أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ايبرام كفن سويان - الكرد و موازين القوى الإقليمية















المزيد.....



الكرد و موازين القوى الإقليمية


ايبرام كفن سويان

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 18:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الكرد و موازين القوى الإقليمية في شرق البحر الأبيض المتوسط

قراءة سوسيولوجية وجيوسياسية في الفرصة الكردية التاريخية وعطالة العقليات المحيطة

الملخص
يطرح هذا التحليل فرضية مركزية مفادها، أن الطرف الإقليمي أو الدولي الذي يتجاوز أنماط التوظيف الوظيفي الأمني للكرد، وينتقل إلى بناء تحالف استراتيجي معهم بوصفهم شعباً ومجتمعاً متكاملاً، هو الذي سينجح في صياغة موازين القوة والاستقرار المستدام في الشرق الأوسط.
يستند البحث إلى ثلاثة مستويات متكاملة من التحليل: مستوى سوسيولوجي يفكك بنية المجتمع الكردي، وتسامحه الديني والمذهبي، ومعضلاته البنيوية المتمثلة في غياب مركز سياسي واقتصادي ولغوي جامع، مستعيناً بأطروحات ماكس فيبر وبيير بورديو؛ ومستوى جيوسياسي يحلل عطالة العقليات التركية والعربية والفارسية والإسرائيلية تجاه القضية الكردية، وتفاوت أنماط الاحتواء والتجسير والتوظيف الاستخباراتي في كل منها؛ ومستوى تاريخي يستقرئ محطات تحالفت فيها قوى إمبراطورية وإقليمية مع الكرد لحسم موازين القوى - من الأخمينيين والعباسيين إلى ملاذكرد وجالديران وحرب الاستقلال التركية - قبل أن تنقلب على هذا التحالف عند زوال الحاجة إليه.
ويخلص التحليل إلى أن تجاوز هذا النمط التاريخي المتكرر يستلزم نضجاً كردياً داخلياً في بناء «المركزية الوظيفية»، ونضجاً إقليمياً موازياً يتجاوز منطق الاحتواء نحو شراكة قائمة على الاعتراف المتبادل.
المقدمة
يقف الشرق الأوسط المعاصر أمام حالة من الانسداد الهيكلي الناتج عن هيمنة الأيديولوجيات القومية والدينية المركزية، والتي نسجت عبر تاريخها الحديث علاقات نفوذ قائمة على الإخضاع والصهر الثقافي بين القوميات الرئيسية الخمس، التي تتقاسم جغرافيا هذا الإقليم: العرب، والترك، والفرس، واليهود، والكرد.
في هذا الفضاء المتعدد والمتنازع عليه، تتحدد مسألة الكرد ليس بوصفها مجرد «قضية أقليات» أو ملف أمني عابر للحدود، بل بوصفها إشكالية سوسيولوجية وجيوسياسية مريرة تتعلق بامتلاك جميع مقومات الشراكة الإقليمية - الكتلة البشرية الحيوية، والموقع المورفولوجي المحوري، والتسامح البنيوي - مع حرمانهم التاريخي المتكرر من تشكيل «المركز التأسيسي» بأبعاده الثلاثة: السياسي، والاقتصادي، واللغوي-الأكاديمي.
إن التحليل السوسيولوجي النقدي لهذه المعادلة يفضي إلى فرضية تأسيسية واحدة: أن الطرف الإقليمي الذي سيمتلك الجرأة التاريخية لتجاوز العقليات الشمولية والطائفية الموروثة، وينتقل من «التوظيف الوظيفي الأمني» للكرد إلى بناء تحالف استراتيجي معهم بوصفهم «شعباً ومجتمعاً متكاملاً» لا أداة تفاوض مرحلية، هو الطرف الذي سينتصر في صياغة موازين القوة والاستقرار المستدام في المنطقة.
هذه الفرضية ليست تكهناً مجرداً، بل خلاصة قراءة ممتدة عبر ثلاثة مستويات متكاملة من التحليل: مستوى سوسيولوجي يفكك بنية المجتمع الكردي ذاته وموارده الرمزية والمادية، ومستوى جيوسياسي يفحص عطالة العقليات الإقليمية والدولية المحيطة، ومستوى تاريخي يستقرئ الأنماط المتكررة التي حسمت فيها الكتلة الكردية نتائج الصراعات الكبرى عبر أكثر من ألفي عام
البنية الاجتماعية الكردية بين التسامح البنيوي ومعضلة غياب المركز
سوسيولوجيا الدين والمجتمع
تتسم البنية الإثنو-دينية الكردية بتعددية أفقية فريدة، تمنح المجتمع مناعة ذاتية ضد التيارات الشمولية الراديكالية. فمن خلال قراءة سوسيولوجية دقيقة لتوزيع المذاهب والأديان داخل الجغرافيا الكردية - بين سنّة يسودهم التصوف التأسيسي كالقادرية والنقشبندية، وعلويين، ويزيديين وزرادشتيين، ومسيحيين وأهل حق/يارسانية، فضلاً عن الإرث التاريخي الكثيف لليهود الكرد - نجد أن الهوية القومية الكردية لم تتأطر تاريخياً ضمن «مشروع مذهبي إقصائي» واحد يفرض نفسه على البقية.
في هذا السياق، ينطبق تحليل ماكس فيبر حول «سوسيولوجيا الدين» وطرائق تشكل السلطة والمؤسسات؛ حيث إن غياب «المركزية المذهبية المغلقة» لدى الكرد منع تحول الدين إلى أداة هيمنة دولة شمولية ضد الآخرين، خلافاً لما جرى في نماذج إقليمية أخرى وظّفت المذهب الواحد أساساً لبناء الدولة والإقصاء المتبادل معاً. لقد شَكّل هذا التسامح الاجتماعي حائط صدّ بنيوياً أمام تغلغل الأيديولوجيات التكفيرية أو العابرة للحدود، مما يجعل المجتمع الكردي «حاضنة استقرار طبيعية» و«بيضة القبان» الثقافية في شرق أوسط يغلي بالصراعات المذهبية والقومية المتقاطعة.
وهذه السمة، حين تُقرأ في سياقها التاريخي الطويل، تكشف أن التعدد لم يكن ضعفاً بنيوياً بقدر ما كان آلية تكيف اجتماعي، أتاحت للمجتمعات الكردية أن تستوعب موجات القمع المتعاقبة دون أن تتحول هي نفسها إلى مصدر تصدير للتطرف نحو محيطها.
