ايبرام كفن سويان
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دراسة حول التسمية بوصفها أداة للسلطة وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية
الملخص
تتقصى هذه الدراسة الآليات السوسيو-سياسية لإعادة التسمية الجغرافية (العنف الطوبونيمي) والمحو الرمزي في شرق البحر الأبيض المتوسط، مع التركيز المفهومي على الجغرافيا الكردية. وبالاستناد إلى الأطر النظرية لميشيل فوكو، وبيير بورديو، وعبد الله القصيمي، وعبد الله أوجلان، يُفكك البحث الكيفية التي وظّفت بها الدول القومية – وتحديداً المنظومات الأيديولوجية العربية القومية، والكمالية في تركيا، والمركزية الإيرانية الحديثة – الهندسة اللغوية لإخضاع الفضاءات المتنازع عليها، وفرض السيادة، وإنتاج الشرعية السياسية.
وعبر تفكيك الاستراتيجيات المؤسسية للتتريك (Turkification)، والفيرسة (Persianization)، والتعريب (Arabization)، تُظهر الدراسة أن التعديلات الطوبونيمية لا تمثل إجراءات إدارية محايدة، بل تعمل كميكانيزمات سياسية-حيوية (Biopolitics) تهدف إلى تجريف الذاكرة التاريخية للمجتمعات الأصيلة. كما ترصد الدراسة استراتيجيات المقاومة الوجودية التي طوّرها المجتمع الكردي لمواجهة المحو اللغوي، والتي تتدرج من الازدواجية الدلالية والأرشفة الشفوية (كتقاليد الـ Dengbêj)، وصولاً إلى إعادة الصياغة البنيوية للهوية والمكان عبر نموذج “الكونفدرالية الديمقراطية”.
وباستقراء الديناميكيات الجيوسياسية الراهنة حتى عام 2026، بما فيها آليات الوصاية البيروقراطية وتحولات الخطاب الرسمي، تخلص الدراسة إلى استمرار التناقض البنيوي بين السرديات الخرائطية المفروضة سلطوياً وعناد الذاكرة الجمعية المحفورة في المتخيل الحضاري للأرض.
الكلمات المفتاحية: الطوبونيميا السياسية، السلطة الرمزية، السياسة الحيوية، الهيمنة الفضائية، الهوية الكردية، الذاكرة الجمعية، الكونفدرالية الديمقراطية.
تمهيد: أنثروبولوجيا المكان والصراع على الاسم
لا تُعدّ الأسماء جُزراً لغوية محايدة تُستخدم لمجرّد الدلالة الوظيفية على الأشخاص أو الأماكن، بل هي مركّبات جوهرية في البنية الرمزية التي تُنتج من خلالها المجتمعات والدول تصوراتها عن التاريخ، وتُهندس عبرها أطر الهوية والانتماء. ومن هذا المنطلق، شهدت العقود الأخيرة انعطافة معرفية نحو حقول “التسمية السياسية” (Political Toponymy) و“سوسيولوجيا التسمية” (Sociology of Naming)، بوصفها أطراً إبستمولوجية تتقصى التمفصلات القائمة بين اللغة والسلطة، وتفكك الكيفية التي تُوظف بها “التسميات الجغرافية” (Toponyms) كأدوات استراتيجية لإعادة تشكيل المجال الفضائي وإنتاج الشرعية السياسية أو حجبها.
تقوم هذه المقاربة السوسيولوجية على فرضية أساسية مفادها أن السيطرة على التسمية لا تمثل ممارسة معجمية بريئة، بل هي فعل هيمنة رمزية يمنح الفاعل السياسي القدرة على احتكار “نظام الحقيقة” وتعيين الحدود المعرفية للواقع. فحين تُخضع سلطةٌ ما مدينةً أو جغرافيةً أو جماعةً بشرية لعملية إعادة تسمية، فإن الفعل يتجاوز إحلال لافتة لغوية مكان أخرى، إلى عملية إعادة بناء جذرية للمتخيل التاريخي المرتبط بالمكان، وفرض قطيعة إبستمولوجية بين الذاكرة الحية والسياق التاريخي للأرض.
وتكشف التحليلات الأنثروبولوجية المقارنة في مناطق التخوم والنزاعات الجيوسياسية، كالبلقان والشرق الأوسط، أن الصراع حول الدلالات اللفظية للمكان غالباً ما يكون تجلياً لصراعات أعمق تتمحور حول السيادة، والاعتراف الوجودي، وبنية الانتماء. ويتبدى الخلاف التاريخي الممتد بين اليونان وشمال مقدونيا حول الهوية الدلالية لاسم “مقدونيا” كأحد النماذج الصارخة في هذا السياق؛ إذ لم يكن النزاع سجالاً حول تمايز صوتي، بل كان صراعاً بنيوياً حول الحق في تمثيل “الرأسمال الرمزي” والتاريخي الذي يكتنزه الاسم، ومحاولة لشرعنة الوجود القومي عبر استعارة جغرافية تمنح كياناً حديث التكوين عمقاً تاريخياً ليس له في الواقع المادي.
بناءً على ذلك، لا يمكن مقاربة عمليات إعادة التسمية التي واكبت نشوء الدول القومية الحديثة بوصفها تدابير إدارية أو تقنية محايدة، بل يجب تفكيكها باعتبارها استراتيجيات بنيوية تهدف إلى محو “الرقّ القديم” (Palimpsest) للمكان، وإعادة إنتاج المجال الثقافي والسياسي بما يتطابق مع السردية الطوطمية للدولة الحاكمة. وتتضمن هذه الاستراتيجيات تجريفاً دلالياً ممنهجاً للمسميات الطبيعية والبشرية (المدن، القرى، التضاريس) لإعادة تصنيفها وضبطها ضمن خانات مفاهيمية تخدم مركزية السلطة.
إن هذه الديناميكية لا تصدر عن نزوع “تزوير” فج أو سطحي، بل تنبع من إرادة الهيمنة الرامية إلى “امتلاك الفضاء عبر الاستحواذ اللغوي”؛ فمن يملك سلطة التسمية يملك بالضرورة سلطة تعريف التاريخ وتوجيه مسارات الذاكرة الجماعية. وفي هذا الإطار يتقاطع هذا الطرح مع أطروحة المفكر اليوناني ميخائيل خارالامبيديس الذي يرى أن من يملك القدرة على إطلاق التسميات يحوز ابتداءً نصف قوة الحل أو السيطرة؛ وهي الأطروحة التي قادته تفكيكياً إلى صياغة مفهوم “المشكلة التركية” في مؤلفه الذي يحمل الاسم ذاته، معتبراً أن الأزمات الهوياتية في جغرافيا المنطقة (الكردية، اليونانية، القبرصية) ليست مآزق بنيوية بذاتها، بل هي نتاج مباشر لآليات المحو والتسمية القسرية التي تمارسها أيديولوجيا الدولة التركية كأداة لإخضاع الفضاء وإبادة شواهده الأنثروبولوجية.
