ايبرام كفن سويان
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 02:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كيف انتقلت الحركة القومية الكردية من مطلب استقلال كردستان إلى الاعتراف بحدود الدول المقسِّمة: دراسة في دور الشيوخ واليسار الكردي والعالم
مقدمة: سؤال التحوّل
في عام 1880 كتب الشيخ عبيد الله النهري إلى المبشّر الأمريكي جوزيف كوكران في أورمية رسالةً نقلتها الوثائق البرلمانية البريطانية، جاء فيها أن الأمة الكردية «شعبٌ قائم بذاته»، له دينه وقوانينه وعاداته، وأن الكرد يريدون أن تكون شؤونهم «في أيديهم». وبعد قرابة قرن ونصف، في أيار 2025، أعلن المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني حلَّ الحزب وإنهاء الكفاح المسلح، استجابةً لنداء زعيم الحزب عبد الله أوجلان الذي أطلقه من سجنه في جزيرة إمرالي في شباط من العام نفسه، وعدّ فيه الدولةَ القومية المنفصلة والفدرالية والحكم الذاتي حلولًا لا تستجيب «للسوسيولوجيا التاريخية للمجتمع». بين هاتين الوثيقتين يمتد مسار تاريخي كامل، من شيخ صوفي يخاطب القوى الكبرى باسم أمة تريد سيادتها، إلى تنظيم ماركسي المنشأ يعلن أن الدولة نفسها ليست غاية.
هذا المسار هو موضوع الدراسة. والسؤال الذي تطرحه ليس لماذا لم يحصل الكرد على دولة — فذلك سؤال عن موازين القوة أجابت عنه أدبيات كثيرة — بل كيف تحوّل مطلب الاستقلال ذاته، داخل الوعي السياسي الكردي، من أفقٍ طبيعي إلى أفقٍ مستبعَد، وكيف صار الاعتراف بحدود الدول التي قسّمت كردستان شرطًا مسبقًا لأي خطاب كردي «مقبول»، إقليميًا ودوليًا، بل وكرديًا أيضًا.
وتنطلق الدراسة من أطروحة مركّبة. فالانتقال من السيادة إلى الحدود لم يكن نتيجة الهزيمة العسكرية وحدها، وإن كانت الهزائم المتتالية بين 1880 و1938 قد أنتجت شروطه. لقد جرى التحول عبر ثلاث طبقات متراكبة: طبقة دولية أغلقت باب الكيانية الكردية قانونيًا منذ لوزان وقرار الموصل، ثم قدّستها عقيدةُ تصفية الاستعمار في منتصف القرن العشرين؛ وطبقة اجتماعية شهدت انتقال حقّ الكلام باسم الأمة من الأمير إلى الشيخ ثم إلى الكادر الحزبي، مع ما رافق كل انتقال من تغيّر في شكل المطلب؛ وطبقة معرفية أعادت تعريف وحدة القياس السياسي، فصارت الدولة القائمة — لا الوطن الكردي — هي الإطار الذي تُصاغ داخله الحقوق. وفي هذه الطبقات الثلاث أدّى الشيوخ واليسار، الكردي والعالمي، أدوارًا متعاقبة ومتناقضة، كانوا حملةَ المطلب السيادي في لحظة، وقنواتِ التكيّف مع الحدود في لحظة أخرى.
وتقتضي الأمانة المنهجية التنبيه منذ البداية إلى أن هذه الأطروحة لا تقول إن اليسار «اخترع» التنازل عن السيادة، ولا إن الشيوخ كانوا قوميين انفصاليين متخفّين خلف العمامة. فكلا الادّعاءين يُسقط على الماضي وعيًا لاحقًا.
ما تقوله الدراسة أدقّ: إن كل فاعل من هؤلاء حمل معه تصوّرًا ضمنيًا للدولة وللحدود، وإن هذه التصوّرات، حين التقت بموازين القوة، رسمت سقف المطلب الكردي بطريقة لا تفسّرها موازين القوة وحدها.
الإطار النظري والمنهجي
المفاهيم: السيادة، الحكم الذاتي، الأقلية
تميّز الدراسة بين ثلاثة مستويات للمطلب القومي. المستوى الأول هو السيادة: مطلب الكيان المستقل، دولةً كانت أم إمارة أم مملكة، بوصف الأمة ذاتًا سياسية تملك قرارها. والمستوى الثاني هو الحكم الذاتي أو الفدرالية: الاعتراف بالأمة ذاتًا داخل دولة أوسع، مع التسليم بحدود تلك الدولة. والمستوى الثالث هو حقوق الأقلية: الاعتراف الثقافي واللغوي والإداري بجماعة تُعرَّف بوصفها مكوّنًا من مكوّنات شعب الدولة، لا شعبًا قائمًا بذاته. والانتقال من المستوى الأول إلى الثالث ليس تدرّجًا كميًا في حجم المطالب، بل تحوّل نوعي في موقع الكرد من القانون، من ذاتٍ تقرّر مصيرها إلى موضوعٍ لتشريع الدولة.
أما وصف الدول الأربع بـ«المقسِّمة» أو «المستعمِرة» فيستند إلى أطروحة إسماعيل بيشيكجي عن كردستان بوصفها «مستعمرةً دولية»: أرضٌ لم تستعمرها دولة واحدة من خارج حدودها، بل تقاسمتها أربع دول مجاورة برعاية النظام الدولي، ثم أنكرت وجود شعبها بدل أن تكتفي باستغلاله. ولا تتبنّى الدراسة هذا المفهوم بوصفه حكمًا أخلاقيًا، بل بوصفه أداةً تحليلية تسمح برؤية ما تحجبه لغة «الأقليات» و«المسألة الشرقية» و«مشكلة التنمية الإقليمية».
من يملك حقّ تعريف المطلب؟
تستعير الدراسة من علم اجتماع المعرفة فكرةً مركزية: أن الأفكار لا تُقاس بصدقها فحسب، بل بالموقع الاجتماعي الذي تصدر عنه والحقل الذي تُتداوَل فيه. وتستعين بمفهومَي «الحقل» و«الرأسمال» عند بيير بورديو لتفسير انتقال السلطة الرمزية داخل المجتمع الكردي: فمن يملك حقّ الكلام باسم الأمة يملك رأسمالًا معينًا — نسبًا، أو بركةً، أو نصًّا وحزبًا — ويتحرك داخل حقل سياسي بعينه يفرض عليه لغته وإيقاعه وحدود الممكن فيه. والسؤال المنهجي الموجِّه هو: حين انتقل هذا الرأسمال من الأمير إلى الشيخ ثم إلى الكادر، أيّ حقل سياسي صار هو الإطار؟ وأيّ خريطة ضمنية حملها كل حقل؟
لحظة السيادة: من الإمارة إلى التكية
الإمارة: سيادة بلا نظرية
لم يكن الأفق السيادي في التاريخ الكردي فكرةً حديثة مستوردة. فقد عاشت الإمارات الكردية — بوتان وسوران وبابان وأردلان وبهدينان وغيرها — قرونًا من الحكم الذاتي الفعلي داخل الفضاءين العثماني والصفوي، تسكّ بعضها العملة وتُقام لها الخطبة وتدير جيوشها وقضاءها. غير أن هذه السيادة كانت سيادة أمرٍ واقع لا سيادة نظرية؛ كانت تُمارَس في إطار إمبراطوري يعترف بها بقدر ما يعجز عن إلغائها، ولم تكن تستند إلى تصوّر للأمة بوصفها مصدر الشرعية. وعلى الرغم من أن أغلب المهتمين بالشأن الكردي يدّعون أن الكرد لم يشكّلوا دولةً في تاريخهم، فإن هذا الادعاء ينبع إما من الجهل بالتاريخ الكردي وإما من قصد التشويه؛ والحقيقة أنه لا يوجد شعب في المنطقة قاوم الإمبراطوريات كلها، وشكّل العديد من الدول والإمبراطوريات، وحافظ في أغلب الأوقات على استقلاله، كما فعل الكرد.
ومع إصلاحات التنظيمات وسياسة المركزة العثمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، جرى تفكيك هذه الإمارات واحدةً بعد أخرى، وكانت هزيمة بدرخان بك أمير بوتان عام 1847 خاتمة هذا المسار. وقد شكّل سقوط الإمارات نهايةً للتاريخ السياسي الكردي بصيغته الموروثة: لم يعد ثمة سلطة فوق قبلية كردية تضبط النزاعات العشائرية وتمثّل الإقليم أمام المركز. وفي هذا الفراغ نشأت المعادلة التي حكمت القرن التالي كله.
