أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى الشيحاوي - الدبة ام خليل ابو خليل القرد














المزيد.....

الدبة ام خليل ابو خليل القرد


مصطفى الشيحاوي
(Mustafa Alshihawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 17:24
المحور: الادب والفن
    


أكثر ما ندمت عليه ذلك اليوم، أني قررت المرور بذلك الشارع الذي كنت لا أحبذ المرور به، ولكن لماذا تجاوزت إحساسي هذا، وسلكت الطريق الذي يفترض ألا أعبره؟
دخلت الشارع الذي تذكرك روائحه المختلفة بالأقبية العفنة، أو الجحور التي لا تعرف عنها الشمس شيئًا، هو شارع معوج من الرأس إلى القدم كأفعى، وتتفرع على أطرافه زواريب هي مداخل لبيوت، قد يطل عليك رأس كلب منها، أو رفسة من حمار، أو حتى حجر لا تعرف مَن قذفه نحوك من الأطفال.
وصلت إلى المنتصف بأمان، ولا شيء يدعو إلى الريبة، فحركة الناس توحي بالطمأنينة، تذكرت أني لم أدخله منذ فترة طويلة، فتساءلت بيني وبين نفسي: هل تغير هذا الشارع بالرغم من عدم تغير الرائحة، أم ربما كنت سابقًا أشد حساسية حتى تكوّن لديَّ انطباع مبالغ فيه؟
توقفت مترددًا بالقرب من دكان الحارة، المعروف صاحبه بعصبيته الشديدة، والذي يصرخ عادة في وجه الزبائن: "اذا ما بدك تشتري، فليش تسأل عن السعر؟" وقد يتطور الأمر مع مَن لا يعرفه إلى أن يقذف بوزن الكيلوغرام خلفه، أما اليوم، فهو مَن بادرني بسؤال: "فيه شي تريد الاستفسار عنه؟" مع ابتسامة لطيفة.
ترددت في السؤال، ولكن ما شجعني هو مبادرته الهادئة، كنت أريد أن أسأله عن سبب هدوء الشارع، ولكن تغير سؤالي فجأة بسبب تغير هذا البائع الذي لا يقل أهمية عن تغير الشارع ذاته، قلت له: "أراك على غير عادتك، ما الذي تغير بك يا أبا خليل؟" قال لي: "تزوجت"، تعجبت: "تزوجت، وأم خليل؟" ضحك وقال: "أم خليل ما اقتنعت بأن تدخل عليها ضرة، ضربتني، فطلقتها، وقد ارتحت من رائحة بصلها وثومها".
أخذني كلام أبي خليل إلى مكان آخر، فتركت ما كنت أنوي السؤال عنه، أعطاني قطعة حلوى ضيافة زواجه، ويبدو أن فرحه بدد مخاوفي، هنأته وتمنيت له الرفاه والبنين.
لم يطل الهدوء، ففي زقاق جانبي كان اثنان يتعاركان، وأحدهما ينزف الدم من أنفه، لم أتجرأ على الاقتراب أو حتى النظر ملياً، فالتدخل لفك نزاع يعد دخولًا في ورطة، والدخول كطرف يقلب المعادلة ضدك، فما كان مني إلا أني أسرعت تاركًا ورائي لكمًا ولبطًا وصراخًا وتمزيق قمصان، ففي هذا الشارع تسمع سبابًا يشبه تفاصيله، إبداع وتفنن في الشتائم، كما لو كان كل شخص يبرع في إنتاج معجمه الخاص، قلت في سري: يبدو أن الشارع لم يتغير، ولكنه كان في هدنة حتى منتصفه.
أسرعت الخطى يقودني توجسي، وفي نهاية الشارع، قبل الخروج منه، سمعت صوتًا أشبه بزمور شاحنة يأتيك على غفلة: "شو كنت عم تحكي مع القرد أبو خليل؟" وقبل أن أجيب تابعت: "اكيد قال لك عني إنني طلقت المرأة السمينة، البقرة أم خليل؟ وانت تراني مثله تراني دبة يا وغد؟" قاطعتها محاولًا الشرح أن هذا لم يحدث، فزمجرت: "اخرس، هل أنا باكل كتير؟ هل انا بشعة؟ وهل عاهرته أجمل مني؟" وكلما حاولت أن أتكلم تخرسني وتتابع، فكل ما كانت تفكر فيه عن جسدها تنطقه على لسانها، فلكي أتهرب منها قلت لها: "أنا لا أعرفكِ".
صاحت: "شو عدا ما بدا صرت ما بتعرف أم خليل؟" غيرت حركة فمها بسخرية: "أي نعم، تتمسكن، يا كافر، يا زنديق،أنت ما بتعرفني اه؟ بس أنا بعرفك قط مدارس البنات، والله يا ابن الكلب سأقطع النسل الذي جئت منه، تقف مع أبي خليل تتمايل وتجاريه بالضحك كشراميط الليل".
هنا قررت ألا فكاك سوى بالركض، لأن أم خليل عثرت على صيدة تنال بها من أبي خليل الذي جردها من كامل أنوثتها، أدرت ظهري للهروب حينها، فتبعتني بصقة لم تدركني، وحذاء مر بالقرب مني مسرعًا قبل أن أختفي في أحد المنعرجات، بعدما أطلقتُ للريح ساقَيَّ، خارجًا من هذا النفق المظلم إلى ضوء النهار المغبر، مستفيدًا من عدم قدرتها على الركض ورائي.
وعلى الرغم من ذكرى ذلك الحي التعيسة، ذلك الشارع الشعبي الذي كانت صراعاته وتناقضاته بسيطة جدًا، تمامًا كما يقول مثل ينطبق جداً عليه بأن مصارين البطن تتشاجر، فبالرغم من كون تلك الشجارات مخيفة، إلا أن العداوات لا تطول، فكانت تعقبها مصالحات وتعود المياه لمجاريها، والناس إلى أحزانها المعتادة، ففي النهار ظل عطن، وفي الليل وشاح أسود بارد.
أما اليوم، فقد يقول قائل لي: حبذا لو بقي ذلك المكان على علاته، ليس بسبب الحنين، بل جراء التغير الهائل ليصبح مركزًا للرعب، يعج بقطاع الطرق، والمافيات، وتجار الدين الذين يكفّرون الناس ويتجولون بأسلحتهم البيضاء المشحوذة على أحجار هدايتهم، لقد تغير ذلك الشارع تمامًا بعد أن تقاطعت معه شوارع أخرى أكثر لؤمًا، وصار الدم طقسًا يوميًا، وقد كانت أولى أضاحيه، ذبحَ أبي خليل من الوريد إلى الوريد، إثر وشاية من أم خليل لأحد أمراء المدينة حديثي العهد، مدعية أن أبا خليل يبيع ما حرّم الله شربه أو بيعه.