الإسلام والتسميات: القطيعة المعرفية والهندسة الدلالية
قد لا يوجد في التاريخ فاعل جماعي عرف حقيقة كون التسمية أداة للسلطة وإعادة تشكيل الذاكرة، وطبّق هذه الحقيقة على الواقع المادي، بمثل ما فعله العرب المسلمون في مرحلتي التأسيس والتوسع. فمنذ بداية الدعوة – وفق السردية التأسيسية – مثّل التغيير الطوبونيمي والرمزي أداة لإعلان القطيعة مع الموروث السابق؛ إذ تجسد ذلك في تحويل اسم “يثرب” إلى “المدينة المنورة”، في ممارسة تسمياتية تُعرب عن إضفاء شرعية نورانية جديدة على المكان، ونزع صفته الجاهلية عنه.
امتدت هذه الهندسة الدلالية لتشمل تصنيف البنية الاجتماعية والأيديولوجية عبر منظومة مصطلحات ذات حمولة سياسية وحقوقية حاسمة (مثل: مسلمين، كفار، ذميين، أبا جهل، مسيلمة الكذاب)، مع إسباغ وصف “الجاهلية” الشامل على التراث العربي قبل الإسلام. ورغم أن الإسلام تشكّل في سياق تاريخي متأثر بروافد ودياناتٍ سابقة كالمسيحية واليهودية والزرادشتية، إلا أنه أعاد إنتاج المعاني والرموز ضمن منظومة تسميات مصبوغة بالطابع التأسيسي المستقل.
ومع الاتساع الجغرافي خارج شبه الجزيرة العربية، اصطدم الفاعل الجديد بحضارات وعوالم ذات عمق أنثروبولوجي وتاريخي عريق لدى الساسانيين، والبيزنطيين، والمصريين، والأمازيغ. ورداً على هذه الصدمة الحضارية، اقترنت السيطرة المادية بإعادة تشكيل البنية المعجمية والفضاء الرمزي؛ فسُمّيت الغزوات “فتوحات”، وسُمّيت الإتاوات “جزية”، وسُمّي السبي “ملك يمين”، إلى جانب إعادة تسمية المراكز الحضرية. ومن أمثلة ذلك إطلاق اسم “ديار بكر” على مدينة “آمد” التاريخية إثر نزول قبيلة بني بكر فيها، وهي التسمية التي تبنتها السلطات العثمانية ثم التركية لاحقاً وثُبّتت في الخرائط الرسمية، بينما ظلت “آمد” حية في الذاكرة الجمعية لسكانها الكرد. وتكررت الظاهرة ذاتها مع مدينة “كوباني” التي أُسبغ عليها رسمياً اسم “عين العرب” (وتتريكها إلى “عبر بينار”)، دون أن يلغي ذلك دلالتها الأصلية لدى مجتمعها المحلي.
الأدوات اللغوية للقومية العربية: من الهيمنة الرمزية إلى “الظاهرة الصوتية”
شهدت مرحلة صعود القومية العربية بموجتيها الناصرية والبعثية هندسة مكثفة للمفاهيم والمصطلحات، وُظّفت كترسانة أيديولوجية لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية والثقافية للمنطقة. وتجلى هذا “الاستعمار الدلالي” في صياغة تسميات شمولية تختزل التعددية الإثنية والأنثروبولوجية في قالب أحادي؛ فجرى ترميز الفضاء دلالياً عبر مصطلحات مثل “الوطن العربي” و“الأمة العربية الواحدة”، وتحولت بلاد الأمازيغ التاريخية في شمال إفريقيا إلى “المغرب العربي”، في حين أُخضعت جغرافيا كردستان لعمليات تجريف دلالي قسري حوّلتها في الخطاب الرسمي إلى “شمال العراق” أو “شمال شرق سوريا”.
وفي المقابل، حين واجهت هذه المنظومات الأيديولوجية انكساراتها البنيوية أمام الواقع المادي، لم تعمد إلى مراجعة أدواتها المعرفية، بل هربت نحو صياغة جغرافيا بديلة من “الوهم اللغوي”، مستبدلةً الهزائم العسكرية المادية بمسوغات لفظية تخفف من وطأة الواقع؛ فتحولت الهزائم الكبرى إلى “نكبة” أو “نكسة”، واستحالت المواجهة مع إسرائيل نفسها ساحةً لتوالي هذه التسميات الصوتية، وصولاً إلى أفعال عسكرية متأخرة صُنفت بـ“طوفان”، في محاولة لإنتاج انتصارات رمزية متخيلة تعوض العجز عن حسم الصراع على الأرض.
التناظر المعرفي: بين التعويض الرمزي والهيمنة البنيوية
تكتسب هذه الديناميكية اللغوية أبعاداً تفكيكية أعمق عند تقاطُعها مع أطروحة المفكر السعودي عبد الله القصيمي في مؤلفه “العرب ظاهرة صوتية”، وضبطها مجهرياً مع الأطر النقدية لميشيل فوكو وبيير بورديو. ومع ذلك، يستدعي التحليل الأكاديمي فك الاشتباك الإبستمولوجي والتمييز بين هذين المسارين؛ فالآلية البنيوية هنا لا تسير في اتجاه واحد، بل تعكس تناقضاً وظيفياً في استخدام سلطة اللغة:
1. منظور فوكو وبورديو (اللغة كأداة هيمنة فائضة): يرى فوكو أن الخطاب ليس مجرد انعكاس سلبي للواقع، بل هو الآلية التكوينية لإنتاجه وتأطيره؛ حيث تملك السلطة القدرة على فرض “نظام الحقيقة” عبر اللغة، لتصبح التسمية فعلاً سياسياً سيادياً يمارس قسراً رمزياً. ويتقاطع هذا مع مفهوم “الرأسمال الرمزي” عند بورديو، الذي يرى في سلطة التصنيف وإطلاق المسميات شكلاً من أشكال السيطرة الناعمة الأشد فتكاً من الإكراه المادي، لكونها تتسرب إلى بنيان الإدراك والتمثل الذهني للمحكومين. وفي هذا الإطار، فإن استبدال التسميات الكردية بأخرى معربة يمثل “عنفاً صوتياً” موجهاً من الأعلى (السلطة) إلى الأسفل (المجتمع الأصيل) لنزع انتمائه الجغرافي ومحو حضوره التاريخي.
2. منظور القصيمي (اللغة كآلية تعويض دفاعية): على النقيض من الهيمنة الفوقية لفوكو وبورديو، يفكك القصيمي بنية العقل الجمعي العربي من موقع النقد السيكو-سوسيولوجي؛ حيث يرى أن انغماس الثقافة العربية في الخطابية هو “فعل عجز” وليس “فعل قوة”. فبعد أن فقدت المنظومة القومية شروط القوة المادية والعسكرية على أرض الواقع، انكفأت على ذاتها لتشيّد ترسانة شفهية داخل المتخيل الجماعي لإقناع نفسها بعدم الهزيمة. اللغة هنا لا تُنتج حقيقة موضوعية، بل تُنتج “حصناً سيكولوجياً زائفاً”؛ وهي آلية تجعل الأمة – وفقاً للقصيمي – تعيش مغتربة في ماضيها، وتتفاخر بأمجاد أسلافها، متجسدة في مقولته الشهيرة: “كل الشعوب تلد أجيالاً جديدة، إلا نحن نلد آباءنا وأجدادنا”.