الشيخ وارثًا للأمير
لم يملأ الفراغَ الأغا ولا البك، لأن شرعية كلٍّ منهما محصورة في نسب عشيرته وحدود واديه. ملأه الشيخ الصوفي، النقشبندي والقادري خصوصًا. فالشيخ يستمد مكانته من الخرقة والبركة والسلسلة الروحية، لا من شجرة النسب القبلي؛ ويملك شبكةَ مريدين تعبر حدود العشائر والوديان؛ ويؤدي وظيفة القاضي والوسيط بين العشائر المتنازعة. وهكذا حلّت التكية محلّ الديوان الأميري، وحلّ المريدون محلّ القبيلة بوصفها وحدة التعبئة.
وقد انتقل مع هذا الانتقال شيءٌ من الأفق السيادي للإمارة. فالشيخ عبيد الله النهري، الذي قاد عام 1880 حركةً امتدت بين الأراضي العثمانية والقاجارية، واصل عمليًا ما بدأه بدرخان: توحيد الكرد تحت سلطة كردية واحدة.
لكنه أضاف ما لم يملكه الأمير: لغةَ الأمة. فرسالته إلى جوزيف كوكران لم تطلب إصلاحًا إداريًا ولا رفعًا لمظلمة محلية، بل قدّمت الكرد جماعةً سياسية متمايزة لها الحق في إدارة شؤونها بنفسها، وخاطبت عبر الوسطاء القنصليين بريطانيا وروسيا بوصفها أطرافًا في نظام دولي يمكن أن يعترف بهذه الجماعة. وبذلك صارت حركة 1880 اللحظةَ التي انتقل فيها المطلب الكردي من سيادة الأمر الواقع إلى السيادة المعلَنة.
والملاحظة الجوهرية هنا أن المطلب السيادي الكردي الحديث وُلد في التكية لا في الحزب. فأول من خاطب العالم باسم «الأمة الكردية» طالبًا حكمها لنفسها كان شيخ طريقة، في زمن لم يكن فيه يسار كردي ولا حزب قومي. وهذه الواقعة وحدها تنقض القراءتين الشائعتين: القراءة الاستشراقية والدولتية التي ترى في الشيوخ رجالَ دين رجعيين لا شأن لهم بالقومية، والقراءة اليسارية التي ترى في الوعي القومي الكردي نتاجًا متأخرًا للتحديث والتعليم الحزبي.
الشيوخ بين الكيانية والتسوية (1880–1938)
التعدّد داخل المؤسسة الدينية
غير أن الانتقال من الأمير إلى الشيخ لم يحمل معه أفقًا سياديًا واحدًا. فالمؤسسة الدينية الكردية كانت متعددة الأجنحة، ومواقفها من الكيانية تراوحت بين الاستقلال الصريح والحكم الذاتي داخل الإطار العثماني والولاء الكامل للخلافة. وهذا التعدد هو المفتاح الأول لفهم دور الشيوخ في التحول اللاحق.
فالشيخ عبد القادر النهري، ابن عبيد الله ورئيس «جمعية تعالي كردستان» التي تأسست في إسطنبول عام 1918، تبنّى في مفاوضات ما بعد الحرب موقفَ الحكم الذاتي الكردي داخل الدولة العثمانية، في مقابل الجناح البدرخاني الذي طالب بالاستقلال التام. ولم يكن موقفه نابعًا من ضعف الحس القومي، بل من تصوّر للشرعية ما زال يرى في الخلافة الإطار الجامع للمسلمين، وفي الانفصال عنها خطرًا على الكرد أنفسهم أمام المشروع الأرمني والقوى الأوروبية. وهنا تظهر، مبكرًا، الصيغة التي ستعود لاحقًا بلغة مختلفة تمامًا: الاعتراف بالأمة الكردية مع التسليم بالإطار الدولتي القائم.
وعلى النقيض، كان بديع الزمان سعيد النورسي — الملا سعيد الكردي كما عُرف في مرحلته الأولى — من مؤسسي «جمعية تعاون وترقي الكرد» عام 1908 مع أمين علي بدرخان والشيخ عبد القادر نفسه، وصاحبَ مشروع «مدرسة الزهراء»: جامعة في كردستان تُدرَّس فيها العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية، وتُستخدم فيها الكردية لغةً للتعليم. لكن النورسي لم يطالب بدولة كردية، ورأى في الرابطة الإسلامية العروةَ التي تحفظ الكرد والترك معًا. وسيكون لمساره اللاحق دور حاسم في تحويل جزء كبير من المؤسسة الدينية الكردية من حامل للمطلب القومي إلى قناة لتذويبه.
الشيخ محمود الحفيد: مملكة في فراغ الدولة
في جنوب كردستان، بلغ الأفق السيادي للمؤسسة الدينية ذروته العملية مع الشيخ محمود الحفيد البرزنجي. فحين انسحب العثمانيون من ولاية الموصل ودخلها البريطانيون، لم يجد الاستعمار ولا العشائر بديلًا عن الشيخ القادري لضبط منطقة السليمانية. عيّنه البريطانيون حكمدارًا عام 1918، ثم صادموه حين تجاوز الدور المرسوم له، فنفوه إلى الهند بعد ثورة 1919، ثم أعادوه عام 1922 لمواجهة الضغط الكمالي على الولاية، فأعلن نفسه «ملك كردستان»، وشكّل حكومة، وأصدر الطوابع وصحفًا رسمية منها «بانگي کوردستان» و«رۆژي کوردستان».
وتكشف تجربة الحفيد البنيةَ المزدوجة لدور الشيخ. فمن جهة، كان الأكثر جذريةً في مطلب الكيانية بين قادة الجنوب، وحلّت شبكة مريديه ومكانة التكية محلّ أجهزة دولة غائبة. ومن جهة أخرى، كان وجوده السياسي كله معلّقًا بالتفاوض مع قوة استعمارية تستدعيه حين تحتاجه وتقصيه حين يتجاوز حدوده. فالشيخ، بخلاف الحزب لاحقًا، لم يكن يملك نظريةً عن الدولة ولا عن الحدود؛ كان يملك شرعيةً وشبكة، ويتفاوض بهما على ما تسمح به اللحظة. وحين قررت بريطانيا، بعد قرار عصبة الأمم عام 1926، أن مستقبل الولاية هو الدولة العراقية، لم يعد للحفيد مكان في الترتيب، فانتهت حركته عمليًا عام 1931.
الشيخ سعيد بيران وجمعية آزادي: التكية واجهةً للتنظيم الحديث
تقدّم ثورة 1925 في شمال كردستان النموذجَ الأوضح لتحالف التكية مع التنظيم القومي الحديث. فقد أُعدّ للثورة تنظيميًا عبر جمعية «آزادي» (الحرية) التي أسسها ضباط ومثقفون كرد منذ 1923، من أبرزهم العقيد خالد بك جبرانلي، ثم اختارت الجمعية الشيخ سعيد بيران — بمكانته النقشبندية ونفوذه الاجتماعي الواسع — قائدًا تعبويًا حين أدركت أن النخبة المدينية لا تملك أداة الحشد في الريف. ولم يكن الشيخ مجرد واجهة؛ فقد كان عضوًا في الجمعية ومنخرطًا في التحضير، وتحوّل بعد اعتقال قادتها العسكريين إلى القائد الفعلي للثورة.
وهنا تتجلى مفارقة ذات وجهين في التعاطي التاريخي والإعلامي مع الدين في صراعات المنطقة. فحين استخدم مصطفى كمال الرموز الإسلامية وخطاب الخلافة والجهاد لتحشيد الكرد خلال حرب الاستقلال الأناضولية، وحين قدّم الوفد التركي في لوزان الكردَ والترك «إخوةً في الإسلام» لا يحتاج أحدهما إلى حماية من الآخر، فُسِّر ذلك في التاريخ الرسمي والأدبيات اللاحقة دهاءً سياسيًا وبراغماتية في بناء الدولة. أما حين لجأ الكرد إلى المؤسسة الدينية ذاتها دفاعًا عن وجودهم بعد إلغاء الخلافة وحظر الكردية، فقد وُصمت حركتهم بالتخلف والرجعية، واختُزلت ثورة الشيخ سعيد في «محاولة لإعادة الخلافة»، مع تجاهل انتمائه إلى جمعية قومية علمانية النزعة. فالدين أداة سياسية مشروعة حين تستخدمه الدولة، ودليل رجعية حين يستخدمه المقموع. وسيتبنّى اليسار، التركي والسوفييتي ثم الكردي، هذا المعيار المزدوج نفسه، كما سيأتي.