#مصطفى_الشيحاوي (هاشتاغ)       Mustafa_Alshihawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماريونيت
- من أكل الله (حوار بين معدتين)
- سامحنا
- الحيرة لدى النخب الفكرية والسياسية في الدول غير المستقرة
- مأساة ملهاة
- لاشيء
- هذيان اطمئنان لا ينفع لشعب قددوه
- نافورة بلا ماء
- اثنتا عشر زجاجة وشفاه
- مشيئة السطوع‏ امرأة من سطوع
- الثلج الذي يعبئ الكون بياضًا مرعبًا
- ورد أقل ايها السّوري
- ورد أقلّ ايها السّوري
- ويُخدع الغجريُّ مرتين
- الفرحة سيّدة تبرّجت
- تعالى نمتطي اي شي
- سيد الحياة
- حملت جثتي
- احببت المنحدرات
- الاختفاء لعبة الاشباح


المزيد.....




- توقعوا موتها ونصحوها بالعمل في مخبز بدلا من التمثيل.. كيف أص ...
- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...
- -بطاقة بوشكين- تحقق للمكتبات الروسية مبيعات تتجاوز مليار روب ...
- في الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى: ثقافة المقاومة والأسئ ...
- آرسنال أرتيتا.. تحول استراتيجي يجمع بين الأناقة الفنية والصل ...
- صفحة من مصحف بغدادي نادر من القرن الرابع عشر في مزاد بلندن
- إصابة المخرج الأميركي مايكل مان بطلق ناري من طريق الخطأ
- جواز سفر عماني في مشهد للشعوذة يثير الجدل.. وسعيد الماروق يع ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى الشيحاوي - الدبة ام خليل ابو خليل القرد