الجذور الأنثروبولوجية للمركزية الصوتية
إن إحالة الخطاب اللفظي إلى إنجاز رمزي قائم بذاته يمتلك جذوراً أنثروبولوجية ضاربة في عمق التاريخ العربي؛ فمنذ العصر الجاهلي، كان “الكلام” والتسمية يتقدمان على الفعل المادي ويحددانه. فقد كانت الحروب الطاحنة والدماء تُسفك لقرون بسبب “بيت شعر” (هجاء أو فخر)، حيث كان الأثر الصوتي للقصيدة سبباً مباشراً للثأر والقتل بين القبائل. ويمثل اغتيال “كعب بن الأشرف” دليلاً تاريخياً مبكراً على مدى الخطورة السياسية والوجودية التي كانت تُشكلها الكلمة في المتخيل العربي.
بناءً على ذلك، تكشف سوسيولوجيا الخطاب القومي العربي عن بنية هوياتية مأزومة، لا تكتمل ملامحها إلا عبر تبني “انتصارات وهمية”، واستعارة جغرافيا وثقافات لا تنتمي لسياقها الصحراوي الأول، لتبدو الأجيال اللاحقة وكأنها وُجدت في فضاء معرب منذ الأزل. هذا التضخم الصوتي الذي فككه القصيمي ليس أداة للسيطرة على الآخر بقدر ما هو آلية لاحتجاز الذات داخل “جغرافيا الوهم”، حيث يُصبح القول بديلاً عن الفعل، وتتحول التسمية من أداة لإدارة الصراع إلى ملجأ أخير للهرب من الواقع.
“التتريك الممنهج” (Turkification): هندسة الخرائط البيضاء والإبادة المعرفية للمكان
واكب تأسيس الأيديولوجيا القومية التركية من القمة، في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مأزقاً إبستمولوجياً حاداً؛ إذ إن المفارقة التاريخية تكمن في أن أغلب منظري هذا الفكر القومي الوليد انحدروا من خلفيات إثنية وجغرافية تقع خارج سياق جغرافيا الأناضول. واجه هذا الصعود الأيديولوجي واقعاً أنثروبولوجياً بالغ التعقيد، متمثلاً في فضاء جغرافي مأهول بحضارات مكتملة ومتجذرة في الزمان والمكان (اليونان، الكرد، الأرمن)، تعايشت لقرون ضمن نمط إمبراطوري دون نزوع بنيوي لإلغاء الآخر. ومع تفكيك الإرث العثماني الإسلامي الجامع، وجد منظرو الكمالية أنفسهم أمام “دال لغوي” (تركيا) يفتقر إلى مدلول تاريخي أو ثقافي حديث ومتجانس.
وفي سياق البحث عن شرعية الكيان الناشئ، وبروز التأثير المعرفي للمستشارين العسكريين والسياسيين الألمان – المتأثرين بالنموذج القومي البروسي العضوي – صِيغت أطروحة حتمية مفادها استحالة استقرار الدولة إلا عبر صهر البنى الاجتماعية قسرياً لإنتاج “الإنسان التركي المعياري” (Homo Turcus). وبما أن التنافس الثقافي أو التأثير المعرفي مع الحضارات الأصيلة كان مستحيلاً نظراً لعمقها الأنثروبولوجي التاريخي، اعتُمد خيار “الهندسة الديموغرافية والدلالية”. وتطلبت هذه الرؤية صياغة “أمة متجانسة” بلا نتوءات ثقافية؛ فبعد عمليات التصفية الجسدية والتهجير القسري للأرمن واليونان والكرد، انتقلت الدولة إلى مرحلة “إخضاع الفضاء” عبر تزوير التاريخ المادي وإعادة تسمية المكان.
المؤسسية السيادية وهندسة “الخرائط البيضاء”
لم تكن عمليات محو الأسماء الأصيلة في تركيا مجرد قرارات عشوائية أو تدابير إدارية محلية عابرة، بل كانت عملاً مؤسساتياً ممنهجاً يقع في قلب “السياسة الحيوية” (Biopolitics) للدولة المركزية. وتجلى هذا التنظيم الصارم في تأسيس “لجنة تغيير الأسماء الأجنبية” (Ad Değiştirme İhtisas Komisyonu)، والتي تولت مهمة تجريف الجغرافيا دلالياً؛ حيث تشير الدراسات الطوبونيمية التاريخية إلى أن هذه اللجنة قامت بتبديل أسماء أكثر من 28,000 موقع جغرافي (شملت المدن، القرى، البلدات، الجبال، الأنهار، وحتى المغارات الطبيعية) بين ثلاثينيات وثمانينيات القرن الماضي، محولةً الخارطة إلى “لوح مصقول” (Tabula Rasa) مستعد لاستقبال رواية السلطة.
آليات التصفية الدلالية وإعادة التسمية
لفرض هذا الإقصاء الجغرافي وضمان تدجينه عبر الأجيال، اتبع العقل البيروقراطي التركي ثلاث آليات استراتيجية لإعادة هندسة الفضاء لغوياً:
1. الترجمة الحرفية المشوهة: إحالة الاسم الأصلي (الكردي أو الأرمني أو اليوناني) إلى صيغة تركية ركيكة تفصله عن سياقه الأنثروبولوجي، وتجرده من رمزيته التاريخية وحمولته المعرفية المرتبطة بذاكرة الجماعة المحلية.
2. التشاكل اللفظي (السمعي): استبدال الدال التاريخي بكلمة تركية تشابهه في الجرس الصوتي وتناقضه تماماً في المدلول المعرفي؛ وتكمن فاعلية هذه الآلية في تسهيل عملية التطبيع اللغوي القسري على ألسنة السكان المحليين عبر تعاقب الأجيال، ليتحول التحوير السمعي إلى أداة للنسيان المنظم.
3. الأسماء الأيديولوجية والعسكرية الجاهزة: إسقاط مسميات ذات رنين قومي أو عسكري على الحواضر والقرى التاريخية، مما يحوّل الجغرافيا اليومية إلى “ثكنات لغوية” (Linguistic Garrisons)، وتتحول التسمية هنا إلى مؤشر سيادي مستمر يؤكد احتكار الدولة لإنتاج الفضاء وإلغاء خصوصية المجتمع.
التبرير الأيديولوجي: “نظرية لغة الشمس”
لكي تمنح الدولة هذا التزوير غطاءً علمياً – وإن كان زائفاً – اخترع مجمع اللغة التركية في ثلاثينيات القرن العشرين ما سُمي بـ“نظرية لغة الشمس” (Güneş Dil Teorisi). قضت هذه النظرية بأن “اللغة التركية هي أصل جميع اللغات في العالم”، وأن كل الحضارات القديمة – دون استثناء – حضارات ذات أصول تركية.