آرارات ودرسيم: خاتمة الدورة الأولى
جاءت ثورة آرارات (1927–1930) بقيادة جمعية «خويبون» التي تأسست عام 1927 في لبنان، وقادها ميدانيًا إحسان نوري باشا، لتؤكد أن الأفق السيادي لم يكن حكرًا على الشيوخ؛ فخويبون كانت تنظيمًا قوميًا علمانيًا صريحًا طالب باستقلال كردستان. ثم جاءت درسيم (1937–1938) بقيادة السيد رضا، المرشد الروحي العلوي الذي جمع عشائر درسيم في مقاومة قانون الإسكان لعام 1934 وسياسة «الإصلاح» العسكري للمنطقة، فانتهت بمجازر واسعة وبإعدام السيد رضا عام 1937. وقد وُصمت درسيم بدورها بمقولات «التمرد الرجعي» و«الجهل».
وبنهاية درسيم أُغلقت الدورة الأولى من الحركة الكردية الحديثة: دورة كانت فيها قيادة المطلب الكردي بيد الشيوخ والمرشدين الروحيين والأعيان والضباط العثمانيين السابقين، وكان المطلب فيها — في أغلب تعبيراته — كيانيًا. وقد هُزمت هذه الدورة عسكريًا في 1880 و1925 و1930 و1938 في الشمال، وفي 1931 في الجنوب. غير أن الهزيمة العسكرية لم تكن وحدها ما أغلقها؛ فقد سبقها إغلاق دولي حوّل الكيانية الكردية من مطلب مؤجَّل إلى مطلب غير شرعي.
الإغلاق الدولي: من سيفر إلى الموصل
سيفر: الاعتراف المشروط
نصّت معاهدة سيفر، الموقّعة في آب 1920، في موادها 62–64 على إنشاء لجنة تُعدّ خطةً للحكم الذاتي المحلي في المناطق ذات الأغلبية الكردية شرق الفرات، وأجازت للكرد، بعد عام من دخول المعاهدة حيّز التنفيذ، أن يتوجّهوا إلى عصبة الأمم مطالبين بالاستقلال إن ثبت أن أغلبيتهم تريده ورأى المجلس أنهم أهلٌ له. ورغم أن سيفر كانت نتاج حسابات استعمارية، وأنها لم تشمل سوى جزء من كردستان، فقد كانت الوثيقة الدولية الوحيدة التي اعترفت بالكرد ذاتًا يمكن أن تمارس حقّ تقرير المصير.
لوزان: الإعدام القانوني لأمة
جاءت معاهدة لوزان في تموز 1923 لتلغي سيفر، من غير أن تذكر الكرد أو كردستان في أيٍّ من موادها. وقد حصرت المعاهدة الحماية الدولية بالأقليات غير المسلمة في تركيا، وقبل الحلفاء حجّة الوفد التركي برئاسة عصمت إينونو بأن الكرد والترك شركاء متساوون في أمة مسلمة واحدة، فلا حاجة لضمانات خاصة بهم. ويرى بيشيكجي في هذا الصمت «إعدامًا قانونيًا» للكرد: فقد تحوّلوا بقرار دولي من شعب يملك إمكانية تقرير المصير إلى رعايا موزَّعين على سيادات دول قائمة.
وتتضمن هذه اللحظة مفارقةً ستتكرر: فالحجة التي أغلقت باب الحماية الدولية للكرد كانت حجةً دينية — الأخوّة الإسلامية — قدّمتها دولةٌ ستعلن بعد أشهر إلغاء الخلافة وتبنّي علمانية قومية صارمة، وستحظر الكردية باسم وحدة الأمة التركية. فالدين الذي رُفع في لوزان لتذويب الكرد في «الأمة المسلمة» هو نفسه الذي سيُتّهم الكرد بعد عامين باستخدامه «رجعيًا».
قرار الموصل: النفط مقابل تقرير المصير
وأكمل قرار مجلس عصبة الأمم في كانون الأول 1925 الإغلاقَ في الجنوب. فقد لاحظت لجنة التحقيق التي أوفدتها العصبة إلى ولاية الموصل أن الكرد يشكّلون أغلبية سكانها، وأشارت إلى أن اعتبارات الإثنية وحدها ترجّح قيام دولة كردية مستقلة، لكنها أوصت بضم الولاية إلى العراق بشرط استمرار الانتداب البريطاني خمسة وعشرين عامًا ومراعاة رغبة الكرد في أن يتولى الإدارةَ والقضاءَ والتعليمَ في مناطقهم موظفون كرد وأن تكون الكردية لغتها الرسمية. ثم سوّت المعاهدة البريطانية–العراقية–التركية الموقّعة في أنقرة في حزيران 1926 النزاع، مقابل حصول تركيا على عشرة في المئة من عائدات نفط الولاية مدة خمسة وعشرين عامًا، وحصول الأرمن على خمسة في المئة عن طريق كولبنكيان. وحين انتهى الانتداب ودخل العراق عصبة الأمم عام 1932، لم تبقَ من الضمانات الموعودة للكرد إلا صيغٌ لم تجد من يطالب بتطبيقها.
وتكمن دلالة هذه اللحظة، بالنسبة إلى موضوع الدراسة، في أنها رسمت الإطار الذي ستتحرك داخله كل الحركات الكردية اللاحقة: أربع دول، وأربعة حقول سياسية، وأربعة أنظمة قانونية تعدّ أي مطلب كردي بتغيير الحدود «انفصالًا» و«تهديدًا للسيادة». ومنذ هذه اللحظة لم يعد السؤال المطروح على الكرد: أي كيان نريد؟ بل: أي موقع نطلب داخل هذه الدولة أو تلك؟
الشيوخ بعد الهزيمة: من قادة الثورة إلى وسطاء الدولة
الوجه الثاني لدور الشيوخ
إذا كان دور الشيوخ في الدورة الأولى هو حمل المطلب الكياني وتوفير بنيته التحتية للتعبئة، فإن دورهم بعد الهزيمة كان معاكسًا في اتجاهه ومتّسقًا في بنيته. فالشبكة الصوفية التي عبرت حدود العشائر لتحشد ضد الدولة، صارت هي نفسها قناةً تعبر بها الدولة إلى المجتمع الكردي. وهذا الوجه الثاني هو ما تُغفله القراءة القومية الرومانسية التي تتوقف عند عبيد الله والحفيد والشيخ سعيد، كما تُغفله القراءة اليسارية التي تجمع الشيوخ كلهم في خانة «الإقطاع العميل» من غير تمييز بين لحظة وأخرى.
من «سعيد القديم» إلى «سعيد الجديد»
يلخّص مسار النورسي هذا التحوّل على المستوى الفكري. فبعد الحرب العالمية الأولى وتأسيس الجمهورية، انسحب النورسي من السياسة وأعلن قطيعته مع مرحلته الأولى، التي سمّاها مرحلة «سعيد القديم»، ليتفرغ في مرحلة «سعيد الجديد» لكتابة «رسائل النور» وبناء حركة إيمانية تتجاوز القومية. ولم يشارك النورسي في ثورة 1925، بل تشير روايات أتباعه إلى أنه رفض دعوة الشيخ سعيد إلى الانضمام بحجة أن السيف لا يُرفع في وجه المسلمين.
وتتجاوز دلالة هذا المسار شخص النورسي. فقد صارت الحركة النورسية، ثم الحركات المتفرعة عنها، أوسعَ شبكة دينية تعمل في كردستان الشمالية، وحملت إلى المجتمع الكردي خطابًا يحلّ «الأمة» بمعنى الأمة الإسلامية محلّ الأمة القومية، ويقدّم القضية الكردية بوصفها نتاجًا للعلمانية الكمالية لا للبنية القومية للدولة. وبذلك انتقل المنطق الذي استخدمه إينونو في لوزان — الأخوّة الإسلامية بديلًا عن الحقوق القومية — من خطاب دولة إلى خطاب داخل المجتمع الكردي نفسه، على لسان أبنائه ومشايخه.
الشيخ وسيطًا انتخابيًا
وعلى المستوى الاجتماعي، اكتمل التحول في تركيا مع الانتقال إلى التعددية الحزبية عام 1946 وصعود الحزب الديمقراطي عام 1950. فقد وجدت الأحزاب التركية في عائلات الشيوخ والأغوات الكرد أداةً جاهزة لحصد الأصوات في الشرق، ووجدت هذه العائلات في البرلمان والحزب طريقًا لاستعادة مكانة فقدتها بالقمع.
