بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 20:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الزواحف البشرية تحكم العالم؟… حين يصبح سلوك الحكام أكثر غرابة من الأسطورة!
واقعة سوزان ديل في البيت الأبيض تعيد نظرية عمرها عقود إلى الواجهة… بين اتهام رؤساء وملوك بأنهم كائنات متخفية، والتساؤل عن إنسانية القرارات التي تصنع الحروب والمآسي وتتحكم في مصائر الشعوب.
بقلم: بوشعيب حمراوي
من البيت الأبيض… بدأت الحكاية من جديد
لم يكن أحد يتوقع أن يتحول لقاء رسمي داخل البيت الأبيض الأمريكي، يوم السابع من أكتوبر 2026، إلى مناسبة لإحياء واحدة من أغرب نظريات المؤامرة التي عرفها العالم الحديث: نظرية «الزواحف البشرية» التي تزعم أن كائنات غير بشرية تعيش بيننا، وتتحكم في مصائر الدول والشعوب، متخفية وراء وجوه رؤساء وملوك وأثرياء وشخصيات نافذة.
فقد ظهرت سوزان ديل، زوجة الملياردير الأمريكي مايكل ديل، مؤسس شركة «ديل» للحواسيب، إلى جانب الرئيس دونالد ترامب، خلال لقاء خصص للإعلان عن تقدم برنامج الحسابات الاستثمارية للأطفال الأمريكيين، والذي ساهم فيه الزوجان بتعهد مالي ضخم بلغ 6.25 مليارات دولار.
لكن المفاجأة لم تكن في حجم الأموال ولا في أهداف المبادرة، بل في ردود الفعل التي أثارها ظهور سوزان ديل. إذ انشغل بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي بملامح وجهها وحركات عينيها وطريقة وقوفها وحديثها، وبدأوا يتداولون صورًا ومقاطع فيديو تقارن بينها وبين كائنات زاحفة خيالية تتخذ هيئات بشرية.
ولم يتوقف الأمر عند السخرية، بل ظهرت منشورات تتساءل عما إذا كانت المرأة التي ظهرت بجانب ترامب هي سوزان ديل الحقيقية، أم كائنًا آخر ينتحل شخصيتها. ووصل الأمر ببعضها إلى الحديث عن وجود كائنات فضائية متخفية داخل البيت الأبيض.
وبينما تعامل كثيرون مع الموضوع باعتباره مادة للسخرية الرقمية، أعاد آخرون إحياء نظرية قديمة تزعم أن العالم تحكمه سلالات زاحفة تتخفى وراء الوجوه البشرية.
ولا يوجد أي دليل علمي يثبت هذه المزاعم. لكن الواقعة تفرض سؤالًا أكبر بكثير من حقيقة تلك الكائنات المزعومة: لماذا أصبح بعض الناس مستعدين لتصديق أن أصحاب السلطة ليسوا بشرًا مثلهم؟
من أسطورة الزواحف إلى اتهام حكام العالم
ليست هذه النظرية وليدة أكتوبر 2026. فقد ساهم الكاتب البريطاني ديفيد آيك، منذ تسعينيات القرن الماضي، في نشر الاعتقاد بأن العالم يخضع لسيطرة سلالة من الزواحف الذكية القادرة على تغيير أشكالها، والتسلل إلى العائلات الملكية والحكومات والمؤسسات المالية والإعلامية.
وبحسب هذه الرواية، فإن بعض الملوك والرؤساء ورجال الأعمال لا ينتمون أصلًا إلى الجنس البشري، وإنما إلى سلالة غريبة تمتلك قدرات خارقة، وتستخدم السلطة والمال والإعلام للتحكم في المجتمعات.
وقد طالت هذه الاتهامات أسماء سياسية بارزة، بينها الملكة البريطانية الراحلة إليزابيث الثانية، والملك تشارلز الثالث، ورؤساء أمريكيون سابقون، من بينهم جورج بوش الأب وبيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، فضلًا عن هيلاري كلينتون وشخصيات أخرى.
ولم تقدم هذه المزاعم دليلًا علميًا واحدًا يثبت صحتها. بل إن عددًا من المقاطع التي استُعملت لترويجها اعتمد على صور معدلة أو تأويلات خيالية لحركات عادية.
ومع ذلك، بقيت النظرية حاضرة في الفضاء الرقمي، تتجدد كلما ظهر مسؤول بملامح أو تصرفات اعتبرها البعض غريبة.