بناءً على هذه المقولة الأكاديمية الزائفة، التي اخترعها كمال أتاتورك رداً على سؤال اللغويين مفاده أن اللغة التركية لغة بسيطة تحتوي على كم هائل من الكلمات الكردية والعربية واليونانية، جرى إقناع النخب والجمهور بأن تغيير أسماء المدن والقرى ليس تزويراً، بل هو “إعادة الحق لأصحابه” وتصحيح للتاريخ عبر إرجاع الأسماء إلى أصلها التركي المفترض، إذ ما دام أصل جميع اللغات تركياً – بحسب هذه النظرية – فمن الطبيعي أن تتشابه مع اللغات الأخرى. والمفارقة اللافتة هنا أن كمال نفسه لم يسلم من هذا التغيير، إذ أطلق على نفسه اسم “أتاتورك” (أبو الأتراك).
ذلك أن العامل الوحيد المتاح لتأسيس الدولة التركية وتثبيت وجود “الأمة المتخيلة” الجديدة كان الإقصاء الديموغرافي والتهجير القسري لشعوب المنطقة، ثم تتريك ما تبقى من الأقليات القومية، إذ لم تملك النخبة الحاكمة أي وسيلة أخرى لذلك. فأصدرت قوانين تجرّم استخدام الأسماء واللغات الأخرى؛ فعلى سبيل المثال، تم تغيير اسم “كردستان” إلى “شمال شرق البلاد”، وأصبح الكرد يُسمَّون “أتراك الجبال”، وكل من يخالف هذه التسميات الجديدة يُصنف “إرهابياً” ويعاقب بالسجن.
“الفيرسة الممنهجة” (Persianization): التناوب بين الأسطورة الآرية والغطاء العقائدي
يقدم النموذج الإيراني تجلياً فريداً لسياسات صياغة الهوية؛ حيث تداخلت فيه “القومية الفارسية الحديثة” مع “الإرث الإمبراطوري القديم”، ليعاد إنتاجهما لاحقاً بروح ثيوقراطية عقائدية بعد ثورة عام 1979. وتكشف القراءة التفكيكية للتاريخ المبكر للمنطقة عن مأزق دلالي في نشوء اسم “الفارسية”؛ إذ تشير المصادر الأنثروبولوجية واللغوية القديمة إلى استخدام مصطلحات هجينة (كـ“الميديين” و“مجوس” و“العجم”) متأثرة بالسرديات الخارجية اليونانية والبيزنطية، ليظل اسم “بارس” في بداياته التاريخية هبة من هذه السرديات أكثر من كونه نتاجاً داخلياً متجانساً.
بدأت “الفيرسة الحديثة” كاستراتيجية دولة في عهد رضا شاه بهلوي (1925–1941)، الذي تماهى بوضوح مع التجربة الكمالية، ساعياً إلى تحويل إيران من فضاء فسيفسائي متعدد الإثنيات (كرد، آذريون، عرب، بلوش) إلى أمة “فارسية” متجانسة تتمحور حول فكرة “العرق الآري المتخيل”. وقد طُبقت سياسات التسمية القسرية وسوسيولوجيا المحو عبر محطتين رئيسيتين:
الهندسة اللغوية ومحو الخارطة (العهد البهلوي)
أسس رضا شاه عام 1935 “الأكاديمية الإيرانية للغة والأدب” (فرهنغستان)، والتي حاولت عبثاً “تطهير” اللغة الفارسية الحديثة من روافدها العربية، بيد أن الهندسة اللغوية واجهت مأزقاً بنيوياً تمثل في أن نسبة واسعة من المعجم الفارسي الحديث ذات أصل عربي. وعوضاً عن ذلك، انصبت جهود الأكاديمية على إعادة مسح جغرافية البلاد وتغيير أسماء المدن والمقاطعات التي تحمل دلالات غير فارسية (كردية، عربية، تركية آذرية).
أشار بعض المستشرقين واللغويين، ومنهم فلاديمير مينورسكي، إلى أن اللغة الكردية احتفظت بعدد من العناصر اللغوية الإيرانية القديمة التي تراجعت في الفارسية الحديثة بسبب الهيمنة العربية عبر الدين. وقد دفع ذلك بعض دعاة تنقية اللغة الفارسية في القرن العشرين إلى النظر إلى اللغات الإيرانية الأخرى، ومنها الكردية، بوصفها مصدراً محتملاً لإحياء مفردات ذات جذور إيرانية بديلة عن بعض الألفاظ الدخيلة. غير أن القومية الفارسية الجديدة، بطابعها المزدوج القومي الفارسي والديني الإسلامي، رفضت – بدافع من غرورها – أخذ المصطلحات من اللغة الكردية، رغم كونها من أنقى اللغات الآرية في المنطقة من حيث محدودية تأثرها باللغات الأخرى، وبخاصة العربية عبر الإسلام.
وقد واجهت جغرافيا كردستان الشرقية (روجهلات) هجمة مزدوجة تراوحت بين “التتريك” في مناطق التماس مع الآذريين، و“الفيرسة الممنهجة” من قِبل طهران. ومن أبرز نماذج هذا التجريف الدلالي:
• تحويل اسم مدينة “أورمية” التاريخية إلى “رضائية” تيمناً بالشاه رضا، لإسقاط رمزية العائلة الحاكمة على فضاء التعددية الإثنية.
• تغيير اسم مدينة سابلاغ الكردية التاريخية (التي غدت عاصمة لجمهورية مهاباد لاحقاً) إلى “مهاباد”.
• إحلال أسماء مشتقة من الفارسية الحديثة مكان مئات الأسماء التاريخية للقرى الكردية في سلاسل جبال زاغروس، بهدف قطع الصلة الأنثروبولوجية ومحو الذاكرة الجغرافية الحية للمجتمع الكردي.
الأسلمة السياسية وتسييس الفضاء (ما بعد 1979)
مع صعود السلطة الثيوقراطية بعد عام 1979، لم يجرِ التخلي عن البنى الإقصائية السابقة، بل جرى استيعابها وإعادة إنتاجها عبر إضفاء “الشرعية الدينية والمذهبية” عليها. فلم تُعد المدن التي حملت أسماء ملكية إلى مسمياتها الأصيلة الكردية أو العربية، بل خضعت لعملية إعادة تسمية أيديولوجية؛ فتحولت “رضائية” (أورمية) إلى رمزية إسلامية، وتحولت مدينة “بندر شاه” إلى “بندر تركمان”، و“شاه آباد” الكردية إلى “إسلام آباد غرب”. كما عُمد إلى فرض أسماء الرموز المذهبية والشهداء على الشوارع والميادين في المناطق السنية (كردستان وبلوشستان) كآلية سياسية حيوية لفرض الهوية البنيوية للدولة على الفضاء العام رغماً عن ثقافة المجتمع المحلي.
مكر التاريخ السوسيولوجي والرقّ الذي يرفض المحو
تمثلت أشد تجليات هذه السياسات الشمولية (التعريب، التتريك، الفيرسة) في تجاوز محو اسم المكان إلى محاولة “الدمج الثقافي القسري للأجساد”، عبر حظر تسمية المواليد الجدد بأسماء كردية بواسطة قوائم رسمية صارمة فرضتها وزارات الداخلية في الدول المقتسمة لكردستان. هذه السياسة أنتجت ظاهرة “الأسماء المزدوجة”: اسم مفروض في السجلات الرسمية للدولة، واسم حقيقي أصيل متداول في الفضاء الحميمي (البيت والقرية)، مما فرض على الإنسان الكردي انفصاماً دلالياً بين هوية مستعارة في العلن وهوية وجودية في الخفاء.
