام.
وهنا نتحدث عن توصية محلية، وليس بالضرورة عن تحذير وطني جديد صادر عن حكومة جنوب إفريقيا بشأن خطر عالمي.
وفي أستراليا، تصدر سلطات الولايات والمناطق المعرضة للأعاصير والحرائق والفيضانات إرشادات مماثلة.

أما نيوزيلندا، فهي من الدول التي تشجع سكانها باستمرار على الاستعداد للزلازل والتسونامي والعواصف والانفجارات البركانية.
فهل يصح تحويل تعليمات خاصة بسكان منطقة معرضة للأعاصير إلى تحذير دولي يزرع الخوف في أسر تعيش على بعد آلاف الكيلومترات؟

سابعاً: لماذا أصبحت التحذيرات القديمة تبدو جديدة؟

هنا تكمن المفارقة التي تستوجب الوقوف عندها.
فالتوصيات الألمانية ليست وليدة اليوم، والإرشادات الأمريكية والكندية قديمة ومتجددة، والتجربة السويدية في توعية السكان بالأزمات لها جذور تاريخية، بينما استراتيجية الاتحاد الأوروبي معلنة منذ مارس 2025.
لكن عندما تأتي مؤسسة إعلامية وتجمعها في تقرير واحد، ثم تنقلها مواقع أخرى، قبل أن تتحول إلى مقاطع قصيرة مصحوبة بالموسيقى المخيفة والصور المقلقة، تنشأ لدى المتلقي قناعة بأن 33 حكومة اجتمعت فجأة وقررت تحذير البشرية من كارثة غامضة.
وهذه ليست مجرد مشكلة في اختيار العناوين، بل مشكلة في الأمانة المهنية.
فالخبر لا يصبح كاذباً فقط عندما نختلق واقعة لم تحدث، وإنما قد يصبح مضللاً أيضاً عندما نحذف منه التاريخ، أو نخفي سببه، أو نغير سياقه، أو ننقل توصية محلية إلى مستوى إنذار عالمي.
ولا يعني ذلك اتهام كل من تداول الخبر بتعمد التضليل؛ فقد ينشره بعضهم عن حسن نية. لكن حسن النية لا يعفي الصحفي أو صانع المحتوى من واجب التحقق.

ثامناً: المغرب.. هل توجد أسباب تستدعي تخزين الغذاء والماء؟

لنطرح السؤال بعيداً عن التهويل والاطمئنان المجاني معاً.
هل توجد اليوم معطيات رسمية موثوقة تفيد بأن المغرب مهدد بانقطاع وشيك وشامل للغذاء أو الماء أو المواد الأساسية؟
الجواب، وفق المعطيات المتاحة إلى حدود 5 نونبر 2026، هو أنه لا توجد مؤشرات رسمية تثبت وجود مثل هذا الخطر الوطني الوشيك.
و قد أعلنت اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خلال اجتماع 30 شتنبر 2026، استمرار التموين العادي للسوق الوطنية بالمنتجات الفلاحية والمواد الأساسية، وتوفر مخزون احتياطي من الغازوال وغاز البوتان يغطي ما بين 40 و60 يوماً آنذاك.
وهذه معطيات لا تعني أن المغرب خارج دائرة التأثر بالأزمات الدولية، ولا أن اقتصاده محصن من ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب والنقل.
فالحروب البعيدة قد تؤثر في أسعار المواد المستوردة، واضطرابات الملاحة البحرية قد ترفع تكاليف الشحن، والجفاف والفيضانات قد يفرضان تحديات محلية على التموين بالماء والإنتاج الفلاحي.
لكن التأثر الاقتصادي المحتمل شيء، ووجود أزمة تموين وشيكة تستدعي من الأسر تكديس المواد الغذائية شيء آخر تماماً.
وحتى عندما نتحدث عن احتمال وقوع زلزال أو فيضانات أو انقطاع مؤقت للماء والكهرباء، فإننا نتحدث عن أهمية الاستعداد المنزلي المعقول، لا عن إعلان حرب على رفوف المتاجر.
فالاحتفاظ بكمية محدودة من الماء الصالح للشرب، وبعض الأطعمة غير القابلة للتلف، والأدوية الضرورية، ووسائل الإضاءة، سلوك احترازي يمكن تعميم ثقافته دون تخويف أو تهويل.
أما الاندفاع الجماعي لاقتناء كميات كبيرة من الدقيق والزيت والسكر والماء، بناءً على مقطع مجهول المصدر، فقد يتحول بنفسه إلى سبب لاضطراب السوق.
وقد تصبح الندرة التي لم تكن موجودة حقيقة مؤقتة، لا بسبب كارثة طبيعية أو حرب، بل بسبب سلوك جماعي صنعته الإشاعة.

