أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ايبرام كفن سويان - حين كانوا يلفون التبغ أمام الجامع الكبير في آمد(دياربكر)















المزيد.....


حين كانوا يلفون التبغ أمام الجامع الكبير في آمد(دياربكر)


ايبرام كفن سويان

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 15:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وتصدّر الكرد المشهد الفكري في أواخر الدولة العثمانية
ملخص
يقارن هذا المقال بين نمطين متمايزين من الإنتاج الفكري السياسي، في أواخر الدولة العثمانية وأوائل الجمهورية التركية: نمط كردي متعدد المصادر، عفوي النشأة، مستقل عن أي مركز سلطوي، أنتج ثلاث مدارس فكرية متكاملة (العلمانية، والإصلاح الإسلامي، والقومية) إلى جانب مقاومة مسلحة متصلة؛ ونمط تركي-عثماني رسمي لم يتأسس أصلاً على أطروحة فلسفية أو عقد اجتماعي مدني، بل على ثقافة سياسية متجذرة تُعلي من شأن الغلبة العسكرية والضبط الأمني كأداة حصرية لإدارة الدولة وحفظ مركزيتها، وظل محكوماً، رغم تعدد أسمائه من عهد التنظيمات إلى الجامعة الإسلامية إلى الجمهورية الأتاتوركية التي لا تزال مستمرة إلى اليوم، لكنها تشبه في تذبذبها الحالي وضع الدولة العثمانية في نهاية عهدها، بسقف واحد هو إنقاذ وحدة الدولة القائمة لا إعادة النظر في مشروعيتها.
إن غياب المفكر التركي الديمقراطي التعددي لم يكن وليد صدمة تاريخية طارئة كحروب البلقان أو ثورات الشعوب الكردية والأرمنية والعربية، بل كان نتيجة طبيعية لغياب مفهوم "التفاوض والتعاقد المدني" في مجمل التاريخ السياسي الرسمي للمركز، والذي تعامل مع كل أزمة عبر الحسم العسكري المباشر منذ تأسيسه.
كما يجادل المقال بأن الفارق الحاسم بين النمطين لم يكن في غزارة الإنتاج أو في منشئه، بل في مصير كل مشروع على حدة: مشاريع كردية عدة ظلت خارج السلطة أو في مواجهتها، بينما انتصر مشروع واحد فقط — مشروع ضياء جوك ألب القومي — والتحم بالدولة الناشئة رغم أنه بدأ، كأخوته، معارضاً لها.
إن هذا الجين المؤسسي المتجذر، لا الصدمة العابرة، هو ما يفسر استمرار الرد الأمني والعسكري التركي المعاصر تجاه كل المبادرات والأطر النظرية التي يقدمها الجانب الكردي للحل السياسي، وأن هذا النمط البنيوي لا يزال يتكرر اليوم، حيث تظل المشاريع التي تقبل الذوبان في الدولة هي وحدها التي تُستوعب، بينما تُواجَه بقية المشاريع بالقمع أو الحظر.