إلا أن سوسيولوجيا المجتمع العميقة، لا سيما لدى شعب ذي جذور أنثروبولوجية ضاربة في القدم كالشعب الكردي، تملك ما يمكن تسميته “مكر التاريخ السوسيولوجي”؛ وهو ميكانيزم دفاعي أثبت تفوقه المعرفي على أدوات السلطة الناشئة لدول قومية تعاني في الأصل من هواجس القلق الوجودي تجاه عراقة الثقافات الأصيلة (الكردية، اليونانية، الأرمنية). هذه الثقافات التاريخية تمتلك توازناً بنيوياً داخلياً يجعلها تحمي ذاتها بذاتها دون الحاجة لأدوات سلطوية قسرية.
الرقّ العصي على الكشط (Palimpsest)
إن الجغرافيا الحقيقية للمنطقة تشبه “الرقّ القديم”؛ ومهما حاولت السلطات الحاكمة كشطه والكتابة فوقه برموزها الأيديولوجية المستحدثة، تظل الحروف الأولى الأصيلة ناتئة وبارزة.
فرغم مرور عقود على هذا الضخ المؤسساتي في سياسات التتريك في تركيا، والتعريب في بعض الدول القومية، والفيرسة في إيران، بقيت ثقافة المجتمع “مثل الماء”؛ فالكردي في قريته في جنوب شرق تركيا، واليوناني في آسيا الصغرى، ما زالوا يحتفظون بالأسماء الحقيقية لأراضيهم في ذاكرتهم الشفوية وممارساتهم اليومية (مثل فن الـ Dengbêj عند الكرد)، لتبقى الخارطة الرسمية للدولة مجرد غطاء إداري يغطي وجهاً تاريخياً يرفض النسيان.
وتجلى ذلك بأوضح صوره حين اندلعت معركة كوباني عام 2014؛ إذ لم يظهر الاسم الذي فرضته السلطات السورية – “عين العرب” – في أي من نشرات الأخبار العالمية أو خطابات التضامن الدولي، بل انتشر اسم “كوباني” عالمياً دون أن يحتاج إلى ترجمة أو تعريف. وبالمثل، تأبى “آمد” أن تذوب في “ديار بكر”؛ فالاسم الكردي يتداوله أبناؤها في سوقهم وأغانيهم وخطابهم السياسي، كما لو أن قرار التغيير لم يُتخذ قط. هنا يتكشّف الفارق الجوهري بين سلطة الورق وسلطة الذاكرة.
علاوة على ذلك، لم تكتفِ الثقافة الكردية بمقاومة الاندثار، بل أثّرت هي ذاتها في المحيط من حولها – لا بقوة الفرض، بل بعراقة الحضور. تشهد على ذلك التداخلات المعجمية العميقة في المنطقة؛ فكلمة “سروال” تحمل في صيغتها العربية الدارجة صدىً واضحاً من أصلها الكردي “شروال”، ومفردة “بيشوال” في الكردية – وتعني حرفياً “من لا يرتدي الشروال” – شاهد إثنوغرافي طريف على أن الكردي نظر إلى جاره العربي من خلال هذه الخصوصية الثقافية، مما يعني أن الشروال لم يكن لباساً مشتركاً بل علامة هوياتية كردية بامتياز. وهكذا تنقلب المعادلة المألوفة: بدلاً من أن تكون الثقافة الكردية موضوعاً للمحو، تغدو هي ذاتها ناقلةً ثقافية صامتة، تترك بصمتها في معجم الآخرين قبل أن تغادر.
الإبادة المكانية-اللغوية وآليات المقاومة الوجودية
يقدم التتبع التاريخي لسياسات الهيمنة في الشرق الأوسط تفكيكاً بنيوياً لآلية سلطوية بالغة الخطورة، تتمثل في فرض “جغرافيا الوهم” كبديل قسري عن “حقيقة المكان”. إن نماذج التعريب الأيديولوجي، والتتريك الكمالي، والفيرسة البهلوية، تتعامل مع التاريخ والجغرافيا بوصفهما “فراغاً أنثروبولوجياً” يتطلب الملء والتشكيل وفق مقاسات الأيديولوجيا الحاكمة. تتجاوز هذه السياسات حدود الإجراء الإداري المحايد لتصل إلى ما يمكن تسميته “الإبادة المكانية اللغوية” (Topocide)؛ حيث لا تُستهدف الأجساد بالإقصاء الفيزيائي فحسب، بل تُباد الشواهد اللفظية والدلالية التي تشهد على الوجود التاريخي والحضاري للمجتمعات الأصيلة.
وفي مقابل هذا التجريف، تبدو المقاومة الوجودية للشعب الكردي نموذجاً صارخاً، يضعنا أمام حتمية سوسيولوجية واضحة: إن السلطة قد تملك “الممحاة الإدارية”، لكن الشعوب تملك دائماً “الإزميل الثقافي”. تاريخياً، خاض المجتمع الكردي مواجهة مفتوحة ضد ثلاثة مشاريع صهر قومي وتحريف طوبونيمي في آن واحد، فضلاً عن مجابهته لترتيبات القوى الإمبريالية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وأمريكا)، وهو ما تجلى في ذروته خلال الحرب العالمية الأولى؛ إذ تحولت كردستان إلى مسرح اصطدام جيوسياسي فريد اجتمعت على أرضه جيوش الروس، الألمان، البريطانيين، الفرنسيين، العثمانيين، والفرس، والعرب. ولم يكتفِ الإنكليز بمحاربة الكرد عسكرياً، بل أخذوا على عاتقهم مع اللوبي الأرمني مهمة تشويه صورة الكرد حضارياً، ليسهل إخراجهم من المعادلات الجيوسياسية آنذاك، إذ كان همّ بريطانيا الوحيد نفط كردستان.
وبالرغم من أن مراكز القوة كانت بيد كيانات حديثة التكوين سياسياً بالمقارنة مع البنية الأنثروبولوجية العريقة للمجتمع الكردي، فإن هذا المجتمع المضطهد ابتكر آليات دفاعية بالغة الفعالية لحفظ هويته، أبرزها:
1. الازدواجية الدلالية (Semantic Duality): عبر توليد تداولية لغوية موازية؛ فالمكان يحمل اسماً رسمياً مفروضاً من قِبل الدولة للأوراق والدوائر الإدارية، واسماً حقيقياً يتداوله السكان في جغرافيتهم اليومية.
2. الأرشفة الشفوية (Oral Archiving): تحويل الأغنية التراثية والملاحم الشعبية – لا سيما عبر فن الـ Dengbêj – إلى وثائق جغرافية وتاريخية حية عابرة للأجيال، تُحفظ فيها تضاريس الأرض وأسماء القرى خارج الرقابة الرسمية.
3. تسييس الأنثروبولوجيا اليومية: تحويل الأسماء الشخصية للمواليد الجدد إلى قلاع رمزية لحفظ الهوية؛ حيث انتشرت أسماء ذات حمولة سياسية وميثولوجية (مثل: آزاد، نوروز، كردستان، كاوا)، كإعلان مشفر عن رفض المحو الوجودي.
