سنان نافل والي
الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 17:23
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
وُلد ريكولدو دي بينينو دا مونتي كروسيه المعروف تاريخياً باسم ريكولدو دا مونتي كروتشه، في مدينة فلورنسا الإيطالية حوالى عام 1243 م . نشأ في عائلة ميسورة، وتلقى تعليماً عالياً ومبكراً في مختلف الجامعات الأوروبية المرموقة، حيث تشبع بالعلوم الإنسانية واللاهوتية السائدة في عصره. في عام 1267م ، اتخذ ريكولدو قراراً محورياً بانضمامه إلى الرهبنة الدومينيكية متخذاً من دير سانتا ماريا نوفيلا في فلورنسا مقراً رئيسياً لندواته وحياته الرهبانية. عُرف الدومينيكان في تلك الحقبة بشغفهم العلمي، والدفاع العقائدي، ونشاطهم التبشيري المحتدم. عمل ريكولدو لسنوات عديدة أستاذاً ومحاضراً في جامعات ومعاهد توسكانا، ولا سيما في مدينتي فلورنسا وبراتو، إضافة إلى التدريس في جامعة بيزا، حيث اكتسب سمعة مرموقة كباحث لاهوتي متمكن من أدوات الجدل والمناظرة. بعد عودته الطويلة من الشرق، كرس ريكولدو حياته للتأليف والتدريس بفلورنسا حتى وافته المنية في 31 تشرين الاول عام 1320، تاركاً إرثاً فكرياً ضخماً أثرى أدب الرحلات والجدل الديني في القرون الوسطى. (1)
رحلاته الكبرى إلى الشرق الأدنى ( 1288-1301 )
في أواخر القرن الثالث عشر، ومع تهاوي آخر معاقل الصليبيين في المشرق، تطلع الكرسي الرسولي متمثلاً في البابا نقولا الرابع إلى إرسال بعثات استكشافية وتبشيرية لا سيمّا بعد اتصالات الفاتيكان مع إمبراطورية المغول ( الإلخانات ) لتي أبدى حكامها انفتاحاً مؤقتاً على المسيحية. غادر ريكولدو إيطاليا عام 1288 ببنكِ أهداف تبشيرية واستخباراتية، فوصل إلى ميناء عكا حاضرة الممالك الصليبية المتهاوية آنذاك، حيث نزل في دير الرهبان الدومينيكان والتقى ببطريرك القدس الفرنسي نيكولا دي هانابس.وبين عامي ( 1288=1289) طاف في ربوع فلسطين وسوريا، متفحصاً الأماكن المقدسة وموثقاً أحوال الجماعات المسيحية الشرقية المختلفة كاليعاقبة، والموارنة، والنسطوريين، والملكيين، بعدها عبرالبادية والجزيرة الفراتية وصولاً إلى الموصل وبغداد، حيث قضى هناك الجزء الأكبر من رحلته ( ما بين 4 الى 10 سنوات ) ، صادفت فترة إقامته في بغداد تحولاً سياسياً كبيراً تمثل في اعتناق الإلخان المغولي غازان للإسلام، وما تلى ذلك من توترات وقلاقل وعنف استهدف المسيحيين، مما اضطر ريكولدو للفرار والاختباء في الأهوار ومناطق وسط العراق قبل أن يتمكن من العودة النهائية عبر الأناضول وإسطنبول إلى إيطاليا عام 1301م . (2)
أعماله ومؤلفاته الكبرى
1-كتاب الرحلات : يُعد من أبدع أدب الرحلات في العصور الوسطى. لا يقدم الكتاب مجرد سرد جغرافي ،بل يشكل دليلاً استخباراتيًا واثنولوجيًا يصف بدقة عادات وتقاليد شعوب الشرق، وتكوين الإمبراطورية المغولية، والأوضاع الدينية للمسلمين والمسيحيين والفرق الباطنية.
2- ضد قانون المسلمين : أشهر مؤلفاته اللاهوتية والجدلية ضد الإسلام، صاغه جزئياً أثناء إقامته في بغداد بعد دراسته المتفحصة للقرآن الكريم باللغة العربية ( تذكر المخطوطات احتفاظ مكتبة فرنسا الوطنية بنسخة من القرآن وعليها هوامش وتعليقات بخط يد ريكولدو باللاتينية ) .