تاسعاً: عندما تصبح المشاهدات أهم من طمأنينة الناس

إن أخطر ما في هذه الظاهرة هو استغلال القلق الإنساني الطبيعي لتحقيق الانتشار الرقمي.
فالعنوان الهادئ الذي يشرح أن بعض الدول توصي بالاستعداد للفيضانات أو الزلازل قد لا يجذب ملايين المشاهدات.
لكن عنواناً من قبيل «33 دولة تستعد للأسوأ» أو «الحكومات تعرف ما تخفيه عن الشعوب» قد ينتشر بسرعة هائلة.
وبين العنوانين يكمن الفرق بين الإعلام الذي يخدم المعرفة، والمحتوى الذي يتغذى على الخوف.
المؤسف أن بعض المتلقين لا يبحثون عن مصدر التحذير، ولا عن تاريخه، ولا عن البلد المعني به، بل يكتفون بإعادة نشره إلى الأقارب والأصدقاء، بدافع الحرص عليهم.
وهكذا تتسع دائرة الذعر، من شاشة هاتف إلى مجموعة عائلية، ومنها إلى حي أو مدينة، قبل أن يجد البعض نفسه يفكر في شراء مؤونة لأشهر، دون أن يعرف ممن يختبئ، أو لماذا يستعد، أو ما الخطر الذي يهدده.
وحتى التوصيات الحقيقية لا ينبغي إخراجها من سياقاتها. فمن حق المواطن السويدي أن يعرف كيف يتصرف في حال وقوع أزمة أمنية، ومن حق المواطن الياباني أن يستعد لزلزال، ومن حق المواطن الأمريكي أن يحتفظ بمؤونة لمواجهة إعصار.
لكن ليس من حق أي جهة أن تستخدم مخاوف هؤلاء لإقناع المغاربة بأن كارثة مجهولة تقف على أبواب بيوتهم.

عاشراً: المسؤولية مشتركة.. والحاجة إلى إعلام وقائي لا إعلام مرعب

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالسخرية من المواطنين الذين يشعرون بالخوف، ولا بمطالبتهم بتجاهل الأخبار الدولية.
بل تبدأ بتقديم معلومة دقيقة، تميز بين الإنذار الرسمي والتوصية الوقائية، وبين الخطر المحلي والخطر العالمي، وبين الوثيقة الجديدة والتوجيه الذي يعود إلى سنوات.
كما تقتضي أن تكون المؤسسات المعنية واضحة وسريعة في التواصل بشأن المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، واستقرار سلاسل التموين، والمخاطر الطبيعية والمناخية، حتى لا تترك فراغاً معلوماتياً تملؤه الشائعات.
ومن واجب وسائل الإعلام أن تسأل دائماً: من أصدر التحذير؟ متى؟ ولمن؟ وبسبب ماذا؟ وهل يتعلق الأمر بخطر قائم، أم باحتمال يستوجب الاستعداد؟
فهذه الأسئلة الخمسة قادرة وحدها على إسقاط كثير من العناوين المضللة.
ومن الضروري أيضاً التمييز بين الدعوة إلى ثقافة الوقاية، وهي ممارسة إيجابية ومسؤولة، وبين الدفع نحو الاستهلاك المفرط والتخزين الجماعي، الذي قد يضر بالقدرة الشرائية وبانتظام الأسواق.

