أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عمر عزيم - مقارنة بين مفهوم الأب والبحث عن الهوية في روايتي الطريق واللص والكلاب















المزيد.....

مقارنة بين مفهوم الأب والبحث عن الهوية في روايتي الطريق واللص والكلاب


عمر عزيم
طالب

(Omar Azime)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 00:27
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


يحتل الأب مكانة رمزية مهمة في روايات نجيب محفوظ، لكنه لا يظهر دائمًا في صورة شخصية حاضرة ومؤثرة مباشرة. أحيانًا يكون الأب غائبًا، وأحيانًا يتحول إلى رمز للسلطة أو الأصل أو الاعتراف. ومن خلال هذا الحضور أو الغياب، يناقش محفوظ أزمة الهوية وعلاقة الإنسان بماضيه واختياراته.

أولًا: مفهوم الأب في رواية الطريق

في رواية الطريق، يمثل الأب محور الحكاية ومركز رحلة صابر الرحيمي. فالأب سيد الرحيمي غائب عن حياة ابنه، وصابر لا يعرفه معرفة حقيقية، لكنه يحمّله أهمية استثنائية. لا يبحث صابر عن أبيه بدافع عاطفي فقط، بل يراه بوصفه مفتاحًا للخلاص من الفقر والضياع.

يتخيل صابر أن الأب قادر على منحه المال والمكانة والحماية، ولذلك يصبح البحث عنه بحثًا عن أصل اجتماعي جديد. فالأب بالنسبة إليه ليس شخصًا فحسب، بل رمز للسلطة والاعتراف والأمان.

غير أن غياب الأب يترك فراغًا نفسيًا عميقًا في شخصية صابر. فهو لا يمتلك صورة مستقرة عن نفسه، ولذلك يحاول أن يستمد هويته من رجل لم يعاشره ولم يعرفه. وبدل أن يبني ذاته باستقلال، يظل معلقًا بانتظار أن يمنحه الأب هوية جاهزة.

من هنا، يتحول البحث عن الأب إلى محاولة لتعويض الحرمان. لكن الرواية تكشف أن العثور على الأب، حتى لو تحقق، لن يكون كافيًا لحل أزمة صابر؛ لأن أزمته الحقيقية داخلية، مرتبطة بضعف شخصيته وعجزه عن تحمل مسؤولية أفعاله.

ثانيًا: مفهوم الأب في رواية اللص والكلاب

في رواية اللص والكلاب، لا يقوم الأب بدور المحور الحكائي كما في الطريق، لكن مفهوم الأب يظهر بصورة رمزية وغير مباشرة. فالبطل سعيد مهران يعاني من فقدان الثقة في العالم وفي الأشخاص الذين كانوا يمثلون له نوعًا من الانتماء والمرجعية.

كان سعيد يبحث عن نموذج يستند إليه، فوجد في رؤوف علوان صورة المعلم والمرشد. لم يكن رؤوف أبًا بالمعنى البيولوجي، لكنه أدى في حياة سعيد دورًا قريبًا من دور الأب الرمزي؛ إذ علّمه ووجّهه ومنحه رؤية عن الثورة والعدالة والتمرد. غير أن رؤوف يخونه ويتخلى عن مبادئه، فيشعر سعيد أن الأب الرمزي الذي وثق به قد انهار.

كما أن علاقة سعيد بابنته سناء تكشف جانبًا آخر من مفهوم الأبوة. فبعد خروجه من السجن، يريد سعيد أن يستعيد مكانته في حياة ابنته، لكنه يكتشف أن صورته قد تشوهت في نظرها، وأنها لم تعد تعرفه أو تثق به. وهكذا يتحول سعيد من ابن يبحث عن مرجعية إلى أب عاجز عن استعادة علاقته بابنته.

أما نبوية، زوجته السابقة، وعليش سدرة، الذي استولى على حياته ومكانته، فيمثلان بالنسبة إليه خيانة البيت والأسرة. لذلك لا يشعر سعيد بأنه فقد زوجة وابنة فقط، بل فقد هويته الأسرية والاجتماعية كلها.

ثالثًا: أوجه التشابه بين الروايتين

يتشابه صابر وسعيد في أن كليهما يعاني من أزمة هوية ناتجة عن فقدان الانتماء. صابر محروم من أبيه، وسعيد محروم من أسرته ومكانته السابقة. وفي الحالتين، لا يعيش البطل حاضرًا مستقرًا، بل يظل أسيرًا لماضٍ يشعر أنه سُلب منه.