الجغرافيا المورفولوجية: موقع القلب وثقل الكتلة البشرية
تتقاطع هذه القوة الاجتماعية مع جغرافيا مورفولوجية حيوية تتمركز فيما يقارب «منطقة القلب» الجيوسياسية؛ فهي تحتضن منابع نهرَي دجلة والفرات، وتسيطر على الممرات التكتيكية الرابطة بين الأناضول والهضبة الإيرانية والسهل الخصيب، إضافة إلى كتلة بشرية حيوية تتجاوز السبعين مليون نسمة يعيشون منذ آلاف السنين في قلب شرق البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى وجود جاليات كبيرة في أربع دول إقليمية رئيسية وأوروبا. هذا المزيج بين الموقع المحوري والكتلة الديموغرافية يمنح الكرد، من الناحية النظرية البحتة، وزناً تفاوضياً يفوق بكثير ما تعكسه خرائط النفوذ السياسي الراهنة - وهي فجوة بين «الثقل الموضوعي» و«التمثيل الفعلي» تشكل جوهر الإشكالية التي يعالجها هذا التحليل.
معضلة غياب المركز: تفكيك «الهيمنة والرمز» عند بورديو
رغم هذه الميزات الجيوسياسية الهائلة، يواجه الفاعل الكردي عائقاً بنيوياً داخلياً يُعطل تحوله إلى حليف متماسك كشعب موحد. يتبدى هذا العائق في غياب «المركزية الثلاثية»:
المركز السياسي: انقسام البنية السياسية بين مناطقية وحزبية وعشائرية ضيقة، تجعل القرار التفاوضي محكوماً بتوازنات الإقليم المحيط أكثر من كونه محكوماً بإرادة جامعة.
المركز الاقتصادي: ارتهان الأجزاء الكردية باقتصادات المراكز الإقليمية المحيطة (أنقرة، طهران، بغداد، دمشق) وغياب «سوق قومية جامعة» تربط هذه الأجزاء ببعضها اقتصادياً بدلاً من ربط كل جزء بمركزه الوطني الرسمي، هنا يجب القول إن أربيل بدأت تلعب دوراً اقتصادياً ،ولكنها لاتزال بعيدة عن ان تكون مركزا سياسيا و ثقافيا .
المركز اللغوي والثقافي: التشتت اللهجوي بين الكرمانجية والسورانية والزازائية والكورانية، وازدواج الأبجديات المستخدمة بين اللاتينية والعربية/الآرامية.
بناءً على أطروحة بيير بورديو حول «رأس المال الرمزي» و«معيرة اللغة»، فإن عدم امتلاك الكرد لمؤسسة أكاديمية أو لغوية أو سياسية معيارية جامعة يمنعهم من إنتاج «رمزية قومية موحدة» تفرض نفسها في الساحة الدولية. هذا الغياب يُغري القوى الإقليمية والدولية بالتعامل مع الكرد عبر سياسة «التفاوض بالقطعة» وتوظيف المجموعات المحلية في أدوار وظيفية مؤقتة، بدلاً من الاعتراف بشريك استراتيجي يمتلك مشروعاً وطنياً شاملاً. وهنا يكمن التناقض المركزي الذي يحكم الموقف الكردي: امتلاك كل مقومات القوة البنيوية - الديموغرافيا، والجغرافيا، والتسامح الاجتماعي - مع العجز عن تحويلها إلى «رأس مال رمزي» قابل للتفاوض عليه ككتلة واحدة، وهو عجز لا ينبع من نقص في الموارد بقدر ما ينبع من غياب المؤسسة الجامعة القادرة على تعبئتها.
تفكيك العقليات الإقليمية والدولية تجاه القضية الكردية
المشروع التركي: عقدة الدولة الأحادية وهندسة الوعي
تستند البنية السياسية للدولة التركية الحديثة، في امتدادها التاريخي من أواخر العهد العثماني إلى الجمهورية الكمالية ثم إلى صيغها السياسية المعاصرة، إلى تصور مركزي للدولة يقوم على أولوية الوحدة السياسية والتجانس القومي. ولم يكن هذا التصور مجرد خيار أيديولوجي عابر، بل تشكّل في سياق تاريخي اتسم بتراجع الإمبراطورية العثمانية، وفقدان أجزاء واسعة من أراضيها، وتصاعد المشاريع القومية والانفصالية على أطرافها. ومن ثمّ أصبح هاجس الحفاظ على وحدة المجال السياسي أحد المحددات العميقة التي وجّهت تطور الدولة التركية وعلاقتها بالمكونات غير التركية، وفي مقدمتها الكرد.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن النظر إلى القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر المسائل التي كشفت التوتر الكامن بين مفهوم الدولة المركزية ومبدأ التعددية الاجتماعية والثقافية. فقد تعاملت النخب الحاكمة، بدرجات متفاوتة وفي مراحل تاريخية مختلفة، مع الاعتراف السياسي بالتعدد الكردي باعتباره احتمالاً يمكن أن يعيد إنتاج منطق التفكك الذي عانت منه الدولة العثمانية في مرحلتها الأخيرة.
ولذلك اتجهت السياسات الرسمية، في فترات متعددة، إلى تقليص المجال العام الذي يمكن أن تتبلور داخله هوية كردية سياسية مستقلة، بالتوازي مع سياسات لغوية وثقافية وإدارية هدفت إلى تعزيز التجانس الوطني.
غير أن المسألة لم تقتصر على الإنكار أو القمع المباشر؛ إذ اتخذت في بعض مراحلها شكلاً أكثر تعقيداً تمثل في محاولة إعادة صياغة موقع الكرد داخل المشروع الوطني التركي، بحيث يجري الاعتراف بهم بوصفهم مواطنين، ولكن ضمن إطار سياسي وثقافي لا يسمح بتحويل خصوصيتهم الجماعية إلى أساس لمطالبة سياسية مستقلة.
وهكذا انتقلت الدولة، في بعض السياقات، من محاولة إلغاء الفارق إلى محاولة ضبطه وإدارته، ومن إنكار الهوية إلى احتوائها ضمن تعريف مركزي للمواطنة والانتماء الوطني.
وتكشف هذه الآلية عن فارق مهم بين الاندماج السياسي الطوعي وبين الاستيعاب الذي تفرضه الدولة من أعلى. ففي الحالة الأولى يصبح الانتماء المشترك نتيجة لعقد سياسي يضمن الاعتراف المتبادل والتكافؤ بين الجماعات؛ أما في الحالة الثانية فإن الدولة تحدد مسبقاً الحدود المشروعة للهوية، ثم تطلب من الجماعات المختلفة إعادة تعريف ذاتها وفق تلك الحدود.
ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ«هندسة الوعي السياسي»: أي سعي السلطة ليس فقط إلى إدارة السلوك السياسي للكرد، وإنما إلى التأثير في الطريقة التي يُعرّفون بها أنفسهم وموقعهم داخل الدولة.