هل يشكك الناس في بشرية الحكام بسبب وجوههم أم بسبب أفعالهم؟
هنا نصل إلى السؤال الذي يستحق النقاش.
هل يعود التشكيك في بشرية بعض الزعماء إلى ملامح وجوههم وطريقة تحركهم فقط؟ أم أن هناك عاملًا آخر يتمثل في سلوكيات بعض أصحاب السلطة وقراراتهم التي يراها منتقدوهم بعيدة عن الرحمة والعدل والإنسانية؟
علينا أن نميز بين أمرين مختلفين تمامًا.
الأول اعتقاد خرافي بأن بعض الحكام كائنات زاحفة تتخفى في أجساد بشرية، وهو ادعاء يفتقر إلى الأدلة العلمية.
والثاني تساؤل أخلاقي عن إنسانية بعض القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وما تتركه من آثار على حياة الملايين.
فحين يشاهد المواطنون صور الأطفال تحت الأنقاض، ومشاهد المدنيين الهاربين من الحروب، والشعوب التي تعاني المجاعة والتهجير، ثم يسمعون مسؤولين يتحدثون عن هذه المآسي ببرود سياسي، قد يستعمل بعضهم عبارة «هؤلاء ليسوا بشرًا» للتعبير عن غضبهم واستنكارهم.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يؤمنون بوجود الزواحف البشرية. فقد يكون المقصود إدانة القسوة، لا التشكيك في الأصل البيولوجي لأصحاب القرار.
والفرق كبير بين انتقاد إنسان بسبب أفعاله وبين الادعاء بأنه ليس إنسانًا أصلًا.
أخطر الزواحف ليست تلك المتخيلة… بل الأفعال التي تزحف على كرامة الإنسان
لسنا بحاجة إلى اختراع كائنات فضائية لتفسير الحروب والفساد والاستبداد والظلم.
فالتاريخ البشري يقدم ما يكفي من الأمثلة على قدرة الإنسان على ارتكاب أفعال مدمرة، كما يقدم أمثلة أخرى على التضحية والرحمة والدفاع عن الحقوق والحريات.
لقد عرف العالم حروبًا أبادت مدنًا، وأنظمة مارست التعذيب، وسياسات تسببت في تهجير السكان وتجويعهم، وقرارات اقتصادية عمقت الفوارق الاجتماعية، دون أن يحتاج أي من ذلك إلى تدخل كائنات زاحفة قادمة من الفضاء.
إن المشكلة ليست في إثبات أن صانع القرار إنسان من لحم ودم، بل في مساءلته عندما تتسبب قراراته في المساس بكرامة الإنسان وحياته وحقوقه.
فقد يكون الحاكم إنسانًا كامل التكوين البيولوجي، لكنه يتخذ قرارات يراها منتقدوه مجردة من الرحمة والحكمة.
وقد يكون صاحب نفوذ محاطًا بأحدث مظاهر الحضارة، لكنه يمارس سلطته بأساليب تتناقض مع قيم العدالة والحقوق.
ومن هنا تصبح الإنسانية معيارًا أخلاقيًا للسلوك، لا مسألة تتعلق بشكل الوجه أو لون العينين.
هكذا تتحول الخرافة إلى وسيلة للهروب من الحقيقة
تكمن خطورة نظرية الزواحف البشرية في أنها تقدم تفسيرًا سهلًا ومثيرًا لقضايا شديدة التعقيد.
فعوض البحث في كيفية صناعة القرار السياسي، أو في العلاقات بين المال والسلطة، أو في شبكات المصالح الاقتصادية، يصبح النقاش منصبًا على البحث عن ذيل خفي أو عين زاحفة أو وجه يتحول أمام الكاميرا.
وعوض مساءلة مسؤول عن قراراته، ينشغل البعض بإثبات انتمائه إلى سلالة فضائية.
وهنا تؤدي الخرافة وظيفة خطيرة، حتى وإن لم يقصد أصحابها ذلك: إنها تنقل النقاش من الوقائع القابلة للتحقيق إلى ادعاءات يستحيل إثباتها.
فالمسؤول السياسي يمكن مساءلته عن قراراته. ورجل الأعمال يمكن التدقيق في معاملاته وعلاقاته بالمؤسسات. والحكومات يمكن محاسبتها عن سياساتها ونتائجها.
أما الكائن الزاحف المتخفي، فلا وجود لدليل علمي عليه، ولا يمكن بناء تحقيق جاد على افتراض وجوده.
والأخطر أن نزع الصفة البشرية عن الخصوم، مهما كانت دوافعه، قد يتحول إلى وسيلة لتبرير الكراهية والتجريد من الكرامة، بدل تعزيز ثقافة المحاسبة والعدالة.
