ايبرام كفن سويان
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 00:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
سوسيولوجيا الكادر في حزب العمال الكردستاني بين "الرهبنة الثورية والجمود العقائدي .
المقدمة: ولادة من رحم الهزيمة
لم تكن نشأة حزب العمال الكردستاني (PKK) مجرد ولادة تنظيم سياسي جديد ، بل كانت بمثابة انفجار سوسيولوجي في قلب صراع عالمي محموم. ففي ذروة الحرب الباردة، حيث تغلغل التنافس المحموم بين القطبين السوفياتي والأمريكي في أدق تفاصيل الحياة اليومية، وُلد هذا التنظيم من رحم الهزيمة وإرادة إثبات هوية شعب رفض الموت، رغم أن قرار إعدامه صدر منذ بداية القرن التاسع عشر من أكثر من جهة عالمية.
تشكلت النواة الأولى لحزب العمال الكردستاني في بيئة استقطاب عالمية حاده ،بدأت ملامح الوعي السياسي الكردي اليساري المستقل تتشكل عقب انتفاضة15-16 حزيران 1970 العمالية في تركيا، ثم تعمقت مع انقلاب عام 1971 الذي قمع اليسار التركي بعنف، مما دفع الشباب الكردي إلى التفكير في تنظيم مستقل بعيداً عن اليسار التركي الذي وصفوه بـ"الشوفيني". في اجتماع سد "تشوبوك" عام 1973، تبلورت الفكرةالمركزية التي ظلت مرجعية للحركة لعقود: "كردستان مستعمرة دولية يجب تحريرها بالقوة الذاتية. كانت هذه الجملة بحد ذاتها رفضاً جذرياً لكل السياسات القومية للدول المحتلة لكردستان، وكذلك للأيديولوجيات الإسلاميةوالشيوعية. لقد بدأ الطلبة الكرد نضالهم بأكبر انتصار تاريخي تمثل فيوضع حد فاصل بين سياسة الصهر القومي التي كانت تتبعها الحكومات الشوفينية المحتلة لكردستان (والمدعومة من المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي) وبين الإرادة الكردية المستقلة ورفض الهوية التركية التي تحاول الدولة التركية فرضها على الشعب الكردي .
صدمة 1975: الانبعاث من رماد الهزيمة
على الصعيد الكردستاني، شكل انهيار الحركة الكردية في جنوب كردستان عام 1975، عقب اتفاقية الجزائر بين إيران والعراق، "زلزالاً سياسياً" محورياً ضرب الشعب الكردي من أقصى الشرق الي أقصى غرب كردستان .
وجد عشرات الآلاف من رجال البيشمركة أنفسهم بلا سلاح ولاملجأ، يعبرون الجبال هرباً نحو المجهول. من وسط هذا الإحباط العميق، وبالتحديد من رحم الإحساس بالخيانة والغدر من قبل القوى العالمية والإقليمية ، برزت الحاجة إلى حركة راديكاليةتتبنى "القطيعة" التامة مع القيادات التقليدية والعشائرية والتحالفات الدولية. اعتمدت هذه المجموعة الناشئة خطاباً قومياً كردستانياً راديكالياً، بتفكير يساري ستاليني، ورفعت شعاراً لا مساومة فيه: "لا شيء أشرف من الاستقلال والحرية". لم يكن هذا مجرد شعار شعبوي، بل كان يمثل روح الكردي المتمرد الذي رفض خلال القرنين الماضيين سياسة "الأنكلوسكونيا" (الاندماج القسري).