وقد انعكس ذلك أيضاً على طبيعة العلاقة السياسية بين أنقرة والقوى الكردية. فعندما كانت الدولة تحتاج إلى التعاون مع القوى والقيادات الكردية، كما حدث في بعض اللحظات التاريخية التي فرضتها الحروب أو التحولات الإقليمية، كان المجال متاحاً لتكوين تحالفات مؤقتة ومصالح مشتركة؛ لكن هذه الشراكات لم تتحول بصورة مستقرة إلى صيغة مؤسساتية تقوم على الاعتراف المتبادل بالمساواة السياسية. وهنا تظهر مفارقة أساسية في التجربة التركية: الدولة احتاجت إلى الكرد في لحظات متعددة، لكنها ظلت مترددة في تحويل هذه الحاجة إلى شراكة سياسية متكافئة ومستدامة.
وعليه، فإن الإشكالية لا تكمن فقط في وجود صراع بين الدولة التركية والحركة الكردية، وإنما في طبيعة النموذج السياسي الذي حكم العلاقة بين الطرفين. فالدولة المركزية، حين تنظر إلى التعدد الاجتماعي باعتباره تهديداً محتملاً لوحدتها، تميل إلى إنتاج علاقة تقوم على الاحتواء والضبط بدلاً من التفاوض على عقد سياسي جديد. وفي المقابل، كلما اتسع الوعي الكردي بحقوقه الثقافية والسياسية، ازدادت صعوبة استيعابه داخل نموذج الدولة الأحادية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو القضية الكردية مجرد «مشكلة أمنية» في التاريخ التركي الحديث، بل تكشف عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة ذاتها: هل تستطيع الدولة القومية المركزية أن تتحول من مشروع للتجانس إلى إطار سياسي يستوعب التعدد؟ وهل يمكن بناء علاقة بين الدولة والكرد تتجاوز ثنائية الصراع والاحتواء نحو صيغة من المواطنة المتساوية والشراكة السياسية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب قراءة تاريخية تتجاوز اللحظة الجمهورية وحدها، والعودة إلى المرحلة العثمانية المتأخرة، حيث بدأت تتشكل التحولات التي أعادت تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الدولة والجماعات المحلية.
المشروع العربي: التحالف المعطل والفرصة الضائعة
يمثل المجال العربي، بحكم الجغرافيا والتاريخ والتداخل الاقتصادي والبشري، أحد أكثر المجالات قابلية لبناء علاقة استراتيجية مستقرة مع الكرد.
فالمجال الكردي يتداخل جغرافياً بصورة مباشرة مع العراق وسورية، كما تتشابك مصالحه الاقتصادية والأمنية والاجتماعية مع المجال العربي، على امتداد مناطق الحدود التي تمتد من الخليج إلى اسكندرونة ، والموارد وشبكات التجارة والطاقة والمياه.
وإلى جانب هذا الترابط الجغرافي، لا يحمل المشروع القومي العربي والكردي، في صيغته التاريخية الحديثة، إرثاً مماثلاً للمشاريع الإمبراطورية أو القومية التوسعية التي استهدفت إعادة رسم المجال العربي والكردي. وهذا يمنح العلاقة العربية–الكردية، من حيث المبدأ، إمكانية الانتقال من منطق التنافس على المجال إلى منطق المصالح المتبادلة.
كما أن التجربتين العربية والكردية تشتركان، وإن بدرجات وسياقات مختلفة، في تاريخ طويل من التعامل مع الدولة المركزية السلطوية وسياسات الإقصاء الثقافي والسياسي وإعادة تشكيل الهوية من أعلى، وهي سياسات فشلت بسبب عدم تأييد الشعبين لها.
وقد أنتجت هذه التجارب مساحات من الذاكرة السياسية المشتركة، خصوصاً في العراق وسورية، حيث وجد العرب والكرد أنفسهم في مراحل مختلفة تحت أنظمة سعت إلى احتكار المجال السياسي وإخضاع المجتمع لتعريف أيديولوجي أحادي للهوية الوطنية والدينية والطائفية.
ومع ذلك، بقيت إمكانية بناء تحالف عربي–كردي مستدام إلى حد كبير فرصة تاريخية غير مكتملة. ولا يعود ذلك بالضرورة إلى غياب المصالح المشتركة بين الطرفين، بقدر ما يرتبط بطبيعة الدولة العربية الحديثة وأزمة النخب السياسية التي أدارتها.
فقد أدى ضعف المؤسسات الوطنية الجامعة، وهيمنة منطق السلطة على حساب منطق الدولة، وتغليب الاعتبارات الأمنية قصيرة المدى، إلى التعامل مع القضية الكردية غالباً باعتبارها ملفاً داخلياً أو ورقة تفاوضية، لا باعتبارها جزءاً من إعادة صياغة استراتيجية للعلاقات بين مكونات المنطقة.
وتزداد هذه المشكلة تعقيداً عندما تتداخل القومية العربية مع قراءات شوفينية للهوية الوطنية، أو عندما تتحول الانقسامات المذهبية والطائفية إلى أدوات للصراع الإقليمي.
ففي مثل هذه الظروف يصبح الكرد أحياناً موضوعاً للمساومة بين القوى الإقليمية، بدلاً من أن يكونوا شريكاً في صياغة النظام الإقليمي.
وقد أظهرت تجارب متعددة أن بعض القوى العربية لم تقترب من الكرد ،إلا عندما احتاجت إلى وزنهم في مواجهة خصم إقليمي، ثم تراجعت عن ذلك التقارب عندما تغيرت موازين القوى، أو انتهت الحاجة السياسية المباشرة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: المشكلة لم تكن دائماً في غياب إمكانية التعاون العربي–الكردي، وإنما في غياب مؤسسة سياسية واستراتيجية قادرة على حماية هذا التعاون من التحولات الظرفية.
فالتحالف الحقيقي لا يقوم على تقاطع المصالح في لحظة أزمة، بل يحتاج إلى تصور طويل الأمد للأمن والتنمية والاقتصاد وإدارة الحدود والموارد، وإلى اعتراف متبادل بالحقوق والهويات والمصالح.
ومن هذا المنظور، يمكن إعادة تعريف العلاقة العربية–الكردية بعيداً عن ثنائية «الأقلية والأغلبية» التي حكمت جانباً مهماً من الخطاب السياسي التقليدي.
فالكرد ليسوا مجرد جماعة سكانية موزعة داخل دول عربية، كما أن العرب ليسوا كتلة سياسية واحدة في مواجهة الكرد؛ بل إن الطرفين يشكلان مكونات تاريخية متداخلة داخل فضاء جغرافي واحد، وتربطهما شبكات اقتصادية واجتماعية وأمنية تجعل الفصل الكامل بين مصالحهما أمراً غير واقعي.