مفارقة تاريخية مُغيَّبة
في أواخر عهد الدولة العثمانية، حين كانت أسئلة الهوية والدين والدولة تتصارع على تحديد مستقبل المنطقة، برز أمر لافت قلّما يُلتفت إليه: المفكرون الكرد هم من طرحوا الخيارات الفكرية الكبرى التي ظل الفكر التركي يدور في فلكها لاحقاً، لا العكس.
عبد الله جودت (1862-1932) طرح خيار العلمانية الجذرية والذوبان في الحضارة الغربية، وكان يوقّع مقالاته باسم "بير كورد" (Pir Kurd)، أي "أحد الأكراد". إسحاق سكوتي (1868-1902) جسّد خيار الإصلاح الإسلامي ضمن وحدة عثمانية جامعة. وضياء جوك ألب (Ziya Gökalp، 1876-1924)، رغم أصوله الكردية، صاغ خيار القومية التركية العرقية التي أنكرت وجود أي هوية كردية متمايزة. وملا سعيد النورسي قدّم أروع فكر يربط بين الثقافة والفكر الإسلامي والديمقراطية والتعايش السلمي في ظل نظام فيدرالي متعدد القوميات والديانات، أسماه "القومية الإيجابية".
أربعة رجال من أصل كردي، قدّموا للدولة العثمانية المتهاوية أجوبة عن أسئلتها الوجودية الثلاثة: هل تبقى إسلامية أم تصبح علمانية؟ هل هي أمة واحدة أم فسيفساء قوميات؟ وما مصير التنوع في دولة حديثة؟
السؤال الذي يفرض نفسه: أين كان نظيرهم التركي؟
والحقيقة أن هذا الرباعي لا يستنفد المخزون الفكري الكردي في تلك الحقبة، بل يمثل عيّنة منه فحسب. فعائلة بدرخان، مع مجموعة كبيرة من المفكرين الكرد، قدّمت النموذج القومي الكردي الصريح، عبر جريدة "كردستان" التي أصدرتها في القاهرة عام 1898 كأول صحيفة كردية في التاريخ، مؤسسة بذلك تقليداً مطبعياً وسياسياً قومياً مستقلاً بذاته. وفي الطرف الإسلامي الكردستاني، قدّم بديع الزمان سعيد النورسي (المعروف باسمه الأول "سعيد كردي"، 1877-1960) نموذجاً مختلفاً جذرياً للإصلاح السياسي والعلمي والاجتماعي في إطار الثقافة الإسلامية، الأمة الإسلامية التي تتكون من عدة قوميات؛ فقد دعا إلى تأسيس "مدرسة الزهراء" في كردستان، جامعة إسلامية تجمع بين العلوم الدينية والحديثة وتُدرَّس بثلاث لغات هي العربية والتركية والكردية، وكانت تمثل برنامجه العلمي التربوي الذي لو كُتب له الاكتمال لأنقذ ملايين الأرواح، ولكانت المنطقة اليوم تعيش في أروع نجاحاتها. لكن هذا المشروع الأممي النبيل لم يُقيَّض له أن يرى النور أصلاً؛ إذ أجهضته الحرب العالمية الأولى قبل أن يُبنى، ولم تُتح له فرصة تحقق ينسب لصاحبه لاحقاً.
ما يستحق التوقف عنده أن الكرد في هذه الحقبة لم يقدّموا أفكاراً لأنفسهم فحسب، بل قدّموا أطروحات شكّلت لاحقاً تيارات فكرية وسياسية تركية بأكملها — كما هو حال ضياء جوك ألب مع القومية التركية. وملا سعيد الكردي نفسه نموذج صارخ على هذا الالتباس: فحركة "النور" التي أسسها لا تزال إلى اليوم المرجعية الفكرية الأبرز للتيار الإسلامي التركي المعاصر، بما فيه فروعه المتعددة، رغم أن مؤسسها عرّف نفسه صراحة بلقب "سعيد كردي" في أعماله المبكرة. ويشير باحثون إلى أن نسخاً لاحقة من مؤلفاته ومن سيرته الرسمية طالها حذف أو تغيير متعمد لأي إشارة إلى هويته الكردية أو لمشروعه التعليمي الكردستاني المبكر ، في محاولة لتقديمه حصرياً كمرجعية "تركية" خالصة. وهذا استمرار حرفي لنمط "النفي الأنطولوجي" ذاته الذي مارسه جوك ألب نظرياً بحق الهوية الكردية عموماً، لكن هذه المرة بحق شخص بعينه استُثمر فكره الديني بعد تجريده من انتمائه.