وصار أبناء عائلات مشيخية شاركت في ثورات العشرينيات والثلاثينيات نوابًا في أحزاب الوسط واليمين التركية.
وهكذا تحوّل الرأسمال الرمزي للشيخ — البركة والشبكة والمكانة — من رأسمال تعبئة ضد الدولة إلى رأسمال وساطة معها.
ولا تعني هذه الوساطة ذوبانًا كاملًا للحس القومي. فعبد الملك فرات، حفيد الشيخ سعيد، دخل البرلمان التركي نائبًا عن حزب الطريق القويم، ثم انشق ليؤسس حزبًا كرديًا طالب بالفدرالية. غير أن هذا المثال نفسه يدل على الاتجاه: الحفيد الذي عاد إلى المطلب القومي عاد إليه في صيغة الفدرالية داخل الدولة، لا في صيغة الجدّ.
الشيوخ في العراق وإيران
وفي العراق تكرّر النمط بصيغة مختلفة. فقد أنتجت المؤسسة الدينية الكردية الحركة البارزانية، التي خرجت من عائلة مشايخ نقشبندية؛ فالشيخ عبد السلام البارزاني أُعدم عام 1914، والشيخ أحمد البارزاني قاد حركات الثلاثينيات، والملا مصطفى البارزاني صار أبرز قائد كردي في القرن العشرين. لكن الملا مصطفى نفسه، على جذوره المشيخية، هو الذي وقّع اتفاق الحادي عشر من آذار 1970 على الحكم الذاتي، أي أن القيادة ذات الأصل الديني–العشائري هي التي ثبّتت صيغة الحكم الذاتي داخل العراق في الجنوب. وفي المقابل، تحالفت عائلات مشيخية وعشائرية أخرى مع بغداد وقادت تشكيلات «الجحوش» ضد الحركة القومية.
وفي إيران، كان القاضي محمد، رئيس جمهورية مهاباد، قاضيًا شرعيًا من أسرة ذات مكانة دينية. غير أن برنامج الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي قاده عام 1945 طالب بالحكم الذاتي للكرد «ضمن حدود الدولة الإيرانية»، لا بالاستقلال. وسنعود إلى هذا البرنامج بوصفه نقطة التقاء بين الإرث الديني والوصاية السوفييتية.
حصيلة دور الشيوخ
يمكن إذن تلخيص دور الشيوخ في التحول من السيادة إلى الحدود في ثلاث نقاط. أولاها أنهم كانوا الحاملَ الأول للمطلب السيادي الحديث بعد سقوط الإمارات، وأن التكية كانت، في مرحلة ما قبل الأحزاب، «الحزب السياسي» الوحيد المتاح. وثانيتها أن المؤسسة الدينية لم تكن كتلة واحدة، وأن صيغة «الأمة الكردية داخل الإطار الجامع» — عثمانيًا ثم إسلاميًا — كانت حاضرة فيها منذ البداية إلى جانب الصيغة الاستقلالية. وثالثتها أن الشبكة المشيخية، بعد هزائم 1925–1938، تحوّلت من بنية تحتية للتعبئة ضد الدولة إلى بنية تحتية لدمج المجتمع الكردي فيها، عبر خطاب الأخوّة الإسلامية من جهة، وعبر الوساطة الانتخابية والزبائنية من جهة أخرى.
والشيخ، في هذا كله، لم يملك نظريةً عن الدولة. كان يتفاوض بشرعيته وشبكته على ما تسمح به اللحظة، فيطالب بمملكة حين تغيب الدولة، ويقبل مقعدًا برلمانيًا حين تعود. أما من امتلك نظريةً صريحة عن الدولة والحدود والأمة، فهو الوارث التالي: اليسار.
اليسار العالمي: من «الشعوب اللاتاريخية» إلى قداسة الحدود الاستعمارية
الأدوات المفاهيمية
المفتاح الأول لفهم الموقف الشيوعي من الكرد ليس الظرف السياسي، بل الأداة المفاهيمية. فقد ورث التقليد الماركسي عن إنجلس مفهوم «الشعوب اللاتاريخية»، أي الشعوب التي لم تبنِ دولةً في الماضي ولا يُنتظر أن تبنيها، والتي يُفترض أن تذوب في الأمم «التاريخية» الكبرى.
وفي مفهوم إنجلس هذا تناقضٌ كبير؛ فهو يصنّف الشعوب وفق معايير النظام القديم الذي يرفضه جملةً، إلا في هذه الجزئية. ثم جاء تعريف ستالين للأمة عام 1913 — جماعة مستقرة تاريخيًا تجمعها لغة وأرض وحياة اقتصادية مشتركة وتكوين نفسي مشترك — ليشترط «وحدة الحياة الاقتصادية». وعلى الرغم من أن مفهومَي إنجلس وستالين لا يمكن تطبيقهما على الكرد، فقد صنّفتهم الأحزاب الشيوعية جماعةً عشائرية إقطاعية مجزّأة لا أمةً مكتملة، ليغدو إنكار الأمة الكردية موقفًا «علميًا» لا شوفينيًا في الظاهر.
ويقابل ذلك مبدأ لينين في حق الأمم في تقرير مصيرها، بما فيه حق الانفصال. غير أن التطبيق أخضع هذا المبدأ دائمًا لحساب مزدوج: هل يخدم انفصال هذه الأمة الثورةَ أم يخدم الإمبريالية؟ وفي الشرق الأوسط، حيث كانت الدول المقسِّمة لكردستان — تركيا الكمالية ثم العراق وسوريا البعثيان وإيران في لحظات معينة — مصنّفةً «قوى وطنية معادية للإمبريالية»، كان الجواب محسومًا سلفًا: المطلب الكردي يخدم الإمبريالية.
الكومنترن والكمالية: المعيار المزدوج بلغة ماركسية
قدّمت العلاقة السوفييتية–الكمالية في العشرينيات النموذجَ المؤسِّس لهذا المنطق. فقد رأى الكرملين في أنقرة حليفًا استراتيجيًا في مواجهة بريطانيا وفرنسا، وقدّم لها دعمًا ماليًا وعسكريًا كبيرًا خلال حرب الاستقلال، وغضّ الطرف عن قمعها الداخلي، بما في ذلك قمع الشيوعيين الترك أنفسهم، وفي مقدمته مقتل مصطفى صبحي ورفاقه في البحر الأسود عام 1921. وحين اندلعت ثورة الشيخ سعيد، قُرئت في الخطاب الشيوعي الرسمي — السوفييتي والتركي — تمردًا إقطاعيًا–دينيًا رجعيًا تحرّكه بريطانيا لانتزاع الموصل وإضعاف الجمهورية «التقدمية».
وتنطوي هذه القراءة على مفارقة لافتة: فقانون «تقرير السكون» الذي صدر في آذار 1925 لسحق الثورة الكردية هو نفسه الذي استُخدم لإغلاق الصحافة اليسارية واعتقال قيادات الحزب الشيوعي التركي وحظره.
فاليسار الذي تبنّى سردية الدولة عن «رجعية» الكرد، وقع ضحيةً للأداة القانونية ذاتها التي صُنعت لقمعهم.
وهذا نمط سيتكرر في العراق عام 1978–1979، وفي إيران بعد 1983.
كردستان الحمراء ومهاباد: الاعتراف داخل الحدود فقط
وكان السجل السوفييتي تجاه الكرد متناقضًا بحدّة. فقد أنشأت موسكو «كردستان الحمراء»، وحدةً إدارية كردية في أذربيجان السوفييتية بين 1923 و1929، ورعت في أرمينيا السوفييتية أبجدية كردية لاتينية وصحيفة «ريا تازە» عام 1930 وإذاعة كردية في يريفان ومدارس ودراسات كردولوجية. ثم ألغت الوحدة الكردية، ورحّلت الكرد ممّا وراء القوقاز إلى آسيا الوسطى عام 1937 ثم 1944. فالاتحاد السوفييتي اعترف بالكرد «قوميةً» داخل حدوده، ورفض الاعتراف بحراكهم عبر الحدود كلما تعارض مع علاقته بأنقرة أو طهران أو بغداد.
وبلغ هذا الازدواج ذروته في مهاباد. فحين دخل الجيش الأحمر شمال إيران خلال الحرب العالمية الثانية، رعت موسكو قيام الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1945 ثم جمهورية كردستان في كانون الثاني 1946، وتحالفت من غير تردد أيديولوجي مع القاضي محمد، القاضي الشرعي، ومع الملا مصطفى البارزاني، ابن العائلة النقشبندية. وسقطت مؤقتًا مقولة «الرجعية الإقطاعية» ليصير هؤلاء «وطنيين مكافحين ضد الإمبريالية». ثم انسحب السوفييت في ربيع 1946 مقابل وعد بامتياز نفطي إيراني لم يصدّق عليه البرلمان الإيراني أصلًا، فسقطت الجمهورية في كانون الأول، وأُعدم القاضي محمد في آذار 1947.