وإذا جرى تجاوز منطق استخدام الكرد كورقة ضغط في الصراعات مع أنقرة أو طهران، أو استقباله كطرف طارئ لا صاحب دعوى، يمكن أن يتحول المجال العربي إلى شريك استراتيجي في بناء نظام إقليمي أكثر توازناً.
وفي المقابل، تستطيع القوى الكردية أن تنتقل من البحث عن الحماية الخارجية الظرفية إلى بناء علاقات مؤسساتية قائمة على المصالح المتبادلة مع الدول والمجتمعات العربية المجاورة.
عندئذ يصبح التحالف العربي–الكردي مشروعاً جيوسياسياً لا يقوم على العداء لطرف ثالث، وإنما على بناء شبكة مصالح مستقلة في الأمن والاقتصاد والطاقة والمياه والتجارة والتنمية.
وعليه، فإن الفرصة العربية الضائعة لا تتمثل فقط في عدم الاعتراف الكافي بالحقوق الكردية، وإنما في عدم إدراك القيمة الاستراتيجية التي يمكن أن يمثلها التعاون العربي–الكردي في إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط.
فبدلاً من أن تكون العلاقة محكومة بمنطق «الاستفادة من الكرد عند الحاجة ثم التخلي عنهم عند تغير الظروف»، يمكن أن تتحول إلى شراكة طويلة الأمد تقوم على قاعدة أكثر نضجاً: لا أمن عربي مستدام من دون معالجة عادلة للقضية الكردية، ولا استقرار كردي مستدام من دون علاقات متوازنة مع المحيط العربي.
وبذلك يصبح التحالف العربي–الكردي، إذا أُعيد تأسيسه على الاعتراف المتبادل والمصالح المؤسسية لا على الضرورة الأمنية المؤقتة، أحد المسارات الممكنة للخروج من منطق المحاور والصراعات بالوكالة، والانتقال نحو نظام إقليمي أكثر تعددية وتوازناً.
المشروع الفارسي: التجسير الثقافي والتأطير الطائفي
تختلف العلاقة الفارسية–الكردية عن النموذجين التركي والعربي، في أن المجالين الكردي والفارسي يشتركان في روابط تاريخية ولغوية وثقافية عميقة، ولا سيما على مستوى الانتماء إلى الفضاء اللغوي الإيراني الأوسع ،والتداخل التاريخي بين المجتمعات الكردية والمجتمعات الفارسية وغيرها من الجماعات الإيرانية.
وقد أتاح هذا التقارب لإيران أدوات رمزية وثقافية، لا تتوافر بالدرجة نفسها لدى بعض القوى الإقليمية الأخرى؛ إذ تستطيع الدولة الإيرانية توظيف عناصر التاريخ المشترك والقرابة اللغوية والثقافية لتقديم نفسها بوصفها جزءاً من المجال الحضاري الذي ينتمي إليه الكرد، وليس مجرد قوة خارجية تتعامل معهم من موقع الخصومة.
غير أن هذا التجسير الثقافي لا يتحول بالضرورة إلى شراكة سياسية. فالتقارب اللغوي أو الحضاري لا يلغي التباين في المصالح والهويات السياسية، كما أن الانتماء إلى فضاء ثقافي مشترك لا يعني بالضرورة قبول مركزية سياسية واحدة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في النموذج الإيراني ،فالدولة تستطيع توظيف عناصر القرب الثقافي لتخفيف المسافة بينها وبين المجتمع الكردي، لكنها في الوقت نفسه تنظر إلى التنظيم السياسي الكردي المستقل باعتباره تحدياً لأمن الدولة ووحدتها ومركزيتها.
وتزداد هذه المفارقة تعقيداً بفعل الطبيعة الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، التي جعلت من المذهب الشيعي أحد المكونات المركزية في شرعيتها السياسية وهويتها الرسمية.
ويخلق ذلك مسافة بين الدولة والمجتمع الكردي الذي يتسم بتنوع مذهبي وديني واجتماعي واسع، بما في ذلك الغالبية السنية في أجزاء كبيرة من كردستان إيران، إلى جانب وجود جماعات ومذاهب أخرى.
ومن ثم فإن محاولة بناء الانتماء السياسي على أساس مذهبي مركزي تصطدم ببنية اجتماعية أكثر تعدداً، ولا تستطيع وحدها إنتاج عقد سياسي جامع.
وقد أدى هذا التناقض إلى نمط من العلاقة يمكن وصفه بـ«إدارة النزاع» بدلاً من حلّه سياسياً، فالدولة الإيرانية تسعى إلى احتواء المطالب الكردية، من خلال مزيج من الإجراءات الأمنية والسياسية والثقافية، وتعمل في الوقت نفسه على منع تشكل مركز سياسي كردي مستقل، قادر على تحويل الهوية القومية إلى قوة تفاوضية مستقلة.
وفي هذا السياق، تصبح الساحة الكردية مجالاً للمراقبة والاحتواء وإعادة توزيع النفوذ، أكثر منها فضاءً لعقد شراكة متكافئة بين المركز والأطراف.
ولا يعني ذلك أن السياسة الإيرانية تجاه الكرد اتخذت شكلاً واحداً ثابتاً عبر جميع المراحل؛ فقد تراوحت بين القمع الأمني، ومحاولات الاستيعاب، وتوظيف الروابط الثقافية، والمساومات السياسية المحدودة، تبعاً للظروف الداخلية والإقليمية.
كما أن الدولة الإيرانية، شأنها شأن الدول الأخرى التي تضم مجتمعات كردية، لم تتعامل مع الكرد باعتبارهم كتلة سياسية واحدة، بل حاولت تفكيك المشهد الكردي وفق الانقسامات الاجتماعية والمذهبية والسياسية والجغرافية، بما يسمح بإدارة المطالب المختلفة بصورة منفصلة.
ومن هنا فإن المعضلة الإيرانية لا تكمن في غياب أدوات التقارب مع الكرد، بل في الفجوة بين التقارب الثقافي والمساواة السياسية.
فالثقافة المشتركة تستطيع أن تخفف من حدة الاغتراب، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج علاقة سياسية مستقرة، إذا بقيت الدولة تنظر إلى التنظيم القومي المستقل باعتباره تهديداً أمنياً، وإذا ظلت المواطنة محكومة بدرجات متفاوتة من المركزية الأيديولوجية والمذهبية.
وبذلك يمكن القول إن المشروع الإيراني يمتلك، نظرياً، مقومات «التجسير» التي تفتقر إليها بعض النماذج الإقليمية الأخرى، لكنه يعجز عن تحويل هذا التجسير إلى عقد اجتماعي–سياسي متكافئ.
فالمشكلة ليست في وجود الاختلاف الثقافي، وإنما في أن الدولة لم تتمكن من الفصل بصورة كاملة بين إدارة التنوع وإدارة الولاء السياسي.