غياب لافت – لا صوت مدني تعددي
بالبحث عن مفكر تركي طرح مشروعاً ديمقراطياً تعددياً يضمن حقوق الأكراد والأرمن وسائر مكونات الدولة، لا نجد إلا استثناءً واحداً محدوداً: الأمير صباح الدين (1879-1948)، تلميذ عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، الذي تزعم "الاتحاد الليبرالي" المنافس لجمعية الاتحاد والترقي. طرح صباح الدين مشروعاً قائماً على اللامركزية الإدارية والمبادرة الفردية، متأثراً بنظرية عالم الاجتماع الفرنسي إدموند ديمولان.
لكن حتى هذا الاستثناء يحتاج تدقيقاً: تركّز مشروعه على اللامركزية كأداة إصلاح اقتصادي وإداري، لا على ضمان دستوري صريح لحقوق قومية متمايزة كالتي طرحها المفكرون الأكراد كل من موقعه. كما أن صباح الدين ظل "عثمانياً" في هويته الجامعة، لا "تركياً" بالمعنى القومي العرقي الذي بلوره ضياء جوك ألب لاحقاً. والأهم: خسر صباح الدين معركته السياسية مبكراً أمام التيار المركزي داخل الاتحاد والترقي، ولم يُبنَ على أفكاره إرث فكري مؤسسي، مما يعني أن الفكر الجمعي التركي لم يقبل حتى أدنى درجات التعايش السلمي.
لم تُنتج النخبة التركية، في تلك الحقبة المفصلية، مفكراً واحداً بثقل جودت أو سكوتي أو حتى ضياء جوك ألب، يطرح بصراحة مشروعاً ديمقراطياً تعددياً معترفاً بحق الآخرين — الأكراد، الأرمن، العرب — في هوية متمايزة داخل دولة واحدة.


من الفكرة إلى البندقية
هذا الغياب ليس مصادفة، بل نتيجة مسار تأسيسي بنيوي يستحق التوقف عنده.
فهذا العجز عن إنتاج فكر ديمقراطي مدني لم يكن مجرد تقصير فردي أو تحول طارئ أملته حروب البلقان في مطلع القرن العشرين، بل كان انعكاساً لطبيعة بنيوية متجذرة في الثقافة السياسية العثمانية والتركية منذ ظهورها. فقد تأسست الدولة في عمقها التاريخي كجهاز فتوحات وجباية وضبط عسكري، يركز على فرض الهيبة وإخضاع الرعية بالقوة والقمع، دون أن تطور في تاريخها نظريات في السياسة أو العقد الاجتماعي المدني القائم على التفاوض والمواطنة التعددية. حروب البلقان، إذن، لم تخلق هذا النمط، بل عمّقته وسرّعت تحوّله إلى مؤسسة دائمة.
جمعية الاتحاد والترقي، التي حملت لاحقاً المشروع القومي التركي إلى السلطة، لم تُولد في صالون فكري أو جامعة مدنية، بل في مدرسة الطب العسكري بإسطنبول عام 1889، مواصلةً بذلك هذا الجين المؤسسي العريق؛ فالسياسة بالنسبة للمركز لم تكن يوماً صالونات للتحاور الفكري أو البحث عن حلول تسووية، بل كانت دائماً امتداداً لإرادة السلاح وضباط الجيش. أي أن حاملي هذا المشروع، منذ لحظته التأسيسية الأولى، كانوا طلاباً عسكريين لا مفكرين مدنيين يكتبون في الصحف ويجادلون في الصالونات.
الهزيمة المُذلة في حروب البلقان، وفقدان أراضٍ واسعة في أوروبا خلال أشهر معدودة، بثّت في قيادة الاتحاد والترقي شعوراً بالخطر الوجودي المُلحّ. تحوّل التنظيم، الذي بدأ حركة إصلاحية دستورية، إلى جهاز شبه عسكري سري يتغلغل داخل صفوف الجيش نفسه. تأسس "التنظيم المخصوص" (Teşkilât-ı Mahsusa) كذراع سرية للتنفيذ، وأصبح "الباشوات الثلاثة" — طلعت وأنور وجمال — الوجه الفعلي للسلطة القاتلة، لا أي منظّر مدني كان له مكانه في هذا المشروع.
هذا المسار لم يتوقف بسقوط الدولة العثمانية، بل امتد إلى تأسيس الجمهورية التركية نفسها. مصطفى كمال أتاتورك، وعصمت إينونو، وكاظم قره بكر — جميعهم ضباط عسكريون تشكّلوا في المدرسة الاتحادية نفسها، لا مفكرون مدنيون طرحوا دستوراً تعددياً يعترف بالتنوع.