والأهم من سقوط الجمهورية، بالنسبة إلى موضوع الدراسة، هو برنامجها. فالحزب الذي نشأ تحت الوصاية السوفييتية لم يطالب بالاستقلال، بل بالحكم الذاتي داخل حدود الدولة الإيرانية، وقد رفض القاضي محمد صراحةً فكرة الانفصال. وهنا تلتقي الطبقتان: إرثٌ ديني–أعياني لم يملك نظرية للدولة، ووصاية سوفييتية تملك نظريةً صريحة تجعل الحكم الذاتي داخل الدولة القائمة هو الحل «الصحيح» للمسألة القومية. ومن مهاباد خرجت الصيغة التي ستصير سقفًا دائمًا للحركة الكردية في إيران والعراق: الحكم الذاتي، لا الاستقلال. ويبقى الدرس الذي استخلصه الكرد من الانسحاب السوفييتي — أن الدعم الشيوعي دالّة في علاقة موسكو بالعاصمة المعنية لا في عدالة القضية — ثابتًا في الذاكرة السياسية الكردية.
الحرب الباردة: الكرد في الجهة الخطأ من الخريطة
وتكرّر النمط في العراق. فبعد انقلاب 1958 استضاف عبد الكريم قاسم البارزاني العائد من منفاه السوفييتي، ونصّ الدستور المؤقت على أن العرب والكرد «شركاء في هذا الوطن». لكن حين انتقل البعث إلى التحالف مع موسكو، ووقّع معها معاهدة الصداقة والتعاون عام 1972، ودخل الحزب الشيوعي العراقي معه في «الجبهة الوطنية والقومية التقدمية» عام 1973، وجدت الحركة الكردية نفسها في الجهة المقابلة لليسار العالمي. وحين تجدد القتال عام 1974، كانت الأسلحة السوفييتية في يد الجيش العراقي، وكان الدعم الوحيد المتاح للبارزاني يأتي من شاه إيران والولايات المتحدة وإسرائيل — وهو الدعم الذي انقطع فجأة باتفاق الجزائر في آذار 1975.
وأنتج هذا الاصطفاف حلقةً مفرغة. فكلما اضطرت الحركة الكردية، في غياب أي حليف آخر، إلى قبول دعم من المعسكر الغربي أو من قوى إقليمية معادية للدولة التي تواجهها، صار ذلك دليلًا في الأدبيات اليسارية على «عمالتها للإمبريالية»؛ وكلما وُصمت بالعمالة ازدادت عزلتها عن اليسار. وفي هذه الحلقة، لم يكن أمام أي فصيل كردي يريد مكانًا في المعسكر «التقدمي» إلا أن يثبت براءته من «الانفصال» — أي من الاستقلال.
عقيدة تصفية الاستعمار: قداسة الحدود الاستعمارية
غير أن الإسهام الأعمق لليسار العالمي في إغلاق الأفق السيادي الكردي لم يأتِ من موسكو وحدها، بل من حركة التحرر الوطني العالمية نفسها. فقد أرسى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 لعام 1960 حق الشعوب المستعمَرة في الاستقلال، لكنه نصّ في الفقرة ذاتها على أن أي محاولة تستهدف التمزيق الجزئي أو الكلي للوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية لبلدٍ ما تتنافى مع مقاصد الميثاق. وحصر القرار 1541 الصادر في اليوم التالي صفة الإقليم المستعمَر في الأقاليم المنفصلة جغرافيًا عن الدولة المستعمِرة والمتمايزة عنها إثنيًا أو ثقافيًا — وهو ما عُرف بـ«مبدأ المياه المالحة». ثم تبنّت منظمة الوحدة الأفريقية في قمة القاهرة عام 1964 التزام الدول الأعضاء باحترام الحدود القائمة عند نيل الاستقلال، أي الحدود التي رسمها الاستعمار.
وتكمن المفارقة الكبرى هنا: فحركات التحرر المعادية للاستعمار، ومعها اليسار العالمي الذي ساندها، حوّلت الحدود التي رسمها الاستعمار إلى حدود مقدّسة.
صار تقرير المصير حقًا للشعوب داخل الأقاليم الاستعمارية بحدودها الموروثة، لا حقًا للشعوب التي قسّمتها تلك الحدود. وبما أن كردستان مقسّمة بين دول متجاورة برًّا، لا مفصولة عن «مركز» بحر، فقد سقطت خارج تعريف المستعمرة كليًا. وهكذا وجد الكرد أنفسهم أمام نظام دولي، شارك اليسار العالمي في صياغة شرعيته الأخلاقية، يعدّ نضال الجزائري أو الفيتنامي تحررًا وطنيًا، ويعدّ نضال الكردي «انفصالًا» يهدد وحدة دول «تقدمية». وهذا بالضبط ما قصده بيشيكجي بوصف كردستان «مستعمرةً دولية»: مستعمرة لا يعترف النظام الدولي حتى بكونها مستعمرة.
اليسار الجديد وروجافا: تمجيد اللادولة
ولم ينتهِ هذا الدور بنهاية الحرب الباردة، بل تبدّل شكله. فبعد تحوّل أوجلان في السجن نحو أفكار موراي بوكتشين عن البلدية التحررية والإيكولوجيا الاجتماعية، ثم إعلان «الكونفدرالية الديمقراطية» عام 2005، وبعد تجربة الإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها منذ 2012–2014، احتضن قسم واسع من اليسار الغربي الجديد التجربةَ الكردية بوصفها نموذجًا ثوريًا عالميًا: ديمقراطية مباشرة، وتحرر المرأة، وإيكولوجيا، و— وهذا هو الجوهري — رفض الدولة القومية.
ويكشف هذا الاحتضان عن الوجه الجديد للمعيار القديم. فاليسار الذي احتفى باللادولة الكردية في روجافا هو نفسه الذي وقف، في قسمه الأغلب، موقف الريبة أو العداء من استفتاء إقليم كردستان العراق على الاستقلال في أيلول 2017، وقدّمه مشروعًا عشائريًا لعائلة بارزاني أو أداةً أمريكية–إسرائيلية.
فالكردي الذي يطالب بدولة «قومي رجعي»، والكردي الذي يتخلى عن الدولة «ثوري تقدمي». وبهذا لم يعد اليسار العالمي يكتفي بعدّ الاستقلال الكردي خطرًا على «الدول التقدمية»، بل صار يعدّه، في ذاته، خيارًا أدنى أخلاقيًا. إنه تضامن انتقائي: يتضامن مع الكرد بقدر ما يتخلّون عن المطلب الذي يجعلهم أمةً كسائر الأمم.
اليسار الكردي: التحديث بوصفه تنازلًا
قنوات الدخول
لم تصل الماركسية إلى كردستان عبر مصنع ولا طبقة عاملة، لأن أيًّا منهما لم يكن موجودًا بالحجم الكافي. وصلت عبر قنوات تمرّ كلها بمركز الدولة الحاكمة: المدرسة والجامعة في بغداد وأنقرة وطهران ودمشق، حيث تعلّم الكردي الذي أُرسل ليصير معلّمًا أو ضابطًا أو طبيبًا لغةَ التحليل الاجتماعي؛ والسجن السياسي، في العراق الملكي ثم البعثي وفي سجن ديار بكر العسكري بعد انقلاب 1980، حيث أدّى وظيفة المدرسة الحزبية؛ والشبكة السوفييتية عبر يريفان وإذاعتها والبعثات الدراسية؛ وموجة العالم الثالث في الستينيات والسبعينيات، بما فيها تدريب كوادر كردية في معسكرات المقاومة الفلسطينية في لبنان وسوريا؛ والمهجر الأوروبي، حيث طُبع ما لا يمكن طبعه في الداخل.
والملاحظة الجوهرية هنا، من منظور علم اجتماع المعرفة، أن الكرد قرأوا ماركس ولينين وماو وفانون بلغات الدول التي تحكمهم — بالتركية والعربية والفارسية — لا بالكردية. فالأداة التي وُعد بها التحرر وصلت مصبوبةً في قالب لغوي وإطار مفاهيمي أنتجه المركز، ومعها وصلت الخريطة الضمنية لذلك المركز: «العراق» و«تركيا» و«إيران» بوصفها وحدات تحليل طبيعية، و«الثورة العراقية» و«الثورة الإيرانية» بوصفها الأفق الذي تنتظر فيه كردستان دورها. فلم يكن الكادر الكردي اليساري يتبنّى أيديولوجيا فحسب، بل يتبنّى معها جغرافيا سياسية.