وطالما ظل الاعتراف بالخصوصية الكردية مشروطاً بعدم تحولها إلى استقلال سياسي أو قوة تفاوضية مستقلة، فإن العلاقة ستبقى محكومة بمنطق الاحتواء أكثر من منطق الشراكة.
وعليه، فإن النموذج الإيراني يقدم مفارقة مختلفة عن النموذج التركي، فتركيا حاولت تاريخياً تقليص الفارق عبر بناء هوية قومية تركية مركزية، بينما تمتلك إيران أدوات تقارب ثقافي وحضاري أعمق مع الكرد، لكنها تصطدم بحدود الدولة المركزية وبالبنية الأيديولوجية والمذهبية للنظام ،وفي الحالتين تظل المشكلة الجوهرية واحدة ،عدم الانتقال من إدارة الكرد إلى الشراكة معهم.
المشروع الإسرائيلي: حدود «حلف التخوم» والعقل الاستخباراتي
تختلف العلاقة الإسرائيلية–الكردية عن النماذج الإقليمية الأخرى في طبيعتها وأدواتها؛ إذ تداخل فيها البعد التاريخي والثقافي مع الحسابات الجيوسياسية والأمنية. وقد ساهم وجود جالية يهودية من أصول كردية، إلى جانب الذاكرة المشتركة لبعض الجماعات والشخصيات، في خلق قنوات رمزية واجتماعية ساعدت على بناء قدر من التعاطف والتواصل.
غير أن هذه الروابط لم تتحول، بصورة مستقرة، إلى أساس لتحالف سياسي متكافئ، وظلت العلاقة في جانب مهم منها محكومة بحسابات الأمن الإقليمي وتوازن القوى.
وفي هذا السياق تبرز فكرة «حلف التخوم» التي ارتبطت بالاستراتيجية الإسرائيلية في العقود الأولى من قيام الدولة، والقائمة على إقامة علاقات مع قوى غير عربية تقع على تخوم المجال العربي، بهدف إيجاد موازين مضادة للخصوم العرب والإقليميين. وقد شملت هذه المقاربة، بدرجات مختلفة وفي مراحل متباينة، قوى ودولاً وجماعات إثنية ودينية يمكن أن تؤدي أدواراً في إعادة توزيع موازين القوة المحيطة بإسرائيل.
وقد وجد الكرد، في بعض مراحل هذا المسار، موقعاً داخل الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، ولا سيما عندما تقاطعت المصالح الكردية مع أهداف إسرائيل في مواجهة خصوم إقليميين مشتركين.
إلا أن طبيعة هذا التقاطع تكشف حدود النموذج ذاته؛ فحين تُبنى العلاقة على الضرورة الأمنية فإن قيمتها ترتبط غالباً بمدى فائدتها في ميزان الصراع القائم، وليس بالضرورة بتحويلها إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد قائمة على مصالح متبادلة ومستقلة.
ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ«العقل الاستخباراتي» في إدارة العلاقة؛ أي تغليب منطق المعلومة والنفوذ والوظيفة الأمنية على بناء علاقة سياسية–مجتمعية واسعة.
ولا يعني ذلك اختزال جميع أشكال العلاقة الإسرائيلية–الكردية في العمل الاستخباراتي، ولا ينفي وجود أبعاد سياسية ودبلوماسية واقتصادية وشعبية، لكنه يشير إلى أن الاعتبارات الأمنية ظلت عاملاً مركزياً في تحديد حدود العلاقة وطبيعتها.
وتكشف هذه المقاربة عن مفارقة مهمة، فإسرائيل كانت ترى في بعض القوى الكردية شريكاً محتملاً في مواجهة خصوم مشتركين، لكنها لم تكن قادرة أو راغبة دائماً في تحويل هذا التقاطع إلى التزام استراتيجي غير مشروط.
فالسياسة الخارجية للدول لا تُبنى على التعاطف وحده، وإنما على منظومة من المصالح والتحالفات والقيود الإقليمية والدولية. ومن ثم ظل مستوى الانفتاح الإسرائيلي على الكرد مرتبطاً أيضاً بعلاقات إسرائيل مع الدول التي تتوزع فيها الجغرافيا الكردية، وبالأخص تركيا والعراق وإيران وسورية.
وتحتل تركيا موقعاً مهماً في هذه المعادلة؛ فقد شهدت العلاقات الإسرائيلية–التركية، ولا سيما في فترات معينة من القرن العشرين، مستوى مرتفعاً من التعاون العسكري والأمني والسياسي، الأمر الذي جعل هامش الحركة الإسرائيلية في المسألة الكردية محكوماً بحسابات العلاقة مع أنقرة، بل إن هناك مراحل ساعدت فيها إسرائيل تركيا في محاربة الكرد.
ولذلك لم يكن من السهل تحويل التقارب مع الكرد إلى تحالف استراتيجي مستقل إذا كان ذلك يمكن أن يهدد مصالح إسرائيل مع دولة إقليمية ذات أهمية جيوسياسية وأمنية كبيرة.
غير أن اختزال المسألة في العامل التركي وحده سيكون تبسيطاً؛ فالموقف الإسرائيلي من القضية الكردية تأثر أيضاً بالتغيرات في النظام الإقليمي، وبالعلاقات مع الولايات المتحدة، وبالصراعات العربية والإيرانية، وبطبيعة القوى الكردية نفسها. ولذلك فإن العلاقة لم تكن خطاً مستقيماً، بل شهدت فترات من التقارب والتراجع تبعاً لتغير موازين المصالح.
وتتمثل المشكلة السوسيولوجية الأعمق في أن العلاقة التي تُبنى من أعلى، عبر أجهزة الدولة والأمن والاستخبارات، تختلف في طبيعتها عن العلاقة التي تنشأ من أسفل، عبر المجتمعات والمؤسسات المدنية والمصالح الاقتصادية والثقافية المتبادلة.
فالأولى قابلة للتوسع والانكماش تبعاً للتحولات الاستراتيجية، بينما تستطيع الثانية إنتاج روابط أكثر استدامة وأقل ارتباطاً بالظرف السياسي، وبالنسبة لإسرائيل فإن الكرد هم الشعب الوحيد في شرق البحر المتوسط الذي يمكنها أن تبني معه علاقات من الأسفل إلى الأعلى، وهذا ما تحتاجه إسرائيل في المنطقة.
ومن ثم فإن حدود «المشروع الإسرائيلي» تجاه الكرد لا تكمن في غياب التقاطع الاستراتيجي، وإنما في طبيعة هذا التقاطع نفسه. فعندما تكون القضية الكردية جزءاً من استراتيجية موازنة القوى، يصبح الكرد في موقع «الشريك الوظيفي» أكثر من موقع الشريك الاستراتيجي المتكافئ. وهذا يفسر لماذا يمكن أن تبلغ العلاقة درجات مرتفعة من التعاون في لحظة معينة، ثم تتراجع عندما تتغير أولويات الدولة الإسرائيلية أو شبكة تحالفاتها الإقليمية.