الفارق الجوهري: فكرٌ بأمر السلطة، وفكرٌ بلا وصاية
يكمن الفارق الأعمق ليس فقط فيما طرحه كل جانب، بل في من أنتج هذا الفكر ولحساب من. فالإنتاج الفكري التركي-العثماني الرسمي، من التنظيمات حتى تأسيس الجمهورية، جاء بمعظمه من داخل جهاز الدولة أو في خدمته المباشرة. مصلحو التنظيمات (مصطفى رشيد باشا، عالي باشا، فؤاد باشا) كانوا موظفين رسميين يكتبون مشاريعهم الإصلاحية بتكليف من السلطان ذاته أو كجزء من مهامهم الإدارية؛ فكرهم لم يكن نتاج تأمل حر بقدر ما كان "مطلوباً" منهم لإنقاذ دولة يعملون في خدمتها. وحتى العثمانيون الجدد، الذين عارضوا السلطان ونُفوا بسبب ذلك، ظلوا ينتمون للطبقة البيروقراطية-الأدبية نفسها، ولم يتجاوز خلافهم مع السلطة حدود الأسلوب: كيف تُدار الدولة، لا هل يحق للدولة أصلاً أن تستمر بصيغتها المركزية الأحادية.
في المقابل، الإنتاج الفكري الكردي في الحقبة نفسها لم يصدر عن مركز واحد ولا بتكليف من أحد، بل تدفق من مصادر اجتماعية متباينة تماماً وبلا تنسيق فيما بينها: طبيب ثائر يمول حركة سرية من منفاه (سكوتي)، عالم دين صوفي منعزل يصوغ مشروعاً تعليمياً بمعزل عن أي حزب أو سلطان (ملا سعيد الكردي)، أسرة إقطاعية تؤسس صحافة قومية مستقلة من القاهرة (بدرخان)، مثقف علماني يتمرد على التنظيم الذي أسسه بنفسه (الكردي جودت)، وشاب معارض للخلافة نفسها ينظّر لهوية جديدة كلياً خارج المؤسسة القائمة (ضياء جوك ألب في بداياته). لم يكن هناك "مكتب" كردي سلطوي مركزي يوجّه هذا الإنتاج أو يموّله، بل نشأ الجميع من قلب المجتمع الكردي، وتحديداً من عاصمة كردستان آمد، من أمام الجامع الكبير حيث كانوا يلفّون التبغ ويدخنونه سوياً وتولد الأفكار، عفوياً ومستقلاً عن أي سلطة قائمة، وغالباً في مواجهتها لا في خدمتها.
والفارق الحاسم، إذن، لم يكن في منشأ هذه المشاريع الأربعة، بل في مصيرها. ثلاثة منها (سكوتي، النورسي، بدرخان) ظلت خارج السلطة أو في مواجهتها حتى النهاية — سُحق بعضها، وهُمّش بعضها الآخر، واستُثمر إرث بعضها دينياً دون اعتراف بمصدره الكردي. أما المشروع الرابع وحده فقد انتصر: التحم فكر جوك ألب بالدولة الناشئة بعد أن كان معارضاً لها في بداياته، فتحوّل من فكرة فردية مستقلة إلى أيديولوجيا رسمية تفرضها الدولة بجهازها الكامل. وهذا الانتصار الاستثنائي لمشروع واحد، لا نمط "الولادة السلطوية" لهذا الفكر، هو ما صنع الوهم لاحقاً بأن الفكر التركي كان مشروعاً في خدمة السلطة منذ البداية؛ بينما هو في جوهره التاريخي حالة كردية أخرى، بدأت كأخواتها الثلاث خارج الدولة، لكنها وحدها انتهت بالانتصار لا بالمواجهة.
هذا الفارق البنيوي — بين مشروع انتصر والتحم بالسلطة، وثلاثة مشاريع ظلت خارجها أو سُحقت — هو ما يفسّر لماذا انتهى المسار التركي، في لحظة الحسم، إلى جهاز عسكري يفرض جواباً واحداً بالقوة، بينما ظل المسار الكردي، رغم افتقاره لأي دولة تحميه، ساحة لتعدد الأجوبة وتناقضها.
وهذه الاستمرارية ليست تاريخية بحتة، بل تتكرر بالنمط البنيوي نفسه حتى اليوم. فحركة النورسي، التي بدأت مشروعاً كردياً أممياً مستقلاً خارج الدولة وواجهت القمع والنفي طوال حياة مؤسسها، انقسمت لاحقاً إلى فروع متعددة، بعضها — وأبرزها حركة فتح الله غولن قبل انهيار تحالفها مع السلطة — سعى إلى التحالف مع الدولة التركية والالتحام بأجهزتها، مكرراً بذلك مسار جوك ألب نفسه: مشروع كردي المنشأ ينتصر حين يقبل الذوبان في المشروع التركي ويتخلى عن الإشارة إلى أصله. وفي المقابل، ظل التيار الكردي القومي المسلح، من حزب العمال الكردستاني إلى امتداداته السياسية الشرعية كحزب الشعوب الديمقراطي وخلفه حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (DEM)، خارج السلطة ومواجهاً لها، يتعرض للحظر والملاحقة القضائية والتضييق الأمني، تماماً كما واجهت مشاريع سكوتي وبدرخان قبل قرن كامل.
فالنمط لم يتغير: مشروع واحد ينتصر حين يقبل الالتحام بالسلطة ويتنازل عن هويته المستقلة، بينما تبقى بقية المشاريع — مهما بلغت غزارتها وتنوعها الفكري — خارج الدولة، تُواجَه لا تُستوعَب. وهذا بالضبط ما يجعل استعادة قصة جودت وسكوتي والنورسي وبدرخان وجوك ألب اليوم أكثر من مجرد تمرين تاريخي: إنها مرآة لفهم لماذا لا يزال الحل السياسي في القضية الكردية المعاصرة يراوح بين معادلة الالتحام الكامل بالدولة أو المواجهة الكاملة معها، دون أن يجد له، حتى الآن، طريقاً ثالثاً يعترف بالتعدد دون أن يشترط الذوبان فيه.