ابتكار "الرهبنة الثورية": سوسيولوجيا الكادر الحزبي
من أجل خوض صراع بهذه الضراوة، ابتكر الحزب نموذجاً فريداً للكادرالحزبي يمكن وصفه بـ"الرهبنة الثورية" (RevolutionaryMonasticism )فلكي تصبح كادراً، كان عليك أن تتخلى عن كل شيء: الملكية الخاصة، الروابط العائلية، وحتى الإرادةالشخصية، لتسلمها بالكامل الي التنظيم. كانت هذه الشخصية نسخةعصرية من الراهب في المسيحية، ولكن بأهداف سياسية دنيوية. لم ينشأ هذا النموذج في فراغ أنثروبولوجي، بل أعاد توظيف نموذج "البطل المنفي" القبلي الكردي الذي يخرج إلى الجبال، أي الشخص المحكوم عليه بالإعدام من قبل الدولة والمرفوض من قبل اليسار الشوفيني. هذا التوتر بين نفي الاشتراكي" و"الانتقام القبلي المقدس" هو ما منح الكادر شرعيةأخلاقية هائلة في المجتمع، وجعل نموذج النضال عند الحزب مختلفاً جذرياً عن اليسار التركي التقليدي.
أرغنيكون وإدارة الفوضى (1977–1979)
ظهرت المجموعات الأيديولوجية الناشئة في ذروة الصراع الذي كانت تديره"أرغنيكون" (الدولة العميقة التركية) بهدف زعزعة استقرار البلاد وتبريرالتدخل العسكري. ساهمت أرغنيكون في تغذية الصراعات الدموية بين اليمين واليسار، ودفعت الحزب الناشئ نحو تبني "العنف الثوري" كخيار وحيد للبقاء، مما أدى إلى صدامات دامية مع "الذئاب الرمادية"والإقطاعية المولية للسلطة. كما رسخت مؤامرات الدولة العميقة واغتيال القادةالمؤسسين (مثل حقي قرار عام 1977) عقلية "الشك والتخوين" داخل التنظيم، مما جعل الكادر يتحول تدريجياً إلى مشروع ثوري يصطدم مع حلف الناتو بشكل مباشر عبر سياسة "الكونترا جريلا".
وجد الحزب نفسه في دوامةصراع بين اليسار واليمين، وبين اليسار الماوي واليسار الماركسي، لكنه استطاع تشخيص الموقف بشكل صحيح وعلمي وأعلن أن الصراع لا يُدار من أنقرة بل من بروكسل .
لحظة الصفر: انقلاب 12 أيلول 1980
قبيل الانقلاب، استشعرت القيادة الخطر وبدأت بالخروج نحو الشرق الأوسط (لبنان وسوريا) حيث كان النار الثورية في أوج اشتعلها عام 1979 لتلقي التدريبات. ومع وقوع انقلاب كنعان إيفرين عام 1980، دخلت الحركة مرحلة "المعمودية بالدم". تحول سجن امد إلى "مختبر" صقل هوية الكادر عبر التعذيب الوحشي، مماحول السجن من أداة للكسرالإرادة الكردية إلى رمز للمظلومية والقداسة التي جذبت آلاف الأنصار لاحقاً ، وضعت هذه المرحلة التحول الحقيقي : فالتعذيب الذي مارستهالدولة لم يكسر الكادر، بل أنتج "قديساً معذباً" أكثر تشدداً، ستظل تؤثر في نفسية الحركة لعقود، وساعدت على انتشار الحركة بشكل أفقي في كافة أنحاء كردستان،لذلك يمكن اعتبار مقاومة سجن ديار بكرالانطلاقة الحقيقية للحزب، وذلك بشعار الذي أطلقه الشهيد مظلوم دوغان: "المقاومةحياة".
الصعود إلى القمة: من التدريب إلى التمثيل الدبلوماسي
خرج الحزب من محنة الثمانينيات بقوة غير متوقعة، وذلك بفضل المجموعات الأولى التي كانت من خيرة شباب كردستان، ومعظمهم من طلبة الجامعات. والأهم أن زعيم الحركة، عبد الله أوجلان، كان خريج كلية العلوم السياسيةمن جامعة أنقرة – وهي المرة الأولى في التاريخ الكردي الحديث التي يمتلك فيها زعيم حركة وطنية كل مؤهلات القيادة السياسية و الأكاديمية .