العالم الرقمي… مصنع جديد للأساطير
لو ظهرت سوزان ديل في البيت الأبيض قبل ثلاثين سنة، لربما انتهى الحدث بنشر خبر عن المبادرة المالية وصور المشاركين.
أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان اقتطاع ثوانٍ من فيديو، وتكبير عين أو حركة وجه، وإضافة موسيقى مرعبة وتعليق مثير، ثم نشر المقطع أمام ملايين المستخدمين.
وما يزيد الأمر تعقيدًا أن بعض المتابعين يتعاملون مع هذه المقاطع باعتبارها مزاحًا، بينما يستقبلها آخرون بوصفها أدلة حقيقية.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والتلاعب بالصور والفيديوهات، يصبح التمييز بين الحقيقة والوهم أكثر إلحاحًا.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في عدم تحويل كل شائعة إلى حقيقة، وعدم تقديم الادعاءات الغريبة على أنها اكتشافات مثيرة، لمجرد أنها تحصد المشاهدات والتفاعلات.
فالصحافة التي تبحث عن الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيط لترويج الخرافة، ولا إلى أداة لإهانة الأشخاص بسبب مظهرهم الخارجي.
لماذا نبحث عن الزواحف في وجوه الحكام ولا نبحث عن الإنسانية في قراراتهم؟
إن واقعة سوزان ديل لا تستحق الاهتمام لأنها كشفت عن وجود كائنات زاحفة في البيت الأبيض؛ فهي لم تكشف عن شيء من هذا القبيل.
لكنها تستحق التأمل لأنها كشفت عن استعداد بعض مستخدمي الإنترنت للانتقال من ملاحظة شكل إنسان إلى التشكيك في طبيعته، ومن مشاهدة فيديو قصير إلى بناء قصة عن مؤامرة عالمية.
وهذا التحول ليس مجرد طرفة رقمية.
إنه يعكس هشاشة العلاقة بين الصورة والحقيقة، وبين السلطة وثقة الجمهور، وبين المعرفة العلمية والتفسير الخرافي للأحداث.
غير أن النقد الجاد للسلطة لا يحتاج إلى أساطير. بل يحتاج إلى صحافة مستقلة، ومؤسسات للمراقبة، وقضاء عادل، ومجتمعات ترفض الظلم وتطالب بالمحاسبة.
ومن العبث أن نبحث عن أدلة تثبت أن بعض الحكام ينتمون إلى عالم الزواحف، بينما تتوفر أمامنا قراراتهم وتصريحاتهم وسياساتهم، وهي وحدها كافية لفتح النقاش بشأن مسؤولياتهم.
لا تسألوا إن كان الحكام بشرًا… اسألوهم عن إنسانيتهم
قد تظل الزواحف البشرية حكاية مثيرة تتناقلها الأجيال، وقد تستمر مواقع التواصل الاجتماعي في البحث عن كائنات متخفية داخل القصور الرئاسية والملكية ومكاتب أصحاب الثروات.
لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب هي أن البشرية لا تحتاج إلى اكتشاف مخلوقات خارقة لتفسير ما تعرفه من ظلم وحروب وفساد واستغلال.
إن الإنسان، بما يملكه من عقل وإرادة وسلطة، قادر على بناء الحضارات، كما أنه قادر على اتخاذ قرارات تهدمها.
ولذلك فإن معركتنا الحقيقية ليست مع زواحف خيالية، بل مع كل ممارسة تمس كرامة الإنسان وحقوقه، أيًا كان مصدرها.
لا يهمنا أن نعرف إن كان للحاكم ذيل يختبئ تحت بدلته، بل أن نعرف ما الذي تخفيه قراراته عن شعبه.
ولا يهمنا أن نفتش عن الحراشف تحت جلد المسؤول، بل أن نفتش عن العدالة داخل سياساته.
ولا يهمنا أن نثبت أن أصحاب السلطة بشر، بل أن نطالبهم بالتصرف بما يحفظ كرامة البشر.
فالخطر الحقيقي ليس أن تحكم العالم زواحف متخفية في أجساد بشرية، بل أن تتحول بعض الممارسات البشرية إلى أفعال لا مكان فيها للرحمة والعدل والضمير.
وحين تغيب الإنسانية عن ممارسة السلطة، لا نحتاج إلى البحث عن كائنات فضائية… بل إلى استعادة القيم التي تجعل الإنسان جديرًا بإنسانيته.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