وعليه، فإن النموذج الإسرائيلي يقدم حالة مختلفة عن النماذج التركية والإيرانية والعربية: فهو لا يقوم أساساً على محاولة دمج الكرد داخل دولة واحدة، ولا على بناء شراكة قومية مستقرة معهم، وإنما يميل، في مراحله الأكثر وضوحاً، إلى التعامل معهم ضمن منظور موازنة إقليمية تتقدم فيه الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية على الاعتراف السياسي المستقل. ولذلك ظل «حلف التخوم» أداة من أدوات السياسة الإقليمية أكثر منه عقداً تاريخياً دائماً بين الشعبين.
وتكمن المفارقة النهائية في أن التقارب الإسرائيلي–الكردي كان يمكن أن يتجاوز المنطق الوظيفي لو انتقل من تقاطع المصالح ضد خصم مشترك إلى تأسيس مصالح مشتركة مستقلة عن وجود ذلك الخصم. أما ما دام جوهر العلاقة مرتبطاً بدرجة كبيرة بمنظومة التوازنات الإقليمية، فإنها تظل عرضة للتبدل كلما تغيرت تلك المنظومة، وهو ما يفسر حدود قدرتها على التحول إلى تحالف شعبي واستراتيجي دائم.
الشواهد التاريخية
الكرد كمفتاح لحسم موازين الإمبراطوريات
تُقدّم المعطيات والتطبيقات التاريخية شواهد ساطعة تُدعم هذه الفرضية الجيوسياسية. لقد أثبت التاريخ الإقليمي، منذ العصور القديمة وصولاً إلى القرن العشرين، أن «الكتلة الكردية» بعد أن أسست أكبر إمبراطورياتها الميدية والساسانية والأيوبية بصفتها المكون الأول أو المكون الحاكم، كانت في محطات متكررة عاملاً مؤثراً في حسم موازين القوة الإقليمية؛ وأن السلالات والأنظمة التي أدركت هذه الحقيقة واستفادت من التحالف مع الجغرافيا والكتلة البشرية الكردية هي التي استطاعت أن تؤسس إمبراطوريات واسعة وتسود المنطقة، قبل أن تنقلب على هذا التحالف أو تفرط في مقوماته حين زال الخطر الذي استدعاه.
الإمبراطورية الأخمينية: التأسيس الإيراني-الميدي
تُعد الإمبراطورية الأخمينية (550–330 ق.م) النموذج التأسيسي الأول لاندماج الكتلتين الهندو-أوروبيتين الرئيسيتين في الهضبة الإيرانية: الفرس والميديين، الذين يُعتبرون التاريخ السوسيولوجي والأجداد المباشرين للكرد. عندما أقام كورش الكبير إمبراطوريته، لم يُبد الميديين، بل دمجهم في نظام (الولايات المتكافئة) وجعل منهم العنصر المتساوي مع العنصر الفارسي في الجيش والتطوير الإداري للكيان التأسيسي.
اتسم التمدد الأخميني بالسيطرة على الشرق الأوسط بأكمله، لأن النواة الصلبة للإمبراطورية بُنيت على الشراكة بين الهضبة الفارسية والجبال الميدية/الكردية، وهذا التوازن هو ما سمح للإمبراطورية بتأمين ممرات زاگروس والانطلاق غرباً باتجاه بابل والأناضول.
الثورة العباسية وأبو مسلم الخراساني: هندسة سقوط الأمويين
قام العباسيون (132هـ/750م) بإسقاط خلافة بني أمية عبر تعبئة الكتلة البشرية والعسكرية في خراسان وزاگروس وجبال الكرد، وكان المهندس الميداني لهذا التغيير الشامل هو الكردي أبو مسلم الخراساني، الذي قاد جيوشاً ضمت في بنيتها الأساسية مقاتلين من أهل زاگروس والكرد. أدرك العباسيون أن العرب وحدهم، في ظل انقساماتهم ، لم يعودوا قادرين على حماية الخلافة أو إدارة الرقعة الجغرافية الكبيرة؛ لذا تشكل تحالف بين الهاشميين والكتلة البشرية في جبال الكرد وخراسان، وحُسمت السيطرة على بغداد وتأسس العصر الذهبي للعباسيين نتيجة استخدام هذا الحصن الجغرافي والديمغرافي الكردي، قبل أن ينقلب أبو جعفر المنصور على أبي مسلم بقتله - في أول تجسيد صريح لنمط «الانقلاب على التحالف» الذي سيتكرر لاحقاً - تبعه ظهور الإمارات الكردية الحاكمة كالمروانيين والرواديين التي أدارت التوازن المحلي بعد ذلك.
المحطات التركية الحاسمة: ملاذكرد، جالديران، وتحالف أتاتورك
شكل التفاعل التركي-الكردي المحرك الأساسي لتمدد الدول التركية في الأناضول والشرق الأوسط عبر ثلاث محطات تاريخية رئيسية.
ملاذكرد (1071م): الكرد في إعادة تشكيل ميزان القوى الأناضولي
تمثل معركة ملاذكرد سنة 1071م محطة مهمة في التحولات التي أعادت تشكيل الأناضول. فحين تقدم السلطان السلجوقي ألب أرسلان لمواجهة الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع، تحالف مع الأمراء الكرد في المنطقة، وعلى رأسهم الإمارة المروانية في ديار بكر، وانضمت قوات كردية تُقدّر بنحو عشرة آلاف مقاتل إلى جيش السلاجقة. وانتهت المعركة بهزيمة الجيش البيزنطي ، لتبدأ بعدها مرحلة متسارعة من التوسع التركي في الأناضول.
وكانت المنطقة التي جرت فيها المعركة وما حولها تضم قوى كردية وإمارات محلية لعبت أدواراً مختلفة في هذا الصراع، وإن لم تكن العلاقات بين السلاجقة والإمارات الكردية ثابتة؛ فقد تراوحت بين التعاون والصراع وإعادة توزيع النفوذ بحسب الظروف.
إلا أن وجود القوى المحلية الكردية في شرق الأناضول والجزيرة كان عاملاً مهماً في البيئة السياسية والعسكرية التي عمل فيها السلاجقة، وهو ما يوضح مجدداً أهمية الجغرافيا الكردية بالنسبة إلى القوى التي أرادت الانتقال من الهضبة الإيرانية إلى الأناضول. وكان هذا التحالف أحد المفاتيح الأساسية التي فتحت أبواب الأناضول أمام العشائر التركية، ورسّخ التحول الديمغرافي والسياسي الكبير في المنطقة.