كذلك يبحث كلاهما عن اعتراف خارجي. صابر يريد أن يعترف به أبوه وأن يمنحه مكانة جديدة، بينما يريد سعيد أن يعترف الآخرون بأنه ما زال صاحب حق ومكانة، لا مجرد لص خارج من السجن.

كما أن الشخصيات الأبويّة في الروايتين لا تؤدي وظيفة الإنقاذ. فالأب الغائب في الطريق لا ينقذ صابر، ورؤوف علوان، الأب الرمزي في اللص والكلاب، يتحول من مصدر إلهام إلى نموذج للخيانة والانتهازية. وهذا يعني أن محفوظ ينتقد اعتماد الإنسان الكامل على سلطة خارجية تمنحه معناه.

رابعًا: أوجه الاختلاف بين الروايتين

يختلف صابر عن سعيد في طبيعة بحثه عن الهوية. صابر يبدأ رحلته بحثًا عن أصل لم يعرفه، ولذلك تتجه حركته إلى الماضي وإلى شخص غائب يريد أن يكتشفه. أما سعيد، فهو يعرف أصله وماضيه، لكنه يشعر بأن الآخرين انتزعوا منه هويته ومكانته. لذلك لا يبحث عن أب مجهول، بل يحاول استعادة ذاته التي يعتقد أنها سُرقت منه.

في الطريق، يرتبط الأب بالبحث عن الأصل والاعتراف الاجتماعي. أما في اللص والكلاب، فترتبط الأبوة بالخيانة والسلطة والمسؤولية. فالعلاقة الأساسية ليست بين ابن وأب غائب، بل بين رجل فقد دوره كأب، وبين ابنة لم تعد قادرة على رؤيته بوصفه مصدرًا للحماية.

كما أن صابر يتجه تدريجيًا نحو الجريمة لأنه يبحث عن طريق سريع لتحقيق ذاته، في حين أن سعيد يدخل عالم الانتقام لأنه يرى الجريمة وسيلة لاستعادة كرامته والرد على من خانوه. ومع ذلك، يثبت محفوظ في الروايتين أن العنف لا يعيد الهوية، بل يؤدي إلى مزيد من العزلة والضياع.

خامسًا: الأب بوصفه رمزًا للسلطة

في الطريق، يمثل الأب سلطة غائبة يتخيلها صابر قادرة على تنظيم حياته. إنه يبحث عن شخص يمنحه القانون والمعنى والحماية.

أما في اللص والكلاب، فتظهر السلطة الأبوية في صورة أكثر تعقيدًا. رؤوف علوان يمثل سلطة الفكر والتوجيه، لكنه يفقد شرعيته الأخلاقية عندما يتخلى عن مبادئه. وسعيد نفسه يريد أن يمارس سلطة الأب على ابنته، لكنه يفشل لأنه فقد الاستقرار والثقة والقدرة على الحماية.

وبذلك يبين محفوظ أن السلطة لا تصبح شرعية لمجرد أنها سلطة؛ بل تحتاج إلى الصدق والوفاء والمسؤولية. الأب الذي يخون أو يغيب أو يعجز عن حماية أبنائه يتحول إلى مصدر للاضطراب بدلًا من أن يكون مصدرًا للأمان.

سادسًا: البحث عن الهوية بين الماضي والحاضر

في الطريق، يتوهم صابر أن هويته موجودة في ماضي أبيه، وأن معرفة الأصل ستمنحه مستقبلًا أفضل. لكن الرواية توضح أن الإنسان لا يستطيع أن يستعير هويته من شخص آخر.

وفي اللص والكلاب، يتشبث سعيد بماضيه الثوري وبصورته القديمة عن نفسه. إنه يرفض أن يقبل التحولات التي طرأت على المجتمع وعلى الأشخاص من حوله، ولذلك يظل عالقًا في صورة سابقة لنفسه. فهو لا يبحث عن أبيه، لكنه يبحث عن سعيد القديم، الرجل الذي كان يملك أسرة ومكانة وقضية.

في الروايتين، يؤدي التعلق بالماضي إلى تعطيل الحاضر. صابر يريد أن يصبح ابن أبيه، وسعيد يريد أن يستعيد صورته القديمة، لكن كليهما لا ينجح في بناء هوية جديدة قائمة على الوعي والمسؤولية.

سابعًا: دور الأبوة في كشف فشل البطل

تكشف رواية الطريق أن صابر فشل لأنه أراد أن يكون ابنًا قبل أن يكون إنسانًا مستقلًا. لقد انتظر أن يمنحه الأب ما لم يستطع أن يبنيه بنفسه.