لماذا يهم هذا اليوم؟
استعادة هذه المفارقة التاريخية ليست ترفاً أكاديمياً، لأن النمط نفسه الذي رصدناه قبل قرن يتكرر اليوم بحذافيره: الجانب الكردي لا يزال يقدّم الأفكار والمبادرات والحلول السياسية، بينما لا يزال الجانب التركي الرسمي يرد بالسلاح والقوة العسكرية.
فحين طرح عبد الله أوجلان، من عزلته في جزيرة إمرالي، دعوات متكررة لـ"السلام" و"حل الدولة الديمقراطية"، وحين شاركت حركات سياسية كردية شرعية في الانتخابات وقدّمت برامج دستورية تعترف باللامركزية والحقوق الثقافية بدل الانفصال، كان الرد الرسمي التركي، في أغلب الأحيان، عسكرياً وأمنياً: عمليات عابرة للحدود تنفذها الدولة التركية في جنوب وغرب كردستان، وإغلاق بلديات منتخبة بقرارات إدارية وتعيين "وصاة" (kayyum) مكان رؤسائها المنتخبين، وملاحقة قضائية لنواب منتخبين في البرلمان التركي نفسه، وتصنيف الأحزاب الكردية الشرعية ضمن دوائر "الإرهاب" دون تمييز واضح بين العمل السياسي والعمل المسلح.
هذا التكرار ليس مصادفة تاريخية عابرة، بل استمرار للبنية نفسها التي بدأت في عصر التنظيمات، مروراً بعهد جمعية الاتحاد والترقي، وصولاً إلى العقود الأخيرة تحت حزب العدالة والتنمية — وإن شهد هذا العهد الأخير، خلافاً لسابقيه، لحظة تذبذب حقيقية بين الانفتاح والانغلاق تستحق تمييزاً لا إدراجاً في خط قمعي واحد غير متمايز. فطرفٌ اضطرته حرمانه من أدوات الدولة إلى أن يحوّل كل مطلب إلى خطاب سياسي وفكري ومفاوضة، وطرفٌ آخر لم يحتج يوماً إلى تطوير هذه اللغة لأنه يملك أصلاً الجيش والقضاء والإدارة اللازمة لفرض الحسم دون تفاوض.
وما يزيد المفارقة إيلاماً أن اللحظات القليلة التي بدت فيها الدولة التركية جادة في مسار الحل السياسي — كمفاوضات "عملية السلام" بين 2013 و2015، والتي جرت في عهد حزب العدالة والتنمية بالذات — انهارت لا بسبب فشل الطرح الكردي، بل بفعل حسابات سياسية داخلية تركية بحتة، لتعود لغة العمليات العسكرية والحصار والاعتقالات لتحتل المشهد من جديد، مؤكدة أن ميزان الأدوات بين الطرفين — فكر مقابل سلاح — لم يتغير جوهرياً منذ أواخر العهد العثماني حتى اليوم، حتى وإن شهدت بعض الفترات محاولات جادة لكسر هذا الميزان لم تكتمل.
فحين نُعيد قراءة جودت وسكوتي والنورسي وبدرخان وجوك ألب اليوم، لا نقرأ فصلاً مغلقاً من التاريخ، بل نقرأ افتتاحية طويلة لصراع لا يزال مستمراً بالمنطق البنيوي نفسه: طرف يقدّم الأطروحات المتعددة ويتحمل عبء التنظير وحده، وطرف آخر يملك القوة وحدها ليجيب — إلا في اللحظة الوحيدة التي يقبل فيها أحد أبناء الطرف الأول الذوبان الكامل في مشروع الطرف الثاني.