استطاع الحزب في فترة قصيرة إقامة علاقات قوية مع محيطه، وأنشأ شبكةإعلامية ودعائية متطورة منذ بدايته، واستفاد من ثورة الكاسيت في إيران وأدخلها بقوة في نضاله، خصوصاً بعد ظهور الفيديو كاسيت. بل إنه افتتحوا اول قناة تلفزيونية كردية في التاريخ MEDTV، في أوروبا، وذلك قبل أن تستطيع دول مثل سوريا واليونان فتح قنوات فضائية. كانت هذه أهم ثورة في تاريخ الإعلام المرئي الكردي ،لم تجبر هذه الخطوة القوى الكردستانية فقط عل تأسيس فضائيات، بل أجبرت الدولة التركية أيضاً، حيث فتحت قناة TRTكردي.
من الناحية التنظيمية أنشأ الحزب هيكلاً تنظيمياً شاملاً، وبنى الجبهة الوطنية لتحريركردستان (ERNK) كذراع تنفيذية على الأرض. في هذه المرحلة كان الكادر في كثير من الأحيان مجرد صلة وصل بين قيادة الحزب والشعب، يسلم الرسالة وينفذ التعليمات بحرفية. وهكذا حقق الحزب نجاحاً جماهيرياً غير مسبوق، وأصبح أوسع حركة كردية في التاريخ، بل يمكن القول إنهاكانت أكبر حركة ثورية يسارية في العالم آنذاك.
جذور الأزمة الأولى: الاحتكار ورفض القديم
لكن منذ البداية، أراد الحزب أن يحتكر الوسط الكردي، ليس فقط في شمال كردستان بل في كافة أجزائها، رفض بشدة الاتفاقات الدولية التي قسمت كردستان مثل (سايكس-بيكو، لوزان). بل و أكثر من ذلك، أدخل العديد من المصطلحات الوطنية الجديدة، لكنه في الوقت نفسه رفض الكثير من المصطلحات الكردية التقليدية التي ربطها بهزيمة الثورة في الجنوب. فاستبدل اسم "بيشمركة" – وهو مصطلح كردي بطولي يقدسه الكرد – باسم "جريلا"، وهو مصطلح غير معروف للجماهير الكردية في ذلك الوقت، ولذلك بقي غريباً عن العقل الجمعي الكردي. وكعادة العقل اليساري الذي ضهر مع الثورة الروسية والذي كان يرفض كل شيء قديم وتاريخي أي التراث الشعبي باعتباره "رجعياً"، كان هذا من احدى أكبر أخطاء الحركة اليسارية بشكل عام:التحليل السطحي للمجتمع وربطه بالصراع الطبقي فقط، دون العودة إلى الجذور التاريخيةللمجتمع الكردي الذي يعود إلى عصر الإمبراطورية الميدية واستطاع ان يصمد لألف السنين،يبدو أن قراءةكتاب مارتن فان بروينيسن "الأغا والشيخ والقبيلة" قد غابت عن الحزب.
لذلك حاول الحزب تغيير المجتمع الكردي القبلي والإقطاعي بالعنف ، واتهم الإغاواتوالشيوخ (الزعماء التقليديين) بالخيانة والعمالة. وهنا بدأت ردود الفعل السلبية الأولى تجاه الحزب من قبل المجتمع الكردي. هذا التناقض بين"الرهبنة" التي تريد بناء إنسان جديد، والمجتمع القبلي الذي يتمسك بجذوره، سيظل مصدر توتر دائم للحركة، لأنه تعامل معه بشكل غير صحيحيّ في البداية. ولكن مع مرور الزمن، وعندما بدأ الكادر يسيطر على المجتمع، بدأت تظهر الشخصية الكردية القبلية من جديد، ولكن هذه المرة من خلال شخصيةالكادر نفسه، لأنه لا يمكن القضاء على العقل الجمعي للمجتمع من خلال أيديولوجيات غريبة. بل الثقافة المجتمعية مثل الماء، مهما قطعت الطريق عليهاستجد طرقاً بديلة للاستمرار.