الحرب على القيادة التقليدية
كان اليسار يحتاج، ليحتلّ موقع القيادة، أن يُخلي شاغله. وقد جرى ذلك عبر عملية مزدوجة. فعلى المستوى النظري، صُنّف الأغا والبك والشيخ في خانة «الإقطاع» و«الكومبرادور» و«العملاء»، وصار الانتماء العشائري دليل تخلّف لا شكلَ تنظيم. وتكفّلت اللغة الماركسية بما عجز عنه الخطاب القومي: تحويل الخصم الداخلي من منافس على القيادة إلى عدوّ طبقي. وعلى المستوى العملي، جرت الإزاحة في كل جزء بطريقته: في العراق عبر الانقسام داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ 1964 بين جناح إبراهيم أحمد وجلال الطالباني ذي النزعة اليسارية المدينية وقيادة البارزاني ذات القاعدة العشائرية، ثم تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 بمكوّنات ماركسية صريحة؛ وفي إيران عبر كومەڵە التي نفّذت بعد 1979 إصلاحًا زراعيًا فعليًا ودخلت في صراع مع الحزب الديمقراطي الكردستاني–إيران على الخط الطبقي نفسه؛ وفي تركيا عبر حزب العمال الكردستاني الذي واجه منذ 1979 عائلات الأغوات المتحالفة مع الدولة، فردّت الدولة بتسليح العشائر نفسها في نظام «حرّاس القرى» عام 1985، فصار الانقسام الطبقي الداخلي خطَّ تماسٍّ عسكريًا تديره أنقرة.
وما جرى في هذه العملية ليس استبدال قيادة بقيادة، بل تغيير في طبيعة الرأسمال الذي يُشترى به حقّ الكلام باسم الأمة: انتقل من الرأسمال الموروث — النسب والأرض والبركة — إلى الرأسمال الأيديولوجي: النص والحزب والسجن والشهادة. ومن أخفق في التحوّل أُزيح. غير أن الرأسمال الجديد جاء بشرط لم يكن للقديم: أن يُصرف داخل حقل سياسي دولتي بعينه.
الشعار: الديمقراطية للدولة والحكم الذاتي لكردستان
هنا يقع جوهر المسألة. فقد ورث اليسار الكردي عن التقليد الشيوعي صيغةً محددة لحلّ «المسألة القومية»: الحكم الذاتي داخل الدولة القائمة، لا الانفصال عنها. وتحوّلت هذه الصيغة، التي كانت في الأصل حلًّا سوفييتيًا لإدارة القوميات داخل الاتحاد، إلى سقف سياسي دائم. والدليل الأوضح هو الشعار نفسه، بصيغتيه المتطابقتين بنيويًا:
«الديمقراطية للعراق، والحكم الذاتي لكردستان»
«الديمقراطية لإيران، والحكم الذاتي لكردستان»
هذا الشعار ليس صيغة تحالف فحسب، بل إعلانُ تبعية: فهو يجعل مصير كردستان دالّةً في تطوّر النظام السياسي للدولة الحاكمة، فلا يتحرر الكرد إلا بقدر ما يتحرر مركزٌ لم يختاروه. وهو يفترض، ضمنًا، أن الحدود معطى نهائي، وأن المتغيّر الوحيد هو شكل الحكم داخلها. والكلمة المفتاحية فيه ليست «الحكم الذاتي» بل حرف الجر المضمر: الحكم الذاتي لكردستان «في» العراق، و«في» إيران. فكردستان لا تظهر في الشعار إلا بوصفها جزءًا من دولة أخرى.
ثلاث آليات لترسيخ الحدود
وقد تضافرت ثلاث آليات لتحويل هذه الصيغة من تكتيك إلى أفق.
الآلية الأولى هي حجّة «الحدود المصطنعة». فقد قال اليسار إن حدود سايكس–بيكو صنيعة إمبريالية ستزول مع زوال الإمبريالية، وإن النضال من أجل حدود جديدة نضالٌ برجوازي يستبدل تقسيمًا بتقسيم. والنتيجة العملية كانت معاكسة تمامًا للمقدمة: لأن الحدود «زائفة» لم يُطالَب بتغييرها، فبقيت. لقد أجّل اليسار سؤال الحدود إلى ما بعد الثورة العالمية، فتولّت الدول القائمة الإجابة عنه في الأثناء.
الآلية الثانية هي التنظيم داخل الحقل السياسي للدولة. فكل حزب كردي يساري نشأ داخل حقل سياسي واحد: عراقي أو تركي أو إيراني أو سوري. فتبنّى دستور تلك الدولة مرجعًا، وتقويمها السياسي إيقاعًا، ولغتها لغةً للمخاطبة، وتحالفاتها الداخلية أفقًا. وهكذا لم يكتفِ اليسار بقبول التقسيم، بل أعاد إنتاجه في بنيته التنظيمية: أربع دول، أربعة أحزاب، أربعة برامج، وأربع لحظات تاريخية لا تتزامن. وإذا كان الشيخ عبيد الله قد تحرّك عام 1880 عابرًا الحدود العثمانية–القاجارية بشبكة واحدة، فإن الحركة الكردية في القرن العشرين صارت تتحرك داخل الحدود، وكثيرًا ما تتقاتل أجزاؤها عبرها.
الآلية الثالثة هي الانتقال القانوني الصامت. فحين تُصاغ المطالب بلغة «الحقوق الثقافية» و«الاعتراف الدستوري» و«حقوق الأقليات»، ينتقل الملف من إطار تقرير المصير — حيث الكرد ذاتٌ في القانون الدولي — إلى إطار حماية الأقليات، حيث هم موضوعٌ لتشريع الدولة ومنّةٍ منها. وهنا تبلغ المفارقة أشدّ صورها: شعبٌ يشكّل الأغلبية في أرضه التاريخية يقبل تعريف نفسه أقليةً، لأن وحدة القياس صارت الدولة لا الوطن.
حزب العمال الكردستاني: رفع السقف ثم خفضه
غير أن تتبّع مسار حزب العمال الكردستاني يعقّد الصورة بطريقة مفيدة. فقد خرج الحزب عام 1978 من رحم اليسار الثوري التركي، لا ضد الماركسية بل عبرها، وجاء برنامجه التأسيسي ليصف كردستان صراحةً بأنها مستعمرة، ويدعو إلى ثورة تحرر وطني تُفضي إلى كردستان مستقلة موحدة ديمقراطية. وكان ذلك خطابًا أكثر جذرية مما قالته أي قيادة كردية منذ خويبون. فاليسار هو الذي أعاد التحليل الاستعماري إلى قلب الخطاب الكردي، بعد أن غاب عنه نصف قرن.
ثم بدأ المسار العكسي. ففي التسعينيات أخذ الحزب يطرح صيغًا فدرالية ويتحدث عن حلّ داخل حدود تركيا، ثم بعد اعتقال أوجلان عام 1999 تخلّى صراحةً عن هدف الدولة المستقلة لصالح «الجمهورية الديمقراطية»، ثم «الكونفدرالية الديمقراطية» و«الأمة الديمقراطية» التي أُعلنت عام 2005، والتي تقوم على أن الدولة القومية ذاتها هي مصدر المشكلة. وانتهى المسار في شباط 2025 بنداء أوجلان إلى حلّ الحزب، الذي استبعد صراحةً الدولة المنفصلة والفدرالية والحكم الذاتي معًا، ثم بقرار المؤتمر الثاني عشر حلَّ الحزب في أيار 2025.
وفي سوريا، أصرّت الإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها، حتى في ذروة قوتها العسكرية، على التأكيد المتكرر بأنها لا تسعى إلى الانفصال وأنها ملتزمة بوحدة الأراضي السورية، ونصّ عقدها الاجتماعي على أن النظام الذي تقترحه جزءٌ من سوريا الديمقراطية. ثم جاء اتفاق العاشر من آذار 2025 بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس الانتقالي أحمد الشرع ليؤكد وحدة الأراضي السورية ورفض التقسيم ويقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة. وقد آلت التجربة بعد ذلك، في عام 2026، إلى انحسار الإدارة الذاتية أمام سلطة دمشق، حتى وصل الأمر إلى إلغاء التعليم باللغة الأم.