أخيراً: لا تصنعوا للمغاربة مجاعة من مقاطع الفيديو

إن الدول الـ33 التي ظهرت في القائمة لا تعيش جميعاً الظروف نفسها، ولم تصدر جميعاً تحذيرات جديدة في اليوم نفسه، ولا تتوقع كلها حرباً أو مجاعة أو انهياراً اقتصادياً.
هناك دول تستعد لزلازل وأعاصير، وأخرى تضع احتمال الحرب ضمن حساباتها الأمنية، وثالثة تعمل على تعزيز قدرة مواطنيها على مواجهة انقطاع الخدمات.
أما المغرب، فله تحدياته الخاصة وأولوياته المرتبطة بالأمن المائي والغذائي والطاقي، وعليه أن يواصل الاستعداد لها بجدية وشفافية، دون أن يعني ذلك استيراد مخاوف الآخرين أو تبني إنذارات لم تصدر بشأنه.
إن الأمن الغذائي لا يبنى بتخويف الناس، ولا تتحقق الوقاية بتحويل البيوت إلى مستودعات مؤونة، ولا تقاس المهنية الإعلامية بعدد المشاركات والمشاهدات.
بل إن أول واجبات الإعلام المسؤول حماية حق المواطن في معرفة الحقيقة كاملة، بتاريخها ومصدرها وسياقها، قبل أن يطالبه باتخاذ أي قرار.
فلا تحولوا نصائح الوقاية إلى رسائل رعب، ولا تجعلوا من المخاوف الأجنبية تهديدات مغربية، ولا تصنعوا للمغاربة مجاعة افتراضية من مقاطع فيديو تبحث عن المشاهدات.
إن الشعوب تحتاج إلى من ينير طريقها بالمعلومة، لا إلى من يطفئ طمأنينتها بالإشاعة.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسيرة الخضراء.. عبقرية الحسن الثاني التي أذهلت العالم وحرر ...
- من التحرير إلى المجد.. ومن طريق الوحدة إلى عيد الوحدة: ذاكرة ...
- ما لم يقله المغاربة للعالم من الصحراء المغربية إلى سبتة وملي ...
- ما لم يقله المغاربة للعالم . من الصحراء المغربية إلى سبتة و ...
- شكراً روسيا.. الفيتو الذي ذبح الديمقراطية يُسقط المينورسو وي ...
- لسنا حدودًا على الخريطة… نحن وطنٌ يسكن الدم
- الفيتو الروسي يذبح ديمقراطية مجلس الأمن.. لكنه لن يغير جغراف ...
- من كنيسة الكرك إلى سماء درعا… هل تنسف الغارات الأردنية سنوات ...
- قريبًا.. تحوُّل «المينورسو» إلى «مينوسو».. حرف واحد يُسقط ال ...
- الزواحف البشرية تحكم العالم؟… حين يصبح سلوك الحكام أكثر غراب ...
- أوروبا بلا مهاجرين… تغوص في الوحل والطين .
- الكويرة مغربية… وموريتانيا لم تقل ما أراد الآخرون أن تقوله . ...
- عادوا... وفي أثوابهم عارُ
- الصحراء المغربية… مدن شامخة وقطار تنمية يقوده الملك محمد الس ...
- في المغرب…لا أحد غريب عن أحد .. (ست درجات من الانفصال )..
- أبغض الحلال
- المغرب يريد ذكاءً اصطناعيًا سياديًا… فمن يملك بيانات المغارب ...
- قصيدة بعنوان : بيت تسكنه الأشباح الرقمية
- حين تتكلم الميزانية… يصمت الخطاب السياسي مالية 2027 تضع وعود ...
- من يترافع عن قطاع الإعلام والصحافة والنشر داخل الحكومة الجدي ...


المزيد.....




- من 62 ألفًا إلى 80 مليون دولار.. رحلة لوحة لكاندينسكي في سوق ...
- أهازيج عربية تشعل الأجواء خلال كلمة عبدالرحمن السيد.. شاهد ر ...
- زيلينسكي يحذّر من خطورة أي هيكل أمني أوروبي روسي مشترك
- غزة.. غرق 70 ألف خيمة للنازحين بمياه الأمطار
- الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة في غرب كردفان
- فوز عبد الرحمن السيد يُظهر أن الديمقراطيين يكررون خطأ الجمهو ...
- وسط تلويح بمراجعة العقيدة النووية.. إيران تُطوّر مدى ترسانته ...
- -شخصية سامة-… سفير أميركي سابق يحذّر من تعثّر إصلاح علاقات ت ...
- جدل في الولايات المتحدة بعد منع ولاية واشنطن المتحولين جنسيا ...
- محافظ القليوبية يتفقد أعمال رصف بلاط الإنترلوك بمتفرعات شارع ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - من يزرع الرعب في بيوت المغاربة؟.. حقيقة تحذيرات 33 دولة من تخزين الغذاء والماء تحذيرات بعضها عمره عشر سنوات وأخرى مرتبطة بالحروب والزلازل والفيضانات تتحول إلى فزاعة عالمية.. والمغرب غير معني بإنذارات الآخرين، فمن يحاسب تجار الخوف والمتلاعبين بطمأنينة المواطنين؟