3- رسائل حول تدمير عكا : خمس رسائل مؤثرة مكتوبة بأسلوب درامي ولوعات وجدانية يصف فيها صدمة سقوط عكا سنة 1291 م ومأساة الأسرى المسيحيين.(3)
الخبايا واللقاءات الخفية لريكولدو دا مونتي كروتشه مع المندائيين
عند قراءة النصوص المنشورة لكتاب ( الرحلات) لريكولدو دا مونتي كروتشه والغوص في الأرشيف المخطوطي اللاتيني، وتحليلات المستشرقين المعاصرين مثل ( أجو مونيريت دي فيلار ولويجي إيفان لوبييري ) تبرز تفاصيل دقيقة، شبه سرية، تكشف جوانب مثيرة من لقاءات الراهب الدومينيكي مع الجماعات التعميدية ، والتي لم تكن مجرد مشاهدة عابرة، بل كانت مواجهات فكرية وعقائدية ووجودية دراماتيكية. إن اللقاء الحاسم لريكولدو مع المندائيين لم يحدث في شوارع بغداد أو أسواقها المزدحمة، بل حدث في ظروف قاسية وغامضة أثناء فراره واختبائه ، فبعد سقوط بغداد وسيطرة المغول، وما رافق ذلك من اضطرابات دموية وتحول سياسي مفاجئ ( خصوصاً بعد أسلمة الحاكم غازان خان وما تبعها من موجات اضطهاد للمسيحيين ) ، وجد ريكولدو نفسه مطارداً أو معرضاً للخطر الشديد في المدن الكبرى. دفعته ظروف البقاء إلى الالتجاء نحو المستنقعات والأهوار الجنوبية الوسطى ( بين الكوفة ومناطق الأهوار القديمة ) ، هناك وفي تلك البيئة المائية المعزولة، حيث تنقل القوارب الصغيرة ( المشاحيف ) بين القصب ، اصطدم الراهب الإيطالي بجماعة تعيش في تناغم تام مع المياه. كان يظن في البداية أنهم مجرد نصارى منشقين أو بقايا نسطوريين تائهين، لكنه تفاجأ بأن طقوسهم اليومية تتمحور حول الاغتسال المستمر في المياه الجارية الحية ( اليردنا ) وأنهم يرفضون الصليب رفضاً تاماً، ويقدسون يوحنا المعمدان وحده، معتبرين المسيح مجرد نبي كاذب أو مضلل بالمفهوم المندائي القديم. هذا الاصطدام المباشر أصاب الراهب بصدمة لاهوتية؛ فهو لم يكن يتخيل وجود ديانة قديمة غامضة نجت طوال القرون الإسلامية والمسيحية في قلب العراق دون أن تخضع لأي منهم. (4) تُشير الهوامش والمسودات النقدية لبعض المخطوطات اللاتينية المنسوبة لريكولدو والتي تدرسها مدرسة المؤرخين الكاثوليك والشرقيين الى أن ريكولدو لم يكتفِ بالمشاهدة من بعيد، بل دخل في حوارات ومناظرات حادة مع شيوخ وترميذة هذه الجماعة . حاول ريكولدو محاججتهم بمعتقدات الكنيسة الكاثوليكية حول سر المعمودية والتطهير بالروح القدس بدم المسيح. لكن الردود التي تلقاها ، حسب إشاراته المقتضبة ، كانت تتسم بالصلابة؛ حيث كان المندائيون يؤكدون له أن الجسد والروح يتنجسان باستمرار في هذا العالم المادي المظلم ولا سبيل لتطهيرهما سوى بالماء الحي الجاري والطقوس اليومية المستمرة، معتبرين أن ما يعمله المسيحيون بالماء لا يكفي، بل إنهم يرفضون الأسرار المسيحية برمّتها. إضافة الى ذلك تذكر بعض التحليلات النصية أن ريكولدو حاول الاطلاع على نصوصهم المقدسة المكتوبة بخطهم الفريد ( اللغة المندائية ) ، وقد أثار ذلك رعباً أو تحفظاً شديداً لدى تلك الجماعات التي كانت تعيش في تقية تامة وعزلة لحماية كتبها من بطش السلطات الحاكمة ، سواء الإسلامية أو حتى نظرات رجال الدين المسيحيين الفضوليين. لقد أدرك ريكولدوحيتها وبحنكة اللاهوتي أن هؤلاء القوم يمتلكون مكتبة سرية ضخمة من الأسفار والكتب مثا كنزا ربا وغيرها مما جعله يُسجل في مذكراته تحذيرات مبكرة لروما من وجود جذور غنوصية أقدم من المسيح نفسه متجذرة في أرض العراق.(5)
في نهاية الامر يمكن القول أن ريكولدو قد لعب دورا مزدوجا في نقل أخبار المندائيين . من جهة، أنقذهم من النسيان التام، إذ لا تدوينه لتلك اللحظات المرعبة والفريدة في الأهوار، لانقطعت حلقة الوصل التاريخية تماماً بين الفرق المعميدية القديمة وبين ما وثقه الرحالة الكرمليون واليسوعيون لاحقاً في القرنين السابع عشر والثامن عشر مثل الكاهن إغناطيوس دي يسوع. ومن جهة أخرى، حولهم في كتاباته إلى مادة للجدل والتبشيرلأنه لم يقرأ تراثهم باحترام أنثروبولوجي بمعناه الحديث، بل بعين المفتش العقائدي؛ فكل طقس تعميدي رآه كان يفسره على أنه شاهد إضافي على ضلال البشرية الذي ينبغي كسبه للكنيسة الكاثوليكية. إن هذه اللقاءات السرية في أهوار العراق بين راهب فلورنسي هارب وجماعة غنوصية قديمة ترفض المسيحية ، تظل واحدة من أكثر اللحظات إثارة والتباساً في تاريخ التبادلات الفكرية والدينية العابرة للحضارات في العصور الوسطى.