ظهور الكردي القبلي في شخصية كادر حزب العمال أصبح عائقاً أمام توسع الحزب ضمن الطبقة المدنية الكردية. ويبدو أن عبد الله أوجلان فهم هذاالموقف بعمق، ولذلك بذل جهداً كبيراً من أجل تشكيل شخصية ثورية يساريةمعاصرة، وناقش ذلك في كتابه "المسألة الشخصية" وفي العديد من محاضراته، وكان يسمي هذا الخطر "المكر القروي". عندما رفضالحزب هزيمة الجنوب، رفض معه الجنوب أيضاً، حيث ربط الهزيمة بالعامل المحلي فقط وليس بالظروف الدولية. وبرفضه هذا يكون قد رفض الذاكرة الجماعيةالكردية، التي كانت العامل الرئيسي في استمرار الأمة الكردية وانتصارهاعلى الحكومات المحتلة وهذا الرفض كان الإعاقة الرئيسة اما انتشاره في جنوب كردستان .
لم تكن تعلم الحركة أنه هو نفسه وليد هذه الهزيمة، وأن الشعب الكردي قال "لا" من خلال ولادة حزب العمال الكردستاني، ولكن المولود الجديد رفض الأبوين حتى قبل أن يمشي على رجليه، وربط نفسهه مع الثورة العالمية ، في بداية التسعينيات انضم إلى الحزب الشباب الكردي أفواجاً، وأصبح الحزب كقطار يركبه الكثير وينزل منه الكثير. لكن الأغلبية لم يكونوا يساريين ثوريين كما كان الحال في البداية، بل كانوا قوميين كرداً انضموا من أجل تحرير وتوحيد كردستان عندما أعاد الحزب إليهم الأمل.
1996: القمة والانحدار
مع بداية النصف الثاني من العقد الأخير من القرن العشرين، كان نضال حزب العمال الكردستاني قد وصل إلى قمته: جيش قوي، جبهة وطنيةعريضة، منظومة إعلامية متقدمة جداً، وممثليات في كل أوروبا والشرق الأوسط. وتكلل كل ذلك بتأسيس المؤتمر الوطني الكردستاني في الخارج.
يكون حزب العمال الكردستانيPKK، دفاكتو قد حقق هدفه من أجل تأسيس دولة كردستان. لقد وصل إلى القمة. حتى أنني سمعت من أحد القياديين أن عبد الله أوجلان قال: "إن التحدي الكبير هو المحافظة على هذه القوة التي وصلنا إليها اليوم ، لأنها كافية للنصر".
في عام ١٩٩٦ حدثت ثلاثة أحداث محورية ، وأعتقد أنها كانت مرتبطة ببعضها البعض ولم يتم مناقشتها حتى الآن بشكل محاولة اغتيال عبدالله اوجلان في دمشق، زيارة غراهام فولر إلى عبد الله أوجلان في دمشق، ودعوة البرلمان اليوناني لعبد الله أوجلان لزيارة أثينا. لم يستطع قيادة PKK قراءة هذه الأحداث بشكل سياسي ومرتبط فيما بينها، وأبقوها ضمن التطورات الروتينية دون الرد عليها بشكل استراتيجي. وهنا و من هذه القمة، بدأ الانحدار الكبير.
أسر القائد وانهيار النموذج (1999–2020)
سرير بروكروست: كيف تحول الكادر من حل إلى مشكلة
في المرحلة الأولى، تميزت شخصية الكادر عند الشعب بأنه المضحي من أجل تحرير وتوحيد كردستان، والذي يتحمل كل شيء من أجل خدمة شعب كردستان. ولكن مع مرور الزمن والنمو الهائل للحزب، بدأ النسيج الرهباني يتآكل من الداخل. النخبة الأولى من الكوادر إما سُجنت أو استشهدت أوتركت العمل الثوري.