تثبت هذه الأدوات أن الذاكرة الجمعية عصية على التدجين البيروقراطي، وتؤكد – كما سبقت الإشارة إلى مصداقيْ كوباني وآمد – أن الحروف الأولى للجغرافيا الأصيلة تعود للظهور بوضوح عند أول تصدّع في بنيان المنظومة الاستبدادية.
الصراع الأسطوري والتحولات السياسية للحركة الكردية
في ظل الصراع الممتد بين الذاكرة الثقافية الكردية وأدوات السلطة الأيديولوجية للدول المقتسمة لكردستان، اكتسبت حركة التحرر الوطني الكردي زخماً كبيراً مع ظهور حزب العمال الكردستاني، الذي أحدث تحولاً مفاهيمياً عبر رفض المصطلحات التجزيئية مثل “كرد تركيا” أو “كردستان العراق”، واعتماد مصطلحات جغرافية قومية بديلة تعبر عن وحدة الهوية وجزئياتها الطبيعية (كردستان الشمالية، الجنوبية، الغربية، والشرقية).
ومع تطور مسارات النضال، برز مسار سياسي موازٍ في شمال كردستان والأناضول مع مطلع التسعينيات، يضرب بجذوره في تجارب سابقة للحركة السياسية في غرب كردستان (سوريا) حين اختارت الأحزاب الكردية هناك استخدام صفة “الكردي” في أسمائها الرسمية بدلاً من اسم “كردستان”؛ وهو توجه فرضته ضرورات المناورة السياسية لتقليص وطأة الملاحقة الأمنية وشرعنة العمل السياسي، سواء كان ذلك ثمرة تفاهمات مع دمشق أو مبادرة استباقية من الأحزاب نفسها.
السياسة الموازية: الاندماج والمقاومة من الداخل
تجلت هذه السياسة الواقعية بوضوح في بداية التسعينيات إثر رفع أنقرة جزئياً الحظر المفروض على استخدام اسم “الكرد” والحديث والنشر باللغة الكردية. وعلى أرضية هذه الانفراجة النسبية، أنشأ الكرد جمعيات وأحزاباً سياسية بأسماء مرنة توحي بالهدف بطرق غير مباشرة لتجنب الإغلاق الفوري، فنجحت هذه المؤسسات في العمل من داخل النظام القانوني للدولة كسياسة موازية للمقاومة المسلحة، وحققت مكاسب جوهرية سهّلت التغيير الديمقراطي ومنحت الكرد تمثيلاً سياسياً غير مباشر، في تجربة تكاد تتطابق مع دور النخب الكردية في البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) أواخر عهد الإمبراطورية.
جنوب كردستان: معركة الهوية الثقافية والقاموس
في جنوب كردستان، خاض الكرد صراعاً ضارياً ضد سياسات الصهر والتعريب والهيمنة الثقافية التي دثرتها النظم المتعاقبة بعباءات قومية أو إسلامية مشوهة. ورغم حجم التضحيات، حافظ الكرد على لغتهم وثقافتهم، وحتى على مظهرهم القومي متمثلاً باللباس التقليدي كرمزية وجودية.
ولم يتوقف الصراع عند حدود الجغرافيا، بل امتد ليكون صراعاً على “القاموس” في وسائل الإعلام العربية؛ حيث قاد المثقفون والمؤسسات الكردية معركة لغوية لإحلال تسمية “الكرد” بدلاً من صيغة “الأكراد” التي تحمل أبعاداً لغوية نمطية، وهي المعركة التي آتت أكلها بعد أن قبلت العديد من النخب والمؤسسات الثقافية العربية بالحجة الكردية ودافعت عنها.
غرب كردستان والمفارقة السورية: عصبية المصطلح وفوبيا الفيدرالية
أما في غرب كردستان (سوريا)، فقد بدت المفارقة أكثر عمقاً؛ فرغم أن دمشق استخدمت الملف الكردي كأوراق ضغط إقليمية في بعض المراحل، إلا أنها طبقت في الداخل أقصى سياسات التعريب، وفي مقدمتها “الحزام العربي” وإحصاء عام 1962 الجائر.
ومع تصاعد وتيرة النضال واستثمار المتغيرات السياسية بعد عام 2011، برز اسم “غرب كردستان” رسمياً عبر مجلس غرب كردستان، قبل أن تفرض الانتصارات العسكرية مصطلحات كردية أصيلة مثل “روجافا” و“كوباني” في عمق اللغات العالمية والمحافل الدولية.
وفي أوج هذا المخاض، اندلع الصراع حول مسميات الدولة السورية وهويتها: هل هي “الجمهورية العربية السورية” أم “الجمهورية السورية” (كما كان اسمها الأصلي عقب الاستقلال)؟ هنا تجسدت المفارقة السياسية الكبرى؛ إذ توحدت الأضداد من العرب والمستعربين، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن الإسلاميين إلى العلمانيين والقوميين، على عروبة اسم الدولة بالكامل، رغم عدم اتفاقهم على شيء آخر طوال تاريخهم.
يعكس هذا الإجماع المذعور مفهوم “العصبية” عند ابن خلدون، وآليات “العقل السياسي العربي”؛ حيث يطغى الفكر القبلي الإقصائي على مفهوم المواطنة الحديثة. وضمن هذا العقل ذاته، تُفسَّر “الفيدرالية” على أنها “انفصال وتقسيم” بدلاً من كونها آلية دستورية للاتحاد والشراكة، فيكون الشعب – بمختلف مكوناته – هو الضحية الأولى لهذا العقم الفكري.
“مرحلة الحل” (2013–2015) واستراتيجيات الاحتواء الرمزي
تُمثّل “عملية السلام”، أو ما عُرف تركياً بـ“مرحلة الحل” (Çözüm Süreci)، مختبراً سوسيولوجياً ونموذجاً تطبيقياً لـ“العنف الصوتي” وسلطة التصنيف بمفهوم فوكو وبورديو. فقد وجدت الدولة التركية نفسها أمام مأزق معرفي وسيكولوجي: كيف تفاوض “الخصم الوجودي” دون أن تمنحه شرعية لغوية أو اعترافاً رمزياً يحطم السردية الرسمية للدولة؟
تمثلت الاستراتيجية التركية في هندسة مصطلحات بديلة بعناية فائقة؛ حيث رفضت بشكل قاطع استخدام أي مصطلحات تحمل أبعاداً قومية أو حقوقية كردية في العناوين الرسمية للعملية، واستبدلتها بتسميات تذويب سوسيولوجية مثل “مشروع الأخوة والمساواة” أو “الانفتاح الديمقراطي” (Demokratik Açılım)، الذي تحول لاحقاً إلى “مشروع الوحدة الوطنية والأخوة” (Milli Birlik ve Kardeşlik Projesi). وكان الهدف استخدام “السلطة الرمزية” البورديوية لإعادة تصنيف القضية؛ فلم تعد قضية “حقوق قومية، وجغرافيا ممحاة، ولغة محظورة”، بل حُوِّلت خطابياً إلى مجرد “سوء تفاهم بين إخوة” داخل البيت الواحد، والحل يكمن في “المواطنة الشكلية” لا في الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية.