فالأطروحة تكون أدقّ إذن إن قالت: اليسار الكردي رفع السقف ثم خفضه، لا إنه كان منخفض السقف منذ البداية. لقد جاء بالتحليل الاستعماري وبمطلب كردستان الموحدة المستقلة، ثم تخلّى عنهما، لا إلى الحكم الذاتي فحسب، بل إلى رفض الدولة من حيث المبدأ. وبهذا اكتسب التنازل عن السيادة، لأول مرة، صفةً نظرية وأخلاقية: لم يعد تسليمًا اضطراريًا بموازين القوة، بل صار موقفًا «متقدمًا» يتجاوز الدولة القومية بوصفها شكلًا «رجعيًا». وهنا يلتقي اليسار الكردي باليسار العالمي الجديد في تمجيد اللادولة، كما التقى اليسار الكردي القديم بالسوفييت في صيغة الحكم الذاتي.
اعتراضات على الأطروحة
الأمانة المنهجية تقتضي تسجيل ما يُضعف الحجة، لا الاكتفاء بما يقوّيها.
الاعتراض الأول: القيادة التقليدية قبلت الحكم الذاتي أيضًا. فالشيخ عبد القادر النهري طالب بالحكم الذاتي داخل الدولة العثمانية عام 1918–1919، والشيخ محمود ساوم البريطانيين مرارًا، والقاضي محمد طالب بالحكم الذاتي داخل إيران، والملا مصطفى البارزاني وقّع اتفاق آذار 1970 على الحكم الذاتي لا الاستقلال، وقبل الحزب الديمقراطي الكردستاني الدستور الاتحادي العراقي عام 2005. فالتنازل عن السيادة ليس اختراعًا يساريًا، بل سلوك عام فرضته موازين القوى. والرد على هذا الاعتراض أن الدراسة لا تدّعي أن اليسار اخترع صيغة الحكم الذاتي، بل إنه حوّلها من تسوية اضطرارية إلى نظرية صحيحة للحل، ومن سلوك ظرفي إلى سقف مبدئي. فالشيخ الذي قبل الحكم الذاتي كان يقبله بوصفه ما يسمح به الظرف؛ أما الكادر الذي تبنّاه فكان يتبنّاه بوصفه الحل «العلمي» للمسألة القومية.
الاعتراض الثاني: اليسار وحده أعاد مفهوم «المستعمرة». فالبرنامج التأسيسي لحزب العمال الكردستاني وصف كردستان بأنها مستعمرة ودعا إلى دولة موحدة مستقلة، وبيشيكجي نفسه — صاحب أطروحة المستعمرة الدولية — كان عالم اجتماع ذا تكوين يساري. وقد استوعبت الدراسة هذا الاعتراض في صيغتها المعدّلة: اليسار رفع السقف ثم خفضه.
الاعتراض الثالث: الانقسام في الحركة الكردية السورية عام 1965 يسير في الاتجاه المعاكس. فقد انقسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا إلى جناح يساري بقيادة عثمان صبري يرى الكرد «شعبًا يريد حقوقه القومية وتقرير مصيره»، وجناح يميني يرى الكرد «أقليةً تطالب بحقوق ثقافية محدودة». فهنا كان اليسار هو من تمسّك بلغة الشعب وتقرير المصير، واليمين هو من تبنّى لغة الأقلية. وهذا اعتراض جدي يفرض تقييد الأطروحة: فالعامل الحاسم ليس الانتماء اليساري بذاته، بل العلاقة بالتقليد الشيوعي الرسمي وبالمعسكر السوفييتي وحلفائه في العواصم. فاليسار الكردي المستقل عن الأحزاب الشيوعية الرسمية كان أقدر على الاحتفاظ بلغة تقرير المصير من اليسار المندمج فيها أو المتحالف معها. ويؤكد ذلك المثال المقابل: خالد بكداش، الكردي الأصل وزعيم الحزب الشيوعي السوري لعقود، الذي أخضع المسألة الكردية لأولوية التحالف مع القومية العربية والاتحاد السوفييتي.
الاعتراض الرابع: استفتاء عام 2017 أجراه الحزب الأكثر محافظةً وارتباطًا بالبنية العشائرية، بينما عارضته أو تحفّظت عليه قوى خرجت من رحم التقليد اليساري، كحركة التغيير، وانقسم حوله الاتحاد الوطني الكردستاني، وجاء انسحاب قواته من كركوك في تشرين الأول 2017 ليُفرغ نتيجته من مضمونها. وهي مفارقة تدعم الأطروحة ظاهريًا، لكنها تعقّدها أيضًا، إذ يصير المعيار الحاسم موقعَ الحزب من السلطة والجغرافيا والموارد، لا أيديولوجيته وحدها.
الاعتراض الخامس: القيادة التقليدية كانت قد هُزمت فعلًا في 1880 و1925 و1930 و1938. فاليسار لم يُزح قيادةً منتصرة، بل ملأ فراغًا أنتجته هزائم سابقة عليه، وأنتجه الإغلاق الدولي في لوزان والموصل قبل أن يولد أي حزب كردي يساري. والرد أن الدراسة لا تحمّل اليسار مسؤولية الهزيمة، بل مسؤولية تحويل نتيجتها إلى نظرية.
نموذج تفسيري: ثلاث طبقات للتحول
في ضوء ما سبق، يمكن صياغة التحول من السيادة إلى الحدود في نموذج من ثلاث طبقات متراكبة، لا تعمل أيٌّ منها وحدها.
الطبقة الأولى هي الإغلاق الدولي. فقد ألغت لوزان الاعتراف الذي تضمّنته سيفر، ورسم قرار الموصل الحدود النهائية في الجنوب، ثم جاءت عقيدة تصفية الاستعمار في الستينيات لتقدّس الحدود الموروثة وتحصر تقرير المصير في المستعمرات البحرية. وقد أنتجت هذه الطبقة الشروط الموضوعية: أي مطلب كردي بتغيير الحدود صار، قانونيًا ودوليًا، «انفصالًا» غير مشروع.
الطبقة الثانية هي انتقال حامل التمثيل. فقد انتقل حقّ الكلام باسم الأمة من الأمير إلى الشيخ إلى الكادر. حمل الأمير سيادةً بلا نظرية، وحمل الشيخ أفقًا كيانيًا بلا نظرية دولة، ثم تحوّلت شبكته بعد الهزيمة إلى قناة دمج؛ وحمل الكادر نظريةً صريحة للدولة، لكنها نظرية تجعل الدولة القائمة إطارًا والحكم الذاتي داخلها حلًّا. وفي كل انتقال تغيّر شكل المطلب، لا حجمه فقط.
الطبقة الثالثة هي تحويل وحدة القياس. فقد أعاد الخطاب اليساري، بلغات الدول الحاكمة وعبر مؤسساتها التعليمية والسجنية والحزبية، تعريفَ الإطار الذي يُفكَّر فيه سياسيًا: من كردستان بوصفها وطنًا مقسّمًا إلى العراق وتركيا وإيران وسوريا بوصفها وحدات تحليل طبيعية. ومتى صارت الدولة هي وحدة القياس، صار الكرد أقليةً حتمًا، مهما كانوا أغلبية في أرضهم.
وتلتقي هذه الطبقات الثلاث في مفارقة واحدة: إن المؤسسات التي زوّدت القومية الكردية ببنيتها التحتية هي نفسها التي رسمت سقفها. فالتكية أنتجت أول خطاب كردي باسم الأمة، ثم صارت قناة لتذويبه في الأخوّة الإسلامية. واليسار أنتج الكادر الكردي الحديث والتحليل الاستعماري، ثم حوّل التنازل عن السيادة إلى موقف نظري متقدّم. والدين والشيوعية، على تناقضهما، أدّيا في كردستان الوظيفة ذاتها: مؤسسةٌ تحجب الهوية القومية بوصفها غاية سياسية، وتزوّدها في الآن نفسه بأدواتها.
خاتمة
بدأ هذا المسار بشيخ صوفي يكتب عام 1880 أن الكرد شعبٌ قائم بذاته يريد أن تكون شؤونه في يده، وانتهى بحزب ماركسي المنشأ يعلن عام 2025 أن الدولة المنفصلة ليست حلًّا. وبين الوثيقتين لم تتغير موازين القوة وحدها، بل تغيّر معنى المطلب نفسه، ومعه موقع الكرد من القانون ومن الخريطة.