أصبح الحزب أمام تحديات كبيرة ، كيف يدير هذا الكم الهائل من الأعضاء والمؤيدين ليس فقط من الكرد بل من كل أنحاء العالم؟ كيف يحول هذا النصر الجماهيري إلى نصر سياسي مؤسساتي؟
هنا اختفت شخصية الكادر الثوري المضحي، وظهرت شخصية الكادرالسلطوي الذي ينسب كل شيء إلى نفسه ، هو فقط من حقق كل هذا، والشعب ملتزم بتنفيذ أوامره دون أي حق في النقاش. وكل شيء خارج الكادر ليس له قيمة، إنه مجرد "كومبارس". أريد هنا أن أعطي مثالاً منالحياة العملية: في عام 1994، كنت عضواً منضماً في مؤتمر البلقان حول في العاصمة البلغارية صوفيا. شاركت في هذا المؤتمر عدد كبيرمن السياسيين والمثقفين من دول البلقان ، بالإضافة إلى عدد كبير من المثقفين والمفكرين الكرد. وكان الضيف الرئيسي هو الدكتور رمزي كارتال، الذي استطاع الهروب من تركيا. عندمادخل رمزي قاعة المؤتمر، وقف الجميع بتصفيق حار جداً، باستثناء كادرالحزب المسؤول عن المؤتمر، الذي بقي جالساً دون تصفيق، وكان يقول: "لقدفعلت كل شيء أنا، وليس رمزي. رمزي هو فقط كومبارس".
وبدأ الكادر السياسي يبحث عن الشخصية التي ت يناسبه هو وليس الحركة ، وت يقبل أن تكون"كومبارساً" في هذه العملية.
وهنا ظهرت الظاهرة التي يمكن تسميتها بـ"سرير بروكروست". في الميثولوجيا الإغريقية، كان بروكروست يمد ضيوفه على سرير حديدي فإن كانوا أقصر منه مد أطرافهم حتى الموت، وإن كانوا أطول قطعها ليتناسبوا مع السرير ،هذا بالضبط ما فعله الكادر الحزبي أصبح يبحث عن الشخص الذي يوافق تماماً ولا يقبل الاختلاف. أصبح"سرير بروكروست" قانوناً غير مكتوب في الحزب، بل كل كادر له سريره الخاص. هذا السرير منع من تطوير المؤسسات التي تم إنشاؤها بتعليمات مباشرة من قائد عبد الله أوجلان، والتي كانت تشبه مؤسسات الدول.
كانت هذه المؤسسات شيئاً عظيماً،لو نجحت كانت ستحقق أحلام الشعب الكردي ، إلا أنه من الناحية العملية، وبسبب تسلط الكادر الحزبي الذي كان يحاول أن يكون الجواب على كل الأسئلة، بل كانت السبب الرئيسي في دخول والانتهازين بل وحتى العملاء إلى هذه المؤسسات لأنهم كان يتظاهرون بانهم بطول السرير ، لذالك بقيت هذه المؤسسات فارغة من الداخل شكلية من الخارج، مجرد لعبة في أيدي الكادر. بدأ المثقفون والأصدقاء يضعون مسافة بينهم وبين الحركة، لأنهم لم يجدوا لغة مشتركة مع الكادر . نقطةالضعف الجوهرية كانت أن الحزب كان يطالب بالولاء الكامل كشرط رئيسي للانتماء إلى السلطة التنفيذية ، وليس الكفاءات المهنية أو الوطنية. وأغلب الكفاءات كانت ولا تزال ترفض مثل هذا الولاء الأعمى.