واجه الخطاب التركي أيضاً معضلة تسمية عبد الله أوجلان، المعتقل في سجن إيمرالي. فبينما يراه الوجدان الكردي “قائداً وطنياً” (Serok)، وتصنّفه السردية التركية بوصفه “إرهابياً”، ابتكرت السلطة لغة هجينة لإدارة التفاوض تتمثل في اختزال الرمز في المكان: “إيمرالي” (İmralı)، متحاشيةً نطق اسم “أوجلان” في التصريحات الرسمية واستبداله بـ“محادثات إيمرالي”. إن تحويل اسم القائد الثوري إلى اسم “الموقع الجغرافي للسجن” محاولة رمزية واعية لتجريده من كاريزمته السياسية وإعادته دائماً إلى مربع “السجين الخاضع لسلطة العقاب والدولة”؛ فالسجن هنا – بمفهوم فوكو – يبتلع القائد، وتصبح المفاوضات جارية مع “نزيل” لا مع شريك سياسي.
ولتمرير العملية شعبياً، أنشأت الدولة “لجنة الحكماء” (Akil İnsanlar Heyeti) كآلية لإنتاج واقع لغوي جديد تفرض عبره الدولة احتكار تحديد من هو “العاقل” ومن هو “المتطرف”، ووظّفت خطابها لترويج “السلم الاجتماعي، ودفن السلاح، والتنمية الاقتصادية” بدلاً من مناقشة “المظالم التاريخية الكردية”. وفي فبراير 2015، أُعلن من قصر “دولما باهتشة” التاريخي في إسطنبول بيان مشترك يتضمن عشر نقاط للحل. لكن بمجرد أن استشعر الرئيس أردوغان أن السقف اللغوي والمطالب الكردية بدأت تقترب من الاعتراف بـ“الإدارة الذاتية الديمقراطية”، أعلن انقلابه الشهير على الاتفاق، قائلاً جملته الحاسمة: “لا توجد طاولة مفاوضات، ولا توجد قضية كردية في تركيا”. عبر هذه الممارسة، أثبتت “مرحلة الحل” أن الدولة لم تكن تبحث عن سلام تكاملي، بل كانت تمارس “سلطة رمزية” بورديوية تهدف إلى نزع السلاح المادي للثورة مع الحفاظ التام على احتكار الدولة لإنتاج الحقيقة والجغرافيا والتصنيف.
ديناميكيات عام 2026: “التسامح القمعي” والوصاية البيروقراطية (Kayyum)
مع حلول عام 2026، يعيش الملف الكردي في تركيا فصلاً جديداً ومباغتاً من معارك هندسة المصطلحات، يمكن تسميته “مرحلة المصافحة والمبادرة المبتورة”. فإذا طبقنا أدوات فوكو وبورديو التفكيكية على هذا الحراك الراهن، نجد أن السلطة التركية (عبر تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية) تمارس شكلاً أكثر تركيباً من العنف الصوتي، إذ لا تكتفي بفرض مصطلحاتها، بل تعيد تدوير الرموز لتجريدها من مضمونها الوجودي.
الحدث الأبرز الذي طبع هذه المرحلة هو قيام زعيم القوميين المتشددين، دولت باهتشلي، بمصافحة نواب حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي (DEM) في البرلمان، وإطلاقه دعوة غير مسبوقة لأوجلان لإلقاء خطاب من منبر البرلمان يعلن فيه تصفية الحزب وحل الكفاح المسلح. وترفض الدولة بشكل قاطع تسمية ما يحدث بـ“عملية سلام جديدة”، وتصر في المقابل على استخدام لافتات مثل “مبادرة الأخوة والتلاحم التاريخي” أو “إنهاء الإرهاب وإزالة التهديد الإقليمي”.
تخضع هذه التسمية لمفهوم “التسامح القمعي” عند الفيلسوف والمنظر النقدي سلافوي جيجيك؛ فالمصافحة والدعوة لم تأتيا استجابةً لمطالب أو نضال كردي دستوري، بل جاءتا “مَكْرُمَة سلطوية” فوقية يُحدد القوميون شروطها وسقفها اللغوي، تهدف إلى إفهام الشارع أن الدولة “تتسامح” من موقع القوة والسيطرة لا من موقع التفاوض والتكافؤ؛ فالسلطة تحدد الحقل السياسي وتبادر بالاعتراف الرمزي كطريقة لاحتواء المطالب الرئيسية (المساواة والاستقلالية)، مما يخلق وهماً بالتعددية بينما يظل هيكل السلطة الإقصائي كامناً دون تغيير.
ولتبرير هذه التسميات أمام جمهور القوميين والإسلاميين، صُبغ الخطاب الرسمي التركي بسياق إقليمي مشتعل (التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والمخاوف من إعادة ترتيب الخرائط في سوريا والعراق، واستحضار فزاعة “التهديد الإسرائيلي”)، فجرى إحلال مصطلحات أمنية بامتياز مثل “تحصين الجبهة الداخلية” (İç Cephenin Tahkimi). والتسمية هنا تُقسر القضية الكردية برمتها لتصبح مجرد “ملف دفاعي” في وجه التغيرات الجيوسياسية، وتُجبر الفاعل السياسي الكردي على صياغة أدبياته تحت لافتة “الأمن القومي للدولة أولاً”، ومحو أي خصوصية للمظلومية التاريخية الكردية.
ويتجلى التناقض الصارخ في هذه المرحلة عبر ممارسة العنف المادي والرمزي بالتوازي؛ فبينما يصافح باهتشلي النواب الكرد في البرلمان، تعمد وزارة الداخلية إلى عزل رؤساء بلديات كرد منتخبين ديمقراطياً (كما في بلديات ماردين وباتمان وخلفتي) وتعيين “وصاة حكوميين” (Kayyum) مكانهم. إن مصطلح “الوصي” أداة قانونية-بيروقراطية تفرغ الديمقراطية المحلية من معناها البنيوي؛ فالانتخابات التي يفوز بها الكرد تُلغى بجرة قلم، وتُسمى السيطرة العسكرية والبيروقراطية على المدن “إعادة فرض سيادة القانون”. وهذا التطبيق العملي للسياسة الحيوية عند فوكو يُثبت أن “الجسد السياسي الكردي” يُترك ليعبر عن نفسه صوتياً داخل قبة البرلمان فقط، بينما يُمنع تماماً من امتلاك أي سلطة مادية أو رمزية على أرض الواقع والجغرافيا اليومية.
عبد الله أوجلان بين النظرية والتطبيق: الكونفدرالية الديمقراطية كبديل للدولة القومية
توازياً مع هذه الديناميكيات، طوّر عبد الله أوجلان من سجنه في جزيرة إيمرالي مفهوماً نظرياً بديلاً عن الدولة القومية، تمثل في “الكونفدرالية الديمقراطية” (Democratic Confederalism) القائمة على مجالس شعبية مستقلة، وإدارة ذاتية قائمة على التوافق، ورفض مركزية السلطة. ويرى أوجلان أن “الأمة الديمقراطية” ليست شكلاً من أشكال الدولة، بل هي وحدة اجتماعية تتشكل عبر التنظيم الحر والمتكافئ للشعوب والجماعات الإثنية والدينية والنساء ضمن مجتمع ديمقراطي، في طرح يمثّل قطيعة مع المطالبة التقليدية بالدولة القومية المستقلة، متجاوزاً إياها نحو صياغة جديدة للعلاقة بين الهوية الكردية والمكان تقوم على “تشاركية السلطة” بدلاً من “تملك الجغرافيا”.