أما رواية اللص والكلاب فتكشف فشل سعيد من خلال عجزه عن أن يكون أبًا لابنته. فهو يطالب الآخرين بالوفاء، لكنه لا يستطيع أن يقدم لابنته الأمان والاستقرار. وهنا تظهر مفارقة مهمة: سعيد يشعر بأنه ضحية خيانة الآخرين، لكنه لا ينتبه إلى أن سلوكه العنيف يجعله مصدر خوف واضطراب لمن حوله.

خلاصة المقارنة

يمثل الأب في الطريق غياب الأصل والاعتراف، بينما يمثل في اللص والكلاب انهيار السلطة الأبوية وفقدان الثقة. صابر يبحث عن أب يمنحه هوية، وسعيد يحاول استعادة مكانته كأب ورجل وصاحب قضية.

لكن الروايتين تلتقيان في فكرة أساسية، وهي أن الهوية لا تُبنى بالاعتماد على الأب أو الأسرة أو الماضي وحده. فالأب قد يمنح الإنسان بداية، لكنه لا يستطيع أن يختار عنه طريقه. كما أن فقدان الأب أو انهيار صورته لا يبرر التخلي عن المسؤولية.

ومن خلال صابر وسعيد، يؤكد نجيب محفوظ أن البحث الحقيقي عن الهوية يجب أن يتحول من انتظار الاعتراف الخارجي إلى مواجهة الذات. فالإنسان لا يصبح نفسه بمجرد معرفة أصله أو الانتقام ممن ظلمه، بل عندما يعي اختياراته ويتحمل نتائجها ويجد معنى لحياته بعيدًا عن الوهم والعنف.



#عمر_عزيم (هاشتاغ)       Omar_Azime#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحليل رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر (2006)
- تحليل رواية «تراب الماس» لأحمد مراد (2010)
- قراءة نقدية في قصيدة عيون الأموات لنازك الملائكة
- تحليل رواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق
- تحليل رواية يوميات نائب في الأرياف
- تحليل حضور المدينة في رواية محاولة بقاء للكاتب الحسين افقير
- سردية الإنسان المهدد في رواية محاولة بقاء للكاتب الحسين افقي ...
- ملحمة الحرية والكرامة رحلة البطل «رحو» للكاتب محمد بويكضارن
- قراءة نقدية مقارنة بين «جمهرة العرب» و«جمهرة اللغة» لابن دري ...
- نزار قباني: نقد شعر المرأة
- بين عملة زيكولا ورأس المال البشري في الواقع
- الغانية اللعوب: حين يتحول الحب إلى صراع بين الرغبة والواجب
- تحليل أكاديمي معمق لرواية محاولة بقاء للحسين أفقير
- تحليل رواية «محاولة بقاء» من منظور سوسيولوجي
- مقاربة سوسيولوجية لرواية محاولة بقاء للكاتب الحسين افقير
- انتصار للطبقة الكادحة ونقد للاستغلال الرأسمالي في رواية محاو ...
- تحليل رواية «الأسود يليق بك» لأحلام مستغانمي
- محاولة بقاء للكاتب الحسين افقير قراءة نقدية
- البؤساء حين يصبح القانون أقل إنسانية من المجرم
- تحليل رواية -الريح الشتوية- للكاتب مبارك ربيع


المزيد.....




- شاهد.. سياح يشقون طريقهم وسط الاحتجاجات في شوارع باريس
- -شات EGYPT-.. منصة مصرية رسمية لرصد الشائعات باستخدام الذكاء ...
- بزشكيان يبلغ رئيس الأركان الباكستاني شرط طهران لاستئناف المف ...
- ترامب: روسيا تمتلك موارد بشرية هائلة مقارنة بأوكرانيا وحان ا ...
- سقوط 7 قتلى منذ فجر اليوم برصاص الجيش الإسرائيلي في قطاع غز ...
- ترامب وإيران.. صفقة هرمز أو عودة للحرب
- روسيا وأوزبكستان تبدآن مناورات -خامكورليك-2026- لمكافحة التش ...
- رسائل موسكو في الخليج
- صحفي أمريكي انضم إلى قوات -أحمد- الروسية يروي تفاصيل تدريبه ...
- أبرز ما يميز هاتف هواوي القادم القابل للطي


المزيد.....

- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عمر عزيم - مقارنة بين مفهوم الأب والبحث عن الهوية في روايتي الطريق واللص والكلاب