خاتمة
إن غياب "المفكر التركي الديمقراطي التعددي" لم يكن عجزاً فردياً في التفكير، بل كان ضرورة حتمية للنمط المؤسسي والنفسي الذي وُلدت فيه السلطة التركية، سواء في الدولة العثمانية أو في الدولة التركية الحديثة. فقد فرضت ظروف التأسيس العسكرية، وصدمة فقدان الأراضي لاحقاً، تغليب حسم "البندقية والجهاز" على خيار "الفكرة والمفاوضة"، وهو ما يُفسر استمرار الرد الأمني المؤسسي حتى اليوم تجاه أي مشروع سياسي يدعو للامركزية أو التعددية الدستورية.
يؤكد هذا المسار الممتد أن أزمة الحل السياسي ليست ناجمة عن نقص في المبادرات الفكرية أو الخيارات الدستورية، بل عن طبيعة الدولة القومية الناشئة في المنطقة، التي لا تزال ترى في التفاوض والتعددية ضعفاً وتراجعاً، وفي الحسم العسكري والرد المباشر الخيار الأول والأخير لإدارة المجتمع والسياسة.
ويبقى الرهان على قدرة الفكر السياسي في المنطقة على اجتراح "طريق ثالث" يتجاوز أحادية الدولة القومية التقليدية، ويؤسس لنموذج ديمقراطي يعترف بالتعدد الثقافي والقومي كأصل دستوري، لا كتهديد لوجود الدولة.