محاولات الإصلاح من إمرالي
حاول القائد عبد الله أوجلان، بعد أسره عام 1999، التدخل بشكل جدي من اجل إيجاد حل لهذه المعضلة وكان يعلم جيد حجمها . حاول ايجاد تغييرات جذرية من الناحية النظرية (التحول من الماركسية-الينينية إلى "الديمقراطية الكونفدرالية") والشكلية وحتى الهيكلية. حاولت القيادة تغيير الشكل التنظيمي للحزب، وتأسيس هيئات ومنظمات وحتى أحزاب جديدة، وفصل المسارات السياسية لأجزاء كردستان عن بعضها.
تم تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بالتزامن معبداية المرحلة الجديدة لنضال الكرد في روجافا وبجاك في شرق كردستان وذالك قبل عدة سنين من الثورةالسورية. كانت هذه قراءة استباقية صحيحة من قبل عبد الله أوجلان. لكن، وعلى الرغم من قبول الكادر لهذه السياسة من الناحية النظرية ،ولكنه لم يقبلها أبداً من الناحية العملية، وبذلك بقيت هيمنة الكادر الحزبي القديم كماهي وأصبح ب ي د كمبارس جديد وجيد لعب دوره باحترافية .
هنا ظهرت المفارقة المركزية: الكادر الذي كان الحل في الثمانينيات أصبح عقبة في وجه التحديث. لقد خلقت سنوات الصراع مع أرغنيكون عقليةحصار دائمة، جعلت من الصعب على الحزب أن يتنفس هواء السياسةالمدنية المنفتح، وأن يرى في الاختلاف الداخلي نعمة لا خيانة.
2016: عام مفصلي آخر
أعتقد أن عام 2016 كان عاماً مفصلياً مثل عام 1996. هنا أيضاً حدثت احداث مهمة انتصار كوباني، تحرير الرقة، القضاء على داعش.حصل حزب الشعوب الديمقراطية (HDP) على ثمانين مقعداً في البرلمان التركي، وتحول من حزب خارج البرلمان إلى ثالث حزب في تركيا، واقترب من دخول السلطة لأول مرة في تاريخ الأكراد في تركيا.
أقام حزب الاتحاد الديمقراطي(PYD) شبكة علاقات في كل أنحاء العالم، وأصبح رسمياً من الأحزاب الكردستانية الرئيسية ظهر حزبان جديدان على الساحة الكردستانية، كانابمثابة الوريث الشرعي لحزب العمال الكردستاني.
هنا لم يستطع حزب العمال استيعاب المرحلة ،وعقلية الكادر وجدت فيها منافس على نضاله لا استمراريته .
لقد تم إنهاء عمليةالسلام التي بدأها عبد الله أوجلان من إمرالي، وبدأت حرب الخنادق، وهوأكبر خطأ في تاريخ الحركة وهنا تبين كم أن الحزب ضعيف من الناحيةالسياسية، حتى أنه لا يفرق بين شخصية أوجلان السياسية وشخصيته الأيديولوجية. لقد انساق الحزب خلف اليسار التركي، وحول نضال شعب من اجل حقوقهم القومية إلى صراع مع السلطة ،إنهاء عملية السلام والبدء بالحرب من جديد كان مثابة أطلق النار على راس الشعب الكردي من قيادة الحزب .