وهو ما يتقاطع، على المستوى التحليلي، مع تفكيك ما سبق من سياسات التسمية القسرية، حيث يقدّم أوجلان نموذجاً للوجود في المكان خارج إطار هيمنة الدولة القومية واحتكارها للحقيقة والذاكرة. في المقابل، يرى بعض المحللين أن مشروع أوجلان، رغم قطيعته النظرية مع الدولة القومية، يعاني من مفارقات بنيوية؛ إذ تشير قراءة نقدية إلى أن الكونفدرالية الديمقراطية، كما طُبقت في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، تفشل في تحدي الهياكل الاستعمارية للدول التركية والفارسية والعربية بشكل جذري، بل قد تعيد إنتاج بعض آليات هيمنة الدول المحتلة لكردستان تحت غطاء سياسي كردي.
خلاصة واستنتاج
وصولاً إلى هذا الراهن السياسي المعقد لعام 2026، يتبدى أن الحراك التسمياتي الجديد الذي تقوده السلطة التركية يمثل الذروة في هندسة “العنف الصوتي” والتحكم الرمزي بالصراع. إن إحلال مصطلحات “تحصين الجبهة الداخلية” و“مبادرة الأخوة التاريخية” كبدائل لغوية لـ“عملية السلام” أو “قضية الحقوق الهوياتية”، يمثّل محاولة واعية لإعادة تصنيف القضية الكردية وحصرها في بُعدها الأمني والجيوسياسي الإقليمي لخدمة بقاء السلطة الحاكمة وتأبيد مركزيتها.
إن هذه المفارقة البنيوية التي تجمع بين إغراء المصافحة الخطابية في العاصمة أنقرة، وبطش التعيين القسري للوصاة الحكوميين على المدن الكردية التاريخية، تكشف بدقة عن ديمومة واستمرار الجوهر الإقصائي للسياسة القومية؛ فالسلطة الرمزية هنا تعيد إنتاج ذاتها عبر منح شرعية لغوية مشروطة ونزع للسلاح الرمزي والمادي، مقابل المحو العملي للإرادة السياسية الحرة للمجتمع على أرض جغرافيته المحلية.
“المكرمة” إذن ليست انفراجاً، بل إعادة إنتاج لعدم التكافؤ بوسائل رمزية متطورة. فالدولة تستثمر رأس مالها الرمزي الذي يحتكر تعريف ما هو “مشروع” في الحقل السياسي، فتعيد صياغة المطلب الوجودي (حق تقرير المصير) كطلب ثقافي فرعي قابل للهبة. وهذا يحوّل النضال إلى مسألة إدارة خطابية: فمن يملك سلطة تسمية “المشكلة” يملك سلطة تحديد حلها. وفي هذا الإطار، تنتج الدولة هيمنةً ناعمة لا تحتاج إلى عنف علني، إذ يصبح الاحتفاء باللغة الكردية أو لقاء القيادات طقساً توافقياً زائفاً، يحوّل الحدث السياسي الجوهري إلى استهلاك إعلامي عابر يُنسى سريعاً. وهذا ما يفسره جيجيك بوصفه “تسامحاً قمعياً” يمنح رمزاً – لغة أو مصافحة – تعويضاً عن المطلب الجوهري (سلطة، ثروة، اعتراف سياسي متكافئ)، فيعاد تموضع القمع لا إلغاؤه، ليصبح أكثر قابلية للتصدير كصورة “ديمقراطية”.
أخيراً، يبقى الرهان على عراقة الثقافة الأصيلة وعناد الذاكرة الجمعية الكردية، التي تمارس تأثيراً ناعماً يعاكس اتجاه القوة المادية. فكما أثبتت المقاومة الوجودية للشعب الكردي عبر آليات الازدواجية الدلالية والأرشفة الشفوية وفن الـ Dengbêj، تظل الجغرافيا الورقية والوصاية الإدارية مجرد وهم لغوي عابر، بينما تظل حقيقة المكان محفورة في وعي الشعوب ووجدانها الحي الرافض للمحو والنسيان. واليوم هناك الإنترنت الذي يوثق كل شيء بنفسه، ولعله بإمكاننا أن نرى بعد عشرين عاماً اسم “قوات سوريا العربية الديمقراطية” بدلاً من “قوات سوريا الديمقراطية”.
قائمة المصادر
تم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي
المصادر العربية
عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار الكتاب اللبناني، د.ت.).
عبد الله القصيمي، العرب ظاهرة صوتية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994).
سيد قمني، الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية (القاهرة: سينا للنشر، 1990).
المصادر الكردية
Mizgîn Osman, Dengî Dengbêjan: Arşîvî Şefewî û Nasnameyî Cografî [صوت الدنغبجية: الأرشفة الشفوية والهوية الجغرافية] (دياربەکر: وەشانەکاني سەردەم، 2016).
Mehmet Emin Kaya, Nav û Nasname: Siyaseta Navguhertinê li Kurdistanê [الاسم والهوية: سياسة تغيير الأسماء في كردستان] (Amed: Weşanên Lîs, 2017).
المصادر التركية
Sevan Nişanyan, Yanlış Cennetin Sakinleri: Türkiye de Rum, Kürt, Ermeni ve Diğer Azınlıkların İsim Değişiklikleri (İstanbul: Adem Yayınları, 2010).
Sedat Erdem, “‘Kayyum’ Siyaseti ve Yerel Demokrasinin Tasfiyesi,” Birikim Dergisi, no. 404 (2022): 23–41.
المصادر اليونانية
Βασίλης Δημητριάδης, Μακεδονία: Μια Συμβολική Γεωγραφία (Θεσσαλονίκη: Εκδόσεις Αλεξάνδρεια, 2018).
Δημήτρης Μαυροσκούφης, Παλίμψηστο Χώρου: Η Μνήμη που Αντιστέκεται στη Διαγραφή (Ηράκλειο: Πανεπιστημιακές Εκδόσεις Κρήτης, 2020).
المصادر الفارسية
ماشاءالله آجوداني، مشروطه ايراني و هويت ملي (تهران: نشر اختران، 2003).
المصادر الأجنبية (نظريات ودراسات مقارنة)
Michel Foucault, Surveiller et Punir: Naissance de la Prison (Paris: Éditions Gallimard, 1975).
Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power (Cambridge: Harvard University Press, 1991).
Slavoj Žižek, Violence: Six Sideways Reflections (New York: Picador, 2008).
مصادر عن الفكر السياسي لعبد الله أوجلان
Abdullah Öcalan, Democratic Confederalism (London: Transmedia Publishing, 2017).
Kamal Soleimani and Behrooz Shojai, Kurdish Paradox of Statelessness: Öcalan s Confederalism and Turkeyification Strategies (Cham: Palgrave Macmillan, 2025).
#ايبرام_كفن_سويان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