أهمية شهادة ريكولدو دا مونتي كروتشه
يمكن التعرف على القيمة التاريخية والأنثروبولوجية لشهادة ريكولدو من خلال عدة محاور رئيسية : 1-العمق اللغوي والمعرفي ، إذ كان يتقن العربية والسريانية، ولديه القدرة على قراءة النصوص ومحاورة أهلها، مما قلل نسبياً من حجم التشويش الناجم عن جهل اللغات الشرقية. 2-حفظ التفاصيل المنسية ، لأنه من خلال نصوصه المختصرة التي نجدها في مؤلفاته عن الجماعات التعميدية أصبح بالإمكان ان نفهم ونعرف المزيد عن تلك الجماعات في الأهوار العراقية خلال العصر المغولي حيث تشكل كتاباته حلقة الوصل الحاسمة بين تقارير الآباء السريان الأقدمين وكتابات المبشرين الكرمليين واليسوعيين اللاحقة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. 3-الريادة الميدانية المباشرة ، على عكس المؤرخين اللاحقين الذين كتبوا من داخل أديرة أوروبا البعيدة اعتماداً على النقولات، فإن ريكولدو تحدث ورافق وعاشر تلك الشعوب على أرض الواقع في العراق، مما يجعل شهادته عن المندائيين والمسلمين والنسطوريين شهادة عيان أصلية. (6)
ولكن رغم إسهاماته الكبيرة والاستثنائية لمدوناته، فقد خضع خطاب ريكولدو دا مونتي كروتشه اليوم لقراءة نقدية صارمة من قبل المؤرخين وأنثروبولوجيي الأديان المعاصرين، وذلك استناداً إلى المآخذ المنهجية الآتية : 1- عند وصفه للمندائيين ، استخدم أدوات الفئات الكنسية التقليدية مثل تصنيفهم كـهراطقة أو أتباع يوحنا المعمدان الذين رفضوا كمال النور المسيحي وهو ما يخفي الملامح الجوهرية للديانة المندائية المستقلة بذاتها تاريخياً وفلسفياً ومعرفيا . إضافة الى ذلك لم يكن ريكولدو باحثاً أكاديمياً محايداً بالمعنى الحديث، بل كان مبشراً دومينيكياً استجماعياً يرى العالم من منظور ثنائي حاد ، النور المسيحي الكاثوليكي في مواجهة الضلال والهرطقة وهذا ما جعله يفسر طقوس المندائيين والديانات الأخرى باعتبارها انحرافات شيطانية أوبقايا ضالة عن الأصل المسيحي أو التوراة، مما أدى أحياناً إلى تشويه المعنى الحقيقي لتلك الطقوس وإسقاط مفاهيم مسيحية عليها لا تخصها. وأخيرا فإن تقاريره كانت مصممة لإقناع القيادات في روما بمدى حاجة الشرق الملحة للحملات التبشيرية والسيطرة العقائدية مما جعل كتاباته تختزل التركيبة المعقدة والمزدهرة أحياناً للأقليات في صورة مآسٍ أو ضلالات تحتاج إلى تصحيح جذري بالقوة أو بالحوار اللاهوتي الفوقي. (7)
المصادر
1- Francesco Surdich, ”RICCOLDO da Montecroce”, Dizionario Biografico degli Italiani, Vol. 87, 2016.
2- Ugo Monneret de Villard, Il Libro delle Peregrinazioni di frate Riccoldo da, Montecroce,pp 20-50.
3- Giuseppe Rizzardi, ”Il Contra legem Sarracenorum di Riccoldo di Montecroce”, Teologia 9 (1984), pp. 59–68.
4- Ugo Monneret de Villard, Il Libro delle Peregrinazioni di frate Riccoldo da Montecroce,1948.pp45-62.
5- Luigi Ivan Lupieri, The Mandaeans: The Last Gnostics: Their History, Religion, and Mythology, Wm. B. Eerdmans Publishing Company, 2002.pp 88-102.
6- Jean-Marie Mérigoux, ”L’Ouvrage de Riccoldo da Montecroce sur la Loi des Sarrazins”, Traditio 34 (1978), pp. 57–98.
7-Norman Daniel, Islam and the West: The Making of an Image, Oneworld Publications, 1993, pp. 112–130
#سنان_نافل_والي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