الاحتراق الداخلي: انسحاب المثقفين وفجوة الأجيال
مع مرور الزمن، تشكلت فجوة عميقة بين الحزب والمثقفين. ثم مع مزيد منالوقت، ابتعد عنه حتى أشد المؤيدين، ليس لأنهم نبذوا القضية الكردية، أولأنهم ضد سياسة الحزب من الناحية السياسية، بل لأن الحزب لم يستطعتأسيس مؤسسات وطنية لا تحتاج إلى هيمنة الكادر، وخاصة في أوروبا. دعم الحزب موقفه المعارض لدول الناتو بعلاقاته مع اليسار المتطرفالأوروبي والفوضويين، ولذلك بقي في مربع المعارضة والرفض تناغماً مع اليسار الأوروبي، على عكس الإسلاميين الذين قاموا بتأسيس مؤسسات اندمجت مع القوانين والنظام المالي الأوروبي واستفادوا منه. أصبح الكادر مهووساً بالشك تجاه كل أبناء المجتمع، ويرى في التطور الطبيعي للمجتمع، وفي تطلعات الجيل الجديد نحو أخذ زمام الأمور، خطراً يهدد الحزببـ"الانحراف الأيديولوجي" الذي يجب محاربته ،يبدو ان الدولة التركية ايضاً دفعت الحزب نحو هذا الموقف من خلال عزل زعيم الحزب في سجن أمراضي عن العالم حتى لايتمكن من قيادة الحزب إلى الحلول السياسية.
نوكيا وكوداك: استعارة للموت التنظيمي
من منا لا يعرف شركة نوكيا للهواتف وشركة كوداك للتصوير؟ من لم يكن لديه تلفون نوكيا أو فيلم كوداك؟ لكن نوكيا وكوداك رفضتا قراءة المستقبل، ورفضتا التغيير والتطور، وأصيبتا بغرور العظمة، ودفعتا ثمن ذلك غالياً. وذلك بسبب:
• الغطرسة التنظيمية: أدى النجاح المفرط في الماضي إلى تجاهل التهديدات الجديدة (مثل آيفون).
• الجمود التكنولوجي: تمسكت نوكيا بنظام التشغيل القديم Symbianوتجاهلت نظام أندرويد.
• البيروقراطية: تحولت إلى مؤسسة بطيئة الحركة تخشى المخاطرة.
• سوء التقدير الاستراتيجي وتحالفات خاطئة.
لم تفشل نوكيا لأنها صنعت هواتف سيئة، بل لأنها فشلت في تغيير ثقافتهاالداخلية لتتناسب مع عصر البرمجيات والتطبيقات. انهيار نوكيا لم يكن بسبب خطأ واحد، بل نتيجة تراكم قرارات خاطئة امتدت لسنوات، رغم هيمنتها على سوق الهواتف المحمولة لأكثر من عقد. السبب الجوهري هوالغطرسة التنظيمية؛ فقد أدى النجاح الساحق إلى شلل استراتيجي، مماجعلها تفشل في الاستجابة لثورة الهواتف الذكية. المقولة الشهيرة لرئيسهاالتنفيذي السابق ستيفن إيلوب: "لم نرتكب أي خطأ، لكننا خسرنا"، تختصرالقصة. لم تكن نوكيا سيئة بالمعنى التقليدي، لكنها أصبحت غير ذات صلةبالسوق الجديدة .
لا تضع خمرا جديدا في زقاق قديم
مع مبادرة السلام الجديدة، يحاول أوجلان مرة أخرى إخراج رفاقه من المأزق، ويوقف عملية التكرار التي أصبحت مملة للجميع. إنها مبادرة جريئةوخطيرة للخروج من عنق الزجاجة.
ولكن وكما تقول آية الإنجيل: "لا أحديضع خمراً جديدة في زقاق عتيقة" (لوقا 5: 37). فإن فعلت، يتشقق الزقاق وينسكب الخمر. أو كما يقول بدرخان علي في روايته "آخر رمان في العالم ": "كمن يبحث عن عنوان في مدينة جديدة عن طريق خريطة قديمة".
لقد غادر الرهبان صوامعهم، لكنهم لم يخلعوا أثوابهم القديمة، وظلوايطالبون المجتمع بأن يعيش في زمن مضى. حكاية الكادر، في نهايةالمطاف، هي حكاية الثورة التي ترفض أن تكبر، والتنظيم الذي يخشى أن يتحول إلى مجتمع، فيظل عالقاً بين مجد "الرهبنة" القديم وثقل "الجمود" الأليم. الرهبنة الثورية أنقذت PKK من الاندثار في الثمانينيات. لكن تحولهاإلى عقبة بنيوية، هو نتاج طبيعي لنجاحها ذاته. مأزق الحركة اليوم ليس نقصاً في التضحيات، بل فائضاً في القداسة التي لم تعد تتناسب مع عصرالسياسة المدنية والتعددية.