لقد أدّى الشيوخ في هذا المسار دورين متعاقبين. في الدورة الأولى، من عبيد الله إلى السيد رضا، كانوا حملةَ المطلب الكياني وبنيته التحتية الوحيدة المتاحة، في زمن لم تكن فيه أحزاب ولا طبقات حديثة. وبعد الهزيمة، تحوّلت شبكاتهم إلى قنوات تعبر بها الدولة إلى المجتمع الكردي، سواء عبر خطاب الأخوّة الإسلامية الذي حوّل حجّة لوزان إلى خطاب داخلي، أو عبر الوساطة الانتخابية التي جعلت من أحفاد الثوار نوابًا في أحزاب الدولة. ولم يكن الشيخ في أيٍّ من الدورين قوميًا متخفيًا ولا رجعيًا خالصًا؛ كان فاعلًا اجتماعيًا يتفاوض بشرعيته على ما تسمح به اللحظة.
وأدّى اليسار العالمي دورًا مركّبًا: فقد أمدّ الإنكار بأدوات «علمية» منذ «الشعوب اللاتاريخية» وتعريف ستالين للأمة، وجعل دعمه للكرد دالّةً في علاقات موسكو بالعواصم، وقدّس — عبر مشاركته في حركة تصفية الاستعمار — الحدود التي رسمها الاستعمار نفسه، ثم عاد في صيغته الجديدة ليحتفي باللادولة الكردية ويرتاب في الدولة الكردية. وأدّى اليسار الكردي الدور الأكثر تناقضًا: فقد أنتج الكادر الحديث، وأعاد التحليل الاستعماري إلى قلب الخطاب القومي، وطالب في لحظة بكردستان مستقلة موحدة؛ لكنه، بتنظيمه داخل الحقول السياسية للدول الأربع وبتبنّيه صيغة «الديمقراطية للدولة والحكم الذاتي لكردستان»، ثم بانتقاله إلى نقد الدولة من حيث المبدأ، حوّل الاعتراف بالحدود من تسليم اضطراري إلى قناعة نظرية.
وهكذا أنتج التحديث السياسي الكردي مفارقته الكبرى: القيادة الأكثر حداثةً وتنظيمًا وقدرةً على التعبئة هي نفسها التي نقلت المطلب الكردي من سؤال السيادة إلى سؤال الحقوق. ولا يعني ذلك أن الطريق الآخر كان مفتوحًا؛ فالإغلاق الدولي كان سابقًا على اليسار وأقوى منه.
لكنه يعني أن ما يبدو اليوم حدودًا طبيعية للخيال السياسي الكردي، هو في الحقيقة نتاج تاريخي لتراكب الهزيمة العسكرية والإغلاق القانوني والتحوّل المعرفي.
وما هو نتاج تاريخي يمكن، من حيث المبدأ، أن يُعاد التفكير فيه. وأول شروط إعادة التفكير هذه أن يُستعاد السؤال الذي طرحه الشيخ عبيد الله قبل قرن ونصف، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل بوصفه سؤالًا عن وحدة القياس: هل الكرد شعبٌ له وطن مقسّم، أم أقلياتٌ في أربع دول؟
المصادر والمراجع
Beşikçi, İsmail. Devletlerarası Sömürge Kürdistan. Istanbul: Alan Yayıncılık, 1990.
Batatu, Hanna. The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. Princeton: Princeton University Press, 1978.
Biehl, Janet. "Bookchin, Öcalan, and the Dialectics of Democracy." New Compass, 2012.
Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Edited by John B. Thompson. Translated by Gino Raymond and Matthew Adamson. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991.
Bozarslan, Hamit. "Some Remarks on Kurdish Historiographical Discourse in Turkey (1919–1980)." In Essays on the Origins of Kurdish Nationalism, edited by Abbas Vali, 14–39. Costa Mesa, CA: Mazda Publishers, 2003.
Eagleton, William, Jr. The Kurdish Republic of 1946. London: Oxford University Press, 1963.
Fawcett, Louise L Estrange. Iran and the Cold War: The Azerbaijan Crisis of 1946. Cambridge: Cambridge University Press, 1992.
Ghareeb, Edmund. The Kurdish Question in Iraq. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1981.
Ghassemlou, A. R. Kurdistan and the Kurds. Prague: Czechoslovak Academy of Sciences London: Collet s, 1965.
Gökay, Bülent. Soviet Eastern Policy and Turkey, 1920–1991. London: Routledge, 2006.
Gunter, Michael M. Historical Dictionary of the Kurds. 2nd ed. Lanham, MD: Scarecrow Press, 2011.
Gunter, Michael M. The Kurds in Turkey: A Political Dilemma. Boulder, CO: Westview Press, 1990.
Hassanpour, Amir. Nationalism and Language in Kurdistan, 1918–1985. San Francisco: Mellen Research University Press, 1992.
Ismael, Tareq Y. The Rise and Fall of the Communist Party of Iraq. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.
Jongerden, Joost. The Settlement Issue in Turkey and the Kurds: An Analysis of Spatial Policies, Modernity and War. Leiden: Brill, 2007.
Jwaideh, Wadie. The Kurdish National Movement: Its Origins and Development. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2006.
Kajjo, Sirwan, and Christian Sinclair. "The Evolution of Kurdish Politics in Syria." Middle East Report Online, 31 August 2011.
Knapp, Michael, Anja Flach, and Ercan Ayboğa. Revolution in Rojava: Democratic Autonomy and Women s Liberation in Syrian Kurdistan. London: Pluto Press, 2016.
Koohi-Kamali, Farideh. The Political Development of the Kurds in Iran: Pastoral Nationalism. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2003.
League of Nations. Question of the Frontier between Turkey and Iraq: Report Submitted to the Council by the Commission Instituted by the Council Resolution of September 30th, 1924. C.400.M.147.1925.VII. Geneva, 1925.
Lenin, V. I. "The Right of Nations to Self-Determination" (1914). In Collected Works, vol. 20. Moscow: Progress Publishers, 1972.
Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. Translated by Louis Wirth and Edward Shils. London: Routledge & Kegan Paul, 1936.
Marcus, Aliza. Blood and Belief: The PKK and the Kurdish Fight for Independence. New York: New York University Press, 2007.
Mardin, Şerif. Religion and Social Change in Modern Turkey: The Case of Bediüzzaman Said Nursi. Albany: SUNY Press, 1989.
McDowall, David. A Modern History of the Kurds. 3rd rev. ed. London: I.B. Tauris, 2004.
Öcalan, Abdullah. Democratic Confederalism. London: Transmedia Publishing, 2011.
Olson, Robert. The Emergence of Kurdish Nationalism and the Sheikh Said Rebellion, 1880–1925. Austin: University of Texas Press, 1989.
Özcan, Ali Kemal. Turkey s Kurds: A Theoretical Analysis of the PKK and Abdullah Öcalan. London: Routledge, 2006.
Özoğlu, Hakan. Kurdish Notables and the Ottoman State: Evolving Identities, Competing Loyalties, and Shifting Boundaries. Albany: SUNY Press, 2004.
Roosevelt, Archie, Jr. "The Kurdish Republic of Mahabad." Middle East Journal 1, no. 3 (1947): 247–269.
Rosdolsky, Roman. Engels and the "Nonhistoric" Peoples: The National Question in the Revolution of 1848. Translated by John-Paul Himka. Glasgow: Critique Books, 1986.
Shields, Sarah. "Mosul, the Ottoman Legacy and the League of Nations." International Journal of Contemporary Iraqi Studies 3, no. 2 (2009): 217–230.
Stalin, J. V. "Marxism and the National Question" (1913). In Works, vol. 2. Moscow: Foreign Languages Publishing House, 1953.
Tejel, Jordi. Syria s Kurds: History, Politics and Society. London: Routledge, 2009.
Tejel Gorgas, Jordi. Le mouvement kurde de Turquie en exil. Bern: Peter Lang, 2007.
Tunçay, Mete. Türkiye de Sol Akımlar (1908–1925). Ankara: Bilgi Yayınevi, 1967.
Van Bruinessen, Martin. Agha, Shaikh and State: The Social and Political Structures of Kurdistan. London: Zed Books, 1992.
Van Bruinessen, Martin. "Between Guerrilla War and Political Murder: The Workers Party of Kurdistan." Middle East Report, no. 153 (1988): 40–46.
Van Bruinessen, Martin. "Popular Islam, Kurdish Nationalism and Rural Revolt: The Rebellion of Shaikh Said in Turkey (1925)." In Religion and Rural Revolt, edited by János M. Bak and Gerhard Benecke, 281–295. Manchester: Manchester University Press, 1984.
Wahlbeck, Östen. Kurdish Diasporas: A Comparative Study of Kurdish Refugee Communities. Basingstoke: Macmillan, 1999.
#ايبرام_كفن_سويان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