جالديران (1514م): إدريس البدليسي وإعادة بناء العلاقة العثمانية–الكردية
تقدم معركة جالديران سنة 1514م نموذجاً أكثر وضوحاً للتحالف السياسي بين الدولة العثمانية وعدد من الأمراء والقوى الكردية.
فقد جاءت المعركة في سياق الصراع العثماني–الصفوي على الأناضول الشرقي والهضبة الإيرانية، وكانت السيطرة على المناطق الكردية الواقعة بين الإمبراطوريتين جزءاً مركزياً من الصراع.
وفي هذه المرحلة برز دور إدريس البدليسي، العالم والمؤرخ والدبلوماسي الكردي، الذي فاوض بين السلطان العثماني سليم الأول ونحو عشرين أميراً من أمراء القبائل الكردية، وساهم في بناء جسور سياسية بينهما. ولم يكن هذا التفاعل مجرد تحالف عسكري قصير، بل أسهم في صياغة نموذج للعلاقة بين الدولة العثمانية وعدد من الإمارات الكردية، يقوم على الاعتراف باستقلالية الإمارات الكردية، مقابل الاعتراف بالسيادة العثمانية والمشاركة في المنظومة العسكرية والسياسية للإمبراطورية.
من الحرب العالمية الأولى إلى تأسيس الجمهورية: تحالف أتاتورك وانقلابه عليه
تقدم المرحلة الممتدة بين 1919 و1923 الحالة الأكثر وضوحاً في التاريخ الحديث لمسألة التحالف بين المركز التركي والقوى الكردية. فبعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، واجه مصطفى كمال أتاتورك والحركة الوطنية التركية خطر تقسيم الأناضول بموجب معاهدة سيفر (1920)، وما تضمنته من ترتيبات تتعلق بالمناطق الكردية والأرمنية.
لتأمين نفوذه، وجه أتاتورك برقيات ورسائل مكثفة إلى رؤساء القبائل والأعيان الكرد في شرقي الأناضول، مستخدماً خطاباً إسلامياً وأخوياً للتعبئة ضد القوى الغربية والمشروع الأرمني، مقروناً بوعد بالحكم الذاتي والشراكة في بناء دولة مشتركة للعرب والترك والكرد. وكان للكرد حضور واضح في البنية الاجتماعية والعسكرية للحركة الوطنية.
بفضل هذه المساندة العسكرية والديمغرافية الكردية، تمكن أتاتورك من الانتصار في حرب الاستقلال وفرض معاهدة لوزان (1923). غير أنه بعد الانتصار العسكري وإلغاء السلطنة ثم إعلان الجمهورية، تغيرت طبيعة العلاقة بصورة جذرية ،اتجهت الدولة الجديدة تدريجياً إلى بناء هوية وطنية مركزية، وتراجعت شرعية الخطاب الذي كان يمنح التعدد الإثني والديني مساحة أكبر في مرحلة الحرب، وأصبح تعريف المواطنة مرتبطاً بصورة متزايدة بمشروع القومية التركية الحديثة، متبنياً سياسة صهر قومية صارمة وإلغاء الخلافة.
من «التحالف» إلى «الانقلاب»: نمط تاريخي أم فرضية تحتاج إلى اختبار؟
تكشف هذه الحالات التاريخية عن نمط يستحق الدراسة، لكنه لا ينبغي تحويله إلى قانون تاريخي حتمي. فقد استعانت قوى إمبراطورية وإقليمية مختلفة بالقوى الكردية في مراحل متعددة عندما احتاجت إلى موقعها الجغرافي أو قوتها العسكرية أو نفوذها المحلي.
وفي حالات أخرى، منحت تلك القوى الكردية قدراً من الإدارة الذاتية أو المشاركة السياسية مقابل الولاء للمركز.
لكن العلاقة كانت غالباً تتغير عندما يتبدل ميزان القوى. فبعد استقرار الدولة المركزية أو زوال الخطر الذي استدعى التحالف، كان الميل إلى إعادة تركيز السلطة وتقليص استقلال الأطراف يزداد. ويمكن ملاحظة هذا المنطق بدرجات مختلفة في الانتقال من الترتيبات المحلية إلى المركزية العثمانية في القرن التاسع عشر، وفي التحول الكمالي بعد تأسيس الجمهورية، وفي عدد من التجارب الإمبراطورية والإقليمية الأخرى.
ومن هنا فإن الفرضية الأكثر دقة ليست أن «الكرد كانوا دائماً مفتاح الإمبراطوريات»، بل أن الجغرافيا الكردية كانت تاريخياً إحدى مناطق الارتكاز الاستراتيجي في غرب اسيا ، وأن القوى الإمبراطورية التي أرادت تثبيت نفوذها بين الأناضول وبلاد الرافدين والهضبة الإيرانية، اضطرت بصورة متكررة إلى التفاوض مع القوى الكردية أو استيعابها أو مواجهتها.
وهذه النقطة أكثر أهمية من فكرة «الحسم الكردي» ذاتها؛ لأنها تنقل التحليل من البطولة القومية إلى سوسيولوجيا القوة. فالقيمة الاستراتيجية للكرد لم تكن نابعة من كونهم كتلة عسكرية موحدة، وإنما من اجتماع ثلاثة عناصر: الموقع الجغرافي، والوزن السكاني، وقدرة المجتمعات المحلية على إنتاج قوى سياسية وعسكرية مستقلة نسبياً عن المراكز الإمبراطورية.
وبذلك تصبح الشواهد التاريخية أساساً لفهم سؤال أوسع، لماذا كانت القوى الإقليمية تستعين بالكرد عندما تحتاج إليهم، ثم تسعى إلى إعادة ضبط مجالهم السياسي عندما تستقر موازين القوة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح الطريق لفهم المشاريع التركية والإيرانية والعربية والإسرائيلية الحديثة، ليس باعتبارها مشاريع منفصلة، وإنما بوصفها امتدادات حديثة لمعضلة تاريخية أقدم،كيف تتعامل القوى المركزية مع مجتمع يقع في قلب المجال الجيوسياسي للصراع، لكنه يرفض أن يتحول إلى مجرد أداة في صراع الآخرين؟
استنتاجات تحليلية مرجعية
تُثبت هذه النماذج التاريخية مجتمعة الأبعاد السوسيولوجية والجيوسياسية التالية
أولاً، أن التحالف مع الكرد ككتلة عسكرية وجغرافية كان متغيراً مؤثراً مكّن الأخمينيين والعباسيين والسلاجقة والعثمانيين والكماليين، على تباعد عصورهم وأيديولوجياتهم، من فرض سيادتهم الإقليمية.