المصادر والمراجع
أولاً: المراجع باللغة العربية والترجمات
• الصالحي، إحسان قاسم. (1999). بديع الزمان سعيد النورسي: قراءة في سيرة مجدد. إسطنبول: دار النيل.
• النورسي، بديع الزمان سعيد. (2004). كليات رسائل النور (ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط. 4). القاهرة: شركة سوزلر للنشر.
• سلوبي، زنار [قدري جكيل باشا]. (1969). شخصيات ومشاهير كرد (Doza Kurdistan). بيروت: دار الكاتب.
• زقزوق، محمود حمدي. (2002). الفكر الديني وقضايا العصر: قراءة في فكر بديع الزمان سعيد النورسي. القاهرة: دار الشروق.
ثانياً: المراجع باللغات الأجنبية (English & Turkish)
• Ahmad, Feroz. (2014). Turkey: The Young Turks and the Ottoman Nationalities: Armenians, Greeks, Albanians, Jews, and Arabs, 1908–1918. Salt Lake City: University of Utah Press.
• Gökalp, Ziya. (1968). The Principles of Turkism (Türkçülüğün Esasları). Trans. Robert Devereux. Leiden: Brill.
• Hanioğlu, M. Şükrü. (1995). The Young Turks in Opposition. Oxford: Oxford University Press.
• Kieser, Hans-Lukas. (2018). Talaat Pasha: Father of Modern Turkey, Architect of Genocide. Princeton: Princeton University Press.
• Mardin, Şerif. (1962). The Genesis of Young Ottoman Thought: A Study in the Modernization of Turkish Political Ideas. Princeton: Princeton University Press.
• Mardin, Şerif. (1989). Religion and Social Change in Modern Turkey: The Case of Bediüzzaman Said Nursi. Albany: State University of New York Press.
• Özoğlu, Hakan. (2004). Kurdish Notables and the Ottoman State: Evolving Identities, Competing Loyalties, and Shifting Boundaries. Albany: State University of New York Press.
• Vahide, Şükran. (2005). Islam in Modern Turkey: An Intellectual Biography of Bediuzzaman Said Nursi. Albany: State University of New York Press.
• Malmîsanij, M. (1991). Said-i Kurdi ve Kürt Sorunu. Stockholm: Doz Yayınları.
• Markham, Ian S., & Sayilgan, Salih. (2017). The Companion to Said Nursi Studies. London: Brill.



#ايبرام_كفن_سويان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكرد و موازين القوى الإقليمية
- أنثروبولوجيا المكان والصراع على الهوية
- العهر السياسي والعهر الديني
- لاتضع خمرا جديدا في زقاق عتيق


المزيد.....




- لست بحاجة إلى الصراخ..ما المقصود تحديدًا بحانة الاستماع عالي ...
- مبعوث ترامب يلتقي بوتين في روسيا.. هذا ما كل ما نعرفه عما يج ...
- كيف يساعد الماء على تحويل بروتين تاو إلى مدمر للدماغ في ألزه ...
- الأمن الروسي يعتقل مرتزقا ألمانيا قاتل إلى جانب قوات كييف
- كوريا الشمالية: شقيقة كيم تتفقد أعمال تحصين الحدود مع الجنوب ...
- استدعاء نتنياهو ومسؤولين سابقين للإدلاء بشهاداتهم أمام لجنة ...
- مصر.. الداخلية تنشر مقطعا من الفديو -الخادش- لسائحتين بعد ال ...
- احتجاجات فرنسا: انقسام حول المسؤولية عن أعمال الشغب والدروس ...
- بعد أعمال الشغب في ميلانو.. الحكومة الإيطالية تستعين بالجيش ...
- استطلاعات متقاربة وغموض سياسي.. من يشكل الحكومة المقبلة في إ ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ايبرام كفن سويان - حين كانوا يلفون التبغ أمام الجامع الكبير في آمد(دياربكر)