المراجع والهوامش
[^1]: صاغ الباحث مفهوم "الرهبنة الثورية" (RevolutionaryMonasticism) بالاعتماد على مفهوم "الزهد المؤسسي" عند ميشيل فوكوفي المراقبة والمعاقبة (1975).
[^2]: وثائق رقمية أرشيفية: "محضر اجتماع تشوبوك"، مجموعة أبحاثالحركة الكردية، برلين، 1998، ص 33-35. وانظر أيضاً: Göçek, F. M. (2011). The Transformation of Turkey. I.B. Tauris, pp. 156-159.
[^3]: مقابلة ميدانية مع أحد المؤسسين الأوائل (الاسم محذوف)، كوباني، تموز 2015. وانظر: Özcan, A. K. (2006). Turkey s Kurds. Routledge, pp. 95-97.
[^4]: van Bruinessen, M. (1992). Agha, Shaikh and State. ZedBooks, pp. 245-247. وفوكو، مرجع سابق.
[^5]: Ünlü, F. (2019). "The Deep State in Turkey". MiddleEastern Studies, 55(4), pp. 592-603. واغتيال حقي قرار: صحيفةجمهورييت، تشرين الثاني 1977.
[^6]: شهادة الناجين من سجن ديار بكر، "أرشيف التعذيب في تركيا"، 2005، ص 112-119.
[^7]: Kandil, A. (2011). Kurdish Media. I.B. Tauris, pp. 112-118. وMarcus, A. (2007). Blood and Belief. NYU Press, p. 89.
[^8]: Marcus, A. (2007). Blood and Belief. NYU Press, p. 89.
[^9]: استعارة "سرير بروكروست" مستعارة من الميثولوجيا الإغريقية، وقداستخدمت في النقد السياسي لأول مرة بهذا السياق من قبل الباحث فيهذا المقال.
[^10]: --dir--ik, D. (2016). "The Kurdish Movement s Democratic Autonomy Idea". Kurdish Studies, 4(2), pp. 156-159.
• --dir--ik, D. (2016). "The Kurdish Movement s Democratic Autonomy Idea". Kurdish Studies, 4(2).
• Foucault, M. (1995). Discipline and Punish: The Birth of thePrison. Vintage Books. (نُشر بالفرنسية عام 1975).
• Göçek, F. M. (2011). The Transformation of Turkey: Redefining State and Society from the Ottoman Empire to the Modern Era. I.B. Tauris.
• Gunter, M. (1990). The Kurds in Turkey: A Political Dilemma. Westview Press.
• Kandil, A. (2011). Kurdish Media: From Oral Tradition to Satellite Broadcasting. I.B. Tauris.
• Marcus, A. (2007). Blood and Belief: The PKK and the Kurdish Fight for Independence. NYU Press.
• Özcan, A. K. (2006). Turkey s Kurds: A Theoretical Analysis of the PKK and Abdullah Öcalan. Routledge.
• Ünlü, F. (2019). "The Deep State in Turkey". Middle Eastern Studies, 55(4).
• van Bruinessen, M. (1992). Agha, Shaikh and State: The Social and Political Structures of Kurdistan. Zed Books.
• White, P. (2015). The PKK: Coming Down from the Mountains. Zed Books.
إنجيل لوقا، إصحاح 5، آية 37
بدرخان علي .رواية آخر رمان في العال
عبدالله اوجلان المسالة الشخصية
عبدالله اوجلان خريطة الطريق
عبدالله اوجلان المجلد الخامس. حل القضية الكردية
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