ثانياً، أن معضلة الانقلاب على التحالف تتكرر بانتظام لافت، فبمجرد انتهاء حالة الخطر الخارجي واستتباب السلطة للمركز - سواء كان عباسياً أو عثمانياً أو كمالياً - تتجه هذه الأنظمة نحو صهر المكون الكردي أو التراجع عن الوعود بالحكم الذاتي والشراكة.
وحده النموذج الأيوبي يخرج جزئياً عن هذا النمط، بوصفه الحالة التي قادها الكرد أنفسهم بدلاً من أن يكونوا فيها الطرف المُستقطَب.
الدرس للواقع المعاصر أن الصراع الإقليمي الحالي يعيد تقديم ذات المعادلة التاريخية؛ فالطرف الذي يدرك قيمة التحالف البنيوي المستدام مع الشعب الكردي - ويؤسسه على الشراكة الديمقراطية والتكامل الاقتصادي، لا على التوظيف المرحلي الذي ينتهي بالانقلاب كما جرى مراراً - هو الذي سينجح في صياغة النظام الإقليمي القادم.
شروط التحول الاستراتيجي وبناء «المركزية الوظيفية»
لكي تتحول المقولة التأسيسية «من سيتحالف مع الكرد كشعب سينتصر» من فرضية تحليلية إلى واقع جيوسياسي متحقق، يتوجب العمل المتوازي على مستويين، مستوى داخلي كردي، ومستوى إقليمي محيط.
على المستوى الكردي، يتوجب على المجتمع الكردي والنخب الفكرية العمل على تحقيق التغييرات البنيوية التالية: صياغة «المركزية الوظيفية» عبر تأسيس هيئات استراتيجية وأكاديمية ودبلوماسية عابرة للحدود الحزبية والعشائرية، تضع «خطوطاً حمراء قومية» وتمنع الارتهان للتحالفات الإقليمية المؤقتة؛ والمأسسة اللغوية والثقافية عبر بناء مجمع لغوي قومي يعمل على معيرة اللغة الكردية وتوحيد المفاهيم والأبجديات، لبناء «رأس مال رمزي» متماسك وفق تعبير بيير بورديو؛ وطرح مشاريع تعاون عبر صياغة مبادرات أكاديمية وفكرية تتوجه إلى شعوب المنطقة، بعيداً عن الأيديولوجيات لبناء شراكة قائمة على التكامل الجغرافي والاقتصادي - الأمن المائي، والطاقة، والمستقبل الديمقراطي المشترك - وتجاوز إرث الصدامات القومية الموروثة من الحقبة السابقة، وتستطيع النخبة الكردية تأسيس مركز كردي مثل ( جمهورية كردستانD).
وعلى المستوى الإقليمي المقابل، تتطلب المرحلة نضجاً موازياً في العقل السياسي المحيط، عربياً وتركياً وإيرانياً وإسرائيلياً على حد سواء، لتجاوز الأيديولوجيات الشمولية والدينية المغلقة التي فصّل هذا التحليل عطالتها البنيوية في القسم الثاني.
فبدون هذا النضج المتبادل، ستظل «المركزية الوظيفية» الكردية - مهما بلغت من التماسك الداخلي - عرضة لأن تُقرأ من جديد كتهديد يستوجب الاحتواء بدلاً من فرصة تستحق الشراكة، وهو ما يُبقي المعادلة التاريخية التي استعرضها قابلة للتكرار إلى أجل غير مسمى.
يتضح من هذا الامتداد التحليلي والتاريخي أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي في غرب اسيا ، تتطلب انتقالاً كردياً ذاتياً نحو صياغة مركزية وظيفية ومؤسسية جامعة، تتجاوز الانقسامات الحزبية والعشائرية، بالتوازي مع نضج مماثل في العقل السياسي للقوى المحيطة يتجاوز إرث العقود ،التي اختُزل فيها الكرد إلى أداة وظيفية تُستدعى عند الحاجة وتُهمل بعد زوالها.
إن الطرف الذي سيتجه فعلياً - لا خطابياً - لبناء تحالف استراتيجي قائم على التكافؤ والتكامل الاقتصادي والاعتراف المتبادل مع الشعب الكردي بوصفه أمة ومجتمعاً متكاملاً، سيملك المفتاح الأساسي لتأسيس معادلة السيادة والاستقرار المستدام في المنطقة.
المصادر والأدبيات الأكاديمية
في التاريخ والسوسيولوجيا الكردية والإقليمية
وديع جويدة (Wadie Jwaideh): الحركة القومية الكردية: نشأتها وتطورها.
مارتن فان بروينسن (Martin van Bruinessen): الآغا والشيخ والدولة: البنى الاجتماعية والسياسية لكردستان.
شرف خان البدليسي: الشرَفنامه.
في النظرية السوسيولوجية ونقد السلطة
ماكس فيبر (Max Weber): الاقتصاد والمجتمع.
بيير بورديو (Pierre Bourdieu): عن الدولة ورمزية السلطة.
هانا أرندت (Hannah Arendt): أصول الشمولية.
في الجيوبوليتيك والعلاقات الإقليمية
أوريل دان (Uriel Dann) وآفي شلايم (Avi Shlaim): أدبيات تفكيك نظرية حلف التخوم.
جون أغنيو (John Agnew): الجيوبوليتيك النقدي: إعادة تجميع الفضاء السياسي العالمي.



#ايبرام_كفن_سويان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنثروبولوجيا المكان والصراع على الهوية
- العهر السياسي والعهر الديني
- لاتضع خمرا جديدا في زقاق عتيق


المزيد.....




- إعلان إيراني جديد بشأن قيود الملاحة في مضيق هرمز.. ماذا قال ...
- التصعيد في الخليج يرفع أسعار النفط.. فما الذي تغيّر؟
- بيسكوف: قضية تبادل السجناء حاضرة باستمرار في الاتصالات الروس ...
- موسكو تفضل أبو ظبي ساحة للمفاوضات مع أوكرانيا.. ماذا يمكن لو ...
- -سي إن إن-: واشنطن لا تزال تخطط لضرب المنشآت النووية الإيران ...
- في مقطع مصور من جبل الشيخ بسوريا.. نتنياهو يتوعد بـ -هزيمة ا ...
- بريطانيا يجب أن تبذل المزيد لإبقاء حلم الدولة الفلسطينية حيا ...
- بكلفة مليار دولار.. مصر تخطط لإنشاء مركز ضخم لبيانات الذكاء ...
- -نبقى أم نرحل-؟ هواجس مهاجرين في ماغديبورغ بعد فوز البديل
- سوريا - انفجار مخزن أسلحة يوقع قتلى وجرحى في محافظة إدلب


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ايبرام كفن سويان - الكرد و موازين القوى الإقليمية